بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، وبعد ..
قال الله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ (172) أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (173) وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (174)
فسر الآية الإمام البيضاوي رحمه الله فقال:
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ أي أخرج من أصلابهم نسلهم على ما يتوالدون قرناً بعد قرن، ومِنْ ظُهُورِهِمْ بدل مِنْ بَنِي آدَمَ بدل البعض.
وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر ويعقوب «ذرياتهم» .
وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أي ونصب لهم دلائل ربوبيته وركب في عقولهم ما يدعوهم إلى الإقرار بها حتى صاروا بمنزلة من قيل لهم: أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قالُوا بَلى، فنزَّل تمكينهم من العلم بها وتمكنهم منه بمنزلة الإشهاد والاعتراف، على طريقة التمثيل.
ويدل عليه قوله: أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ أي كراهة أن تقولوا. إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ لم ننبه عليه بدليل.
أَوْ تَقُولُوا عطف على أَنْ تَقُولُوا، وقرأ أبو عمرو كليهما بالياء لأن أول الكلام على الغيبة. إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ فاقتدينا بهم لأن التقليد عند قيام الدليل والتمكن من العلم به لا يصلح عذراً. أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ يعني آباءهم المبطلين بتأسيس الشرك.
وقيل: لـمـا خلق الله آدم أخرج من ظهره ذرية كالذَّرِّ وأحياهم وجعل لهم العقل والنطق وألهمهم ذلك؛ لحديث رواه عمر رضي الله تعالى عنه، وقد حققتُ الكلام فيه في شرحي لكتاب «المصابيح».
والمقصود من إيراد هذا الكلام هاهنا الزام اليهود بمقتضى الميثاق العام بعد ما ألزمهم بالميثاق المخصوص بهم، والاحتجاج عليهم بالحجج السمعية والعقلية ومنعهم عن التقليد وحملهم على النظر والاستدلال كما قال: وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ أي عن التقليد واتباع الباطل. انتهى كلام الإمام البيضاوي.
وكلامه يحتاج إلى تفصيل، شرحه المحقق القونوي فقال تعليقاً على كلام الإمام البيضاوي ما نصه:
قوله: (أي أخرج) أشار إلى أن أخذ مجاز في أخرج؛ إذ الأخذ لشيء يخرجه عن مقره، فالإخراج لازم للأخذ باللزوم العربي.
قوله: (من أصلابهم نسلهم) في (من ظهورهم) مجاز عن الأصلاب، بطريق ذكر المحل وإرادة الحال، أو المجاورة.
قوله: (على ما يتوالدون) صيغة المضارع هنا اختيرت لقصد الاستمرار، فالماضي في النظم: إمَّا مؤول بتغليب الموجود على ما لم يوجد، أو بتنزيل المنتظر منزلة الواقع.
قوله: (أي ونصب لهم دلائل ربوبيته، وركَّب في عقولهم ما يدعوهم). من الآيات الآفاقُ والأنفس الدالة على ربوبيته وألوهيته. وهذا النصب تمكين الله تعالى إياهم من العلم بها.
والتركيب في عقولهم ذلك تمكنهم من العلم بالربوبية، وتمكنهم بها؛ ولهذا تعرض لبيان النصب المذكور والتركيب المسطور، وإلا فالظاهر أن يقال: أي مكنهم من العلم بالربوبية و تمكنهم بها إلخ.
وعن هذا قال فيما سيأتي: (فنزل تمكنهم من العلم بها إلخ).
قوله: (إلى الإقرار بها حتى صاروا بمنزلة من قيل لهم (ألستُ بربكم، قالوا: بلى))، أي الإقرار بالربوبية مع اعتقادها، حتى صاروا بمنزلة من قيل لهم إلخ .. أي فلا قول لهم حقيقة ولا مجازاً، ولا الإقرار منهم.
قوله: (فنزل تمكينهم من العلم بها وتمكنهم منه منزلة الإشهاد والاعتراف)، أي شبه الهيئة المنتزعة من هذه الأمور العديدة بالهيئة المنتزعة من الإشهاد والإقرار. لكن الأمور المشبهة بها مخيلة موهومة غير محققة؛ لأنه كما عرفت لا قول ولا إقرار حقيقة ولا مجازاً؛ إذ الاستعارة التمثيلية لا يقتضي وجود الممثل له وتحققه في الخارج، -أشار إليه المصنف في آية الكرسي وفي قوله تعالى: (والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة-.
وجه الشبه: الهيئة المنتزعة وهي إصابة الحق والنجاة من الخسران وعن النيران.
قوله: (على طريق التمثيل) متعلِّق بـ(نزَّل تمكينهم)، وعطف عليه في سورة الزمر وقال: والتخييل. وفي الكشاف هنا: (من باب التمثيل والتخييل). وأراد الشيخان بالتخييل ما قررناه من أن المشبه به أمرٌ مفروضٌ أوقع في الخيال، وصور المعقول المحقق بصورة المحسوس المفروض الموجود في الخيال؛ إذ إلف العامة بالمحسوس أتم وأكمل، وإدراكهم له أعم وأشمل. ولم يرد الشيخان بالتخييل الاستعارة التخييلية المشهورة؛ إذ لو كان كذلك لما تعرض لها في المواضع الكثيرة.
ويحتمل أن يكون تشبيه تمكينه تعالى بقول: (ألستُ بربكم)، ولتمكن العبد بقول (بلى)، فيكون من باب تمثيل المفرد بالمفرد.
قوله: (ويدل عليه قوله تعالى: قالوا بلى .. الآية): وجه الدلالة ما أشار إليه بقوله: (لم ننبه عليه) بدليل: وما نبه عليه بدليل ربوبيته تعالى، والكراهة عن قولهم هذا يوم القيامة.
وانتفاء المعذرة لهم يناسب نصب الدلائل وتمكينهم من العلم بها، وتمكنهم بها بإحداث القوى والعقل السليم، لا بمجرد قولهم: (ألستُ بربكم) وإجابتهم بقولهم: (بلى).
هذا ما سنح بخاطر الفقير، والعلم عند الله الملك القدير.
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، وبعد ..
قال الله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ (172) أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (173) وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (174)
فسر الآية الإمام البيضاوي رحمه الله فقال:
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ أي أخرج من أصلابهم نسلهم على ما يتوالدون قرناً بعد قرن، ومِنْ ظُهُورِهِمْ بدل مِنْ بَنِي آدَمَ بدل البعض.
وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر ويعقوب «ذرياتهم» .
وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أي ونصب لهم دلائل ربوبيته وركب في عقولهم ما يدعوهم إلى الإقرار بها حتى صاروا بمنزلة من قيل لهم: أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قالُوا بَلى، فنزَّل تمكينهم من العلم بها وتمكنهم منه بمنزلة الإشهاد والاعتراف، على طريقة التمثيل.
ويدل عليه قوله: أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ أي كراهة أن تقولوا. إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ لم ننبه عليه بدليل.
أَوْ تَقُولُوا عطف على أَنْ تَقُولُوا، وقرأ أبو عمرو كليهما بالياء لأن أول الكلام على الغيبة. إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ فاقتدينا بهم لأن التقليد عند قيام الدليل والتمكن من العلم به لا يصلح عذراً. أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ يعني آباءهم المبطلين بتأسيس الشرك.
وقيل: لـمـا خلق الله آدم أخرج من ظهره ذرية كالذَّرِّ وأحياهم وجعل لهم العقل والنطق وألهمهم ذلك؛ لحديث رواه عمر رضي الله تعالى عنه، وقد حققتُ الكلام فيه في شرحي لكتاب «المصابيح».
والمقصود من إيراد هذا الكلام هاهنا الزام اليهود بمقتضى الميثاق العام بعد ما ألزمهم بالميثاق المخصوص بهم، والاحتجاج عليهم بالحجج السمعية والعقلية ومنعهم عن التقليد وحملهم على النظر والاستدلال كما قال: وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ أي عن التقليد واتباع الباطل. انتهى كلام الإمام البيضاوي.
وكلامه يحتاج إلى تفصيل، شرحه المحقق القونوي فقال تعليقاً على كلام الإمام البيضاوي ما نصه:
قوله: (أي أخرج) أشار إلى أن أخذ مجاز في أخرج؛ إذ الأخذ لشيء يخرجه عن مقره، فالإخراج لازم للأخذ باللزوم العربي.
قوله: (من أصلابهم نسلهم) في (من ظهورهم) مجاز عن الأصلاب، بطريق ذكر المحل وإرادة الحال، أو المجاورة.
قوله: (على ما يتوالدون) صيغة المضارع هنا اختيرت لقصد الاستمرار، فالماضي في النظم: إمَّا مؤول بتغليب الموجود على ما لم يوجد، أو بتنزيل المنتظر منزلة الواقع.
قوله: (أي ونصب لهم دلائل ربوبيته، وركَّب في عقولهم ما يدعوهم). من الآيات الآفاقُ والأنفس الدالة على ربوبيته وألوهيته. وهذا النصب تمكين الله تعالى إياهم من العلم بها.
والتركيب في عقولهم ذلك تمكنهم من العلم بالربوبية، وتمكنهم بها؛ ولهذا تعرض لبيان النصب المذكور والتركيب المسطور، وإلا فالظاهر أن يقال: أي مكنهم من العلم بالربوبية و تمكنهم بها إلخ.
وعن هذا قال فيما سيأتي: (فنزل تمكنهم من العلم بها إلخ).
قوله: (إلى الإقرار بها حتى صاروا بمنزلة من قيل لهم (ألستُ بربكم، قالوا: بلى))، أي الإقرار بالربوبية مع اعتقادها، حتى صاروا بمنزلة من قيل لهم إلخ .. أي فلا قول لهم حقيقة ولا مجازاً، ولا الإقرار منهم.
قوله: (فنزل تمكينهم من العلم بها وتمكنهم منه منزلة الإشهاد والاعتراف)، أي شبه الهيئة المنتزعة من هذه الأمور العديدة بالهيئة المنتزعة من الإشهاد والإقرار. لكن الأمور المشبهة بها مخيلة موهومة غير محققة؛ لأنه كما عرفت لا قول ولا إقرار حقيقة ولا مجازاً؛ إذ الاستعارة التمثيلية لا يقتضي وجود الممثل له وتحققه في الخارج، -أشار إليه المصنف في آية الكرسي وفي قوله تعالى: (والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة-.
وجه الشبه: الهيئة المنتزعة وهي إصابة الحق والنجاة من الخسران وعن النيران.
قوله: (على طريق التمثيل) متعلِّق بـ(نزَّل تمكينهم)، وعطف عليه في سورة الزمر وقال: والتخييل. وفي الكشاف هنا: (من باب التمثيل والتخييل). وأراد الشيخان بالتخييل ما قررناه من أن المشبه به أمرٌ مفروضٌ أوقع في الخيال، وصور المعقول المحقق بصورة المحسوس المفروض الموجود في الخيال؛ إذ إلف العامة بالمحسوس أتم وأكمل، وإدراكهم له أعم وأشمل. ولم يرد الشيخان بالتخييل الاستعارة التخييلية المشهورة؛ إذ لو كان كذلك لما تعرض لها في المواضع الكثيرة.
ويحتمل أن يكون تشبيه تمكينه تعالى بقول: (ألستُ بربكم)، ولتمكن العبد بقول (بلى)، فيكون من باب تمثيل المفرد بالمفرد.
قوله: (ويدل عليه قوله تعالى: قالوا بلى .. الآية): وجه الدلالة ما أشار إليه بقوله: (لم ننبه عليه) بدليل: وما نبه عليه بدليل ربوبيته تعالى، والكراهة عن قولهم هذا يوم القيامة.
وانتفاء المعذرة لهم يناسب نصب الدلائل وتمكينهم من العلم بها، وتمكنهم بها بإحداث القوى والعقل السليم، لا بمجرد قولهم: (ألستُ بربكم) وإجابتهم بقولهم: (بلى).
هذا ما سنح بخاطر الفقير، والعلم عند الله الملك القدير.
كلام نفيس وعميق ودقيق، والحاشية تريد حاشية وتقريرات وطرر، لزيادة البيان.
تعليق