الحمد لله ربّ العالمين
سأجمع هنا تأمّلات متواضعة في القرآن الكريم تحرّك بها ذهني قبل وغالبه أثناء الكتابة، أرجو أن ينتفع ببعضها أحد من القرّاء فيدعو لي بالخير. و هي لا تعدو أن تكون آراء شخصيّة من طالبة علم مبتدئة تحاول الفهم معتمدة على ما درسته و اطّلعت عليه من علوم الشّريعة. أما ما كان رأي أحد العلماء فسأذكر اسمه طبعًا أو أعزو القول إلى صاحبه إن لم يكن عالمًا. فمن رأى خطأ فليصحّح مشكورًا.
و سأفتتح هذه التأمّلات بكلام قرأتُه لأحد الأفاضل و راق لي جدًّا. قال هذا الفاضل:
تبارك و تقدّس ذو الكمال المنزّه عن النقصان و الزّلل و الخطأ.
----------------------------------------------------------------------
قال الله تعالى على لسان سيّدنا نوح عليه السّلام:
{ قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَاراً (6) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً (7) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً (8) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً (9)}
و في هذه الآيات أشار الله سبحانه و تعالى إشارةً إلى أن الأمر بالمعروف و النّهي عن المنكر هو فنٌّ كما غيره من الفنون. و قد غاب عن الكثيرين ذلك، بشهادة ما نراه في السّاحة!! لا يُتقنه كلّ إنسان، و الأفضل لامرىء إن كان أخرق أن يتجاوز الأمر الذي لا يُحسنه إلى ما يستطيعه، و إلا حلّ فساد أكبر من المنفعة التي توقعَها من الأمر و النّهي. لا أقول يسكت!! يمكن أن يستعين بأحد ممن يحسنون هذا الشّأن ليعينه و يوجّهه فيما ينبغي فعله، أو يحلّ محلّه. عدم رضاه عن المعصية أصلًا وحدَها حسنة تُحسَب له، و إذا ضمّ إليها دعاء صادقًا من قلب محترق على صاحب المعصية -"على" متعلّقة ب"محترق"- كان في ذلك كلّ الخير و هو أفضل بكثير من التجرؤ على ما لا يحسنه. و الأمر طبعًا يختلف إن كان صاحب المعصية مركزًا أو هيئة أو جماعة أو إن كان واحدًا في الطّريق أو كان واحدًا من الأحباب أو الأهل فالمسؤوليّة تتفاوت في هذه الأمور بلا شكّ.
بعض النّاس يحسبون أن قول المعصوم صلى الله عليه و سلّم {من رأى منكم منكرًا فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فقلبه، و ذلك أضعف الإيمان} هو على ظاهره أو على إطلاقه. و الحال أن ليس في كلّ الأحيان التّغيير باليد أقوى الإيمان، و ليس في كلّ الأحيان ما كان بالقلب فقط هو أضعف الإيمان.
مثال: من كان عنده أخ أو والد و كان من المنغمسين بالمعاصي طوال اليوم و أنت مُلزَم أن تعيش معه غالب اليوم، فرضًا كنت شريكه في الدّار إن كان أخاك، أو مداريه و معتنيًا به إن كان أباك، أو حتى لو لم يكن شيخًا كبيرًا في السّنّ أصلًا. فإن كان هذا الأخ/ الوالد عنيدًا، ذا شخصيّة قويّة، سريعَ الغضب، لا يقبل الانتقاد -و هذا حاصل بكثرة ممن يكبرك في السّنّ من الإخوان أو كان والدًا- فلا يُعقَل مثلًا أن تنصحه بلسانك ليلَ نهار في كلّ صغيرة و كبيرة رأيتَها من معصيته ما هذا!! و لا يُعقَل أن تعامل أخاك الكبير مثلًا باستعلاء أو تنظر إليه من عَلٍ و أنت تكلّمه. في بعض الأحيان نظرة ممتلئة بالرّحمة عليه يراها منك قد تكون أنفذ إلى قلبه من آيات قرآنيّة ترتّلها عليه. في بعض الأحيان يكون الدّعاء بالسّحر من فؤاد أَسِيف على من يشاهد أفلامًا محرّمة في الغرفة المجاورة، سهمًا يخترق قلبَ الشّيطان الذي يؤزّه. قد تكون كلمة واحدةً عامّية تقولها في عرض الكلام أشدّ تأثيرًا من أحاديث نبويّة شريفة تتلوها على سمعه. لا يُفهَم يعني من كلام رسول الله "فليغيّره بيده" يعني لازم ألوي ذراعَه أو أكسر آلة العزف أمام عينه أو أوسعه ضربًا إن رأيتَه يدخّن. لا، لِم لا نفهم من الحديث أنّ تكون هذه اليد حانية، "كآسٍ يجسّ عليلًا" كما يقول المتنبّي، لِم أكسر كاسيت الأغاني أمام عينه و هو غارق في سماعها، هاربًا إليها من متاعب الحياة. كم هي نسبة حصول المنفعة من ذلك، و ما هي نسبة حصول الضرر الكبير؟!
أمّا حديث رسول الله المشهور:
{أنّه صلى الله عليه وسلم رأى خاتما من ذهب في يد رجل فنزعه فطرحه وقال يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده فقيل للرجل بعد ما ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم خذ خاتمك انتفع به قال لا والله لا آخذه أبدا وقد طرحه رسول الله صلى الله عليه وسلم }
فهناك اعتبارات ينبغي التّنبّه لها:
1/ رسول الله صلى الله عليه و سلّم الذي فعل معه هذا الفعل هو أحب النّاس إلى قلب هذا الصّحابيّ هذا الأمر جدّ مهم! انظروا إلى ما قال رضي الله عنه حين قال له الصّحابة انتفع به!! قال ما كنتُ لِأرفع من الأرض ما خَفَضَه إليها رسول الله! طاعة كاملة الإحسان لا تكون أبدًا إلا لحبيب!
2/ رسول الله صلى الله عليه و سلّم طاعتُه واجبة أقصد بعينه هو يتصدّر النّهي عن المنكر بخلاف أن تنقل كلامًا عنه عليه السّلام.
3/ رسول الله صلى الله عليه و سلّم خشي أن يستسيغ الصّحابة رضوان الله عليهم، أصحاب النّفوس الصّافية، و البريئة من الانغماس في المعاصي، هذا المنظر فيستهينون بهذه المعصية الكبيرة، فكانت ردّة الفعل قاسية قليلًا لينفض عن قلوبهم أي غبار قد يصيبها جرّاء هذه المعصية.
4/ رسول الله صلى الله عليه و سلّم يرجو رجاءً كبيرًا إن لم يكن متيقّنًا لِما يعرفه عن هذا الصّحابيّ أنه سينتهي عن هذا المنكر و لن يثور أو تحصل معه ردّة فعل عكسيّة و نحو ذلك.
أكمل إن شاء الله لاحقًا.
سأجمع هنا تأمّلات متواضعة في القرآن الكريم تحرّك بها ذهني قبل وغالبه أثناء الكتابة، أرجو أن ينتفع ببعضها أحد من القرّاء فيدعو لي بالخير. و هي لا تعدو أن تكون آراء شخصيّة من طالبة علم مبتدئة تحاول الفهم معتمدة على ما درسته و اطّلعت عليه من علوم الشّريعة. أما ما كان رأي أحد العلماء فسأذكر اسمه طبعًا أو أعزو القول إلى صاحبه إن لم يكن عالمًا. فمن رأى خطأ فليصحّح مشكورًا.
و سأفتتح هذه التأمّلات بكلام قرأتُه لأحد الأفاضل و راق لي جدًّا. قال هذا الفاضل:
بينما يفتتح الكُتّاب و المؤلّفون كتبَهم بالاعتذار عن التّقصير و الخطأ و الزّلل، يفتتح الله كتابَه العزيز بقوله: {ذلك الكتاب لا ريبَ}
تبارك و تقدّس ذو الكمال المنزّه عن النقصان و الزّلل و الخطأ.
----------------------------------------------------------------------
قال الله تعالى على لسان سيّدنا نوح عليه السّلام:
{ قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَاراً (6) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً (7) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً (8) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً (9)}
و في هذه الآيات أشار الله سبحانه و تعالى إشارةً إلى أن الأمر بالمعروف و النّهي عن المنكر هو فنٌّ كما غيره من الفنون. و قد غاب عن الكثيرين ذلك، بشهادة ما نراه في السّاحة!! لا يُتقنه كلّ إنسان، و الأفضل لامرىء إن كان أخرق أن يتجاوز الأمر الذي لا يُحسنه إلى ما يستطيعه، و إلا حلّ فساد أكبر من المنفعة التي توقعَها من الأمر و النّهي. لا أقول يسكت!! يمكن أن يستعين بأحد ممن يحسنون هذا الشّأن ليعينه و يوجّهه فيما ينبغي فعله، أو يحلّ محلّه. عدم رضاه عن المعصية أصلًا وحدَها حسنة تُحسَب له، و إذا ضمّ إليها دعاء صادقًا من قلب محترق على صاحب المعصية -"على" متعلّقة ب"محترق"- كان في ذلك كلّ الخير و هو أفضل بكثير من التجرؤ على ما لا يحسنه. و الأمر طبعًا يختلف إن كان صاحب المعصية مركزًا أو هيئة أو جماعة أو إن كان واحدًا في الطّريق أو كان واحدًا من الأحباب أو الأهل فالمسؤوليّة تتفاوت في هذه الأمور بلا شكّ.
بعض النّاس يحسبون أن قول المعصوم صلى الله عليه و سلّم {من رأى منكم منكرًا فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فقلبه، و ذلك أضعف الإيمان} هو على ظاهره أو على إطلاقه. و الحال أن ليس في كلّ الأحيان التّغيير باليد أقوى الإيمان، و ليس في كلّ الأحيان ما كان بالقلب فقط هو أضعف الإيمان.
مثال: من كان عنده أخ أو والد و كان من المنغمسين بالمعاصي طوال اليوم و أنت مُلزَم أن تعيش معه غالب اليوم، فرضًا كنت شريكه في الدّار إن كان أخاك، أو مداريه و معتنيًا به إن كان أباك، أو حتى لو لم يكن شيخًا كبيرًا في السّنّ أصلًا. فإن كان هذا الأخ/ الوالد عنيدًا، ذا شخصيّة قويّة، سريعَ الغضب، لا يقبل الانتقاد -و هذا حاصل بكثرة ممن يكبرك في السّنّ من الإخوان أو كان والدًا- فلا يُعقَل مثلًا أن تنصحه بلسانك ليلَ نهار في كلّ صغيرة و كبيرة رأيتَها من معصيته ما هذا!! و لا يُعقَل أن تعامل أخاك الكبير مثلًا باستعلاء أو تنظر إليه من عَلٍ و أنت تكلّمه. في بعض الأحيان نظرة ممتلئة بالرّحمة عليه يراها منك قد تكون أنفذ إلى قلبه من آيات قرآنيّة ترتّلها عليه. في بعض الأحيان يكون الدّعاء بالسّحر من فؤاد أَسِيف على من يشاهد أفلامًا محرّمة في الغرفة المجاورة، سهمًا يخترق قلبَ الشّيطان الذي يؤزّه. قد تكون كلمة واحدةً عامّية تقولها في عرض الكلام أشدّ تأثيرًا من أحاديث نبويّة شريفة تتلوها على سمعه. لا يُفهَم يعني من كلام رسول الله "فليغيّره بيده" يعني لازم ألوي ذراعَه أو أكسر آلة العزف أمام عينه أو أوسعه ضربًا إن رأيتَه يدخّن. لا، لِم لا نفهم من الحديث أنّ تكون هذه اليد حانية، "كآسٍ يجسّ عليلًا" كما يقول المتنبّي، لِم أكسر كاسيت الأغاني أمام عينه و هو غارق في سماعها، هاربًا إليها من متاعب الحياة. كم هي نسبة حصول المنفعة من ذلك، و ما هي نسبة حصول الضرر الكبير؟!
أمّا حديث رسول الله المشهور:
{أنّه صلى الله عليه وسلم رأى خاتما من ذهب في يد رجل فنزعه فطرحه وقال يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده فقيل للرجل بعد ما ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم خذ خاتمك انتفع به قال لا والله لا آخذه أبدا وقد طرحه رسول الله صلى الله عليه وسلم }
فهناك اعتبارات ينبغي التّنبّه لها:
1/ رسول الله صلى الله عليه و سلّم الذي فعل معه هذا الفعل هو أحب النّاس إلى قلب هذا الصّحابيّ هذا الأمر جدّ مهم! انظروا إلى ما قال رضي الله عنه حين قال له الصّحابة انتفع به!! قال ما كنتُ لِأرفع من الأرض ما خَفَضَه إليها رسول الله! طاعة كاملة الإحسان لا تكون أبدًا إلا لحبيب!
2/ رسول الله صلى الله عليه و سلّم طاعتُه واجبة أقصد بعينه هو يتصدّر النّهي عن المنكر بخلاف أن تنقل كلامًا عنه عليه السّلام.
3/ رسول الله صلى الله عليه و سلّم خشي أن يستسيغ الصّحابة رضوان الله عليهم، أصحاب النّفوس الصّافية، و البريئة من الانغماس في المعاصي، هذا المنظر فيستهينون بهذه المعصية الكبيرة، فكانت ردّة الفعل قاسية قليلًا لينفض عن قلوبهم أي غبار قد يصيبها جرّاء هذه المعصية.
4/ رسول الله صلى الله عليه و سلّم يرجو رجاءً كبيرًا إن لم يكن متيقّنًا لِما يعرفه عن هذا الصّحابيّ أنه سينتهي عن هذا المنكر و لن يثور أو تحصل معه ردّة فعل عكسيّة و نحو ذلك.
أكمل إن شاء الله لاحقًا.