التحذير والتنفير من خلق الكذب

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • أسامه بن سعيد العنقاوي
    طالب علم
    • Feb 2008
    • 35

    #1

    التحذير والتنفير من خلق الكذب


    الحمد لله رب العالمين ، حذر عباده المؤمنين من الكذب ، وجعله من صفات المنافقين ، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله ، الصادق المصدوق ، فى قوله وفعله القائل ( إِذَا كَذَبَ الْعَبْدُ تَبَاعَدَ عَنْهُ الْمَلَكُ مِيلًا مِنْ نَتْنِ مَا جَاءَ بِهِ ) الترمذى 1972 ، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك سيدنا محمد وعلى آله الطيبين وأصحابه المطهرين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
    أما بعد فيا عباد الله أوصيكم وإيايّ بتقوى الله تعالى والحذر مما يناقضها من الخطايا ، وإن أعظم الخطايا عند الله اللسان الكذوب .
    أيها الناس : إن الله عز وجل خلقنا بعضنا في حاجة عظيمة إلى بعض ، لأن الفرد الواحد لا يستطيع القيام بكل ما هو من ضرورات حياته ، فلا بد له في بقائه من مجموع أفراد النوع ، ليصل بهم إلى ضروراته التي يعجز عنها وحده ، وهو لا يصل إلى ذلك منهم إلا بالتفاهم معهم ، في الإفادات والإستفادات الدنيوية والأُخروية بالكلام .
    ولولا الكلام لتقطعت المصالح ، ووقفت حركة الوجود لفقد آلة التفاهم الموصل إلى المصالح .
    بل أستطيع أن أقول : لولا الكلام لكنا كسائر البهائم غير المكلفة ، ولو كان هذا كنا فى حياة لاقيمة لها .
    أما الحياة الثانية فكنا لا نراها ولا كانت ولا توجد ، وكيف توجد ولا مقتضى لوجودها .
    وينبغى أن تعلموا أن الكاذب كالساكت فى أن كلا لا يفيد ، وقد يكون الكاذب مصدر ضرر لا يتصور حصوله من الساكت .
    إذن لو كان تفاهم الناس بالكلام الكاذب ؛ لكان خراب الدنيا أسرع مما لو كانوا لا يتكلمون ، فالذى لا يتكلم لايبنى أحد على عدم كلامه شيئاً من أعماله ، فلا يكون من ناحيته أدنى ضرر .
    أما المتكلم الكاذب : فيعد الوعد ، أو يعقد العقد ، أو يعاهد العهد ، أو يخبر الخبر ، فيفهم السامع ذلك فيعمل ما يعمل بناء عليه ، فلا يكون لعمله أساس يرتكز عليه فيذهب ولا كأنه كان .
    وقد يكون صرف ما صرف من المال فى سبيله ، وقد يكون بذل ما بذل من مجهود أياما وأسابيع وشهوراً ، وهذا ضرر عظيم .
    وقد تتكلم مع الكاذب في مهم من مهمات الحياة ، تريد تحصيله فيهونه لك ويسهله لحد أن يجعله بين يديك ، بحيث لا تحتاج أدنى علاج في الحصول عليه ، وحينئذ تتساهل في شأنه ، ولا تعطيه من العناية ما يستحق ، وتكون النتيجة لذلك إفلاته من يديك وحرمانك منه .
    وقد تتكلم معه في مهم آخر ، فيوقع في نفسك أنه من الصعوبة بدرجة لا يكاد يُنال معها، فتهاب الإقدام عليه لصعوبته الموصوفة ، وبناء على ذلك تحرم منه ويناله سواك ، ويتبين لك أنه كان من السهولة بحالة تمكن منه كل من يحاوله .
    وقد يخبرك أن فلانا يكنّ لك من الحب مالا نظير له فى الأحباب ، فتطمئن إليه وتبادله ذلك الحبّ ، ثم تكشف الأيام أنه عدوّ لك مبين بما ينزله بك من الدواهى والمشكلات .
    وقد يخبرك أن آخر من ألدّ أعدائك وأخطرهم عليك ، وأنه ينوى لك وينوى ، فيهولك الخبر وتتحرك ضده بحركات تناسب حركاته المخيفة التى نُقلت إليك ، وتكون العاقبة لهذا أنك تحدث بالرجل من الضرر مالا يستحقه ، وتتأكد بعد ذلك أن الرجل يحبك حب المخلصين ، أو على الأقل لا يخطر على باله الإضرار بك ، فيعتريك من الغم والندم ما ينغص عليك عيشك لظلمك امرأً يستحق منك الإحسان العظيم لا الإيذاء العظيم .
    وهذا الكذب كما يضر السامع ، يضر نفس القائل الذى هو الكذاب ، فإنه عند تبيّن كذبه يقوم به من الخزى مابه يسودّ وجهه ، ويهوى به إلى الحضيض من الرذيلة ، بعد أن كان على الذروة من الفضيلة .
    والبلاء الأكبر على الرجل فى تجربة الكذب عليه ، فى هذه الحالة يُعرف بين الناس بهذه المعصية الفاحشة ، وأثرُ هذه المعرفة أليم وشديد يهون معه الموت على من به أدنى إحساس .
    وكيف لا يتمنى الموتَ من يرى الناس يعاملونه بمنتهى الازدراء والاحتقار ؟ و أى احتقار فوق أن يعرضوا عنه كل الاعراض إذا تكلم والإنسان أشرف ما يكون إذا تكلم يعدهم فلا يأبهون لوعده يخبرهم فلا يلتفتون لإخباره يتعاقد معهم فلا يحترمون تعاقده ، وهذا عند التأمل فوق الموت بكثير ، نسأل الله العافية .
    ولا شك أنه لايأتى هذه البلية إلا من هانت نفسه عليه وأحسّ منها الصغار والهوان والحقارة ، وإلا فإن العقل لا يستطيع أن يتصور إنسانا يعرف لنفسه شرفا ، ثم يسمح بأن يعرض هذا الشرف للهدم والمحو .
    ثم هذه المعصية تشعر بوضوح أن فاعلها غافل غفلة تامة ، عن تسجيل كلِّ ما يلفظ به عليه ، وأن قلبه وصل من القسوة إلى حد أنه لا يبالى بأن تسوّد صحيفته بهذا الفسوق الفاحش .
    عباد الله : هذا هو الكذب وهذه مفاسده ، ولذلك جاء فى ديننا كتابا وسنة ما يفهم أنه بين المعاصى عظيم وعظيم ، فقد قال ربنا عز وجل فى كتابه ( إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ) النحل :105، أى أن الكذب من أخلاق الكفار وأعمالهم التى لا تليق إلا بهم .
    والسر فى ذلك ظاهر ، وهو غفلتهم الكاملة ، وعدم إيمانهم بعواقب الكذب الأخروية ، وهذا يلزمه أن المؤمن الذى يكذب يعمل عملا من أعمال الكفار : أى أن به شبها بالكفار من هذه الناحية : ناحية الكذب ، وكفى الكذب شؤما أن يشبّه فاعله بالكافرين .
    ومن هذا القبيل ما روى أنه صلى الله عليه وسلم سئل : ( هل يزنى المؤمن ؟ قال : قد يكون ذلك ، قال أى السائل : هل يسرق المؤمن ؟ قال قد يكون ذلك ، قال هل يكذب المؤمن ؟ قال لا ، ثم أتبعها النبى صلى الله عليه وسلم : إنما يفترى الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله ) رواه ابن عساكر فى تاريخه والخرائطى فى مساوئ الأخلاق .
    ومن هذا القبيل ما رواه ابن أبى حاتم عن معاوية بن صالح قال : ذكر الكذب عند أبى أمامة فقال : اللهم عفوا ، أما تسمعون الله يقول : ( إنما يفترى الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون ) .
    وعن أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق عائشة رضى الله عنها قَالَتْ ( مَا كَانَ خُلُقٌ أَبْغَضَ إِلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْكَذِبِ وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يَكْذِبُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْكَذِبَةَ فَمَا يَزَالُ فِي نَفْسِهِ عَلَيْهِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَحْدَثَ مِنْهَا تَوْبَةً ) أحمد 24657 والبزار وابن حبان فى صحيحه والحاكم .
    أى أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا علم من أحد أنه أتى شيئاً من هذا الكذب أعرض عنه إعراضا يدل على ما فى نفسه من كراهة ما أتى ، ولا ينتهى هذا الإعراض إلا إذا تاب ذلك الكاذب ولزم الصدق وجانب الكذب .
    وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلَالِ كُلِّهَا إِلَّا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ ) أحمد 21666 .
    وقال صلى الله عليه وسلم : ( إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يُكْتَبَ صِدِّيقًا وَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ كَذَّابًا مسلم 2607 .
    ولعلكم بهذا تستوعبون قدر الكذب شناعة وقبحاً بين سائر المعاصى ، فالزموا اجتنابه ، وأوصوا من تحبون أن لا يقربوه .
    ويعظم هذا الذنب إذا تعلق بعباد الله ، كأن كان غيبة أو نميمة ، أو فى بيع أو فى شراء أو فى نصيحة .
    ويزداد غلظاً ويعظم جداً إذا صحبه قسم برب العالمين عليه ، فإنه حينئذ يكون كذبا وضرراً لمؤمن ، وانتهاكا لحرمة اسمه عز وجل .
    وكل من هذه الأمور موبق ومهلك ، فكيف إذا اجتمعن معا .
    ولذلك قال عليه الصلاة والسلام (عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ قَالَ فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَ مِرَارًا قَالَ أَبُو ذَرٍّ خَابُوا وَخَسِرُوا مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الْمُسْبِلُ وَالْمَنَّانُ أى فى عطائه - وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ )مسلم 106 .
    وهذا الحديث يقدر مبلغ غضب الله عز وجل على أولئك الثلاثة الذين منهم الكاذب في قسمه به عز وجل ، وهذه البلية بلية الكذب في الأيمان به تعالى أكثر ما تراها في بعض التجار رغبة في الربح ، ولو كانوا من ذوي الإيمان الصادق ما جعلوا معصية من أكبر المعاصي سبيلاً للربح فان المعاصي سبب الحرمان من خيري الدنيا والآخرة .
    وأحب أن يتأكد التجار أن كثرة الحلف لأجل الربح سبب كبير فى عدم البركة فيما يربحون .
    وإن شاءوا فليسمعوا قوله صلى الله عليه وسلم الْيَمِينُ الْكَاذِبَةُ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ مَمْحَقَةٌ لِلْكَسْبِ ) أحمد 9085 .
    ومعنى الحديث أن الحلف الكاذب فى البيع يروج السلعة ويأتى بربح كثير ، لكنه يذهب بركة الربح ، وحينئذ يخسر دنياه ويخسر فى أخراه ما يخسر ، نعوذ بالله من الخذلان .
    وكالتجار أربابُ الصانع المتعلقة بالجمهور ، فإنهم يَعِدون أن ينجزوا ما عندهم من أعمال ، ويقسمون بالله على ذلك ثم يكذبون وينقضون .
    وإنى أعود فأوصى وأشدد فى الوصية أن يجتنب الأخ المؤمن هذا الذنب الشنيع كل الاجتناب ولو فى الأوقات التى يظن أنه ينفعه فيها فإنه يضره بلا شك ، وليلزم الصدق حتى فى الظروف التى يظن أنه يضره فيها فإنه ينفعه بلا جدال .
    والحاصل يا عباد الله أن شؤم الكذب يتلخص فى موضعين :
    الموضع الأول فى : كذبه فى معاملات الناس ، فإنه إذا ماطلهم فى حقوقهم ووعدهم ثم كذب فى الوفاء ، رآهم يغلقون دونه أبوابهم وخزائنهم ، ولا يجد من يعينه منهم عند لهفته تقديرا للمماطلته وكذبه ، بخلاف ما إذا صدقهم فى معاملته وكان معهم عند وعده فإنهم يفتحون له أبوابهم وخزائنهم وتكونُ أموالهم بين يديه أينما طلب ومتى طلب .
    والموضع الثانى : فيما إذا عودهم أن يستعين بهم فى شدة أو كرب وهو كاذب ، ألا يجوز أن ينزل به الكرب والشدة فيستعينُ فلا يَلْتَفِتُ إليه معين اعتماداً على ما تعوّدوه من كذبه فيموت دون أن يسأل عنه أحد وهو الجانى على نفسه .
    أما إذا كان المستغيث ممن عرفوا عنه الصدق فإنهم لا يحتملون سماع صوته وبمجرد أن يشعروا بحاجته إلى إغاثتهم يكونون أطوعُ له من يده وأقربُ إليه من نفسه التى بين جنبيه .
    هذان مثلان أضربهما ليمن الصدق ، وشؤم الكذب ليختار العاقل منهما لنفسه ما يحلوا .
    عباد الله : وللإنسان أن يترخص بالكذب فى الحرب فيخبر بما ليس بواقع ليوقع الرهبة والرعب فى قلوب الأعداء ، وفى نجاة المظلوم يريد ظالم أن يوقع به ظلمه فى نفسه أو ماله أو عرضه ، للعاقل أن يبهم عليه أمره وإن كان يعلمه حق العلم ، وللرجل مع زوجته الثائرة المبذرة فى طلب حاجات لها ، له أن يمنّيها ويعدها بما تريد وفوق ما تريد ليهدئ ثائرتها ، والأيام أمامه طويلة للوفاء ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( لَا يَصْلُحُ الْكَذِبُ إِلَّا فِي ثَلَاثٍ كَذِبِ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ لِيُرْضِيَهَا أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ أَوْ كَذِبٍ فِي الْحَرْبِ ) أحمد 27061 .
    وينبغى للمؤمن أن يفزع إلى المعاريض فى مثل هذه المواضع ما أمكنه ذلك واستطاع إليه سبيلا ليكون دائما فى دائرة الصدق وفى صفوف الصادقين .
    وهذا مأخوذ من قوله صلى الله عليه وسلم ( إن فى المعاريض لمندوحة عن الكذب ). ومعنى إن فى المَعاريض لمَندُوحةً عن الكَذِب أي سَعَةً وفُسْحة يعني أنَّ في التعريض بالقول من الاتِّساع ما يُغني الرجلَ عن تَعَمُّدِ الكذب ومن المعاريض استخدام الكناية والتورية فى القول فرارا من الكذب اهـ من النهاية فى غريب الحديث .
    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ، كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ) الصف : 2،3.
    بقلم / أسامة سعيد العنقاوي
يعمل...