من مناقب أم المؤمنين السيدة خديجة الكبرى رضي الله عنها وعنا بها

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • أسامه بن سعيد العنقاوي
    طالب علم
    • Feb 2008
    • 35

    #1

    من مناقب أم المؤمنين السيدة خديجة الكبرى رضي الله عنها وعنا بها


    الحمد لله رب العالمين ، شرف هذا الوجود ببعثة أكرم نبي وأعز مولود ، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لاشريك له ، الرحيم الودود ، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله ذي المقام المحمود ، والشفاعة العظمى والحوض المورود، سيد ولد آدم ، كامل الشمائل والصفات والذات ، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين .
    أما بعد فيا أيها المؤمنون : اتقوا الله تعالى ، واملؤا قلوبكم بحب الله وحب رسوله ، وحب أصحاب رسول الله ، وعلى رأسهم السابقين للإسلام من المؤمنين ، كأم المؤمنين خديجة التي كانت خير عون لرسول الله صلى الله عليه وسلم في بدء الدعوة الإسلامية،حيث بذلت نفسها ومالها في سبيل الله .
    ففي حياتها عبر لعباد الله المؤمنين ، كيف لا ، وهي أم المؤمنين الكبرى ، اللاتي قال الله عنهن : ( النّبِيّ أَوْلَىَ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمّهَاتُهُمْ ) الأحزاب : 6 . وقال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَفْضَلُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ... ) أحمد (2663 ) .
    فهي السيدة خديجة بنت خويلد ، وكانت تدعى في الجاهلية (الطاهرة) واشتهرت رضي الله عنها بالعفة والكرم والنبل والطهارة . تجتمع مع رسول الله في النسب الشريف في قصي من جهة أبيها، وفي لؤي من جهة أمها - فهي قرشية أبا وأما وهي كريمة الأصل ، شريفة المنبت ، نبيلة الفعال ، طيبة المعشر، ذات رأي سديد، وفعل حميد، وعمل مجيد رضي الله عنها وأرضاها.
    نشأت في بيت سيادة ومجد، وتزوجت مرتين قبله صلى الله عليه وسلم ، ثم تأيمت بعد زوجها الثاني ، وعاشت عقيلة قريش ، وأشرف نساء مكة ، تتطلع إليها نفوس السادة ، وتخطب ودها العظماء والكبراء الأمجاد، ولكنها رغبت عنهم ، وأعرضت في سماحة أبية ، لا يغض من قدر الخاطبين ، ولكنه يقطع آمال المؤملين ، وتخلت عن اتخاذ الزوج إلى إدارة مالها الوافر، وتجارتها الواسعة ، وقصرت صلتها برجال مكة على الذين يعملون في مالها، ويرتحلون بعيرها وقوافلها.
    وفي ذلك الزمن كانت أندية مكة ودورها- تمتلئ - بحديث عطر عن فتى كريم أمين من بني عبد المطلب ، هو محمدا الأمين ابن الذبيح عبد الله بن عبد المطلب - سمح سهل ، مشغول بنفسه عن الناس ، له جاه وهيبة، وعليه وقار وحشمة، يحفه التواضع ، وتظهر عليه سمات الرفعة والجاه ، على قلة ماله ورقة حاله ، كان أمينا جوادا ، حسن الطلعة ، سمح المحيا ، يألف الناس ويألفونه ، ويحبهم ويحبونه ، ويلقى الناس دائما بوجه صبيح حسن ، ويحدثهم بأعذب الحديث ، وأطيب الكلم ، كان على شبابه لا يخالط اللاهين ، ولا يشارك العابثين ، وقد عرفوا من صدقه وبره ، ويمنه وفضله ما جعلهم يرجعون إليه في مهم أمرهم إذا التبست الآراء، ويقبلون حكمه على حداثة سنه إذا اختلفوا في أمر عظيم .
    وتهيأت تجارة خديجة لرحلة تاريخية تقصد بصرى ، وقُدِّمَ لذلك محمد بن عبد الله الهاشمي - ليقوم في تجارتها فأثنت ورحبت ، وأرسلت معه مولاها ميسرة خادما ومعينا، وأوصته أن يرصد لها حاله ، ويعرف لها ما تحب أن تعرفه من شأنه فارتحلا بالقافلة .
    وكل يوم يرى ميسرة عجبا، من صدقه وبره ، وأمانته وكرامته ، ويشهد من بركة يده في المطاعم والمشارب الأعاجيب ، ويمن تصرفاته في البيع والشراء، وتلك الغمامة التي تقفو أثره تظله إن انطلق ، وتقف على رأسه إن جلس ، وتلك الشجرة التي حنت عليه بجذعها، وانعطفت إليه بظلها،ودهشة الراهب الذي رأى ذلك فسأل ميسرة عن هذا المُسْتَظِّلِ الكريم وقوله ما نزل تحت هذه الشجرة إلا نبي
    ويوم عادت القافلة سبق ميسرة إلى مولاته خديجة يبشرها، فأطلت مع نسائها من علية لها، فرأت محمدا الأمين على ناقته في قائم الظهيرة، ومن خلفه القافلة تتهادى .
    أتراها سعيدة بعودة هذا الفتى الهاشمي النبيل سالما غانما؟ أم تراها محبورة بأنباء الربح المضاعف والمتجر الفاخر الذي عاد به ؟.
    وميسرة يقول ما عنده ويحدث بما رأ ى وما سمع ، وعن الربح والمال والرحلة وعجائبها، ولكن قلب خديجة الطاهرة وعينها الساهمة ، لا تجد في وجدانها ولا لمحاتها إلا شخص محمد يسعى على مهل حتى يحط في ساحة دارها ويلتفت محييا مغضيا. . وهي تلقاه في بهجة تفيض بها روحها ، وبشر يسبق تحيتها وترحيبها ومباركتها بسلامة العودة، ويمن القفول ، ويوجز لها في بشاشةٍ أنباء سفرته وعائد تجارته ، ويؤدي إليها ما استودعته من مالها وتجارتها ثم يمضي مودعا غير مستأنٍ . . ومن ورائه كل مشاعرها تصحب خطاه وظله ، وتتمنى لو أطال المقام ولو قليلا، وتود أن تدعوه إلى شيء من ذلك لولا الحياء.
    وخديجة من أسرة تهتم بالشرف ، وفي رجالها من كان متحنفا مطَّلِعا على ما في التوراة والإنجيل ، يترقب ظهور نبي قد أظل زمانه ، ويوشك أن تشرق أنواره ، يبعثه الله من ولد إسماعيل .
    وها هي ذي ترى أمامها محمدا الأمين ، الذي شغل أندية مكة بخلقه وصدقه وعظيم سجاياه ، كما شغلها بما سمعته من أمره من أحاديث ميسرة الذي رافقه في سفر طويل ! !
    إنه لا يسجد لصنم ولا يتقرب إلى وثن ، ولا يعبد ما يعبدون من آلهة، ولا يحلف بما يحلفون ، ولا يشاركهم في إثم ، ولا يعاقر خمرا، ولا يقارف مجونا ولا عبثا. . وكانت تتساءل في سرها: أيكون محمد نبي آخر الزمان ؟ ! !
    فإن المتحنثين جميعا يلهجون بعلامات مبعثه، ويتحدثون عن اقتراب ظهوره ، فهل يكون هو! !
    وتمر الأيام بطيئة ثقيلة، وخديجة في تساؤلاتها الملحة، وآمالها الباسمة، فلقد ساقت الأقدار إليها أعظم الرجال . ولكن كيف السبيل إلى الظفر بهذا الزوج الكريم ، وماذا تفعل ، وماذا تقول ، ولمن تبوح بسرها الذي تكتمه عن كل إنسان !
    وتلمح صديقتها " نفيسة بنت منية "شرودها ووجومها وحيرتها وما تخفيه من أمر في نفسها، فتسألها عما يدور في أعماقها. .
    وتحرجت خديجة أول الأمر أن تفصح عن خواطرها ومشاعرها وراجعتها نفيسة في إشفاق وإلحاح ودود. . ودار الحديث حول محمد بن عبد الله فيم عزوفه عن الزواج ولماذا لم يتقدم لخطبتها كما فعل كل أشراف مكة .
    فتقول نفيسة : أو يرضيك أن يتقدم إليك محمد بن عبد الله خاطبا. . فتسكت خديجة . . ولكنه صمت أبلغ من الكلام . . فقد تكلمت حمرة الحياء في محياها تعبر عن أمنيتها الغالية . . وتقول نفيسة : يا ابنة العم سيكون لك ما تريدين .
    وتنطلق نفيسة تطلب محمدا حتى وجدته ومعه عمار بن ياسر ، فحدثته متسائلة عن انصرافه عن الزواج - وهو زين شباب مكة ، وابن سادتها الأمجاد من آل هاشم . . ؟
    ويجيبها الفتى الكريم : ما عندي ما أتزوج به . . فتقول له نفيسة : فإذا كُفِيْتَ ذلك ودعيت إلى الجمال والشرف ؟ فيقول لها. . ومن هذه . . فتقول له : خديجة بنت خويلد سيدة نساء قريش ؟
    إنها خديجة الشريفة التي عمل في تجارتها وعرف نبلها وفضلها، وتطلع الكبراء من قريش إلى اتخاذها زوجة، ورغبتها عنهم ، وردها لهم ، تعرض نفسها عليه ؟!
    ويحدث أعمامه فيسرعون في تحقيق أمنيته ، ويلتقي حمزة والعباس وأبو طالب ، ويذهبون خاطبين إلى بيت خديجة ، ويتم الزواج ، وكان عمرها آنذاك أربعون عاما ، وعمر المصطفى خمس وعشرون عاما، وكان في هذا حكمة عظيمة ألا وهي العون والتثبيت عند لحظات الوحي الأولى حيث قال : ( زملوني زملوني ) فلم يكن يصلح لذلك الموقف إلا من الزوجة المباركة خديجة ، وهنا تظهر لنا حكمة فارق السن عنه صلى الله عليه وسلم والله أعلم .
    أيها المؤمنون : لقد كان لهذه السيدة الجليلة أكبر الفضل وأعظم الأثر في تهيئة الأجواء المناسبة لهذا النبي العظيم ، والرسول الكريم ، فلم تشغله بنفسها ولم تضايقه بمطالبها، ولم تتبرم من قلة إقامته إلى جوارها، وحملت عنه مسئولية البيت وأغنته عن طلب المعاش حتى يكون مع ربه في خلوته وتحنثه ، وكلما عاد إليها شجعته وزودته بكل ما يحتاج إليه ، في صبر، وصدق وثقة ، ووقفت إلى جانبه برقة مشاعرها وعواطفها الكريمة المتدفقة، حتى في لحظات الخوف وهو يتلقى أمر الله وكلماته ، جاء موقفها العظيم وعونها الكبير فهدأت من روعه ، وسكنت من خوفه ، فقالت قولتها المشهورة :
    " كلا ...أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدا، والله إنك لتصل الرحم ، وتصدق الحديث ، وتحمل الكل ، وتكسب المعدوم ، وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الحق " .
    إنها كلمات عظيمة لامرأة عظيمة ، وموقف شجاع لامرأة حكيمة عاقلة . . ولم تكتف بالتأييد والتثبيت للنبي صلى الله عليه وسلم على ما رآه وسمعه ، بل ذهبت به إلى ابن عمها ورقة ، حتى إذا قص عليه ما كان قد فاجأه من أمر الملك حين جاءه في غارحراء، وما سمع وما رأى وما عانى من وطأة اللقاء الأول بين السماء والأرض على حين فترة من الرسل ، قال ورقة : "أبشر يا ابن أخي ، هذا هو الملك الذي أنزله الله على موسى، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك من مكة" وكانت إجابة الرسول صلى الله عليه وسلم في تعجب واستغراب : "أو مخرجي هم "، فرد ورقة بن نوفل : نعم لم يأت نبي قط بمثل ما جئت به إلا عودي وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا.
    عباد الله : هل كان لزوجة عداها أن تستقبل دعوته التاريخية من غار حراء بمثل ما استقبلته هي به من حنان مستثار، وعطف فياض ، وإيمان قوي ، دون أن يساورها في صدقه أدنى ريب ، أو يتخلى عنها يقينها في أن الله غير مخزيه أبدا؟ وهل كان في طاقة سيدة غير خديجة غنية مترفة منعمة أن تتخلى راضية عن كل ما ألفت من راحة ورخاء علي أفدح ألوان الأذى وصنوف الاضطهاد، في سبيل ما تؤمن بأنه الحق ، كلا بل هي وحدها ولا امرأة غيرها التي أعدتها الأقدار لتملأ حياة الرجل الموعود بالنبوة، وتكون لليتيم أما، وللبطل ملهمة، وللمجاهد ملاذا وسكنا، وللنبي المبعوث ثقة وطمأنينة وسلاما.
    يقول ابن إسحاق : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يسمع شيئا يكرهه ، من رد عليه وتكذيب له فيحزنه ذلك إلا فرج عنه بخديجة رضي الله عنها إذا رجع إليها تثبته ، وتخفف عنه وتصدقه ، وتهون عليه أمر الناس حتى ماتت رضي الله عنها .
    ولم يتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها حتى ماتت ، بعد أن مكثت عنده صلى الله عليه وسلم أربعا وعشرين سنة وأشهرا . وروى الطبرانى [ مجمع الزوائد 9/225 ] عن أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أطعم خديجة من عنب الجنة .
    عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ : أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ أَوْ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ ؛ فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ فَاقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلَامَ مِنْ رَبِّهَا وَمِنِّي ، وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ ) متفق عليه ، البخاري (3821 ) ومسلم (2432)، وروى النسائيفى عمل اليوم والليلة (374 ) ، والحاكم 3/186 عن أنس رضى الله عنه قال : جاء جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إن الله عز وجل يقرأ على خديجة السلام فقالت : إن الله هو السلام ، وعلى جبريل السلام ، وعليك السلام ورحمة
    والحكمة في كون البيت من قصب وهو أنابيب الجوهر لأنها حازت قصب السبق إلى الإسلام ، وهو شدة المسارعة إليه ، دون غيرها رضي الله تعالى عنها و كانت حريصة على رضاه بكل ما أمكن ، ولم يصدر منها ما يغضبه قط .
    والمراد ببيت زائد على ما أعده الله عز وجل لها من ثواب عملها ، ولهذا قال : ( لا نصب فيه ) أى : لا تتعب بسببه ، وقال الإمام السهيلى : لذكر البيت معنى لطيف : لأنها كانت ربة بيت قبل المبعث ، فصارت ربة بيت فى الإسلام ، منفردة به ، لم يكن على وجه الأرض فى أول يوم بعث فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت فى الإسلام إلا بيتها ، وهى فضيلة ما شاركها فيها غيرها ، وجزاء الفعل يذكر غلبا بلفظه ، وإن كان أشرف منه ، فلهذا جاء فى الحديث بلفظ البيت دون القصر .
    عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا ذَكَرَ خَدِيجَةَ أَثْنَى عَلَيْهَا فَأَحْسَنَ الثَّنَاءَ قَالَتْ فَغِرْتُ يَوْمًا فَقُلْتُ مَا أَكْثَرَ مَا تَذْكُرُهَا حَمْرَاءَ الشِّدْقِ قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا خَيْرًا مِنْهَا قَالَ مَا أَبْدَلَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ خَيْرًا مِنْهَا قَدْ آمَنَتْ بِي إِذْ كَفَرَ بِي النَّاسُ وَصَدَّقَتْنِي إِذْ كَذَّبَنِي النَّاسُ وَوَاسَتْنِي بِمَالِهَا إِذْ حَرَمَنِي النَّاسُ وَرَزَقَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَلَدَهَا إِذْ حَرَمَنِي أَوْلَادَ النِّسَاءِ *أحمد (24343 ) .
    بقلم / أسامة بن سعيد العنقاوي المالكي
  • عمر تهامي أحمد
    مـشـــرف
    • Jun 2005
    • 697

    #2
    بورك فيك سيد أسامة
    اللهم صلّ على سيّدنا محمد عدد ماذكرك الذاكرون وغفل عن ذكرك الغافلون

    تعليق

    يعمل...