الحمد لله الذي ظهر لأوليائه بنعوت جلاله ، وأنار قلوبهم بمشاهدة صفات كماله ، السميع الذي يسمع ضجيج الأصوات بإختلاف اللغات على تفنن الحاجات ، فلا يشغله سمع عن سمع ، ولا تغلطه المسائل ، ولا يتبرم بإلحاح الملحين في سؤاله ، البصير الذي يرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء حيث كانت من سهله أو جباله ، وألطـف من ذلك رؤيته لتقلب قلب عبده ، ومشاهدته لاختلاف أحواله ، وأشهد ألا إله إلا الله ، نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ فَوَجَدَ قَلْبَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ فَاصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ فَابْتَعَثَهُ بِرِسَالَتِهِ ثُمَّ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ بَعْدَ قَلْبِ مُحَمَّدٍ فَوَجَدَ قُلُوبَ أَصْحَابِهِ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ فَجَعَلَهُمْ وُزَرَاءَ نَبِيِّهِ يُقَاتِلُونَ عَلَى دِينِهِ ( أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ 3589)، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين .
أما بعد فيا عباد الله فأوصيكم وإيايَّ بتقوى الله والاعتصام بكتاب الله عز وجلّ ، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما عليه سلفكم الصالح من الأئمة الراشدين المهديين ، والفقهاء والصالحين .
أيها الناس في تيار الأيام ، ودورة الـفلك ، وصخب الحياة وشغلها ، يرى كلُّ مسلم أن الناس إلا من رحم الله - قد غلبت على أنفسهم ماديات الحياة وزخرفها ، وتزينت الدنيا لهم بأبهى مظاهر الزينة ، وأظهرت من مفاتنها ما أغرى النفوس والقلوب ؛ فتهافتت عليها من كل ناحية وصوب لاهثة راغبة في مكسب أكبر قدر من مظاهرها ومفاتنها ، حتى تربـعت الدنيا على القلوب واستوت على سويدائـها ، وقد عاد هذا الأمر الخطير على واقع القلوب بالهزيمة ، والضعف في أوصاله ، وسرت أمراضٌ ما كان لها أن تجد لها مدخلا إلى صرحه ؛ لو كان الإيمان سلاحُه واليقين بردُه وأمنُه .
والقلب ما سمي بذلك إلا لكثرة تقلبه من حال إلى حال وهو كما وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم ( مَثَلُ القلبِ مثل الريشة ، تقلبها الرياحُ بفلاة ) ابن ماجه (88) .فهنا يصور لنا الرسول صلى الله عليه وسلم القلب وأنه ريشةٌ لخفته ولتأثير الفتن عليه ، صغيرها وكبيرها ، تماماً مثل الريشة التي تؤثر فيها أقل النسمات فتغير اتجاهها ، ولتيقن الرسول صلى الله عليه وسلم لهذه الحقيقة كان صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول " يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك . فقال أنس : يا رسول الله آمنا بك وبما جئت به فهل تخاف علينا قال نعم إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله يقلبها كيف يشاء" الترمذي ( 2140)أي إن الله يتصرف في قلوب عباده كيف يشاء لا يمتنع عليه شيء منها .
عباد الله : والـقلوب قسمان ؛ قَالَ : حُذَيْفَةُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ" تُعْرَضُ الْـفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتْ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ، وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مر بادا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ " مسلم (144) .
أيها المؤمنون : ويتبين من الحديث أن القلوب تنقسم إلى قسمين ، قلوب بيضاء ،وقلوب سوداء- وفي هذه الخطبة سأقصر الكلام على القلوب البيضاء، وأما القلوب السوداء فإني سوف أفصل الكلام فيها في الجمعة القادمة إن شاء الله تعالى .
عباد الله : وتختلف درجات السواد والبياض في كل قسم بمقدار ما أشرب من فتن ، وبمقدار بعد هذا القلب وبالتالي صاحبه عن القرآن والسنة وما عليه سلــف الأمة من أئمة المذاهب المتبوعة الأربعة التي تلقتها الأمة بالقبول رضي الله عنهم.
وعليه فإن كل قسم من هذين القسمين يضم أنواعا من القلوب فالقسم الأول القلوب البيضاء؛ ويأبى صاحب هذا القلب أن يفتح مسامات قلبه لغير الحق ، وإذا تعرض لفتنة وابتلاء وامتحان واختبار، وتحول من حال حسنة إلى سيئة ، انكمشت مسامات قلبه إلى درجة الانغلاق التام بسبب إنكارِه ورده لها فيُنكت في قلبه نكتةٌ بيضاء أي ينقط في قلبه نقطةٌ بيضاء ، ومع توالي الفتن التي هي كأعواد الحصير في تتابعها كما ينسج الحصير عودا عودا وشظية بعد أخرى ، وناسجُ الحصير كلما صنع عودا أخذ آخر ونسجه ، فشبه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عرضُ الفتن على القلوب واحدة بعد أخرى بعرض قضبان الحصير على صانعها واحدا بعد واحد ، وصاحب القلب الأبيض مع استمرار الإنكار لها ينتشر البياض على قلبه ، حتى يغطيه ، ثم يكتسب خاصية الصلابة حتى يكون مثل الصفا وهو الحجر الأملس الذي لا يعلق به شيء، وليس تشبيهُهُ بالصفا بيانا لبياضه لكن لصفة أخرى ، وهي لشدته على عقد الإيمان وسلامته من الخلل ، وأن الفتن لم تلصق به ولم تؤثر فيه كالصفا ، وهو الحجر القوي الصلب الأملس الذي لا يعلق به شيء، ومع ذلك فقد تنتابُ صاحبُ هذا القلبِ فترات من الضعف والغفلة الآنية ، تلك الغفلة التي شبهها الرسول صلى الله عليه وسلم بالسحابة ، إذ يقول : ( ما من القلوب قلب إلا وله سحابةٌ كسحابة القمر ، بينما القمر يضيء إذ علته سحابةٌ فأظلم ، إذ تجلت )أخرجه الطبراني.
إن أحجام السحب ليست واحدة ، فمرةً نراها ممتدةٌ طويلة تغطي ذلك القمر المضيء لفترة ثم تنجلي ، وأخرى نراها صغيرةً جدا لا تغطي تلك الأنوارِ المنبعثةِ من القمر إلا اللحظات ، وأخرى نراها معتمة ، وأخرى بيضاءُ شفافةٌ يرى من ورائها القمر ، وهذه الأنـواع المتعددة من السحب ، هي في ذاتِها تمثل العوارض التي تَعْتَرضُ أصحابَ القلوب البيضاء ، ولكنها كلَّها تزول بإذن الله وتنجلي السحابة عن القمر المضيء فتعود أشعتَه تخترق القلوب وتنير لأصحابها الحق الذي لا تشوبه فتنة .
ولهذا السبب اختلفت أنواع القلوب البيضاء ، ويؤكد ذلك قولَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : ( القلوب أوعية وبعضها أوعى من بعض )أخرجه أحمد( 6655).
ومن أقسام القلوب البيضاء القلوب المطمئنة : يقول الله سبحانه وتعالى (الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب )الرعد 28 . والطمأنينة سكون القلب إلى الشيء وعدم اضطرابه وقلقه فإن القلب لا يطمئن إلا بالإيمان واليقين ولا سبيل إلى حصول الإيمان واليقين إلا من القران والسنة. فإن سكون القلب وطمأنينته من يقينه ، واضطرابه وقلقه من شكه ، فإن صاحب هذا القلب لا يضطرب ولا يقلق عندما يصاب بمصيبة وابتلاء بسبب ما يعتقد أن ذلك فتنةٌ من الله واختبار .
ومن أقسام القلوب البيضاء القلوب السليمة : يقول الله سبحانه وتعالى
إلا من أتى الله بقلب سليم ) الشعراء (89 ). والقلب السليم الصحيح ؛ هو قلب المؤمن ، لأن قلب الكافرَ والمنافقَ مريض ، وهو القلب الخالي من البدعة المطمئن إلى القرآن السنة، وهو قلب سليم من آفة الافتتان والفخر بالمال والبنين ، قال الإمام الجنيد رحمه الله ( السليم في اللغة ، اللديغ ؛ فمعناه أنه قلبه كاللديغ من خوف الله ) .
فصاحب هذا القلب هو من تجمعت فيه هذه الصفات ، فهو ذو قلب سليم خالص من آفات المال وفتنته وجوا ذب الدنيا وفتنتها ، خال من البدع مطمئن إلى الإيمان ، خائف من الله .
ومن أقسام القلوبِ البيضاء القلوبُ المنيبة : يقول الله سبحانه وتعالى : (من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب )ق 33 أي مقبل على الطاعة، وحقيقة الإنابة عكوف القلب على طاعة الله ومحبته والإقبال عليه.
ومن أقسام القلوب البيضاء القلوب الوجلة : يقول الله سبحانه وتعالى : ( إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم )الأنفال ( 2 ). والوجل ، الخوف والفزع ، والمراد أن حصول الخوف من الله والفزع منه عند ذكره هو شأن المؤمنين الكاملي الإيمان المخلصين لله ، والذي إذا أراد أن يظلم مظلمة فقيل له اتق الله ، كف ووجل قلبُه ، ونستخرج من ذلك ، أن صاحب هذا القلب يتفاعل مع الموعظة ، ويخاف عندما يُذَّكر بالله ، ويكف عن المظلمة لحساسيته الكبيرة ، ومحاسبته لنفسه تخوفا من عقاب الله.
ومن أقسام القلوب البيضاء القلوب المخبتة : يقول الله سبحانه وتعالى ( فتخبت له قلوبُهم ) الحج (54 )، أي تخشع وتسكن وتنقاد ، والمخبتين من عباده أي المتواضعين الخاشعين المخلصين ، وهم الذين لا يظلمون غيرَهم وإذا ظلمهم غيرُهم لم ينتصروا، بل يكظمون الغيظ طلبا للثواب المترتب عليه من الله عز وجل .
ومن أقسام القلوب البيضاء القلوب المقشعرة اللينة : يقول الله سبحانه وتعالى
اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ)الزمر(22)، قال الزجاج : إذا ذكرت آيات العذاب اقشعرت جلود الخائفين لله (ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ)إذا ذكرت آيات الرحمة .
أيها المؤمنون : وبعد هذا العرض لأقسام القلوب البيضاء ، والوقوف على صفاتها ، لابد لكل منا ، أن يحاسب نفسه ، ويسألها ويطيل السؤال ، حتى يعلم قلبَه من أي الأقسام ؟ فإذا وجد أن قلبه من الأقسام التي مرت بنا، فليحمد الله وليطلب من الله المزيد والثبات على ذلك ، وليكثر من التمسك بكتاب الله وسنة رسوله في نياته وأفعاله وأقواله ، وليصفِ قلبه من الغل والحقد والحسد وأمراض القلوب الأخرى ، وليجلس مع العلماء والصالحين ، وليكثر من قول الرسول " يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك " " يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك " حتى يلقى الله على ذلك ، وإن لم يجد أن قلبه من أقسام القلوب البيضاء فليضرع ولبيتهل إلى الله حتى يتوب عليه مما جعل قلبه أسودا، ويجعل قلبه من القلوب البيضاء .
قال رسول الله " يَا أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا وَاعْقِلُوا وَاعْلَمُوا أَنَّ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عِبَادًا لَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ وَلَا شُهَدَاءَ يَغْبِطُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ عَلَى مَجَالِسِهِمْ وَقُرْبِهِمْ مِنْ اللَّهِ ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ الْأَعْرَابِ مِنْ قَاصِيَةِ النَّاسِ وَأَلْوَى بِيَدِهِ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ نَاسٌ مِنْ النَّاسِ لَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ وَلَا شُهَدَاءَ يَغْبِطُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ عَلَى مَجَالِسِهِمْ وَقُرْبِهِمْ مِنْ اللَّهِ انْعَتْهُمْ لَنَا يَعْنِي صِفْهُمْ لَنَا فَسُرَّ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسُؤَالِ الْأَعْرَابِيِّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُمْ نَاسٌ مِنْ أَفْنَاءِ( أشتات ) النَّاسِ وَنَـوَازِعِ الْقَبَائِلِ لَمْ تَصِلْ بَيْنَهُمْ أَرْحَامٌ مُتَقَارِبَةٌ تَحَابُّـوا فِي اللَّهِ وَتَصَافَوْا يَضَعُ اللَّهُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ فَيُجْلِسُهُمْ عَلَيْهَا فَيَجْعَلُ وُجُوهَهُمْ نُورًا وَثِيَابَهُمْ نُورًا يَفْزَعُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَفْزَعُونَ وَهُمْ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ الَّذِينَ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)أخرجه أحمد 5/343 (22399 ) عن أبي مالك الأشعري.
فاتقوا الله عباد الله واحرصوا على صلاح قلوبكم ، وعدم دخول القتن والمعاصي والذنوب إليها، أكثر من حرصكم على صلاح دنياكم .
أيها المؤمنون وبقي معنا من أقسام القلوب ؛ القلوب السوداء أخذ العلماء ذلك من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أقسام القلوب " وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ " سأشرحه لكم إذا شاء الله في الجمعة القادمة .
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .
أما بعد فيا عباد الله فأوصيكم وإيايَّ بتقوى الله والاعتصام بكتاب الله عز وجلّ ، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما عليه سلفكم الصالح من الأئمة الراشدين المهديين ، والفقهاء والصالحين .
أيها الناس في تيار الأيام ، ودورة الـفلك ، وصخب الحياة وشغلها ، يرى كلُّ مسلم أن الناس إلا من رحم الله - قد غلبت على أنفسهم ماديات الحياة وزخرفها ، وتزينت الدنيا لهم بأبهى مظاهر الزينة ، وأظهرت من مفاتنها ما أغرى النفوس والقلوب ؛ فتهافتت عليها من كل ناحية وصوب لاهثة راغبة في مكسب أكبر قدر من مظاهرها ومفاتنها ، حتى تربـعت الدنيا على القلوب واستوت على سويدائـها ، وقد عاد هذا الأمر الخطير على واقع القلوب بالهزيمة ، والضعف في أوصاله ، وسرت أمراضٌ ما كان لها أن تجد لها مدخلا إلى صرحه ؛ لو كان الإيمان سلاحُه واليقين بردُه وأمنُه .
والقلب ما سمي بذلك إلا لكثرة تقلبه من حال إلى حال وهو كما وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم ( مَثَلُ القلبِ مثل الريشة ، تقلبها الرياحُ بفلاة ) ابن ماجه (88) .فهنا يصور لنا الرسول صلى الله عليه وسلم القلب وأنه ريشةٌ لخفته ولتأثير الفتن عليه ، صغيرها وكبيرها ، تماماً مثل الريشة التي تؤثر فيها أقل النسمات فتغير اتجاهها ، ولتيقن الرسول صلى الله عليه وسلم لهذه الحقيقة كان صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول " يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك . فقال أنس : يا رسول الله آمنا بك وبما جئت به فهل تخاف علينا قال نعم إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله يقلبها كيف يشاء" الترمذي ( 2140)أي إن الله يتصرف في قلوب عباده كيف يشاء لا يمتنع عليه شيء منها .
عباد الله : والـقلوب قسمان ؛ قَالَ : حُذَيْفَةُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ" تُعْرَضُ الْـفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتْ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ، وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مر بادا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ " مسلم (144) .
أيها المؤمنون : ويتبين من الحديث أن القلوب تنقسم إلى قسمين ، قلوب بيضاء ،وقلوب سوداء- وفي هذه الخطبة سأقصر الكلام على القلوب البيضاء، وأما القلوب السوداء فإني سوف أفصل الكلام فيها في الجمعة القادمة إن شاء الله تعالى .
عباد الله : وتختلف درجات السواد والبياض في كل قسم بمقدار ما أشرب من فتن ، وبمقدار بعد هذا القلب وبالتالي صاحبه عن القرآن والسنة وما عليه سلــف الأمة من أئمة المذاهب المتبوعة الأربعة التي تلقتها الأمة بالقبول رضي الله عنهم.
وعليه فإن كل قسم من هذين القسمين يضم أنواعا من القلوب فالقسم الأول القلوب البيضاء؛ ويأبى صاحب هذا القلب أن يفتح مسامات قلبه لغير الحق ، وإذا تعرض لفتنة وابتلاء وامتحان واختبار، وتحول من حال حسنة إلى سيئة ، انكمشت مسامات قلبه إلى درجة الانغلاق التام بسبب إنكارِه ورده لها فيُنكت في قلبه نكتةٌ بيضاء أي ينقط في قلبه نقطةٌ بيضاء ، ومع توالي الفتن التي هي كأعواد الحصير في تتابعها كما ينسج الحصير عودا عودا وشظية بعد أخرى ، وناسجُ الحصير كلما صنع عودا أخذ آخر ونسجه ، فشبه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عرضُ الفتن على القلوب واحدة بعد أخرى بعرض قضبان الحصير على صانعها واحدا بعد واحد ، وصاحب القلب الأبيض مع استمرار الإنكار لها ينتشر البياض على قلبه ، حتى يغطيه ، ثم يكتسب خاصية الصلابة حتى يكون مثل الصفا وهو الحجر الأملس الذي لا يعلق به شيء، وليس تشبيهُهُ بالصفا بيانا لبياضه لكن لصفة أخرى ، وهي لشدته على عقد الإيمان وسلامته من الخلل ، وأن الفتن لم تلصق به ولم تؤثر فيه كالصفا ، وهو الحجر القوي الصلب الأملس الذي لا يعلق به شيء، ومع ذلك فقد تنتابُ صاحبُ هذا القلبِ فترات من الضعف والغفلة الآنية ، تلك الغفلة التي شبهها الرسول صلى الله عليه وسلم بالسحابة ، إذ يقول : ( ما من القلوب قلب إلا وله سحابةٌ كسحابة القمر ، بينما القمر يضيء إذ علته سحابةٌ فأظلم ، إذ تجلت )أخرجه الطبراني.
إن أحجام السحب ليست واحدة ، فمرةً نراها ممتدةٌ طويلة تغطي ذلك القمر المضيء لفترة ثم تنجلي ، وأخرى نراها صغيرةً جدا لا تغطي تلك الأنوارِ المنبعثةِ من القمر إلا اللحظات ، وأخرى نراها معتمة ، وأخرى بيضاءُ شفافةٌ يرى من ورائها القمر ، وهذه الأنـواع المتعددة من السحب ، هي في ذاتِها تمثل العوارض التي تَعْتَرضُ أصحابَ القلوب البيضاء ، ولكنها كلَّها تزول بإذن الله وتنجلي السحابة عن القمر المضيء فتعود أشعتَه تخترق القلوب وتنير لأصحابها الحق الذي لا تشوبه فتنة .
ولهذا السبب اختلفت أنواع القلوب البيضاء ، ويؤكد ذلك قولَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : ( القلوب أوعية وبعضها أوعى من بعض )أخرجه أحمد( 6655).
ومن أقسام القلوب البيضاء القلوب المطمئنة : يقول الله سبحانه وتعالى (الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب )الرعد 28 . والطمأنينة سكون القلب إلى الشيء وعدم اضطرابه وقلقه فإن القلب لا يطمئن إلا بالإيمان واليقين ولا سبيل إلى حصول الإيمان واليقين إلا من القران والسنة. فإن سكون القلب وطمأنينته من يقينه ، واضطرابه وقلقه من شكه ، فإن صاحب هذا القلب لا يضطرب ولا يقلق عندما يصاب بمصيبة وابتلاء بسبب ما يعتقد أن ذلك فتنةٌ من الله واختبار .
ومن أقسام القلوب البيضاء القلوب السليمة : يقول الله سبحانه وتعالى
إلا من أتى الله بقلب سليم ) الشعراء (89 ). والقلب السليم الصحيح ؛ هو قلب المؤمن ، لأن قلب الكافرَ والمنافقَ مريض ، وهو القلب الخالي من البدعة المطمئن إلى القرآن السنة، وهو قلب سليم من آفة الافتتان والفخر بالمال والبنين ، قال الإمام الجنيد رحمه الله ( السليم في اللغة ، اللديغ ؛ فمعناه أنه قلبه كاللديغ من خوف الله ) .فصاحب هذا القلب هو من تجمعت فيه هذه الصفات ، فهو ذو قلب سليم خالص من آفات المال وفتنته وجوا ذب الدنيا وفتنتها ، خال من البدع مطمئن إلى الإيمان ، خائف من الله .
ومن أقسام القلوبِ البيضاء القلوبُ المنيبة : يقول الله سبحانه وتعالى : (من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب )ق 33 أي مقبل على الطاعة، وحقيقة الإنابة عكوف القلب على طاعة الله ومحبته والإقبال عليه.
ومن أقسام القلوب البيضاء القلوب الوجلة : يقول الله سبحانه وتعالى : ( إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم )الأنفال ( 2 ). والوجل ، الخوف والفزع ، والمراد أن حصول الخوف من الله والفزع منه عند ذكره هو شأن المؤمنين الكاملي الإيمان المخلصين لله ، والذي إذا أراد أن يظلم مظلمة فقيل له اتق الله ، كف ووجل قلبُه ، ونستخرج من ذلك ، أن صاحب هذا القلب يتفاعل مع الموعظة ، ويخاف عندما يُذَّكر بالله ، ويكف عن المظلمة لحساسيته الكبيرة ، ومحاسبته لنفسه تخوفا من عقاب الله.
ومن أقسام القلوب البيضاء القلوب المخبتة : يقول الله سبحانه وتعالى ( فتخبت له قلوبُهم ) الحج (54 )، أي تخشع وتسكن وتنقاد ، والمخبتين من عباده أي المتواضعين الخاشعين المخلصين ، وهم الذين لا يظلمون غيرَهم وإذا ظلمهم غيرُهم لم ينتصروا، بل يكظمون الغيظ طلبا للثواب المترتب عليه من الله عز وجل .
ومن أقسام القلوب البيضاء القلوب المقشعرة اللينة : يقول الله سبحانه وتعالى
اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ)الزمر(22)، قال الزجاج : إذا ذكرت آيات العذاب اقشعرت جلود الخائفين لله (ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ)إذا ذكرت آيات الرحمة .أيها المؤمنون : وبعد هذا العرض لأقسام القلوب البيضاء ، والوقوف على صفاتها ، لابد لكل منا ، أن يحاسب نفسه ، ويسألها ويطيل السؤال ، حتى يعلم قلبَه من أي الأقسام ؟ فإذا وجد أن قلبه من الأقسام التي مرت بنا، فليحمد الله وليطلب من الله المزيد والثبات على ذلك ، وليكثر من التمسك بكتاب الله وسنة رسوله في نياته وأفعاله وأقواله ، وليصفِ قلبه من الغل والحقد والحسد وأمراض القلوب الأخرى ، وليجلس مع العلماء والصالحين ، وليكثر من قول الرسول " يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك " " يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك " حتى يلقى الله على ذلك ، وإن لم يجد أن قلبه من أقسام القلوب البيضاء فليضرع ولبيتهل إلى الله حتى يتوب عليه مما جعل قلبه أسودا، ويجعل قلبه من القلوب البيضاء .
قال رسول الله " يَا أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا وَاعْقِلُوا وَاعْلَمُوا أَنَّ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عِبَادًا لَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ وَلَا شُهَدَاءَ يَغْبِطُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ عَلَى مَجَالِسِهِمْ وَقُرْبِهِمْ مِنْ اللَّهِ ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ الْأَعْرَابِ مِنْ قَاصِيَةِ النَّاسِ وَأَلْوَى بِيَدِهِ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ نَاسٌ مِنْ النَّاسِ لَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ وَلَا شُهَدَاءَ يَغْبِطُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ عَلَى مَجَالِسِهِمْ وَقُرْبِهِمْ مِنْ اللَّهِ انْعَتْهُمْ لَنَا يَعْنِي صِفْهُمْ لَنَا فَسُرَّ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسُؤَالِ الْأَعْرَابِيِّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُمْ نَاسٌ مِنْ أَفْنَاءِ( أشتات ) النَّاسِ وَنَـوَازِعِ الْقَبَائِلِ لَمْ تَصِلْ بَيْنَهُمْ أَرْحَامٌ مُتَقَارِبَةٌ تَحَابُّـوا فِي اللَّهِ وَتَصَافَوْا يَضَعُ اللَّهُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ فَيُجْلِسُهُمْ عَلَيْهَا فَيَجْعَلُ وُجُوهَهُمْ نُورًا وَثِيَابَهُمْ نُورًا يَفْزَعُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَفْزَعُونَ وَهُمْ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ الَّذِينَ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)أخرجه أحمد 5/343 (22399 ) عن أبي مالك الأشعري.
فاتقوا الله عباد الله واحرصوا على صلاح قلوبكم ، وعدم دخول القتن والمعاصي والذنوب إليها، أكثر من حرصكم على صلاح دنياكم .
أيها المؤمنون وبقي معنا من أقسام القلوب ؛ القلوب السوداء أخذ العلماء ذلك من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أقسام القلوب " وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ " سأشرحه لكم إذا شاء الله في الجمعة القادمة .
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .
بقلم / أسامة بن سعيد العنقاوي الشريف
11/2/1419 هـ
11/2/1419 هـ