شرح قصيدة سيدي الإمام علي زين العابدين بن سيدنا الحسين الشهيد رضي الله عنهم أجمعين

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • أسامه بن سعيد العنقاوي
    طالب علم
    • Feb 2008
    • 35

    #1

    شرح قصيدة سيدي الإمام علي زين العابدين بن سيدنا الحسين الشهيد رضي الله عنهم أجمعين

    الحمد لله رب العالمين ، ملء السماوات وملء الأرض ، وملء ما بينهما ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له ، يحي ويميت ، وهو حي لا يموت ، بيده الخير وهو على كل شئ قدير ، وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا محمدا عبده ورسوله ، وصفيه وخليله ، القائل ( لَمْ يَلْقَ ابْنُ آدَمَ شَيْئًا قَطُّ مُذْ خَلَقَهُ اللَّهُ أَشَدَّ عَلَيْهِ مِنْ الْمَوْتِ ثُمَّ إِنَّ الْمَوْتَ لَأَهْوَنُ مِمَّا بَعْدَهُ )[ أحمد 12156 ] ، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله الأطهار وأصحابه الأخيار .
    أما بعد فيا عباد الله : فبمناسبة سفر الناس من بلد إلى بلد في أوقات مختلفة ، سأتحدث لكم اليوم عن السفر في الإسلام .
    أيها المؤمنون : السفر فى الإسلام قسمان ؛ سفر طويل وسفر قصير ، يقول الله تعالى فى السفر القصير : ( هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه 00 ) [ تبارك 15 ] ويقول تعالى في السفر الطويل
    ( يا أيها ا الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه )[ الانشقاق 6] ذاهب بجد إلى ربك ، و" كدحا " أي أن الإنسان ذاهب وممعن فى الذهاب" فملاقيه" فلابد من الموت ، فهو نهاية المخلوقات جميعها .
    سفري بعيدٌ وزادي لا يُبلغني وقَسْمَتِي لم تزل والموت يطلبني
    فأول محطة في محطات السفر الطويل الاحتضار وسكرات الموت .
    كأنني بين تلك الأهلِ مُنطرحا * على الفراشِ وأيديهمْ تُقلِبني
    وقد أتوا بطيبٍ كي يُعالجني * ولم أرَ من طبيبِ اليومِ ينفعني
    واشتدَّ نَزْعِي وصارَ الموتُ يجذبُها* من كل عرقٍ بلا رفقٍ ولا هَوَنِ
    والاحتضار محطة حرجة صعبة ، وعقبة كـــؤد، تتزلزل فيها عقول العقلاء، و لا ينجوا منها بعد فضل الله إلا الأتقياء البعيدون عن المعاصي في أيام حياتهم ، لأن المؤمن الصادق يخشى سوء الخاتمة ، ولذلك كان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم يدعو الله بدعاء القرآن : ( ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ) [ آل عمران : 8] أي لا تزغ قلوبنا عند الموت بعد إذ هديتنا قبل ذلك زمانا طويلا ، وكان يقول أيضا  ( إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ الْبُرْهَةَ المدة الطويلة - مِنْ عُمُرِهِ بِالْعَمَلِ الَّذِي لَوْ مَاتَ عَلَيْهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ فَإِذَا كَانَ قَبْلَ مَوْتِهِ تَحَوَّلَ فَعَمِلَ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ فَمَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ الْبُرْهَةَ مِنْ عُمُرِهِ بِالْعَمَلِ الَّذِي لَوْ مَاتَ عَلَيْهِ دَخَلَ النَّارَ فَإِذَا كَانَ قَبْلَ مَوْتِهِ تَحَوَّلَ فَعَمِلَ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمَاتَ فَدَخَلَ الْجَنَّةَ ) [ أحمد 13283] . وقال نبي الله عيسى ابن مريم عليهما السلام : "يا معشر الحواريين ادعوا الله أن يهون عليكم هذه السكرة" يعني سكرات الموت. [ من تفسير القرطبي عند هذه الآية ]. ولما حضرة الوفاة رسولَ الله قال ( اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى سَكَرَاتِ الْمَوْتِ ) [ أحمد 23835 ] ولما احتضر أبو بكر رضي الله عنه جاءت عائشة رضي الله عنها فتمثلت بهذا البيت :
    لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر
    فكشف عن وجهه وقال رضي الله عنه ليس كذلك ولكن قولي "وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد" أي أن ساعة السكرات واقعة لا محالة فيها
    وعلى من حضر أجله أن يغَّلِبَ حسن الظن بالله ورجاء مغفرته والوثوق بسعة رحمة الله تعالى فعَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَى شَابٍّ وَهُوَ فِي الْمَوْتِ فَقَالَ كَيْفَ تَجِدُكَ؟ قَالَ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنِّي أَرْجُو اللَّهَ ، وَإِنِّي أَخَافُ ذُنُوبِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبِ عَبْدٍ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْطِنِ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ مَا يَرْجُو وَآمَنَهُ مِمَّا يَخَافُ) [الترمذي 983]
    ويدعو المحتضر لنفسه ويدعو له من حوله فعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ وَقَدْ شَقَّ بَصَرَهُ فَأَغْمَضَهُ فَصَيَّحَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِهِ فَقَالَ لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَبِي سَلَمَةَ وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِّينَ وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ فِي الْغَابِرِينَ وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ رَبَّ الْعَالَمِينَ اللَّهُمَّ افْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ [أبو داود 3118]
    ويسن توجيه المحتضر إلى القبلة ، وقرءاة " سورة يس " لقول النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اقْرَءُوا يس عَلَى مَوْتَاكُمْ )[ أبو داود 3121] ، وتذكيره بالشهادتين ففي الحديث الصحيح قال  ( لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ )[ مسلم 916 ] .
    فإذا فاضت الروح ، وبلغت الروح الحلقوم ، وعاين المحتضر ملك الموت وأعوانه ، انقطع عن الدنيا وانتقل إلى ما يسمى بعالم البرزخ والأرواح
    واستخرجَ الروحَ مني في تَغَرْغُرِها * وصَارَ الحلقُ مرًا حين غَرْغَرَنِي
    وغمَّضُونِي وراحَ الكُلُ وانصرفُوا *بعدَ الإياسِ وجدُّوا في شِرَا كفني
    ((فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83)وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (84)وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (85)فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (86)تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (87)فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88)فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ (89)وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (90)فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (91)وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (92)فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (93) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (94)إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (95)فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (96) الواقعة . سبحان ربى العظيم . سبحان رب العزة والجبروت . سبحان من يقول للشيء كن فيكون .
    عباد الله والمحطة الثانية من محطات السفر الطويل صعود روح المؤمن إلى السماء ، ووقوفها بين يدي الله تعالى ، ومعرفة مقامها في الجنة يقول عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنْ الدُّنْيَا، وَإِقْبَالٍ مِنْ الْآخِرَةِ نَزَلَ إِلَيْهِ مَلَائِكَةٌ مِنْ السَّمَاءِ بِيضُ الْوُجُوهِ كَأَنَّ وُجُوهَهُمْ الشَّمْسُ مَعَهُمْ كَفَنٌ مِنْ أَكْفَانِ الْجَنَّةِ وَحَنُوطٌ مِنْ حَنُوطِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَجْلِسُوا مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ عَلَيْهِ السَّلَام حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَيَقُولُ أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ اخْرُجِي إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ قَالَ فَتَخْرُجُ تَسِيلُ كَمَا تَسِيلُ الْقَطْرَةُ مِنْ فِي السِّقَاءِ فَيَأْخُذُهَا فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَأْخُذُوهَا فَيَجْعَلُوهَا فِي ذَلِكَ الْكَفَنِ وَفِي ذَلِكَ الْحَنُوطِ وَيَخْرُجُ مِنْهَا كَأَطْيَبِ نَفْحَةِ مِسْكٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ قَالَ فَيَصْعَدُونَ بِهَا فَلَا يَمُرُّونَ يَعْنِي بِهَا عَلَى مَلَإٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا قَالُوا مَا هَذَا الرُّوحُ الطَّيِّبُ فَيَقُولُونَ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ بِأَحْسَنِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانُوا يُسَمُّونَهُ بِهَا فِي الدُّنْيَا حَتَّى يَنْتَهُوا بِهَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَسْتَفْتِحُونَ لَهُ فَيُفْتَحُ لَهُمْ فَيُشَيِّعُهُ مِنْ كُلِّ سَمَاءٍ مُقَرَّبُوهَا إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي تَلِيهَا حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ اكْتُبُوا كِتَابَ عَبْدِي فِي عِلِّيِّينَ وَأَعِيدُوهُ إِلَى الْأَرْضِ فَإِنِّي مِنْهَا خَلَقْتُهُمْ وَفِيهَا أُعِيدُهُمْ وَمِنْهَا أُخْرِجُهُمْ تَارَةً أُخْرَى ) فتنزل الملائكة إلى دار الميت المؤمن لتحضر غسله .
    والمحطة الثالثة يا عباد الله في السفر الطويل تغسيل الميت : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا وَكَفَّنَهُ وَحَنَّطَهُ وَحَمَلَهُ وَصَلَّى عَلَيْهِ وَلَمْ يُفْشِ عَلَيْهِ مَا رَأَى خَرَجَ مِنْ خَطِيئَتِهِ مِثْلَ يَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ )[ ابن ماجه 1462 ]
    وفي هذه المحطة ليس فيها للميت يد تبطش ، ولا رجل تمشى ، العينان غارتا ، والفم أغلق ، و الأعضاء انكمشت ، و الجسم تخشب .
    وقام من كان أولى الناسِ في عجلٍ*إلى المغسل يأتيني يغسلني
    وقال ياقومُ نبغي غاسلا حذقا *حُرا أديبا أريبا عارفا فطني
    فجاءني رجلٌ منهمْ فجردني * من الثياب واعْراني وأفردني
    واطَّرحوني على الألواح منفردا *وصار فوقي خرير الماءِ ينظفني
    وأسكب الماءَ من فوقي وغسلني *غَسْلا ثلاثا ونادي القومَ بالكفن
    ابن آدم أكنت ترض بأن يخلع ثيابك أحد ؟! اليوم يغسلك المغسل بعد أن يخلع ثيابك واحدا واحدا ، ويقلبك على خشبه الغسل عريانا .
    اذكر هذه الساعة والمغسل قد أقعدك على خشبة الغسل لا حول لك ولا قوة . أين أولادك وبناتك ؟ أين اليتامى ؟ أبوهم قد أغلقت عليه غرفة الغسل .

    يا ابن آدم تذكر حين يضع المغسل يده على بطنك ، ويظغط عليها ، وأنت لا تقوى على أن تقول شيئا .
    ما لليتامى أصبحوا على موائد اللئام ضياعا ، ما للعيون لا تدمع ، ما للآذان لا تسمع ، ما للقلوب لا تخشع ، ما لنا نسينا هذه الساعة ، وضيعناها، وبددناها ، وما ذكرناها .
    هكذا يا ابن آدم تجردت من كل شيء فى الدنيا، حتى ثيابك تركتها ، وجيء لك بثوب جديد يسمى الكفن ، وهو ثوب لا يشبه ثياب الدنيا، ولا ثياب بعده ، وأنت الذي كنت تغير الثياب فى اليوم مرتين ..
    وألبسوني ثيابا لا كُمُـوم لها * وصار زادي حَنُوطًا حين حنطني
    ثم تذكر يا ابن آدم حين يحملك الرجال على الأعناق ، ثم توضع ليكبر عليك أربع تكبيرات وهي المحطة الربعة في سفرك الطويل يا ابن آدم .
    وقدموني إلى المحراب وانصرفوا * خلف الإمام فصلى ثم ودعني
    صلَّوا علىَّ صلاةً لا ركوع لها * ولا سجودَ لعَّل الله يرحَمُنِي
    ولنقف قليلا هنا لنعَّرِفَ بصفة الصلاة على الميت تذكيرا للمؤمنين ، وهي أربع تكبيرات يقرأ بعد الأولى الفاتحة ، وبعد الثانية الصلاة الإبراهيمية ، وبعد الثالثة الدعاء للميت ، وبعد الرابعة سكتة ثم سلام واحد على جهة اليمين . قال  ( مَنْ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا وَيَفْرُغَ مِنْ دَفْنِهَا فَإِنَّه يَرْجِعُ مِنْ الْأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ )[ البخاري 47 ].
    عباد الله وأكمل الحديث عن السفر الطويل بعد جلسة الاستراحة فاتقوا الله أيها المؤمنون لعلكم تفلحون . نفعني الله وإياكم بهدي كتابه المبين ، وسنة رسوله الأمين ، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفره إنه هو الغفور الرحيم .
    ***الحمد لله على كل حالة ، وأشهد ألا إله إلا الله المنزه عن مشابهة المخلوقين في صفاته وفعاله ، وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله مزيل الضلالة ، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه الذين كانوا مع صحبتهم وصلاحهم وتقواهم يخافون سوء الخاتمة ويرجون رحمة الله تعالى .
    أما بعد فيا عباد الله : والمحطة الخامسة في سفرك يا ابن آدم الساعة التي تحمل فيها على النعش إلى مثواك الأخير قال  ( إِذَا وُضِعَتْ الْجِنَازَةُ وَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَالَتْ قَدِّمُونِي وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ قَالَتْ يَا وَيْلَهَا أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الْإِنْسَانَ وَلَوْ سَمِعَهُ صَعِقَ ) [ البخاري 1314 ]
    وإذا وصلت إلى المقابر تذكر يا ابن آدم أنك ستبقى وحدك ويبقى معك عملُك قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتْبَعُ الْمَيِّتَ ثَلَاثَةٌ فَيَرْجِعُ اثْنَانِ وَيَبْقَى مَعَهُ وَاحِدٌ يَتْبَعُهُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَعَمَلُهُ فَيَرْجِعُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَيَبْقَى عَمَلُهُ [ البخاري 6514 ] .
    والمحطة السادسة في سفرك الطويل لما تُنْزَل إلى قبرك ويهال عليك التراب قال عنها رسول الله  ( فَإِذَا دُفِنَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ قَالَ لَهُ الْقَبْرُ مَرْحَبًا وَأَهْلًا أَمَا إِنْ كُنْتَ لَأَحَبَّ مَنْ يَمْشِي عَلَى ظَهْرِي إِلَيَّ فَإِذْ وُلِّيتُكَ الْيَوْمَ وَصِرْتَ إِلَيَّ فَسَتَرَى صَنِيعِيَ بِكَ قَالَ فَيَتَّسِعُ لَهُ مَدَّ بَصَرِهِ وَيُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى الْجَنَّةِ ) .
    وأنزلوني في قبري على مهل * وأنزلوا واحدا منهمُ يلحِّدُني
    وكشف الثوب عن وجهي لينظرني * وأسبل الدمع من عينيه أغرقني
    فقام محتلاما بالعزم مشتملا * وصفف اللَّبنَ من فوقي وفارقني
    وقال هلُّوا عليه التُرب واغتنموا * حسن الثواب من الرحمن ذي المنن
    في ظلمة القبر لا أمَّ هناك ولا * أبٌ شفيقٌ و لا أخٌ يؤنسني
    فإذا وصلت إلى المرحلة السابعة والأخيرة من سفرك الطويل وذهب عنك الأهل والأولاد والأحباب وتركت في القبر وحدك جاءك الملكان يسألانك عن أسئلة لو سئلت عنها الآن أجبت ، لكنها هناك لايجيب عنها إلا من يثبته الله تعالى ، هذه المحطة قال  فيها و ( تُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسدِهِ فَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ مَنْ رَبُّكَ فَيَقُولُ رَبِّيَ اللَّهُ فَيَقُولَانِ لَهُ مَا دِينُكَ فَيَقُولُ دِينِيَ الْإِسْلَامُ فَيَقُولَانِ لَهُ مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ فَيَقُولُ هُوَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقُولَانِ لَهُ وَمَا عِلْمُكَ فَيَقُولُ قَرَأْتُ كِتَابَ اللَّهِ فَآمَنْتُ بِهِ وَصَدَّقْتُ ) [ أحمد 18063 ] .
    وهالني صورة في العين إذ نظرت * من هول مطلع ما قد كان أدهشني
    من منكر ونكير ما أقول لهم * إذ هالني منهما ما كان أفزعني
    فإن أجبت يا ابن آدم فزت فوزا عظيما اسمع ما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حق الفائزين (فَيُنَادِي مُنَادٍ فِي السَّمَاءِ أَنْ صَدَقَ عَبْدِي فَأَفْرِشُوهُ مِنْ الْجَنَّةِ وَأَلْبِسُوهُ مِنْ الْجَنَّةِ وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ قَالَ فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا وَطِيبِهَا وَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ قَالَ وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ حَسَنُ الْوَجْهِ حَسَنُ الثِّيَابِ طَيِّبُ الرِّيحِ فَيَقُولُ أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّكَ هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ فَيَقُولُ لَهُ مَنْ أَنْتَ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالْخَيْرِ فَيَقُولُ أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ فَيَقُولُ رَبِّ أَقِمْ السَّاعَةَ حَتَّى أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي وَمَالِي ) [ أحمد 18063 ] .
    عباد الله هذه هي مراحل السفر الطويل الذي سيسافره كل فرد منا فاتقوا الله عباد الله وأعدوا العدة لهذا السفروقولوا مثل ماقال على زين العابدين :
    فامنن عليَّ بعفو منك يا أملى * فإنني موثقٌ بالذنبِ مرتهنِ
    تقاسم الأهلُ مالي بعد ما انصرفوا * وصار وزري على ظهرِي فأثقلني
    فلا تغرنَّك الدنيا وزينتُها * وانظر إلى فعلها في الأهل والوطن
    وانظر إلى من حوى الدنيا بأجمعِها * هل راح منها بغير الزادِ والكفن ؟
    خذ القناعة من دنياك وارضَ بها * لو لم يكن لك إلا راحةُ البدن
    يا نفس كفي عن العصيان واكتسبي * فعلا جميلا لعل الله يرحمني
    جمع وترتيب الفقير إلى رحمة الله /أسامة بن سعيد العنقاوي المكي الحسني 23/12/1419هـ
يعمل...