حديث الحديبيّة المطول الذي ساقه الخطابي في معالم السنن:
809- قال أبو داود : حدثنا محمد بن عبيد أن محمد بن ثور حدثه عن معمر عن الزهري عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة وذكر قصة الحديبية ومصالحة النبي صلى الله عليه وسلم قريشاً.
قلت: (اي الإمام الخطابي) اختصر أبو داود هذا الحديث اختصاراً ذهب فيه شطر من فوائد هذا الحديث فرأيت أن أذكر الحديث والقصة على وجهها وأبين ما فيها من السنن والمعاني ليستفاد علمه، ويحصر نفعه والله الموفق له.
* أخبرنا محمد بن هاشم حدثنا الدَبري عن عبد الرزاق عن معمر أخبرني الزهري عن عروة عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم يصدق كل واحد منهما صاحبه قالا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه حتى إذا كانوا بذي الحليفة قلد رسول الله صلى الله عليه وسلم الهدي وأشعره وأحرم بالعمرة وبعث بين يديه عينا له من خزاعة يخبره عن قريش وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بغدير الأشطاط قريباً من عُسفان أتاه عينه الخزاعي فقال إن كعب بن لؤي وعامر بن لؤي قد جمعوا لك الأحابيش وجمعوا لك جموعاً كثيرة وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم أشيروا عليّ أترون أن نميل إلى ذراري هؤلاء الذين أعانوهم فنصيبهم فإن قعدوا قعدوا موتورين محروبين وإن نجوا يكن عنقاً قطعها الله أم ترون أن نؤم البيت فمن صدنا عنه قاتلناه ، فقال أبو بكر رضي الله عنه يا نبي الله إنما جئنا معتمرين ولم نجيء لقتال أحد ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فروحوا إذاً.
قال معمر قال الزهري وكان أبو هريرة يقول ما رأيت أحدا قط كان أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال الزهري في حديث المسور ومروان بن الحكم فراحوا وساق الحديث قال وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كانوا بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته ، فقال الناس حَل حل فقال خلأت القصواء وما كان لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل ثم قال والذي نفسي بيده لا يسألوني خُطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها ثم زجرها فوثبت به قال فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمدَ قليل الماء إنما يتبرضه الناس تبرضاً فلم يلبث الناس أن نزحوه فشُكي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العطش فانتزع سهما من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه فبيناهم كذلك إذ جاء بُديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة وكانوا عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل تهامة فقال إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي اعداد مياه الحديبية معهم العُوذ المطافيل وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا لم نجىء لقتال أحد ولكن جئنا معتمرين وإن قريشا قد نهكتهم الحرب واضرت بهم فإن شاؤوا هادنتُهم مدة طويلة ويخلوا بيني وبين الناس فإن أظهر فإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا وإلا قد جموا وإن أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي أو لينفذن الله أمره ، فقال بُديل بن ورقاء سأبلغهم ما تقول فانطلق حتى أتى قريشا وساق الحديث إلى أن ذكر مجيء عروة بن مسعود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن قال له قد والله أرى وجوهاً وأوشاباً من الناس خليقاً أن يفروا ويدعوك ، فقال أبو بكر رضي الله عنه امصص ببظر اللات انحن نفر منه وندعه ، فقال من ذا فقالوا أبوبكر ، فقال أما والذي نفسي بيده لولا يد لك عندي لم أجزك بها لأجبتك ، قال وجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فكلما كلمه أخذ بلحيته والمغيرة بن شعبة قائم على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه السيف وعليه المغفر فكلما اهوى عروة بيده إلى لحية النبي صلى الله عليه وسلم ضرب يده بنعل السيف وقال أخر يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم فرفع عروة رأسه فقال من هذا قالوا المغيرة بن شعبة فقال أي غُدَراء ولست أسعى في غدرتك ، وكان المغيرة قد صحب قوما في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم ثم جاء فأسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم أما الإسلام فأقبل وأما المال فلست منه في شيء ، ثم إن عروة جعل يرمق صحابة النبي صلى الله عليه وسلم بعينيه قال فوالله ما تنخم رسول الله صلى الله عليه وسلم نُخامة إلاّ وقعت في يد رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده ، وإذا أمرهم ابتدروا إلى أمره ؛ وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه ، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده وما يحدون النظر إليم تعظيماً له ، قال فرجع عروة إلى أصحابه فقال أي قوم وذكر القصة إلى أن قال اهم أنه ، يَعني النبي صلى الله عليه وسلم قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها منه وساق الحديث إلى أن قال فبينا مِكرز بن حفص يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو ، وقال معمر قال أيوب عن عكرمة أنه لما جاء سهيل قال النبي صلى الله عليه وسلم قد سهل لكم من أمركم ، قال معمر قال الزهري في حديثه فجاء سهيل بن عمرو فقال هات اكتب بيننا وبينكم كتابا فدعا الكاتب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اكتب بسم الله الرحمن الرحيم فقال سهيل أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو ولكن اكتب باسمك اللهم كما كنت تكتب ، فقال المسلمون والله لا نكتبها إلاّ بسم الله الرحمن الرحيم فقال النبي صلى الله عليه وسلم اكتب باسمك اللهم ثم قال هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله فقال سهيل والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولكن اكتب محمد بن عبد الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به فقال سهيل والله لا تتحدث العرب إنا أخذنا ضغطة ولكن لك من العام المقبل فكتب قال سهيل وعلى أن لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك الا رددته إلينا فقال المسلمون سبحان الله كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلماً فبينا هو إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده قد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين فقال سهيل هذا أول ما نقايضك عليه أن ترده إليّ فقال النبي صلى الله عليه وسلم انا لم نقض الكتاب بعد قال فوالله إذاً لا أصالحك على شيء أبداً قال النبي صلى الله عليه وسلم فأجره لي قال ما أنا بمجير لك قال بلى قال فافعل قال ما أنا بفاعل فقال مكرز بلى قد أجرناه لك فقال أبو جندل أي معاشر المسلمين أُردُ إلى المشركين وقد جئت مسلما ألا ترون ما لقيت وكان قد عذب عذاباً شديداً في الله فقال عمر بن الخطاب والله ما شككت منذ أسلمت إلاّ يومئذ فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت له ألست نبي الله حقاً قال بلى قلت ألسنا على الحق وعدونا على الباطل قال بلى قلت فلم نعطي الدِنْيةَ في ديننا إذاً قال إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري قلت أو لست كنت تحدثنا إنا سنأتي البيت فنطوف به قال بلى افأخبرتك إنك تأتيه العام قلت لا قال فإنك آتيه ومطوف به قال فأتيت أبا بكر ، يَعني فقلت له مثل مقالتي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أيها الرجل أنه رسول الله وليس يعصي ربه وهو ناصره فاستمسك بغرزه حتى تموت فوالله إنه لعلى الحق وساق الحديث إلى أن قال فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قوموا فانحروا ثم احلقوا قال فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات فلما لم يقم أحد منهم قام فدخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس فقالت أم سلمة يا نبي الله أتحب ذلك أخرج ثم لا تكلم أحداً منهم كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو بحالقك فيحلقك فقام فخرج فلم يكلم أحداً منهم حتى فعل ذلك نحر بدنه ودعا حالقه فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً غماً ، ثم جاءه نسوة مؤمنات فأنزل الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات} [الممتحنة : 10] حتى بلغ [بعصم الكوافر] فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك فتزوج أحدهما معاوية بن أبي سفيان والأخرى صفوان بن أمية ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآه لقد رأى هذا ذُعراً ، فلما انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال قتل والله صاحبي وإني لمقتول فجاء أبو بصير ، فقال يا نبي الله قد والله أوفى الله ذمتك قد رددتني إليهم ثم أنجاني الله منهم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ويل أمه مسعر حرب لو كان له أحد فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم فخرج حتى أتى سِيف البحر قال وينفلت منهم أبو جندل بن سهيل فلحق بأبي بصير فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلاّ لحق بأبي بصير حتى اجتمعت منهم عصابة ، قال فوالله ما يسمعون بعير لقريش إلى الشام إلاّ اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم وأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم يناشدونه الله والرحم إلاّ أرسل إليهم فمن أتاه فهو آمن فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليهم فأنزل الله تعالى {وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم} [الفتح : 24] حتى بلغ {حمية الجاهلية} [الفتح : 26] وكانت حميتهم أنهم لم يقروا بأنه نبي الله ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم وحالوا بينه وبين البيت.
الفوائد والأحكام المستفادة من فتح الحديبيّة
(فتح الباري لابن حجر ومعالم السنن للخطابي)
* الفوائد المستفادة من مجموع أحاديث الحديبيّة
- نزل قوله تعالى: (لقدرضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة) فيمن كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في الحديبية وبايعوه على الموت في سبيل الله.
- اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم أربع عمر كلهنّ في ذي القعدة: عمرة من الحديبية في ذي القعدة، وعمرة من العام المقبل من ذي القعدة، وعمرة من الجعرانه حيث قسم غنائم حنين في ذي القعدة، وعمرة مع حجته.
- الحديبية: بالثقيل والتخفيف لغتان، وأنكر كثير من أهل اللغة التخفيف، وقال أبو عبيد البكري: أهل العراق يثقلون وأهل الحجاز يخففون.
- كان خروج النبي صلّى الله عليه وسلم من المدينة يوم الاثنين مستهل ذي القعدة سنة ست، والذين خرجوا معه كانوا ألفا وأربعمائة على ما اعتمده الإمام النووي.
- معجزة النبي صلّى الله عليه وسلم في تكثير الماء كانت في الحديبية بعدما نزح الصحابة جميع مافيها من ماء بعدما أتي له بدلو من مائها فبصق فدعا ثم قال: دعوها ساعة. فأرووا أنفسهم وركابهم (أي إبلهم) حتى ارتحلوا.
- المراد بالفتح في قوله تعالى: (إنا فتحنا لك فتحا مبينا) الحديبيّة لأنها كانت مبدأ الفتح على المسلمين، لما ترتب عليه من وقوع الأمن ورفع الحرب وتمكن من يخشى الدخول في الإسلام والوصول إلى المدينة، ثم تبعت الأسباب بعضها بعضا إلى أن كمل الفتح.
- سميت الحديبية نسبة إلى بئر هناك، ثم عرف المكان كله بذلك.
- جمع ابن حبان رحمه الله تعالى بين روايتي تكثير الماء أنه كان مرتين، فحديث جابر في نبع الماء كان حين حضرت صلاة العصر عند إرادة الوضوء، وحديث البراء كان لإرادة ما هو أعم من ذلك. ويحتمل أن يكون الماء لما تفجر من أصابعه ويده في الركوة وتوضؤوا كلهم وشربوا امر حينئذ بصب الماء الذي بقي في الركوة في البئر فتكاثر الماء فيها.
- بيان فضل أهل الشجرة بقول النبي صلى الله عليه وسلم لهم: (أنتم خير أهل الارض)
- ( لو كنت أبصر اليوم لأريتكم مكان الشجرة)، وقول جابر هذا فيه دلالة على أنه كان يضبط مكان الشجرة بعينه.
- تحريم لحوم الحمر الأهلية كان يوم خيبر وليس في الحديبية، وإنما ساق البخاري الحديث في الحديبية لقوله فيه (وكان ممن شهد الشجرة)، وأنّ غالب من بايع تحت الشجرة شهد خيبرا.
- أن النساء كنّ مستثنيات من مقتضى الصلح على رد من جاء منهن مسلما.
- قوله: (حتى إذا كانوا بذي الحليفة قلد الهدي وأشعر وأحرم بالعمرة) فيه بيان أن ذا الحليفة ميقات أهل المدينة لمن أراد أن يحج أو يعتمر.
- (وجمعوا لك الأحابيش) فإن الأحابيش يقال إنهم أحياء من القارة انضموا إلى بني ليث في محاربتهم قريشاً والتحبش التجمع.
- قوله: (بركت به راحلته فقال الناس حَلْ حل) فإنه كلمة معناها الزجر ، يقال في زجر البعير حل بالتخفيف ؛ ويقال حَلْحَلتُ الإبل إذا زجرتها لتنبعث.
- قوله: (فالحت) يريد أنها لزمت المكان فلم تنبعث ويقال تلحلح الرجل بالمكان إذا لزمه فلم يبرح وتحلحل عنه إذا زال وفارقه . وأما قوله خلأت القصواء فإن الخلاء في الإبل كالحران في الخيل ، ومنه قول زهير :
بارزة الفقارة لم يخنها ... قطاف في الركاب ولا خِلاء.
- (والقصواء) اسم ناقته وكانت مقصوة الأذن وهو أن يقطف طرفاً من الأذن يقال ناقة قصواء ولم يقولوا جمل اقصى ومعناه المقصوة جاء بلفظ فاعل ومعناه مفعول.
- قوله (ما خلأت ولكن حبسها حابس الفيل) يريد أن الخِلاء لم يكن لها بخلق فيما مضى ولكن الله حبسها عن دخول مكة كما حبس الفيل حين جاء به أبرهة الحبشي يريد هدم الكعبة واستباحة الحرم ، ويشبه أن يكون المعنى في ذلك وفي التمثيل بحبس الفيل أن أصحابه لو دخلوا مكة لوقع بينهم وبين قريش قتال في الحرم وأريق فيه دماء وكان منه الفساد والفناء ، ولعل الله سبحانه قد سبق في علمه ومضى في قضائه أنه سيسلم جماعة من أولئك الكفار في غابر الزمان وسيخرج من أصلابهم قوم مؤمنون يعبدون الله ويوحدونه فلو استبيحت مكة وأتى القتل عليهم لانقطع ذلك النسل ولبطلت تلك العواقب.
- قوله: (حتى نزل على ثمد) فالثمَد الماء القليل ، ويقال ماء مثمود إذا كثر عليه الشفاه حتى يفنى وينزف.وقوله (نتبرضه تبرضاً) ؛ معناه نأخذه قليلا قليلا ، والبرْض اليسير من العطاء.وقوله (ما زال يجيش لهم بالري) معناه يفور ماؤه ويرتفع كما يجيش المرجل بما فيه.
- قوله (وكان عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم) يريد أنه موضع سرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم والثقة الذي يستنصحه ويأتمنه على أمره ، وذلك أن الرجل إنما يودع عيبته حر المتاع ومصون الثياب ونحو ذلك فوقع التشبيه له بالعيبة من أجل ذلك.
- وقوله: (العُوذ المطافيل)، فإن معنى العوذ الحديثات النتاج يقال لواحدتها عائذ والمطافيل الأمهات التي معها أطفالها يريد أن هذه القبائل قد احتشدت لحربك ومقارعتك فساقت أموالها مع أنفسها.
- وقوله: (نهكتهم الحرب) أي أبلغت فيهم واضرت بهم ومن ذلك قولهم نهكته الحمى إذا هزلته وأنحلته .
- وقوله: (جَمُوا) يريد الجمام والاستراحة .
- وقوله: (حتى تنفرد سالفتي)، معناه حتى تبين رقبتي ، والسالفة مقدمة العنق وسالف كل شيء أوله ومنه سلافة الخمر وهي ما يعصر أولاً منها.
- وقوله: (إني أرى وجوها وأوشاباً من الناس) فإن الأوشاب الأخلاط من الناس يقال هم أوشاب وإشابات إذا كانوا من قبائل شتى مختلفين.
- وقوله (أي غدر) فهو نعت ينعت الرجل به عند المبالغة في الغدر.
- تكلم العلماء في هذا الباب وتأولوا ما كان من رده أبا جندل بن سهيل إليهم على وجهين أحدهما أن الله تعالى قد أباح التقية للمسلم إذا خاف الهلاك على نفسه ورخص له أن يتكلم بالكفر مع التورية وإضمار الإيمان في رده إليهم إسلاماً له للهلاك مع وجوده السبيل إلى الخلاص منه بما رخص له فيه من التقية. والوجه الآخر أنه إنما رده إلى أبيه ومعلوم أن أباه لا يقتله ولكن يستبقيه وينتظر به الرُجعي وفي ذلك أمان له وصلاح لعامة المسلمين ودرك لما راموه في عقد الصلح وقصدوه من البغية فيه وكذلك الأمر في رد أبي بصير إليهم وذلك أنه كان يأوي إلى عشيرة يذبون عنه وموالي يحامون عليه ، فأما ما يخاف عليه من الفتنة فإن ذلك امتحان يبتلي الله به صبر عباده ليثيب المجتهدين ويمحص بذلك ما في صدور المسلمين وهو أعلم بالسرائر وللّه عاقبة الأمور.
- في مراجعة عمر بن الخطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومحاجته إياه في رده أبا جندل بن سهيل وقد جاء مسلما وتعجبه من ذلك الصنيع وضيق صدره بما خفي عليه من حكمته ولم يدركه من علم مغيبه وفيما كان من جواب أبي بكر إياه وخروج قوله في ذلك مطابقا لجواب رسول الله صلى الله عليه وسلم دليل واضح على أن أبا بكر أعلم الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم وأعرفهم بمعاني أموره وأشدهم اطلاعاً على ما في نفسه وإنما كانت تلك المحاجة والمساءلة من عمر على وجه الكشف عن الشبهة وعلى سبيل الاستبانة لوجه الحكمة فيما شاهده من ذلك الصنيع ولم يكن ذلك منه اعتراضاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا اتهاماً له في شيء كان منه ، وإنما حرك عمر على ذلك القول شدة حرصه على قوة أمر الدين وغلبة محبته أن يكون الظهور والغلبة للمسلمين.
- قال الإمام الشافعي الشجرة التي بايع الناس تحتها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحل وبني المسجد في موضعها وموضعها باق ، وكان سبب البيعة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عثمان إلى أهل مكة فجاء الخبر بأنهم قتلوه فعزم حينئذ على قتالهم وبايعه أصحابه على ذلك تحت تلك الشجرة وهي بيعة الرضوان وهم أصحاب الشجرة وكانوا ألفا وأربعمائة.
- توقف الصحابة عن أمره الأول فلم ينفذوا له انتظاراً أن يحدث الله سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم أمراً خلاف أمره الأول فيتم لهم حُرْمهم وقضاء نسكهم إذ كان لا ينكر في زمانه أن يؤمروا بالشيء ثم يتعقبه النسخ ، فلما رأوه قد فعل النحر والحلاق في أمر نفسه علموا أنه ليس وراء ذلك عاقبة تنتظر فبادروا إلى الايتمار لقوله والايتساء بفعله.
- قوله في قصة أبي بصير فضربه بالسيف حتى برد معناه حتى مات وسكنت منه حرارة الحياة وأصل البرد السكون والثبوت.وقوله ويل أمه مسعر حرب كلمة تعجب يصفه بالمبالغة في الحروب وجودة معالجتها وسرعة النهوض فيها ، يقال فلان مسعر حرب إذا كان أول من يوقد نارها ويصلي حرها من قولك سعرت النار إذا أوقدتها ، ومنه السعير وهو النار الموقدة.
- في ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم رد أبي بصير إليهم وهو بناحية سِيف البحر دليل على أن من جاء منهم ( إلى غير دار الإمام فليس عليه رده إليهم وإنما عقدوا الصلح على أن من جاءه منهم ) رده إليهم فكان في ذلك دليل على الموضع الذي هو فيه مقيم.
- قوله ثم جاءت نسوة مؤمنات فأنزل الله سبحانه فيهن {يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات} [الممتحنة : 10] الآية فقد اختلف العلماء في هذا على قولين أحدهما أن النساء لم يدخلن في الصلح ، وإنما وقع بينهم على رد الرجال . وهذا أشبه القولين بالصواب ودل على صحة ذلك قوله في هذه الرواية وعلى أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلاّ رددته والقول الآخر أن الصلح كان معقودا بينهم على رد الرجال والنساء معاً لأن في بعض الروايات ولا يأتيك منا أحد إلاّ رددته فاشتمل عمومه على الرجال والنساء ، إلاّ أن الله نسخ ذلك بالآية ومن ذهب إلى هذا الوجه أجاز نسخ السنة بالكتاب.
- (أنهم اصطلحوا على وضع الحرب عشر سنين يأمن فيهن الناس وعلى أن بيننا عيبة مكفوفة وأنه لا أسلال ولا أغلال.) عيبة مكفوفة: أي المشرجة وهي المشدودة بشرجها والعيبة هاهنا مثل والمعنى أن بيننا صدوراً سليمة وعقائد صحيحة في المحافظة على العهد الذي عقدناه بيننا ، وقد يشبّه صدرَ الإنسان الذي هو مستودع وموضع مكنون أمره بالعيبة التي يودعها حر متاعه ومصون ثيابه قال الشاعر :
وكادت عياب الود منا ومنكم ... وإن قيل أبناء العمومة تَصفِر
- وقوله لا أسلال ولا أغلال فإن الأسلال من السلة وهي السرقة والأغلال الخيانة ، يقال أغل الرجل إذا خان أغلالاً وغل في الغنيمة غلولاً . يقول إن بعضنا يأمن بعضاً في نفسه وماله فلا يتعرض لدمه ولا لماله سراً ولا جراً ولا يخونه في شيء من ذلك.
809- قال أبو داود : حدثنا محمد بن عبيد أن محمد بن ثور حدثه عن معمر عن الزهري عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة وذكر قصة الحديبية ومصالحة النبي صلى الله عليه وسلم قريشاً.
قلت: (اي الإمام الخطابي) اختصر أبو داود هذا الحديث اختصاراً ذهب فيه شطر من فوائد هذا الحديث فرأيت أن أذكر الحديث والقصة على وجهها وأبين ما فيها من السنن والمعاني ليستفاد علمه، ويحصر نفعه والله الموفق له.
* أخبرنا محمد بن هاشم حدثنا الدَبري عن عبد الرزاق عن معمر أخبرني الزهري عن عروة عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم يصدق كل واحد منهما صاحبه قالا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه حتى إذا كانوا بذي الحليفة قلد رسول الله صلى الله عليه وسلم الهدي وأشعره وأحرم بالعمرة وبعث بين يديه عينا له من خزاعة يخبره عن قريش وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بغدير الأشطاط قريباً من عُسفان أتاه عينه الخزاعي فقال إن كعب بن لؤي وعامر بن لؤي قد جمعوا لك الأحابيش وجمعوا لك جموعاً كثيرة وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم أشيروا عليّ أترون أن نميل إلى ذراري هؤلاء الذين أعانوهم فنصيبهم فإن قعدوا قعدوا موتورين محروبين وإن نجوا يكن عنقاً قطعها الله أم ترون أن نؤم البيت فمن صدنا عنه قاتلناه ، فقال أبو بكر رضي الله عنه يا نبي الله إنما جئنا معتمرين ولم نجيء لقتال أحد ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فروحوا إذاً.
قال معمر قال الزهري وكان أبو هريرة يقول ما رأيت أحدا قط كان أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال الزهري في حديث المسور ومروان بن الحكم فراحوا وساق الحديث قال وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كانوا بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته ، فقال الناس حَل حل فقال خلأت القصواء وما كان لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل ثم قال والذي نفسي بيده لا يسألوني خُطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها ثم زجرها فوثبت به قال فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمدَ قليل الماء إنما يتبرضه الناس تبرضاً فلم يلبث الناس أن نزحوه فشُكي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العطش فانتزع سهما من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه فبيناهم كذلك إذ جاء بُديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة وكانوا عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل تهامة فقال إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي اعداد مياه الحديبية معهم العُوذ المطافيل وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا لم نجىء لقتال أحد ولكن جئنا معتمرين وإن قريشا قد نهكتهم الحرب واضرت بهم فإن شاؤوا هادنتُهم مدة طويلة ويخلوا بيني وبين الناس فإن أظهر فإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا وإلا قد جموا وإن أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي أو لينفذن الله أمره ، فقال بُديل بن ورقاء سأبلغهم ما تقول فانطلق حتى أتى قريشا وساق الحديث إلى أن ذكر مجيء عروة بن مسعود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن قال له قد والله أرى وجوهاً وأوشاباً من الناس خليقاً أن يفروا ويدعوك ، فقال أبو بكر رضي الله عنه امصص ببظر اللات انحن نفر منه وندعه ، فقال من ذا فقالوا أبوبكر ، فقال أما والذي نفسي بيده لولا يد لك عندي لم أجزك بها لأجبتك ، قال وجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فكلما كلمه أخذ بلحيته والمغيرة بن شعبة قائم على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه السيف وعليه المغفر فكلما اهوى عروة بيده إلى لحية النبي صلى الله عليه وسلم ضرب يده بنعل السيف وقال أخر يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم فرفع عروة رأسه فقال من هذا قالوا المغيرة بن شعبة فقال أي غُدَراء ولست أسعى في غدرتك ، وكان المغيرة قد صحب قوما في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم ثم جاء فأسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم أما الإسلام فأقبل وأما المال فلست منه في شيء ، ثم إن عروة جعل يرمق صحابة النبي صلى الله عليه وسلم بعينيه قال فوالله ما تنخم رسول الله صلى الله عليه وسلم نُخامة إلاّ وقعت في يد رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده ، وإذا أمرهم ابتدروا إلى أمره ؛ وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه ، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده وما يحدون النظر إليم تعظيماً له ، قال فرجع عروة إلى أصحابه فقال أي قوم وذكر القصة إلى أن قال اهم أنه ، يَعني النبي صلى الله عليه وسلم قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها منه وساق الحديث إلى أن قال فبينا مِكرز بن حفص يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو ، وقال معمر قال أيوب عن عكرمة أنه لما جاء سهيل قال النبي صلى الله عليه وسلم قد سهل لكم من أمركم ، قال معمر قال الزهري في حديثه فجاء سهيل بن عمرو فقال هات اكتب بيننا وبينكم كتابا فدعا الكاتب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اكتب بسم الله الرحمن الرحيم فقال سهيل أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو ولكن اكتب باسمك اللهم كما كنت تكتب ، فقال المسلمون والله لا نكتبها إلاّ بسم الله الرحمن الرحيم فقال النبي صلى الله عليه وسلم اكتب باسمك اللهم ثم قال هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله فقال سهيل والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولكن اكتب محمد بن عبد الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به فقال سهيل والله لا تتحدث العرب إنا أخذنا ضغطة ولكن لك من العام المقبل فكتب قال سهيل وعلى أن لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك الا رددته إلينا فقال المسلمون سبحان الله كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلماً فبينا هو إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده قد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين فقال سهيل هذا أول ما نقايضك عليه أن ترده إليّ فقال النبي صلى الله عليه وسلم انا لم نقض الكتاب بعد قال فوالله إذاً لا أصالحك على شيء أبداً قال النبي صلى الله عليه وسلم فأجره لي قال ما أنا بمجير لك قال بلى قال فافعل قال ما أنا بفاعل فقال مكرز بلى قد أجرناه لك فقال أبو جندل أي معاشر المسلمين أُردُ إلى المشركين وقد جئت مسلما ألا ترون ما لقيت وكان قد عذب عذاباً شديداً في الله فقال عمر بن الخطاب والله ما شككت منذ أسلمت إلاّ يومئذ فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت له ألست نبي الله حقاً قال بلى قلت ألسنا على الحق وعدونا على الباطل قال بلى قلت فلم نعطي الدِنْيةَ في ديننا إذاً قال إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري قلت أو لست كنت تحدثنا إنا سنأتي البيت فنطوف به قال بلى افأخبرتك إنك تأتيه العام قلت لا قال فإنك آتيه ومطوف به قال فأتيت أبا بكر ، يَعني فقلت له مثل مقالتي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أيها الرجل أنه رسول الله وليس يعصي ربه وهو ناصره فاستمسك بغرزه حتى تموت فوالله إنه لعلى الحق وساق الحديث إلى أن قال فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قوموا فانحروا ثم احلقوا قال فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات فلما لم يقم أحد منهم قام فدخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس فقالت أم سلمة يا نبي الله أتحب ذلك أخرج ثم لا تكلم أحداً منهم كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو بحالقك فيحلقك فقام فخرج فلم يكلم أحداً منهم حتى فعل ذلك نحر بدنه ودعا حالقه فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً غماً ، ثم جاءه نسوة مؤمنات فأنزل الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات} [الممتحنة : 10] حتى بلغ [بعصم الكوافر] فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك فتزوج أحدهما معاوية بن أبي سفيان والأخرى صفوان بن أمية ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآه لقد رأى هذا ذُعراً ، فلما انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال قتل والله صاحبي وإني لمقتول فجاء أبو بصير ، فقال يا نبي الله قد والله أوفى الله ذمتك قد رددتني إليهم ثم أنجاني الله منهم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ويل أمه مسعر حرب لو كان له أحد فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم فخرج حتى أتى سِيف البحر قال وينفلت منهم أبو جندل بن سهيل فلحق بأبي بصير فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلاّ لحق بأبي بصير حتى اجتمعت منهم عصابة ، قال فوالله ما يسمعون بعير لقريش إلى الشام إلاّ اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم وأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم يناشدونه الله والرحم إلاّ أرسل إليهم فمن أتاه فهو آمن فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليهم فأنزل الله تعالى {وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم} [الفتح : 24] حتى بلغ {حمية الجاهلية} [الفتح : 26] وكانت حميتهم أنهم لم يقروا بأنه نبي الله ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم وحالوا بينه وبين البيت.
الفوائد والأحكام المستفادة من فتح الحديبيّة
(فتح الباري لابن حجر ومعالم السنن للخطابي)
* الفوائد المستفادة من مجموع أحاديث الحديبيّة
- نزل قوله تعالى: (لقدرضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة) فيمن كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في الحديبية وبايعوه على الموت في سبيل الله.
- اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم أربع عمر كلهنّ في ذي القعدة: عمرة من الحديبية في ذي القعدة، وعمرة من العام المقبل من ذي القعدة، وعمرة من الجعرانه حيث قسم غنائم حنين في ذي القعدة، وعمرة مع حجته.
- الحديبية: بالثقيل والتخفيف لغتان، وأنكر كثير من أهل اللغة التخفيف، وقال أبو عبيد البكري: أهل العراق يثقلون وأهل الحجاز يخففون.
- كان خروج النبي صلّى الله عليه وسلم من المدينة يوم الاثنين مستهل ذي القعدة سنة ست، والذين خرجوا معه كانوا ألفا وأربعمائة على ما اعتمده الإمام النووي.
- معجزة النبي صلّى الله عليه وسلم في تكثير الماء كانت في الحديبية بعدما نزح الصحابة جميع مافيها من ماء بعدما أتي له بدلو من مائها فبصق فدعا ثم قال: دعوها ساعة. فأرووا أنفسهم وركابهم (أي إبلهم) حتى ارتحلوا.
- المراد بالفتح في قوله تعالى: (إنا فتحنا لك فتحا مبينا) الحديبيّة لأنها كانت مبدأ الفتح على المسلمين، لما ترتب عليه من وقوع الأمن ورفع الحرب وتمكن من يخشى الدخول في الإسلام والوصول إلى المدينة، ثم تبعت الأسباب بعضها بعضا إلى أن كمل الفتح.
- سميت الحديبية نسبة إلى بئر هناك، ثم عرف المكان كله بذلك.
- جمع ابن حبان رحمه الله تعالى بين روايتي تكثير الماء أنه كان مرتين، فحديث جابر في نبع الماء كان حين حضرت صلاة العصر عند إرادة الوضوء، وحديث البراء كان لإرادة ما هو أعم من ذلك. ويحتمل أن يكون الماء لما تفجر من أصابعه ويده في الركوة وتوضؤوا كلهم وشربوا امر حينئذ بصب الماء الذي بقي في الركوة في البئر فتكاثر الماء فيها.
- بيان فضل أهل الشجرة بقول النبي صلى الله عليه وسلم لهم: (أنتم خير أهل الارض)
- ( لو كنت أبصر اليوم لأريتكم مكان الشجرة)، وقول جابر هذا فيه دلالة على أنه كان يضبط مكان الشجرة بعينه.
- تحريم لحوم الحمر الأهلية كان يوم خيبر وليس في الحديبية، وإنما ساق البخاري الحديث في الحديبية لقوله فيه (وكان ممن شهد الشجرة)، وأنّ غالب من بايع تحت الشجرة شهد خيبرا.
- أن النساء كنّ مستثنيات من مقتضى الصلح على رد من جاء منهن مسلما.
- قوله: (حتى إذا كانوا بذي الحليفة قلد الهدي وأشعر وأحرم بالعمرة) فيه بيان أن ذا الحليفة ميقات أهل المدينة لمن أراد أن يحج أو يعتمر.
- (وجمعوا لك الأحابيش) فإن الأحابيش يقال إنهم أحياء من القارة انضموا إلى بني ليث في محاربتهم قريشاً والتحبش التجمع.
- قوله: (بركت به راحلته فقال الناس حَلْ حل) فإنه كلمة معناها الزجر ، يقال في زجر البعير حل بالتخفيف ؛ ويقال حَلْحَلتُ الإبل إذا زجرتها لتنبعث.
- قوله: (فالحت) يريد أنها لزمت المكان فلم تنبعث ويقال تلحلح الرجل بالمكان إذا لزمه فلم يبرح وتحلحل عنه إذا زال وفارقه . وأما قوله خلأت القصواء فإن الخلاء في الإبل كالحران في الخيل ، ومنه قول زهير :
بارزة الفقارة لم يخنها ... قطاف في الركاب ولا خِلاء.
- (والقصواء) اسم ناقته وكانت مقصوة الأذن وهو أن يقطف طرفاً من الأذن يقال ناقة قصواء ولم يقولوا جمل اقصى ومعناه المقصوة جاء بلفظ فاعل ومعناه مفعول.
- قوله (ما خلأت ولكن حبسها حابس الفيل) يريد أن الخِلاء لم يكن لها بخلق فيما مضى ولكن الله حبسها عن دخول مكة كما حبس الفيل حين جاء به أبرهة الحبشي يريد هدم الكعبة واستباحة الحرم ، ويشبه أن يكون المعنى في ذلك وفي التمثيل بحبس الفيل أن أصحابه لو دخلوا مكة لوقع بينهم وبين قريش قتال في الحرم وأريق فيه دماء وكان منه الفساد والفناء ، ولعل الله سبحانه قد سبق في علمه ومضى في قضائه أنه سيسلم جماعة من أولئك الكفار في غابر الزمان وسيخرج من أصلابهم قوم مؤمنون يعبدون الله ويوحدونه فلو استبيحت مكة وأتى القتل عليهم لانقطع ذلك النسل ولبطلت تلك العواقب.
- قوله: (حتى نزل على ثمد) فالثمَد الماء القليل ، ويقال ماء مثمود إذا كثر عليه الشفاه حتى يفنى وينزف.وقوله (نتبرضه تبرضاً) ؛ معناه نأخذه قليلا قليلا ، والبرْض اليسير من العطاء.وقوله (ما زال يجيش لهم بالري) معناه يفور ماؤه ويرتفع كما يجيش المرجل بما فيه.
- قوله (وكان عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم) يريد أنه موضع سرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم والثقة الذي يستنصحه ويأتمنه على أمره ، وذلك أن الرجل إنما يودع عيبته حر المتاع ومصون الثياب ونحو ذلك فوقع التشبيه له بالعيبة من أجل ذلك.
- وقوله: (العُوذ المطافيل)، فإن معنى العوذ الحديثات النتاج يقال لواحدتها عائذ والمطافيل الأمهات التي معها أطفالها يريد أن هذه القبائل قد احتشدت لحربك ومقارعتك فساقت أموالها مع أنفسها.
- وقوله: (نهكتهم الحرب) أي أبلغت فيهم واضرت بهم ومن ذلك قولهم نهكته الحمى إذا هزلته وأنحلته .
- وقوله: (جَمُوا) يريد الجمام والاستراحة .
- وقوله: (حتى تنفرد سالفتي)، معناه حتى تبين رقبتي ، والسالفة مقدمة العنق وسالف كل شيء أوله ومنه سلافة الخمر وهي ما يعصر أولاً منها.
- وقوله: (إني أرى وجوها وأوشاباً من الناس) فإن الأوشاب الأخلاط من الناس يقال هم أوشاب وإشابات إذا كانوا من قبائل شتى مختلفين.
- وقوله (أي غدر) فهو نعت ينعت الرجل به عند المبالغة في الغدر.
- تكلم العلماء في هذا الباب وتأولوا ما كان من رده أبا جندل بن سهيل إليهم على وجهين أحدهما أن الله تعالى قد أباح التقية للمسلم إذا خاف الهلاك على نفسه ورخص له أن يتكلم بالكفر مع التورية وإضمار الإيمان في رده إليهم إسلاماً له للهلاك مع وجوده السبيل إلى الخلاص منه بما رخص له فيه من التقية. والوجه الآخر أنه إنما رده إلى أبيه ومعلوم أن أباه لا يقتله ولكن يستبقيه وينتظر به الرُجعي وفي ذلك أمان له وصلاح لعامة المسلمين ودرك لما راموه في عقد الصلح وقصدوه من البغية فيه وكذلك الأمر في رد أبي بصير إليهم وذلك أنه كان يأوي إلى عشيرة يذبون عنه وموالي يحامون عليه ، فأما ما يخاف عليه من الفتنة فإن ذلك امتحان يبتلي الله به صبر عباده ليثيب المجتهدين ويمحص بذلك ما في صدور المسلمين وهو أعلم بالسرائر وللّه عاقبة الأمور.
- في مراجعة عمر بن الخطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومحاجته إياه في رده أبا جندل بن سهيل وقد جاء مسلما وتعجبه من ذلك الصنيع وضيق صدره بما خفي عليه من حكمته ولم يدركه من علم مغيبه وفيما كان من جواب أبي بكر إياه وخروج قوله في ذلك مطابقا لجواب رسول الله صلى الله عليه وسلم دليل واضح على أن أبا بكر أعلم الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم وأعرفهم بمعاني أموره وأشدهم اطلاعاً على ما في نفسه وإنما كانت تلك المحاجة والمساءلة من عمر على وجه الكشف عن الشبهة وعلى سبيل الاستبانة لوجه الحكمة فيما شاهده من ذلك الصنيع ولم يكن ذلك منه اعتراضاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا اتهاماً له في شيء كان منه ، وإنما حرك عمر على ذلك القول شدة حرصه على قوة أمر الدين وغلبة محبته أن يكون الظهور والغلبة للمسلمين.
- قال الإمام الشافعي الشجرة التي بايع الناس تحتها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحل وبني المسجد في موضعها وموضعها باق ، وكان سبب البيعة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عثمان إلى أهل مكة فجاء الخبر بأنهم قتلوه فعزم حينئذ على قتالهم وبايعه أصحابه على ذلك تحت تلك الشجرة وهي بيعة الرضوان وهم أصحاب الشجرة وكانوا ألفا وأربعمائة.
- توقف الصحابة عن أمره الأول فلم ينفذوا له انتظاراً أن يحدث الله سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم أمراً خلاف أمره الأول فيتم لهم حُرْمهم وقضاء نسكهم إذ كان لا ينكر في زمانه أن يؤمروا بالشيء ثم يتعقبه النسخ ، فلما رأوه قد فعل النحر والحلاق في أمر نفسه علموا أنه ليس وراء ذلك عاقبة تنتظر فبادروا إلى الايتمار لقوله والايتساء بفعله.
- قوله في قصة أبي بصير فضربه بالسيف حتى برد معناه حتى مات وسكنت منه حرارة الحياة وأصل البرد السكون والثبوت.وقوله ويل أمه مسعر حرب كلمة تعجب يصفه بالمبالغة في الحروب وجودة معالجتها وسرعة النهوض فيها ، يقال فلان مسعر حرب إذا كان أول من يوقد نارها ويصلي حرها من قولك سعرت النار إذا أوقدتها ، ومنه السعير وهو النار الموقدة.
- في ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم رد أبي بصير إليهم وهو بناحية سِيف البحر دليل على أن من جاء منهم ( إلى غير دار الإمام فليس عليه رده إليهم وإنما عقدوا الصلح على أن من جاءه منهم ) رده إليهم فكان في ذلك دليل على الموضع الذي هو فيه مقيم.
- قوله ثم جاءت نسوة مؤمنات فأنزل الله سبحانه فيهن {يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات} [الممتحنة : 10] الآية فقد اختلف العلماء في هذا على قولين أحدهما أن النساء لم يدخلن في الصلح ، وإنما وقع بينهم على رد الرجال . وهذا أشبه القولين بالصواب ودل على صحة ذلك قوله في هذه الرواية وعلى أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلاّ رددته والقول الآخر أن الصلح كان معقودا بينهم على رد الرجال والنساء معاً لأن في بعض الروايات ولا يأتيك منا أحد إلاّ رددته فاشتمل عمومه على الرجال والنساء ، إلاّ أن الله نسخ ذلك بالآية ومن ذهب إلى هذا الوجه أجاز نسخ السنة بالكتاب.
- (أنهم اصطلحوا على وضع الحرب عشر سنين يأمن فيهن الناس وعلى أن بيننا عيبة مكفوفة وأنه لا أسلال ولا أغلال.) عيبة مكفوفة: أي المشرجة وهي المشدودة بشرجها والعيبة هاهنا مثل والمعنى أن بيننا صدوراً سليمة وعقائد صحيحة في المحافظة على العهد الذي عقدناه بيننا ، وقد يشبّه صدرَ الإنسان الذي هو مستودع وموضع مكنون أمره بالعيبة التي يودعها حر متاعه ومصون ثيابه قال الشاعر :
وكادت عياب الود منا ومنكم ... وإن قيل أبناء العمومة تَصفِر
- وقوله لا أسلال ولا أغلال فإن الأسلال من السلة وهي السرقة والأغلال الخيانة ، يقال أغل الرجل إذا خان أغلالاً وغل في الغنيمة غلولاً . يقول إن بعضنا يأمن بعضاً في نفسه وماله فلا يتعرض لدمه ولا لماله سراً ولا جراً ولا يخونه في شيء من ذلك.
تعليق