قال الإمام القرافي رحمه الله تعالى في كتابه الممتع (الاستغناء في أحكام الاستثناء) ص: 416 فما بعد ...ما نصه:
[مسألة
قوله تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (106) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (107) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (108))
في هذه الآية مسائل:
من الذين شقوا؟
هل يندرج العصاة فيهم أم لا؟
وما معنى الزفير والشهيق؟
وهل هما مترادفان أو متباينان؟
وما معنى الاستثناء في الآية؟
وهل ذلك يأبى الخلود الدائم أم لا؟؛ لأن السموات والأرض لا يدومان، وذلك يقتضي ألا يدوم نعيم ولا عذاب، وهو خلاف المعلوم من الدين بالضرورة؟
وما معنى المجذوذ؟
والجواب:
اختلف في (الذين شقوا) فقيل: الكفار والعصاة الذين لا يخلدون. وقيل: الكفار الذين يخلدون فقط، وهو الصحيح.
والزفير: صوت شديد خاص بالمحزون والوجع.
والشهيق: يكون في صوت الباكي الذي يصيح خلال بكائه.
وقال ابن عباس: الزفير صوتٌ حاد، والشهيق صوت ثقيل.
وقال أبو العالية: الزفير من الصدر، والشهيق من الحلق. وقيل بالعكس.
وقال قتادة: الزفير أول صوت الحمار، والشهيق آخره، فصياح أهل النار كذلك.
وقيل: الزفير مأخوذ من الزَّفْر، وهو الشدة. والشهيق مأخوذ من قولهم: جبل شاهق.
وأما الاستثناء فاختلف العلماء في السموات والأرض المذكورات في الآية:
فقيل: سماوات الدنيا وأرضها. وقيل: سماء الجنة وأرضها، وسماء النار وأرضها.
فقيل: إن الله تعالى يبدل السماء والأرض يوم القيامة ويجعل الأرض مكاناً لجهنم، والسماء مكاناً للجنة، ويتأبد ذلك، فأخبرت الآية عن خلود الفريقين ببقائهما.
وعن ابن عباس: أن الله تعالى خلق السماء والأرض من نور العرش، ثم يردهما إلى هنالك في الآخرة، فيحصل معنى التأبيد والخلود.
فأما الاستثناء فباعتبار مبدأ خلقهما؛ فإن مقتضى الآية أن مدة الخلود تنطبق على مدة الدوام بحيث لا يبقى جزء إلا ومعه جزء من الآخر، لكن السماوات والأرض دائمة من أول خلق العالم إلى يوم القيامة، وليس مع هذا الدوام خلود ولا دخول، فهذا هو المستثنى، وهو استثناء متصل صحيح المعنى.
ويرد على هذين القولين ما في الحديث الصحيح أن الله تعالى يجعل أول فرى أهل الجنة قرصة الأرض بزيادة كبد النون الذي عليه الأرض. والحكمة في ذلك إفهام أهل الجنة أن الأرض التي كانت محل التعب والنصب والموت قد ذهبت وها هي كلوتها، فلا يخطر بعد ذلك بالبال التنغيص بتوهم الرجوع إلى هذه الدار، ومفارقة ذلك النعيم المقيم العظيم. وأكل الأرض يأبى جعلها أرض النار أو الرجوع إلى العرش.
وقيل: بل الخطاب جاء على عادة العرب في التعبير بهذه العبارة عن الدوام المطلق، كقوله: لا فعلته أبد الدهر، وما ناح الحمام، وما طرد الليل النهار، إلى غير ذلك من عباراتهم التي يقصدون بها الدوام المطلق.
وكان الشيخ عز الدين بن عبد السلام يختار في هذه المسألة أن الخطاب يقع في لسان العرب بحسب الاعتقاد، وإن كان الواقع في نفس الأمر يخالفه، كقوله تعالى: (والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم)، أي في رأي العين والاعتقاد، وإلا فالقمر في نفسه لم يعد كالعرجون. وكذلك قوله تعالى: (وجدها في عين حمئة)، أي في الاعتقاد الرائي لها في ذلك الموضع، كما يقول راكب البحر الملح: الشمس تطلع من البحر وتغرب في البحر، وهي لا تطلع من البحر ولا تغرب فيه. ومنه قوله تعالى: (يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه)، أي في اعتقاد الناس في جاري العادة، وإلا فالعودة والبداءة على الله تعالى سواء، والعرب كانت تعتقد عدم البعث وداوم العالم، لقولهم:
وحكى ابن عطية في تفسيره أن الاستثناء في الآية إنما هو على طريق الاستثناء الذي ندب إليه، كما قال الله تعالى: (لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين). قال: لا يوصف هذا الاستثناء بأنه متصل ولا منقطع؛ لأنه ليس من باب الاستثناء.
وهذا لا يتجه لما تقدم من صحة الاستثناء وأن الإخراج واقع وحق، بما تقدم من دوام السماء والأرض.
وقيل (إلا) بمعنى الواو، أي: وما شاء ربك بعد دوام السماء والأرض.
وقيل: الاستثناء منقطع، وتقديره: إلا ما شاء ربك زائداً على ذلك.
فلا يكون حكم بعد إلا بنقيض ما حكم به قبلها، فيكون منقطعاً من هذا الوجه، كقوله تعالى: (لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى)، ونحوه.
وقيل: إلا بمعنى سوى. وقيل: سوى ما شاء ربك من أنواع العذاب غير المذكور لنا.
وهذه كلها أقوال لا حاجة إليها ولا ضرورة؛ بل الاستثناء صحيح على بابه، بمقتضى ظاهر اللفظ، وأنه ما تقدم من الدوام قبل الدخول.
هذا كله إذا قلنا: سموات الدنيا وأرضها.
وإن قلنا: سموات الجنة وأرضها وسماء النار وأرضها، فهي تدوم لا إشكال في الدوام، وإنما يبقى الإشكال في الاستثناء، وهو صحيح بسبب أن مذهب أهل الحق الجنة والنار مخلوقتان في دار الدنيا قبل يوم القيامة.
وعلى هذا وجد دوام سمائهما وأرضهما، وليس معه خلود البتة، من مبدأ خلقهما إلى حين صدق الخلود، وهو زمن عظيم.
حسن الاستثناء باعتباره استثناء صحيحا متصلا لا إشكال فيه، وينبغي أن يعلم أن الخلود لا يتحقق بالدخول، بل إنما يتحقق بالمكث الطويل، ولذلك قال العلماء في قوله تعالى: (ادخلوها خالدين) إنها حال مقدرة مستقبلة غير مقارنة، فإن الدخول في أوله ليس معه خلود، فيكون مثل قول العرب: على يديه صقر صائداً به غداً، أي: مقدرا الصيد به.
ومعنى المجذوذ: المقطوع.]
[مسألة
قوله تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (106) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (107) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (108))
في هذه الآية مسائل:
من الذين شقوا؟
هل يندرج العصاة فيهم أم لا؟
وما معنى الزفير والشهيق؟
وهل هما مترادفان أو متباينان؟
وما معنى الاستثناء في الآية؟
وهل ذلك يأبى الخلود الدائم أم لا؟؛ لأن السموات والأرض لا يدومان، وذلك يقتضي ألا يدوم نعيم ولا عذاب، وهو خلاف المعلوم من الدين بالضرورة؟
وما معنى المجذوذ؟
والجواب:
اختلف في (الذين شقوا) فقيل: الكفار والعصاة الذين لا يخلدون. وقيل: الكفار الذين يخلدون فقط، وهو الصحيح.
والزفير: صوت شديد خاص بالمحزون والوجع.
والشهيق: يكون في صوت الباكي الذي يصيح خلال بكائه.
وقال ابن عباس: الزفير صوتٌ حاد، والشهيق صوت ثقيل.
وقال أبو العالية: الزفير من الصدر، والشهيق من الحلق. وقيل بالعكس.
وقال قتادة: الزفير أول صوت الحمار، والشهيق آخره، فصياح أهل النار كذلك.
وقيل: الزفير مأخوذ من الزَّفْر، وهو الشدة. والشهيق مأخوذ من قولهم: جبل شاهق.
وأما الاستثناء فاختلف العلماء في السموات والأرض المذكورات في الآية:
فقيل: سماوات الدنيا وأرضها. وقيل: سماء الجنة وأرضها، وسماء النار وأرضها.
فقيل: إن الله تعالى يبدل السماء والأرض يوم القيامة ويجعل الأرض مكاناً لجهنم، والسماء مكاناً للجنة، ويتأبد ذلك، فأخبرت الآية عن خلود الفريقين ببقائهما.
وعن ابن عباس: أن الله تعالى خلق السماء والأرض من نور العرش، ثم يردهما إلى هنالك في الآخرة، فيحصل معنى التأبيد والخلود.
فأما الاستثناء فباعتبار مبدأ خلقهما؛ فإن مقتضى الآية أن مدة الخلود تنطبق على مدة الدوام بحيث لا يبقى جزء إلا ومعه جزء من الآخر، لكن السماوات والأرض دائمة من أول خلق العالم إلى يوم القيامة، وليس مع هذا الدوام خلود ولا دخول، فهذا هو المستثنى، وهو استثناء متصل صحيح المعنى.
ويرد على هذين القولين ما في الحديث الصحيح أن الله تعالى يجعل أول فرى أهل الجنة قرصة الأرض بزيادة كبد النون الذي عليه الأرض. والحكمة في ذلك إفهام أهل الجنة أن الأرض التي كانت محل التعب والنصب والموت قد ذهبت وها هي كلوتها، فلا يخطر بعد ذلك بالبال التنغيص بتوهم الرجوع إلى هذه الدار، ومفارقة ذلك النعيم المقيم العظيم. وأكل الأرض يأبى جعلها أرض النار أو الرجوع إلى العرش.
وقيل: بل الخطاب جاء على عادة العرب في التعبير بهذه العبارة عن الدوام المطلق، كقوله: لا فعلته أبد الدهر، وما ناح الحمام، وما طرد الليل النهار، إلى غير ذلك من عباراتهم التي يقصدون بها الدوام المطلق.
وكان الشيخ عز الدين بن عبد السلام يختار في هذه المسألة أن الخطاب يقع في لسان العرب بحسب الاعتقاد، وإن كان الواقع في نفس الأمر يخالفه، كقوله تعالى: (والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم)، أي في رأي العين والاعتقاد، وإلا فالقمر في نفسه لم يعد كالعرجون. وكذلك قوله تعالى: (وجدها في عين حمئة)، أي في الاعتقاد الرائي لها في ذلك الموضع، كما يقول راكب البحر الملح: الشمس تطلع من البحر وتغرب في البحر، وهي لا تطلع من البحر ولا تغرب فيه. ومنه قوله تعالى: (يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه)، أي في اعتقاد الناس في جاري العادة، وإلا فالعودة والبداءة على الله تعالى سواء، والعرب كانت تعتقد عدم البعث وداوم العالم، لقولهم:
وكل أخ يفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان
فخوطبوا بحسب اعتقادهم، فقيل لهم: حال هؤلاء في دوام عذابهم ونعيمهم كما يعتقدونه في السموات والأرض.وحكى ابن عطية في تفسيره أن الاستثناء في الآية إنما هو على طريق الاستثناء الذي ندب إليه، كما قال الله تعالى: (لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين). قال: لا يوصف هذا الاستثناء بأنه متصل ولا منقطع؛ لأنه ليس من باب الاستثناء.
وهذا لا يتجه لما تقدم من صحة الاستثناء وأن الإخراج واقع وحق، بما تقدم من دوام السماء والأرض.
وقيل (إلا) بمعنى الواو، أي: وما شاء ربك بعد دوام السماء والأرض.
وقيل: الاستثناء منقطع، وتقديره: إلا ما شاء ربك زائداً على ذلك.
فلا يكون حكم بعد إلا بنقيض ما حكم به قبلها، فيكون منقطعاً من هذا الوجه، كقوله تعالى: (لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى)، ونحوه.
وقيل: إلا بمعنى سوى. وقيل: سوى ما شاء ربك من أنواع العذاب غير المذكور لنا.
وهذه كلها أقوال لا حاجة إليها ولا ضرورة؛ بل الاستثناء صحيح على بابه، بمقتضى ظاهر اللفظ، وأنه ما تقدم من الدوام قبل الدخول.
هذا كله إذا قلنا: سموات الدنيا وأرضها.
وإن قلنا: سموات الجنة وأرضها وسماء النار وأرضها، فهي تدوم لا إشكال في الدوام، وإنما يبقى الإشكال في الاستثناء، وهو صحيح بسبب أن مذهب أهل الحق الجنة والنار مخلوقتان في دار الدنيا قبل يوم القيامة.
وعلى هذا وجد دوام سمائهما وأرضهما، وليس معه خلود البتة، من مبدأ خلقهما إلى حين صدق الخلود، وهو زمن عظيم.
حسن الاستثناء باعتباره استثناء صحيحا متصلا لا إشكال فيه، وينبغي أن يعلم أن الخلود لا يتحقق بالدخول، بل إنما يتحقق بالمكث الطويل، ولذلك قال العلماء في قوله تعالى: (ادخلوها خالدين) إنها حال مقدرة مستقبلة غير مقارنة، فإن الدخول في أوله ليس معه خلود، فيكون مثل قول العرب: على يديه صقر صائداً به غداً، أي: مقدرا الصيد به.
ومعنى المجذوذ: المقطوع.]
تعليق