تحذير الشباب من عقوق الوالدين

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • أسامه بن سعيد العنقاوي
    طالب علم
    • Feb 2008
    • 35

    #1

    تحذير الشباب من عقوق الوالدين


    الحمد لله رب العالمين ، حمدا يوافى نعمه ، ويكافئ مزيده ، أكرمنا بعبادته لتكون لنا زلفى لديه ، وجعل بر الوالدين مما يقرب إليه ، فجعل رضاهما من رضاه ، وسخطهما من سخطه ، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله ، أتقى عباد الله ، وأعظمهم خشية لله ، اللهم صل وسلم وبارك على عبد ورسولك سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين .
    أما بعد فيا عباد الله : أتحدث اليوم معكم في عظيم في دين الإسلام ، عظيم في فعله ، وعظيم في تركه ، والناس عنه غافلون ، وعن العناية به معرضون ، وسينكشف لهم الأمر بعد فيجدونه كما قلت عظيما، فيندمون حيث لا ينفعهم الندم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
    الوالدان : هما أبو الإنسان وأُمه ؛ أبوه الرجل ، وأمه المرأة ، بينهما يكون الإنسان فتحمل بالمرء أمه شهوراً تسعاً في الغالب ، تلاقي في تلك الأشهر ما تُلا قي من الأمراض والآلام فإذا آن وقت الوضع حضر الموت ، فتارة يقضى عليها ، وتارة تنجو بأعجـوبـة ، وعجيب والله أن يخرج إنسان من ذلك المنفذ الضيق ثم لايموت وتموت المــرأء ة ، ويا ليت التعب ينتهي بالوضع فيكون الأمر هين ، بل بالوضع يكثر التعب ويشتد، يعــرف ذلك من تزوج ورأى الأولاد ، صياحا بالليل يحرم المنام على الوالدين ، وصياحا بالنـهـار يقلق بالهما ، ويتعب قلبهما ، ويذرف دموعهما ، ومرض يعتري الولد من وقت لآخر، تنخلع له قلوبهما انخلاعا ، وتنهد به أبدانهما هداً ، ومال يصرفانه بلا حساب في سبيل عـلاجـه وتربيته ، وتعهد من الأم في كل لحظة لجسمه بالغسل ، ولثيابه بالتنظيف ، ولإفـرازتـه بالإزالة ، يدوم ذلك لا يوماً ولايومين ، ولاشهراً ولاشهرين ، ولاسنة ولا سنتين ، بل يستمر سنين هي به ليلها ونهارها في متاعب تصغر بجانبها متاعب المؤبدين في الأعمال الشاقة ، يضاف إلى ذلك إمتصاصه من دمها الذي هو اللبن مدة الرضاعة، ولولم يكن منه لهدم بدنها وإذهاب قوتها إلا هذا الامتصاص لكفي ، فإذا شب نوعاً وبرزت أسنانه وقويت معدته على قبول الطعام وهضمه ، انفتح لوالده باب كدّ لجلب طعامه وشرابه ، فيهيم المسكين في أرجـاء الدنيا يبحث عن باب رزق ليحصل له مابه يعش ، فإذا لمح باب عسر يحول بينه وبين طعام ذلك الولد نزل به من الغم والهم ماتنوء به الجبال .
    يحصل هذا وهذا للوالدين المسكينين ، وليس عند ذلك الولد خبرمما هما فيه ، وبينما هما يعانيان ما يعانيان لأجل الأول من الأولاد إذ يشرّف الثاني ، فتبتدىء الأُم تلاقي في دوره مالاقت فـي الأول ، ثم يتقدم الوالد بنصيبه من التعب له ، ولا يزالان هكذا يضيفان تعباً إلى تعب حتـى يسلما الروح ويفارقا هذه الحياة ، وماصفا لهما يوم واحد يستريحان فيه من أهوال الأولاد . وخلاصة القول أن الولد لولا الله ثم والداه ما رأى هذا الوجود ولولاهما ما عاش بعد أن كـان .
    فعلى الولد أن يفهم أنه بوالديه خلق ، وبوالديه عاش ، ولولاهما ما خلق ، ولولاهما مـا عـاش ؛ فهو مدين لهما بشخصه كله من أوله إلى آخره بدناً وروحاً لا يخالف في ذلك أحد وهـذا شيء فوق التقدير وإحسان يجل عن المكافأة ويكبر عنها.
    علم ذلك خالق الأكوان ورب العالمين ، فوصى الأبناء على آبائهم وأمهاتهم فى كتابه العزيز ، وفى سنة رسوله وصايا من رآها عرف فضل الوالد ، والوالدة ، وما الذى ينبغى أن يعمل الولد معهما .
    أما من الكتاب فاسمع قوله علت كلمته (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) [النساء 36 ]، وقوله سمت آياته ((وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا) [الإسراء 23] ، وقوله تفرد بالكمال ((أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ(14) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ(15)لقمان )) وقوله تنزه عما لا يليق ((وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ) [ الأحقاف 15].
    وهذا تشديد بلغ النهاية في الشدة فأنـك ترى الوصية بالإحسان إلى الوالدين في الدرجة الثانية من عبادته عز وجل وتوحيــده ، ومعلومٌ أن من أخل بذلك في جانبه تعالى كان له العذاب الأليم الأبدى الذي لا ينتهي ، وهذا ينذر من أخل بالإحسان إلى الوالدين بعذاب في الدرجة الثانية من ذلك العذاب العظيم .
    بل أقول إن الإخلال بذلك الإحسان يعقب عذاباً كعذاب الشرك بالله لو صدر عن الولد مع الاستخفاف والاستهانة والاستحلال ، والآيات كما ترون تطلق الإحسان ولا تقيده بوقت دون وقت ، وذكرت الآية الثانية ماذكرت من الأدآب وقت بلوغ الكبر لأنهما فيه أشد حاجة إلى تلك الآداب ، وأحب أن نتأمل جميعا في قوله تعالى ((وقل ربي ارحمهما كما ربياني صغيرا)) فإنه تنبيه للولد إلى حالة كان فيها في غاية العجز عن أي مصلحة من مصالحه بحيث لو غفل عنه والداه قليلاً من الزمن لمات وانتهـــى.
    يؤدب ربنا الحكيم الرحيم الولد منا أن يطلب منه الرحمة لوالديه كما رحماه وهو صـغير لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً فإذا تذكر الإنسان ـ وهو يدعو ـ حالته تلك قدّرها قدرها ، وهاجت عاطفته طالبة أن تكافيء ذينك الوالدين على رحمتهما له تلك الرحمة الـتي لاتحدّ، خصوصاً إذا عرف أنهما كانا يعملان معه ما يعملان من العناية به وهو بذلـك العجز التام والضعف الذي لا يتمكن معه من نفع نفسه فضـلاً عن والــديــه .
    وانظروا أيها المؤمنون كيف يأمر ربنا الولد في الأية الثالثة أن يتأدب في معـاشرتـه لوالديه ويصحبهما صحبة لا تخرج في حال من الأحوال عن المعروف وهما مشركــان يعبدان غيره عز وجل ، والذي حظره عليه في صحبتهما الشرك إذا أمراه أن يشرك مثلهما ، ومثل الشرك كل المعاصي فإنه لا طاعة لمــخلوق في معصــــية الخـــالق.
    وتفكروا فى الآية الرابعة تجدونها تذكر سبب الأمر بالإحسان بالنسبة للوالدة إذا مكــثت ثلاثين شهراً في عناء وتعب في الولد ، ستة شهور في متاعب الحمل والوضع ، وأربــعة وعشرين شهراً في الإرضاع ، ولو راعت الآية الغالب من الحمل لقالت ثلاثة وثلاثين شهراً بزيادة ثلاثة أشهر في الحمل على الستة ، ولكنها راعت الأقل ليُعلم ، حتى لا تُتهم الأم إن وضعت لهذا الأقل ، والأم جديرة بهذا التنوية الإلهي فأنها ترى من الألآم بالولد وهو صغير مالا يرى الوالد جزءاً من ألف منه ، يضاف إلى ذلك ما أودعه تعالى بقلبها من الرحمة التى لا تقدّر حتى تصبر معها على مشاق التربية فى طفولة الولد، ولم يعط الوالد كل هذه الرحمة لأن تلك التربية ليست من وظيفته ، ولذلك تراه إذا تناول الطفل لا يصبر على حمله أكثر من لحظات تلذذه به،ولولم تلحقه الوالدة وتأخذه منه لرماه باللأرض رمياً.
    ولهذا شدد الله تعالىفي برها مالم يشدد في بر الوالد ، فقد أتى رجل نبيّ الله صلى الله عليه وسلم فقال له : ) يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَحَقُّ مِنِّي بِحُسْنِ الصُّحْبَةِ قَالَ أُمُّكَ قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ ثُمَّ أُمُّكَ قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ ثُمَّ أُمُّكَ قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ أَبَاكَ ) رواه البخاري (5971 ) ومسلم (2548 ) .
    ومن راجع دواوين السنة في بر الوالدين رأى الكثير الجليل، وحسبكم أن تسمعوا بعضها : فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ جِئْتُ أُبَايِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ وَتَرَكْتُ أَبَوَيَّ يَبْكِيَانِ فَقَالَ ارْجِعْ عَلَيْهِمَا فَأَضْحِكْهُمَا كَمَا أَبْكَيْتَهُمَا أبو داود 2528 ، وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَجُلًا هَاجَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْيَمَنِ فَقَالَ هَلْ لَكَ أَحَدٌ بِالْيَمَنِ قَالَ أَبَوَايَ قَالَ أَذِنَا لَكَ قَالَ لَا قَالَ ارْجِعْ إِلَيْهِمَا فَاسْتَأْذِنْهُمَا فَإِنْ أَذِنَا لَكَ فَجَاهِدْ وَإِلَّا فَبِرَّهُمَا أبو داود 2530. وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا حَقُّ الْوَالِدَيْنِ عَلَى وَلَدِهِمَا قَالَ هُمَا جَنَّتُكَ وَنَارُكَ ابن ماجه 3662 .
    فليتأمل الولد هذه الأحاديث ثم ليتأمله ليعرف إلى أى قدر تشديد الشارع على الأبناء فى برّ أبويهم .
    ولعلكم تعجبون إذا قلت لكم إن الرسول صلى الله عليه وسلم قدم هذا البر على الجهاد وهو الجهاد فقد جاء رجل إلى النبى صلى الله عليه وسلم يريد الجهاد فقال أَلَكَ أَبَوَانِ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ أبو داود 2529 والبخارى ومسلم .
    ولم يقتصر الشارع على بر الوالدين فقط ، بل أمر بصلة أقاربهما لأجلهما . فقال صلى الله عليه وسلم ( من أحب أن يُبسط له فى رزقه ، وأن ينسأ له فى أثره فليصل رحمه ) البخارى (5986) ومسلم (2557) .
    بل جاء الترغيب جاء الترغيب فى صلة أصدقاء الوالد من بعده ، فقد قال عليه اصلاة والسلام : ( من أحب أن يصل أباه فى قبره فليصل إخوان أبيه بعدَه ) رواه ابن حبان1/329 حديث رقم (433) . وقال صلى الله عليه وسلم ( إِنَّ أَبَرَّ الْبِرِّ أَنْ يَصِلَ الرَّجُلُ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ ) الترمذى وصححه 1903 .
    وكذلك صلة صواحب الأم صلة لها وهى فى قبرها ، فإنه لا فارق بينهما .
    وإذا أحطتم بهذا التشديد فى برهما عرفتم قطعا أن هذا البر عظيم عند الله ، وعرفتم أيضا أن تركه عظيم فى باب معصيته عز وجل كما قلت فى طالعة هذه الخطبة .
    ويدلكم على عظم تركه قوله صلى الله عليه وسلم ( أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ ثَلَاثًا قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ ) البخارى 2654 . فها هو ذا صلى الله عليه وسلم ذكر عقوق الوالدين بعد عبادة غير الله عز وجل ، كما أن القرآن جعل الإحسان إليهما بعد عبادته سبحانه وتعالى .
    وقد يأخذ السامع العجب من هذا التشديد فى شأن الوالدين برا وعقوقا لهذه الدرجة ؛ فاتقوا الله عباد الله وتقربوا إلى الله ببر الوالدين والإحسان إليهما .
    نفعنى الله وإياكم بهدى كتابه الكريم ، وسنة نبيه العظيم ، أقول قولى هذا واستغفر الله العظيم الجليل لى ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .
    بقلم / أسامة سعيد العنقاوي المكي المالكى
    الجمعة ، 09 جمادى الاولى ، 1420
  • هلال بن عبد الله بن عمر
    موقوف بـســبــب عدم قدرته على آداب الحوار
    • Apr 2007
    • 775

    #2
    السلام عليكم
    بوركت اخي وفقكم الله
    هو اللهُ الذي لا إلهَ إلاّ هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم.

    بكـيت بدمــع واكـف فـقـد مــالـك *** ففي فقـــــده سـدت عليـنا المـســــالـك
    ومــالي لا أبكـي علـيه وقـد بكـت *** عـليـه الثريـا والنجـــوم الـشـــوابــك
    حلفـت بما أهــــدت قريش وجلـلـت *** صبيحة عشر حين تقضى المـناسـك
    لنعم وعـاء العـلم والفقـه مـــالـك *** إذا عـد مفقــــود من النــــاس هـــالـك

    تعليق

    يعمل...