قوله تعالى: { إِنَّا أَخْلَصْناهم } أي: اصطفيناهم وجعلناهم لنا خالصين، فأفردناهم بمُفْرَدة من خصال الخير؛ ثم أبان عنها بقوله: { ذكرى الدار }.
وفي المراد بالدار هاهنا قولان:
أحدهما: الآخرة.
والثاني: الجنة.
وفي الذكرى قولان:
أحدهما: أنها من الذِّكْر، فعلى هذا يكون المعنى: أَخْلَصْناهم بذِكْر الآخرة، فليس لهم ذِكْر غيرها، قاله مجاهد، وعطاء، والسدي. وكان الفُضَيل ابن عِياض رحمة الله عليه يقول: هو الخوف الدائم في القلب.
والثاني: أنها التذكير، فالمعنى: أنهم يَدْعُون الناس إِلى الآخرة وإِلى عبادة الله تعالى. قاله قتادة.
وقرأ نافع { بخالصةِ ذِكْرَى الدَّارِ } فأضاف " خالصة " إِلى " ذِكْرَى الدار ".
قال أبو علي: تحتمل قراءة من نوَّن وجهين:
أحدهما: أن تكون " ذكرى " بدلاً من " خالصة " ، والتقدير: أخلصناهم بذكر الدار.
والثاني: أن يكون المعنى: أخلصناهم بأن يذكُروا الدَّار بالتأهُّب للآخرة، والزُّهد في الدنيا. ومن أضاف فالمعنى: أخْلَصْناهم بإخلاصهم ذِكْرى الدَّار بالخوف منها. وقال ابن زيد: أخلصناهم بأفضل ما في الجنة....
قال الرازى
ثم قال تعالى: { هَـظ°ذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: فيه وجهان الأول: أنه على التقديم والتأخير، والتقدير هذا حميم وغساق فليذوقوه الثاني: أن يكون التقدير جهنم يصلونها فبئس المهاد هذا فليذوقوه، ثم يبتدىء فيقول: حميم وغساق. المسألة الثانية: الغساق بالتخفيف والتشديد فيه وجوه الأول: أنه الذي يغسق من صديد أهل النار، يقال: غسقت العين إذا سال دمعها. وقال ابن عمر هو القيح الذي يسيل منهم يجتمع فيسقونه الثاني: قيل الحميم يحرق بحره، والغساق يحرق ببرده، وذكر الأزهري: أن الغاسق البارد، ولهذا قيل لليل غاسق لأنه أبرد من النهار الثالث: أن الغساق المنتن حكى الزجاج لو قطرت منه قطرة في المشرق لأنتنت أهل المغرب، ولو قطرت منه قطرة في المغرب لأنتنت أهل المشرق الرابع: قال كعب: الغساق عين في جهنم يسيل إليها سم كل ذات حمة من عقرب وحية. المسألة الثالثة: قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم غساق بتشديد السين حيث كان والباقون بالتخفيف.
قال أبو علي الفارسي الاختيار التخفيف لأنه إذا شدد لم يخل من أن يكون اسماً أو صفة، فإن كان اسماً فالأسماء لم تجيء على هذا الوزن إلا قليلاً، وإن كان صفة فقد أقيم مقام الموصوف والأصل أن لا يجوز ذلك. ثم قال تعالى: { وَءاخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوظ°جٌ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ أبو عمر { وَأَخَّرَ } بضم الألف على جمع أخرى أي أصناف أخر من العذاب، وهو قراءة مجاهد والباقون آخر على الواحد أي عذاب آخر، أما على قراءة الأولى فقوله وأخر أي ومذوقات أخر من شكل هذا المذوق، أي من مثله في الشدة والفظاعة، أزواج أي أجناس، وأما على القراءة الثانية فالتقدير وعذاب أو مذوق آخر، وأزواج صفة لآخر لأنه يجوز أن يكون ضروباً أو صفة للثلاثة وهم حميم وغساق وآخر من شكله. قال صاحب «الكشاف»: وقرىء من شكله بالكسر وهي لغة، وأما الغنج فبالكسر لا غير....
ثم قالوا: { أَتَّخَذْنَـظ°هُمْ سِخْرِيّاً } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي { مّنَ ظ±لأَشْرَارِ أَتَّخَذْنَـظ°هُمْ } بوصل ألف { أَتَّخَذْنَـظ°هُمْ } والباقون بفتحها على الاستفهام، قال أبو عبيد وبالوصل يقرأ لأن الاستفهام متقدم في قوله: { مَا لَنَا لاَ نَرَىظ° رِجَالاً } ، ولأن المشركين لا يشكون في اتخاذهم المؤمنين في الدنيا سخرياً، لأنه تعالى قد أخبر عنهم بذلك في قوله:
{ فَظ±تَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّىظ° أَنسَوْكُمْ ذِكْرِى }
[المؤمنون: 110] فكيف يحسن أن يستفهموا عن شيء علموه؟ أجاب الفراء عنه بأن قال هذا من الاستفهام الذي معناه التعجيب والتوبيخ، ومثل هذا الاستفهام جائز عن الشيء المعلوم، أما وجه قول من ألحق الهمزة للاستفهام أنه لا بد من المصير إليه ليعادل قوله: { أَتَّخَذْنَـظ°هُمْ } بأم في قوله: { أَمْ زَاغَتْ عنهُمْ } فإن قيل فما الجملة المعادلة لقوله: { أَمْ زَاغَتْ } على القراءة الأولى؟ قلنا إنها محذوفة والمعنى المقصودون هم أم زاغت عنهم الأبصار. المسألة الثانية: قرأ نافع { سِخْرِيّاً } بضم السين والباقون بكسرها، وقيل هما بمعنى واحد وقيل بالكسر هو الهزء وبالضم هو التذليل والتسخير. المسألة الثالثة: اختلفوا في نظم الآية على قولين بناء على القراءتين المذكورتين أما القراءة على سبيل الإخبار فالتقدير ما لنا لا نراهم حاضرين لأجل أنهم لحقارتهم تركوا، أو لأجل أنهم زاغت عنهم الأبصار.
ووقع التعبير عن حقارتهم بقولهم { أَتَّخَذْنَـظ°هُمْ سِخْرِيّاً } وأما القراءة على سبيل الاستفهام، فالتقدير لأجل أنا قد اتخذناهم سخرياً وما كانوا كذلك فلم يدخلوا النار، أم لأجل أنه زاغت عنهم الأبصار، واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم هذه المناظرة قال إن ذلك الذي حكينا عنهم لحق لا بد وأن يتكلموا به، ثم بين أن الذي حكيناه عنهم ما هو
سورة ص
وفي المراد بالدار هاهنا قولان:
أحدهما: الآخرة.
والثاني: الجنة.
وفي الذكرى قولان:
أحدهما: أنها من الذِّكْر، فعلى هذا يكون المعنى: أَخْلَصْناهم بذِكْر الآخرة، فليس لهم ذِكْر غيرها، قاله مجاهد، وعطاء، والسدي. وكان الفُضَيل ابن عِياض رحمة الله عليه يقول: هو الخوف الدائم في القلب.
والثاني: أنها التذكير، فالمعنى: أنهم يَدْعُون الناس إِلى الآخرة وإِلى عبادة الله تعالى. قاله قتادة.
وقرأ نافع { بخالصةِ ذِكْرَى الدَّارِ } فأضاف " خالصة " إِلى " ذِكْرَى الدار ".
قال أبو علي: تحتمل قراءة من نوَّن وجهين:
أحدهما: أن تكون " ذكرى " بدلاً من " خالصة " ، والتقدير: أخلصناهم بذكر الدار.
والثاني: أن يكون المعنى: أخلصناهم بأن يذكُروا الدَّار بالتأهُّب للآخرة، والزُّهد في الدنيا. ومن أضاف فالمعنى: أخْلَصْناهم بإخلاصهم ذِكْرى الدَّار بالخوف منها. وقال ابن زيد: أخلصناهم بأفضل ما في الجنة....
قال الرازى
ثم قال تعالى: { هَـظ°ذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: فيه وجهان الأول: أنه على التقديم والتأخير، والتقدير هذا حميم وغساق فليذوقوه الثاني: أن يكون التقدير جهنم يصلونها فبئس المهاد هذا فليذوقوه، ثم يبتدىء فيقول: حميم وغساق. المسألة الثانية: الغساق بالتخفيف والتشديد فيه وجوه الأول: أنه الذي يغسق من صديد أهل النار، يقال: غسقت العين إذا سال دمعها. وقال ابن عمر هو القيح الذي يسيل منهم يجتمع فيسقونه الثاني: قيل الحميم يحرق بحره، والغساق يحرق ببرده، وذكر الأزهري: أن الغاسق البارد، ولهذا قيل لليل غاسق لأنه أبرد من النهار الثالث: أن الغساق المنتن حكى الزجاج لو قطرت منه قطرة في المشرق لأنتنت أهل المغرب، ولو قطرت منه قطرة في المغرب لأنتنت أهل المشرق الرابع: قال كعب: الغساق عين في جهنم يسيل إليها سم كل ذات حمة من عقرب وحية. المسألة الثالثة: قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم غساق بتشديد السين حيث كان والباقون بالتخفيف.
قال أبو علي الفارسي الاختيار التخفيف لأنه إذا شدد لم يخل من أن يكون اسماً أو صفة، فإن كان اسماً فالأسماء لم تجيء على هذا الوزن إلا قليلاً، وإن كان صفة فقد أقيم مقام الموصوف والأصل أن لا يجوز ذلك. ثم قال تعالى: { وَءاخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوظ°جٌ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ أبو عمر { وَأَخَّرَ } بضم الألف على جمع أخرى أي أصناف أخر من العذاب، وهو قراءة مجاهد والباقون آخر على الواحد أي عذاب آخر، أما على قراءة الأولى فقوله وأخر أي ومذوقات أخر من شكل هذا المذوق، أي من مثله في الشدة والفظاعة، أزواج أي أجناس، وأما على القراءة الثانية فالتقدير وعذاب أو مذوق آخر، وأزواج صفة لآخر لأنه يجوز أن يكون ضروباً أو صفة للثلاثة وهم حميم وغساق وآخر من شكله. قال صاحب «الكشاف»: وقرىء من شكله بالكسر وهي لغة، وأما الغنج فبالكسر لا غير....
ثم قالوا: { أَتَّخَذْنَـظ°هُمْ سِخْرِيّاً } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي { مّنَ ظ±لأَشْرَارِ أَتَّخَذْنَـظ°هُمْ } بوصل ألف { أَتَّخَذْنَـظ°هُمْ } والباقون بفتحها على الاستفهام، قال أبو عبيد وبالوصل يقرأ لأن الاستفهام متقدم في قوله: { مَا لَنَا لاَ نَرَىظ° رِجَالاً } ، ولأن المشركين لا يشكون في اتخاذهم المؤمنين في الدنيا سخرياً، لأنه تعالى قد أخبر عنهم بذلك في قوله:
{ فَظ±تَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّىظ° أَنسَوْكُمْ ذِكْرِى }
[المؤمنون: 110] فكيف يحسن أن يستفهموا عن شيء علموه؟ أجاب الفراء عنه بأن قال هذا من الاستفهام الذي معناه التعجيب والتوبيخ، ومثل هذا الاستفهام جائز عن الشيء المعلوم، أما وجه قول من ألحق الهمزة للاستفهام أنه لا بد من المصير إليه ليعادل قوله: { أَتَّخَذْنَـظ°هُمْ } بأم في قوله: { أَمْ زَاغَتْ عنهُمْ } فإن قيل فما الجملة المعادلة لقوله: { أَمْ زَاغَتْ } على القراءة الأولى؟ قلنا إنها محذوفة والمعنى المقصودون هم أم زاغت عنهم الأبصار. المسألة الثانية: قرأ نافع { سِخْرِيّاً } بضم السين والباقون بكسرها، وقيل هما بمعنى واحد وقيل بالكسر هو الهزء وبالضم هو التذليل والتسخير. المسألة الثالثة: اختلفوا في نظم الآية على قولين بناء على القراءتين المذكورتين أما القراءة على سبيل الإخبار فالتقدير ما لنا لا نراهم حاضرين لأجل أنهم لحقارتهم تركوا، أو لأجل أنهم زاغت عنهم الأبصار.
ووقع التعبير عن حقارتهم بقولهم { أَتَّخَذْنَـظ°هُمْ سِخْرِيّاً } وأما القراءة على سبيل الاستفهام، فالتقدير لأجل أنا قد اتخذناهم سخرياً وما كانوا كذلك فلم يدخلوا النار، أم لأجل أنه زاغت عنهم الأبصار، واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم هذه المناظرة قال إن ذلك الذي حكينا عنهم لحق لا بد وأن يتكلموا به، ثم بين أن الذي حكيناه عنهم ما هو
سورة ص
تعليق