عنوان الخطبة: وفر دموع هوانك لأن الغزاويين لا يحتاجونها
فالحمد لله الذي أثنى علينا جماعةَ المؤمنين بقوله (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض). وجزى الله عنا نبينا محمدا ما هو أهله. بين لنا حقوق المولاة وموجبات الرحمة فقال جزاه الله عنا خير ما جزى به نبيا عن أمته: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر ]. ونحن في أيامنا أغنى ما نكون عن مجرد السماع والكلام. ما عاد ينفعنا أن نمر مرور الكرام على نصح نبينا محمد . ماذا تضمن ضرب المثل للمؤمنين في توادهم وتراحمهم من أبعاد؟ مثل يُضرب لأمة المؤمنين في توادهم وتراحمهم لا في مودتهم ورحمتهم. المودة والرحمة قد تكون من بعض المؤمنين. وليس مقصودا في هذا الثناء أن يُثنى على بعض من جماعة المؤمنين. فالمؤمنون جسد واحد في تبادل الود والتراحم. التواد والتراحم يعني أن جميع المؤمنين يتبادلون التواد والتراحم. المؤمنون قسمان لا ثالث لهما بعضهم أولياء بعض. لا وجود لبعض من المؤمنين يبتعدون عن جسد الأمة لا يهتمون بهمها. لا مكان في جسد الأمة لطرف لا يقدم لجسد الأمة نصرة ولا ولاية ولا مودة ولا رحمة. نبينا محمد نبهنا إلى أمر خطير في هذا المثل الذي ضربه للمؤمنين في تبادل الرحمة والمودة. المؤمنون يتناوبون على تبادل الرحمة والمودة يعين بعضهم بعضا على تقلبات الزمان والأحوال. جسد واحد اليوم يشتكي هذا العضو لسائر الجسد، وغدا سيبرأ هذا العضو ليبادل سائر الأعضاء بما قدموه إليه من مودة ورحمة. المؤمنون كالجسد الواحد. والعضو الذي يبخل اليوم بواجب المودة والرحمة سيمر عليه زمان تتغير فيه الأحوال. العضو الذي يشكو اليوم سيبرأ غدا، والعضو المستكبر المستغني لا بد أن يعاقبه الله بعقاب من جنس عمله. اسمعها من نبيك الذي لا ينطق عن الهوى. يقول نبينا محمد : « ما من امرئ يخذل مسلما في موطن يُنتهك فيه حرمته ويُنتقص فيه من عرضه إلا خذله الله في موطن تجب فيه نصرته، وما من امرئ ينصر مسلما في موطن يُنتقص فيه من عرضه ويُنتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن تحب فيه نصرته» جسد واحد فكيف يكون في الجسد الواحد عضو يتضور جوعا وعضو يتقلب تخمة وشبعا؟ المؤمنون جسد واحد يألم جميعُه بما يؤلم بعضَه. المؤمنون جسد واحد لا يكون عضو من أعضائه في السراء وعضو في الضراء. ليس في الجسد الواحد عضو يتنعم بالسلامة ويتخلى عن موضع البلاء في غيره من الأعضاء. البلاء الذي يصيب القدم ليس بلاء خاصا بالقدم وحدها. إذا ابتلى الله تبارك وتعالى بلدا بتهجير أهله فقد ابتلى سائر البلاد بواجبات النصرة. إذا ابتلى الله مسلما بالفقر فقد ابتلى الغني بالإمساك أو الإنفاق. إذا ابتلى الله النساء والولدان بالهوان فقد ابتلى الرجال بالنصرة. المؤمنون جسد واحد فعلى كل عضو أن يتداعى لسائر الأعضاء بما كُلف به. لا مفر ولا منجا من مواجهة اختيار الله وتكليفه. التولي يوم الزحف عن بذل الأرواح كبيرة من الكبائر، والتولي قبل يوم الزحف عن واجب بذل الأموال للمستضعفين كبيرة من الكبائر. فرار المسلم أمام العدو من أرض المعركة كبيرة من الكبائر، وفرار المسلم خلف أرض المعركة وتخليه عن حفظ ظهر أخيه وماله كبيرة من الكبائر. يقول نبينا محمد : «المؤمن أخو المؤمن ، حيث لقيه يكف عليه ضيعته ويحوطه من ورائه » ويقول نبينا محمد : [ المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يُسلمه -المسلم أخو المسلم لا يُسلمه ولا يتركه لمن يؤذيه - ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته. ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة. ولا يزال الله عز و جل في عونه ما دام في عون أخيه) ويقول نبينا محمد : (ليس منا من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم ) كان سلفنا رضوان الله عليهم يعرفون لهذا الوعيد خطره. كان لسيد التابعين أويسٌ رضي الله عنه رداء قصير خفيف فكان يجلس على الأرض ويقول : اللهم إني أعتذر إليك من كل بطن جائعة ومن كل جسد عار فليس عندي إلا ما على ظهري و ما في بطني. *نحن اليوم نتداعى لأعضاء الجسد الواحد بالحمى والسهر، أظهرنا الاهتمام بأمر المسلمين فنسأل الله أن لا يجعل حظنا من ذلك زيادة في آلامنا وجراحنا وحيرتنا. نسأل الله تبارك وتعالى أن لا يجعلنا ممن يزاد عجزه بزيادة اهتمامه بآلام المسلمين. متى يحسن المسلمون توظيف الآلام والجراح؟ متى يفقه المسلم مفردات الصبر والمصابرة والقتل والإيذاء والإخراج من البلاد؟ متى يتجاوز المسلم في آلامه عقدة الواقع والغرق في الحاضر؟ متى نستمع إلى ذكر القتل والتهجير والإيذاء في كتاب الله الكريم؟ الله تبارك وتعالى علمنا في حاضر الآلام أن لا نغرق في الحاضر والواقع. الله تبارك وتعالى علمنا أن نرفع أعيننا إلى المستقبل (فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّن عِندِ اللّهِ وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ {} لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي الْبِلاَدِ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ) *أيها المسلم المهوم المحزون لا تجعل من مصاب جسدك في أرض الرباط حملا وثقلا معجزا. طالت آلامك وتكررت أوجاعك حتى ألفت سكب الدموع وأبدعت في شكوى الزمان. وفر دموعك لتبكي على عجزك وهوانك. ما عاد إخوانك في أرض الرباط يحتاجون إلى دموعك وحيرتك. ما عادوا يطلبون نصرتك وأنت لا تحسن إلا تقليب كفيك حيرة وعجزا. ماعادوا يرجون أن ترفع يديك إلى الله لتشكو ضعفك وهوانك على الناس. هذه أرض الرباط التي عاشت الحصار والتهجير والقتل فما غرقت في آلامها كما غرقت أنت في آلامك. هذه أرض رباط لم يصبر اليهود على قتال أهلها لما كانوا على الحق وكان أهلها على الباطل. لم يصبروا على قتالهم فقالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها. لم يصبر اليهود على قتال أهلها لما كانوا على الباطل فكيف يصبرون على قتالهم بعد الإيمان بالله؟ كيف يفرطون بمسرى الأنبياء بعدما زادها النبي تشريفا فجعلها بوابة السماء؟ وفوع العجز والقهر فإن في أرض الرباط قوما أثنى عليهم النبي بالغنى عن نصرة العاجزين الضعفاء. لا ترفع صوتك لتعتذر إليه عن خذلانك لهم . هذه عصابة وطائفة لا يضرها من خذلها يقول نبيها محمد صلى الله عليه وسلم: "لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من جابههم، إلا ما أصابهم من أذى حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك، قالوا: وأين هم يا رسول الله ؟ قال: في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس). في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس صبروا وصابروا ورابطوا وما بدبوا تبديلا منذ أن ربط النبي خيل عزهم عند مربط البراق. في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس حتى النساء لا ترفع أيديها لتشكو ضعفها وهوانها على الناس. في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس قدموا ليلي ووفاء وعندليب ودارين. لا يضرهم أن المسلمين في الأرض لم يسمعوا من قبل بعندليب ووفاء وليلى ودارين. يا أهل السماء هل سمعتم بليلى وعندليب ودارين؟ يا من قالوا أتجعلوا فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء: هل شهدتم جواب عندليب وليلى ودارين؟ هل سمعتم جواب عندليب التي لا يزيد وزنها على أربعين كيلا ولم تبلغ عشرين عاما، هل شهدتم على عيونها لما ألقت نظرة حنان على إخوتها وهم نيام؟ هل سمعتم قولها الدتها "سيأتي اليوم أناس لخطبتي فأحسني استقبالهم". لم تفهم أمها مرادها إلا بعدما علمت أن ابنتها النحيلة جرحت أربعين من الغاصبين المحتلين، وقتلت ثمانية منهم وأنزلت الرعب فيهم أجمعين. هل علمتم تأويل جواب ربنا لما قال إني أعلم ما لا تعلمون؟ تأويل جواب الله في فعل دارين التي أكملت ختم القرآن ثم خرجت من منزلها، فافتقدها أهلها واضطربوا لتأخرها، وعند الساعة العاشرة مساء تتصل بهم لتقول كلمات معدودات (لا تقلقوا علي، لا تخافوا وتوكلوا على الله وفي الصباح سأفسر لكم وأشرح لكم) وفي الصباح ما فسرت وشرحت لأهلها فقط بل شرحت لكل من يفهم الشرح والتأويل. شرحت جوابا عن سؤال الملائكة لربهم لما قالوا (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) شرح وجواب عملي من وحي قول ربها (قال إني أعلم ما لا تعلمون) علمت الملائكة أنه سيظهر في الأرض من يفسد فيها ويسفك الدماء من بني البشر، وعلم الله تبارك وتعالى ما لا يعلمون، علم سبحانه أنه سيظهر في أمة محمد صلى الله عليه وسلم من لا يثنيهم سفك الدماء وفساد الأرض، علم الله تبارك وتعالى أنه سيظهر في أمة محمد صلى الله عليه وسلم فتاة ستسفك دمها دفاعا عن مسرى نبيها. فتيات ولدن في زمن الاحتلال والتطبيع والاستسلام. فتيات كالقوارير لا تعوزهم عاطفة ولا رقة ولا أنوثة، لم يستسلموا لما رميت به أمتهم من هوان، لم تقعدهم عاطفة الأمومة ولا فطرة الأنوثة. فتيات تعلمن أن سفك الدماء في سبيل الله لا يدعو إلى الإحباط والعجز والهوان فتيات تعلمن أن الأمة كلما سكبت مزيدا من الدماء فوق مسرى الأنبياء وبوابة السماء ازدادت تعلقا بكل شبر منها. فوق مسرى الأنبياء وعند بوابة السماء قتل الصليبيون ما يزيد على ستين ألفا من الرجال والنساء والصبيان. فما قعد المسلمون ولا استسلموا أعدوا العدة في قرن من الزمان ثم استعادوا الأقصى من براثن الصليبين فتيات تعلمن من سيرة السلف قبح دموع العجز والهوان. علموا أن المشركين أوقدوا حديدة حتى احمرت، ثم وضعوها على رأس خباب فخشخش صوتها فوق فروة رأسه، ثم سحبوها على ظهره فما أطفأها إلا شحم ظهره. يقول خباب رضي الله عنه: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو متوسد برده في ظل الكعبة، فقلت: يارسول الله ألا تدعو الله فقد لقينا من المشركين شدة وغلظة؟ فقعد النبي صلى الله عليه وسلم محمرا وجهه وقال: (لقد كان مِن قبلكم مَن يمشط بأمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم وعصب، ما يصرفه ذلك عن دينه، وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون)
فالحمد لله الذي أثنى علينا جماعةَ المؤمنين بقوله (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض). وجزى الله عنا نبينا محمدا ما هو أهله. بين لنا حقوق المولاة وموجبات الرحمة فقال جزاه الله عنا خير ما جزى به نبيا عن أمته: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر ]. ونحن في أيامنا أغنى ما نكون عن مجرد السماع والكلام. ما عاد ينفعنا أن نمر مرور الكرام على نصح نبينا محمد . ماذا تضمن ضرب المثل للمؤمنين في توادهم وتراحمهم من أبعاد؟ مثل يُضرب لأمة المؤمنين في توادهم وتراحمهم لا في مودتهم ورحمتهم. المودة والرحمة قد تكون من بعض المؤمنين. وليس مقصودا في هذا الثناء أن يُثنى على بعض من جماعة المؤمنين. فالمؤمنون جسد واحد في تبادل الود والتراحم. التواد والتراحم يعني أن جميع المؤمنين يتبادلون التواد والتراحم. المؤمنون قسمان لا ثالث لهما بعضهم أولياء بعض. لا وجود لبعض من المؤمنين يبتعدون عن جسد الأمة لا يهتمون بهمها. لا مكان في جسد الأمة لطرف لا يقدم لجسد الأمة نصرة ولا ولاية ولا مودة ولا رحمة. نبينا محمد نبهنا إلى أمر خطير في هذا المثل الذي ضربه للمؤمنين في تبادل الرحمة والمودة. المؤمنون يتناوبون على تبادل الرحمة والمودة يعين بعضهم بعضا على تقلبات الزمان والأحوال. جسد واحد اليوم يشتكي هذا العضو لسائر الجسد، وغدا سيبرأ هذا العضو ليبادل سائر الأعضاء بما قدموه إليه من مودة ورحمة. المؤمنون كالجسد الواحد. والعضو الذي يبخل اليوم بواجب المودة والرحمة سيمر عليه زمان تتغير فيه الأحوال. العضو الذي يشكو اليوم سيبرأ غدا، والعضو المستكبر المستغني لا بد أن يعاقبه الله بعقاب من جنس عمله. اسمعها من نبيك الذي لا ينطق عن الهوى. يقول نبينا محمد : « ما من امرئ يخذل مسلما في موطن يُنتهك فيه حرمته ويُنتقص فيه من عرضه إلا خذله الله في موطن تجب فيه نصرته، وما من امرئ ينصر مسلما في موطن يُنتقص فيه من عرضه ويُنتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن تحب فيه نصرته» جسد واحد فكيف يكون في الجسد الواحد عضو يتضور جوعا وعضو يتقلب تخمة وشبعا؟ المؤمنون جسد واحد يألم جميعُه بما يؤلم بعضَه. المؤمنون جسد واحد لا يكون عضو من أعضائه في السراء وعضو في الضراء. ليس في الجسد الواحد عضو يتنعم بالسلامة ويتخلى عن موضع البلاء في غيره من الأعضاء. البلاء الذي يصيب القدم ليس بلاء خاصا بالقدم وحدها. إذا ابتلى الله تبارك وتعالى بلدا بتهجير أهله فقد ابتلى سائر البلاد بواجبات النصرة. إذا ابتلى الله مسلما بالفقر فقد ابتلى الغني بالإمساك أو الإنفاق. إذا ابتلى الله النساء والولدان بالهوان فقد ابتلى الرجال بالنصرة. المؤمنون جسد واحد فعلى كل عضو أن يتداعى لسائر الأعضاء بما كُلف به. لا مفر ولا منجا من مواجهة اختيار الله وتكليفه. التولي يوم الزحف عن بذل الأرواح كبيرة من الكبائر، والتولي قبل يوم الزحف عن واجب بذل الأموال للمستضعفين كبيرة من الكبائر. فرار المسلم أمام العدو من أرض المعركة كبيرة من الكبائر، وفرار المسلم خلف أرض المعركة وتخليه عن حفظ ظهر أخيه وماله كبيرة من الكبائر. يقول نبينا محمد : «المؤمن أخو المؤمن ، حيث لقيه يكف عليه ضيعته ويحوطه من ورائه » ويقول نبينا محمد : [ المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يُسلمه -المسلم أخو المسلم لا يُسلمه ولا يتركه لمن يؤذيه - ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته. ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة. ولا يزال الله عز و جل في عونه ما دام في عون أخيه) ويقول نبينا محمد : (ليس منا من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم ) كان سلفنا رضوان الله عليهم يعرفون لهذا الوعيد خطره. كان لسيد التابعين أويسٌ رضي الله عنه رداء قصير خفيف فكان يجلس على الأرض ويقول : اللهم إني أعتذر إليك من كل بطن جائعة ومن كل جسد عار فليس عندي إلا ما على ظهري و ما في بطني. *نحن اليوم نتداعى لأعضاء الجسد الواحد بالحمى والسهر، أظهرنا الاهتمام بأمر المسلمين فنسأل الله أن لا يجعل حظنا من ذلك زيادة في آلامنا وجراحنا وحيرتنا. نسأل الله تبارك وتعالى أن لا يجعلنا ممن يزاد عجزه بزيادة اهتمامه بآلام المسلمين. متى يحسن المسلمون توظيف الآلام والجراح؟ متى يفقه المسلم مفردات الصبر والمصابرة والقتل والإيذاء والإخراج من البلاد؟ متى يتجاوز المسلم في آلامه عقدة الواقع والغرق في الحاضر؟ متى نستمع إلى ذكر القتل والتهجير والإيذاء في كتاب الله الكريم؟ الله تبارك وتعالى علمنا في حاضر الآلام أن لا نغرق في الحاضر والواقع. الله تبارك وتعالى علمنا أن نرفع أعيننا إلى المستقبل (فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّن عِندِ اللّهِ وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ {} لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي الْبِلاَدِ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ) *أيها المسلم المهوم المحزون لا تجعل من مصاب جسدك في أرض الرباط حملا وثقلا معجزا. طالت آلامك وتكررت أوجاعك حتى ألفت سكب الدموع وأبدعت في شكوى الزمان. وفر دموعك لتبكي على عجزك وهوانك. ما عاد إخوانك في أرض الرباط يحتاجون إلى دموعك وحيرتك. ما عادوا يطلبون نصرتك وأنت لا تحسن إلا تقليب كفيك حيرة وعجزا. ماعادوا يرجون أن ترفع يديك إلى الله لتشكو ضعفك وهوانك على الناس. هذه أرض الرباط التي عاشت الحصار والتهجير والقتل فما غرقت في آلامها كما غرقت أنت في آلامك. هذه أرض رباط لم يصبر اليهود على قتال أهلها لما كانوا على الحق وكان أهلها على الباطل. لم يصبروا على قتالهم فقالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها. لم يصبر اليهود على قتال أهلها لما كانوا على الباطل فكيف يصبرون على قتالهم بعد الإيمان بالله؟ كيف يفرطون بمسرى الأنبياء بعدما زادها النبي تشريفا فجعلها بوابة السماء؟ وفوع العجز والقهر فإن في أرض الرباط قوما أثنى عليهم النبي بالغنى عن نصرة العاجزين الضعفاء. لا ترفع صوتك لتعتذر إليه عن خذلانك لهم . هذه عصابة وطائفة لا يضرها من خذلها يقول نبيها محمد صلى الله عليه وسلم: "لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من جابههم، إلا ما أصابهم من أذى حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك، قالوا: وأين هم يا رسول الله ؟ قال: في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس). في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس صبروا وصابروا ورابطوا وما بدبوا تبديلا منذ أن ربط النبي خيل عزهم عند مربط البراق. في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس حتى النساء لا ترفع أيديها لتشكو ضعفها وهوانها على الناس. في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس قدموا ليلي ووفاء وعندليب ودارين. لا يضرهم أن المسلمين في الأرض لم يسمعوا من قبل بعندليب ووفاء وليلى ودارين. يا أهل السماء هل سمعتم بليلى وعندليب ودارين؟ يا من قالوا أتجعلوا فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء: هل شهدتم جواب عندليب وليلى ودارين؟ هل سمعتم جواب عندليب التي لا يزيد وزنها على أربعين كيلا ولم تبلغ عشرين عاما، هل شهدتم على عيونها لما ألقت نظرة حنان على إخوتها وهم نيام؟ هل سمعتم قولها الدتها "سيأتي اليوم أناس لخطبتي فأحسني استقبالهم". لم تفهم أمها مرادها إلا بعدما علمت أن ابنتها النحيلة جرحت أربعين من الغاصبين المحتلين، وقتلت ثمانية منهم وأنزلت الرعب فيهم أجمعين. هل علمتم تأويل جواب ربنا لما قال إني أعلم ما لا تعلمون؟ تأويل جواب الله في فعل دارين التي أكملت ختم القرآن ثم خرجت من منزلها، فافتقدها أهلها واضطربوا لتأخرها، وعند الساعة العاشرة مساء تتصل بهم لتقول كلمات معدودات (لا تقلقوا علي، لا تخافوا وتوكلوا على الله وفي الصباح سأفسر لكم وأشرح لكم) وفي الصباح ما فسرت وشرحت لأهلها فقط بل شرحت لكل من يفهم الشرح والتأويل. شرحت جوابا عن سؤال الملائكة لربهم لما قالوا (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) شرح وجواب عملي من وحي قول ربها (قال إني أعلم ما لا تعلمون) علمت الملائكة أنه سيظهر في الأرض من يفسد فيها ويسفك الدماء من بني البشر، وعلم الله تبارك وتعالى ما لا يعلمون، علم سبحانه أنه سيظهر في أمة محمد صلى الله عليه وسلم من لا يثنيهم سفك الدماء وفساد الأرض، علم الله تبارك وتعالى أنه سيظهر في أمة محمد صلى الله عليه وسلم فتاة ستسفك دمها دفاعا عن مسرى نبيها. فتيات ولدن في زمن الاحتلال والتطبيع والاستسلام. فتيات كالقوارير لا تعوزهم عاطفة ولا رقة ولا أنوثة، لم يستسلموا لما رميت به أمتهم من هوان، لم تقعدهم عاطفة الأمومة ولا فطرة الأنوثة. فتيات تعلمن أن سفك الدماء في سبيل الله لا يدعو إلى الإحباط والعجز والهوان فتيات تعلمن أن الأمة كلما سكبت مزيدا من الدماء فوق مسرى الأنبياء وبوابة السماء ازدادت تعلقا بكل شبر منها. فوق مسرى الأنبياء وعند بوابة السماء قتل الصليبيون ما يزيد على ستين ألفا من الرجال والنساء والصبيان. فما قعد المسلمون ولا استسلموا أعدوا العدة في قرن من الزمان ثم استعادوا الأقصى من براثن الصليبين فتيات تعلمن من سيرة السلف قبح دموع العجز والهوان. علموا أن المشركين أوقدوا حديدة حتى احمرت، ثم وضعوها على رأس خباب فخشخش صوتها فوق فروة رأسه، ثم سحبوها على ظهره فما أطفأها إلا شحم ظهره. يقول خباب رضي الله عنه: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو متوسد برده في ظل الكعبة، فقلت: يارسول الله ألا تدعو الله فقد لقينا من المشركين شدة وغلظة؟ فقعد النبي صلى الله عليه وسلم محمرا وجهه وقال: (لقد كان مِن قبلكم مَن يمشط بأمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم وعصب، ما يصرفه ذلك عن دينه، وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون)
تعليق