منهج التفسير الاهتدائى(1)
د.صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفة القيم الاسلاميه بجامعه الخرطوم
sabri.m.khalil@hotmail.com
تعريف التفسير: التفسير لغة صيغة تفعيل من الفعل (فسر) وهو البيان، يقال فسرت الشيء إذا بينته.أما التفسير اصطلاحا فهو: العلم أو المعرفة بدلالات(معاني) ألفاظ القران الكريم . هذا المعنى الاصطلاحي للتفسير نجده في تعريفات العلماء لعلم التفسير، يقول الإمام الزركشي في كتابه البرهان: علم يبحث فيه عن أحوال القرآن المجيد من حيث دلالتُه على مراد الله تعالى بقدر الطاقة البشرية. ويقول صديق بن حسين القنوّجي في كتابه أبجد العلوم : هو علم باحث عن معنى نظم القرآن بحسب الطاقة البشرية وبحسب ما تقتضيه اللغة العربية.أما علم أصول التفسير والذي يتضمن منهج التفسير- فهو مجموعة من القواعد التي تحدد مناهج ( طرق) معرفه دلالات(معاني) ألفاظ القران الكريم.
الاهتداء كغاية للتفسير: وينطلق منهج التفسير الاهتدائى من أن غاية النص القرانى هداية الناس إلي ما فيه صالحهم في كل زمان ومكان، وبالتالي فان غاية التفسير الاهتداء إلي ما فيه صالح الناس في زمان ومكان معينين ، فهو منهج تفسير ينطلق من مفهوم الهدايه القرانى، واستنادا إلي الأبعاد الحكمية والمنهجية والمعرفية لمفهوم الاستخلاف. فطبقا لحكمه الاستخلاف ومفاهيمها الثلاث (التوحيد، الاستخلاف، التسخير) ينطلق منهج التفسير الاهتدائى من أن الهداية صفة ربوبية أي أن مضمونها دال علي الفعل المطلق الذي ينفرد به الله تعالي (كلا ان معي ربي سيهدين ) (الشعراء :162) ، وعالم الشهادة قائم علي ظهور صفة الهداية (شأن سائر الصفات الالهيه). ولهذا الظهور شكلان: الشكل الأول: تكويني (الهداية التكوينية): ويتمثل في الفطرة من حيث هي إمكانية التزام السنن الإلهية التي تحكم الوجود ، والتي يجب علي الإنسان الخضوع لها ليهتدي إلي ما فيه صلاحه(وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في الظلمات والبر والبحر )(الإنعام : 97) ،(والقي في الأرض رواسي ان تميد بكم وانهارا وسبلا لعلكم تهتدون) (النحل : 15). والشكل الثاني: تكليفي الهداية التكلفية):ويتمثل في الوحي من حيث تضمنه للشرائع المتضمنة للأصول اللازمة لهداية الناس في كل زمان ومكان(يريد الله ليبين لكم سنن الذين من قبلكم)(النساء: 26 ).(وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون)( البقرة: 53).والاستخلاف هو إظهار الإنسان لربوبية الله تعالى وإلوهيته في الأرض على المستوى الصفاتى ، وبالتالي فإن مضمونه هنا إظهار الإنسان لصفة الهداية كصفه من صفات الربوبيه في الأرض ، وهو ما عبر عنه القرآن بالاهتداء(من اهتدى فإنما يهدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل لنفسه)( يونس: 108).هذا الإظهار يتم من خلال:أولا: توحيد الربوبية: بإفراد الهداية لله تعالى(إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء) (القصص: 56)،ثانيا: العبودية (التكوينية والتكليفية):وذلك باتخاذ مقتضى الهداية التكويني (الهداية التكوينية)، والتكليفي (الهداية التكلفية) ضوابط موضوعية مطلقة(من يهد الله فهو المهتدي)( الأعراف: 178).
أما طبقا للاستخلاف كمنهج للمعرفة فان منهج التفسير الاهتدائى يهدف إلى اهتداء الإنسان إلي القواعد الموضوعية (من وضع الله تعالى لا عقل الإنسان) ، المطلقة (لا تخضع للتطور أو التغيير في المكان او المكان) ، التي تحدد كدحه إلى الله تعالى (تطوره المادي والروحي) ولا تلغيه فتكمله وتغنيه فتكون بمثابة ضمان موضوعي لاستمرار فاعليته، وذلك من خلال الاهتداء إلي القواعد التي تحدد نمط الفكر الذي يصوغ حلولها، والقواعد التي تحدد أسلوب العمل اللازم حلها. وعلى هذا الوجه يتم الربط بين التفسير والواقع الاجتماعي والمشاكل التي يطرحها،وهو ما قرره السلف والعلماء، يقول علي بن أبي طالب كرم الله وجهه (ذلك القرآن فاستنطقوه ولن ينطق ولكن أخبركم عنه إلا أن فيه علم ما يأتي، والحديث عن ما مضي، ودواء دائكم ،ونظم ما بينكم)( علي بن أبي طالب، نهج البلاغة، خطبة 157).
أما طبقا للاستخلاف كنظرية للمعرفة فان منهج التفسير الاهتدائى يستند معرفيا إلى أن العلم كصفة إلوهية تظهر في عالم الشهادة من خلال شكلين:
تكويني:يتمثل في عالم الشهادة والسنن الإلهية التي تضبط حركته ،كمصدر للمعرفة والحواس والعقل كوسائل لمعرفته، وتكليفي يتمثل في عالم الغيب كمصدر للمعرفة والوحي كوسيلة لمعرفته. ومضمون الاستخلاف هنا إظهار العلم الإلهي في الأرض، وذلك بإفراد العلم المطلق لله ، واتخاذ صفة العلم الإلهية مثل أعلى مطلق يسعى لتحقيقه في واقعه المحدود، دون أن تتوافر له امكانيه التحقيق النهائي له ، وهو ما يتم باتخاذ مقتضى هذه الصفة كضوابط موضوعية مطلقة تحدد المعرفة الإنسانية ولا تلغيها. ويترتب على هذا أن هناك نوعان من الموضوعية: موضوعية تكوينية: تتمثل في أن للكون وجود مستقل عن العقل الإنساني وغير متوقف عليه .وموضوعية تكليفية: تتمثل في الوحي ذو الوجود المستقل عن عقل الإنسان وغير متوقف عليه (لأنه وضع إلهي لا من وضع العقل الإنساني) وهي موضوعية مطلقة. والتفسير يمثل الذاتية ، والنص القرآني يمثل (الموضوعية التكليفية)، بينما الكون يمثل (الموضوعية التكوينية)، وبالتالي فإن الموضوعية التكليفية (النص) تمثل (المطلق)، والموضوعية التكوينية (الكون) والذاتية (التفسير) يمثلان المحدود، ولما كان المطلق يحدد المحدود ولا يلغيه ، فإن النص القرآني يحدد جدل المعرفة القائم على الانتقال من الموضوعي(فيحدد طرق معرفه المشكلة العينية)، إلي الذاتي ( فيحدد طرق العلم بالحل المجرد لها )، إلي الموضوعي (الواقع) مرة أخرى من أجل تغييرها بالعمل (فيحدد الأسلوب اللازم لحلها)، ولا يلغيه فيكون بمثابة ضمان لاستمرار فاعليته.
المحكم والمتشابه(الأصل والفرع):يترتب على ما سبق أن غاية النص القرآني هداية الناس إلي ما فيه صالحهم في كل زمان بحكم أن الإسلام الرسالة الخاتمة (وما كان محمداً أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين)، وكل مكان بحكم أن الإسلام رسالة لكل الناس (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين).والنص القرانى يجمع بين كونه مطلق (وضعا وغاية)عن قيود الزمان والمكان غير خاضع للتطور أو التغير فيهما، ومراعاته التطور خلال الزمان و التغير في المكان ،وذلك بانقسامه إلى قسمين: القسم الأول هو ما أسماه المفسرين آيات الأصول أو الآيات المحكمات أو أم الكتاب ، والقسم الثاني هو ما أطلقوا عليه اسم آيات الفروع أو الآيات المتشابهات قال تعالى: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات)، يقول ابن كثير في تفسير قوله تعالى" هُنَّ أُمّ الْكِتَاب ": أَيْ أَصْله الَّذِي يُرْجَع إِلَيْهِ عِنْد الِاشْتِبَاه )، والقسم الأول يمثل المطلق والقسم الثاني يمثل المحدود ، وهذا التقسيم ينصب على الدلالة لا الوضع لان كلاهما وضع الهي وبالتالي مطلق.حيث يمكن تقسيم النص القرانى :
أولا:من حيث وحده الدلالة أو تعددها (إمكان التاؤيل أو عدمه): ينقسم النص القرآني هنا إلي آيات ذات دلاله واحده لا تحتمل التأويل.وآيات ذات دلالات متعددة،وبالتالي تحتمل التأويل،وفي تأويلها اختلف المسلمون ومازالوا يختلفون دون إثم. فالآيات الأولى هي الآيات المحكمة والثانية هي الآيات المتشابهة، ينقل السيوطى ( وقال الماوردى: المحكم ما لا يحتمل إلا وجها واحدا، والمتشابه بخلافه) (الإتقان في علوم القرآن،4-9).
ثانياً: من حيث الغايات والوسائل: ينقسم النص القرآني هنا إلي آيات ذات دلاله قائمه بذاتها وآيات ذات دلاله قائمه بغيرها ينقل السيوطي(وقيل: المحكم ما استقل بنفسه، والمتشابه: ما لا يستقل بنفسه إلا برده إلى غيره) (الإمام السيوطى،المرجع السابق، نفس المكان ).فالآيات الأولى يمكن اعتبارها غايات تتحقق من خلالها هداية الناس في كل زمان ومكان،أما الآيات الثانية فيمكن اعتبارها وسائل للغايات السابقة ، ولما كانت الغايات تحدد أسلوب العمل اللازم لتحقيقها (الوسائل)، فإن النوع الأول من الآيات يحدد النوع الثاني ، بحيث لا يمكن تفسير الأخيرة إلا استناداً إلي الأولى.
تفسير آيات الأحكام: الأحكام هي قواعد السلوك العامة (تخاطب الكافة ) المجردة (لا تنصب على واقعة معينة زماناً أو مكاناً أو أشخاصاً ) الملزمة ( آمره أو ناهية) . وغاية النص القرآني هنا (متمثلاً في آيات الأحكام) أن يهدي الناس إلي أفضل القواعد التي يحتاجون إليها لتحقيق مصالحهم في كل زمان ومكان قال تعالى(ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين)(البقرة: 1)
ولتحقيق هذه الغاية ينقسم النص القرآني إلي قسمين:
الأصول: وتتمثل فيما جاء في القرآن من أحكام (قواعد سلوك) ملزمة (القواعد- الأصول) والتي تهدي الناس إلي أفضل (القواعد الفروع) التي يحتاجون إلي وضعها في زمان ومكان معينين ولو لم ترد فيه نصاً. وهي تمثل المطلق غير أنه يجب التمييز بين شكلين لها:
من حيث وحده الدلالة أو تعددها: آيات ذات الدلالة الواحدة التي لا تتحمل التأويل، وتتمثل في الآيات المحكمة على هذا الوجه كمصدر للقواعد الأصول.
من حيث الغايات والوسائل: أي الآيات ذات الدلالة (المعنى) القائمة بذاتها بحيث يمكن اعتبارها إحدى الغايات التي يتحقق من خلالها غاية النص القرآني، أي هداية الناس إلي مصالحهم في كل زمان ومكان ، وتتمثل في ما يسمى بقواعد النظام العام أو الحدود وهي القواعد (الأحكام) الآمرة كقوله تعالى (تلك حدود الله فلا تعتدوها)( البقرة: 229) أو الناهية كقوله تعالى(تلك حدود الله فلا تقربوها) ( البقرة: 187) والتي تهدف إلي تحقيق مصلحة الجماعة في كل زمان ومكان. وقد أسميت حدوداً لأنها تحدد الفعل الإنسان وإن كان الفقهاء قد أطلقوا بلفظ الحدود على العقوبات في مرحلة تالية يقول ابن تيمية (الحدود في لفظ الكتاب والسنة يراد بها الفصل بين الحلال والحرام و الأمر والنهي أما تسمية العقوبة المقدرة حداً فهو عرف حادث)( ابن تيمية مجموع الفتاوى، ط1¬، الرياض ج28) ويدل على المعنى الحقيقي للحد قوله صلى الله عليه وسلم (من أصاب حداً فعجلت له عقوبته في الدنيا فالله أعدل من أن يثني على عبده العقوبة في الآخرة)( مشكاة المصابيح ج2 ص209). ينقل ابن كثبر في تفسيره:وَقَدْ اِخْتَلَفُوا فِي الْمُحْكَم وَالْمُتَشَابِه فَرُوِيَ عَنْ السَّلَف عِبَارَات كَثِيرَة فَقَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا : الْمُحْكَمَات نَاسِخَةٌ وَحَلَاله وَحَرَامه وَأَحْكَامه مَا يُؤْمَر بِهِ وَيُعْمَل بِهِ وَقَالَ يَحْيَى بْن يَعْمَر : الْفَرَائِض وَالْأَمْر وَالنَّهْي وَالْحَلَال وَالْحَرَام(تفسير ابن كثير،الايه7:العمران).
الفروع:
من حيث وحده الدلالة أو تعددها: أي الآيات ذات الدلالات المتعددة ،والتي بالتالي تحتمل التأويل وفي تأويلها اختلف المسلمين ويختلفون دون إثم ، ومن أخطأ فهو مثوب مرة ومن أصاب فهو مثوب مرتين، وقد يرجع الخلاف إلي دلالة اللفظ على معنيين ، وقد يرجع إلي المفاصلة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي إلي آخر الأسباب المعروفة في فقه القرآن. وتتمثل في الآيات المتشابهة كمصدر للقواعد الفروع.
من حيث الغايات والوسائل: أي الآيات ذات الدلالة غير القائمة بذاتها، بل قائمة بدلالة الآيات (الأصول)، فهي بمثابة وسائل لتحقيق الغايات التي تتضمنها آيات الأصول.
د.صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفة القيم الاسلاميه بجامعه الخرطوم
sabri.m.khalil@hotmail.com
تعريف التفسير: التفسير لغة صيغة تفعيل من الفعل (فسر) وهو البيان، يقال فسرت الشيء إذا بينته.أما التفسير اصطلاحا فهو: العلم أو المعرفة بدلالات(معاني) ألفاظ القران الكريم . هذا المعنى الاصطلاحي للتفسير نجده في تعريفات العلماء لعلم التفسير، يقول الإمام الزركشي في كتابه البرهان: علم يبحث فيه عن أحوال القرآن المجيد من حيث دلالتُه على مراد الله تعالى بقدر الطاقة البشرية. ويقول صديق بن حسين القنوّجي في كتابه أبجد العلوم : هو علم باحث عن معنى نظم القرآن بحسب الطاقة البشرية وبحسب ما تقتضيه اللغة العربية.أما علم أصول التفسير والذي يتضمن منهج التفسير- فهو مجموعة من القواعد التي تحدد مناهج ( طرق) معرفه دلالات(معاني) ألفاظ القران الكريم.
الاهتداء كغاية للتفسير: وينطلق منهج التفسير الاهتدائى من أن غاية النص القرانى هداية الناس إلي ما فيه صالحهم في كل زمان ومكان، وبالتالي فان غاية التفسير الاهتداء إلي ما فيه صالح الناس في زمان ومكان معينين ، فهو منهج تفسير ينطلق من مفهوم الهدايه القرانى، واستنادا إلي الأبعاد الحكمية والمنهجية والمعرفية لمفهوم الاستخلاف. فطبقا لحكمه الاستخلاف ومفاهيمها الثلاث (التوحيد، الاستخلاف، التسخير) ينطلق منهج التفسير الاهتدائى من أن الهداية صفة ربوبية أي أن مضمونها دال علي الفعل المطلق الذي ينفرد به الله تعالي (كلا ان معي ربي سيهدين ) (الشعراء :162) ، وعالم الشهادة قائم علي ظهور صفة الهداية (شأن سائر الصفات الالهيه). ولهذا الظهور شكلان: الشكل الأول: تكويني (الهداية التكوينية): ويتمثل في الفطرة من حيث هي إمكانية التزام السنن الإلهية التي تحكم الوجود ، والتي يجب علي الإنسان الخضوع لها ليهتدي إلي ما فيه صلاحه(وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في الظلمات والبر والبحر )(الإنعام : 97) ،(والقي في الأرض رواسي ان تميد بكم وانهارا وسبلا لعلكم تهتدون) (النحل : 15). والشكل الثاني: تكليفي الهداية التكلفية):ويتمثل في الوحي من حيث تضمنه للشرائع المتضمنة للأصول اللازمة لهداية الناس في كل زمان ومكان(يريد الله ليبين لكم سنن الذين من قبلكم)(النساء: 26 ).(وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون)( البقرة: 53).والاستخلاف هو إظهار الإنسان لربوبية الله تعالى وإلوهيته في الأرض على المستوى الصفاتى ، وبالتالي فإن مضمونه هنا إظهار الإنسان لصفة الهداية كصفه من صفات الربوبيه في الأرض ، وهو ما عبر عنه القرآن بالاهتداء(من اهتدى فإنما يهدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل لنفسه)( يونس: 108).هذا الإظهار يتم من خلال:أولا: توحيد الربوبية: بإفراد الهداية لله تعالى(إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء) (القصص: 56)،ثانيا: العبودية (التكوينية والتكليفية):وذلك باتخاذ مقتضى الهداية التكويني (الهداية التكوينية)، والتكليفي (الهداية التكلفية) ضوابط موضوعية مطلقة(من يهد الله فهو المهتدي)( الأعراف: 178).
أما طبقا للاستخلاف كمنهج للمعرفة فان منهج التفسير الاهتدائى يهدف إلى اهتداء الإنسان إلي القواعد الموضوعية (من وضع الله تعالى لا عقل الإنسان) ، المطلقة (لا تخضع للتطور أو التغيير في المكان او المكان) ، التي تحدد كدحه إلى الله تعالى (تطوره المادي والروحي) ولا تلغيه فتكمله وتغنيه فتكون بمثابة ضمان موضوعي لاستمرار فاعليته، وذلك من خلال الاهتداء إلي القواعد التي تحدد نمط الفكر الذي يصوغ حلولها، والقواعد التي تحدد أسلوب العمل اللازم حلها. وعلى هذا الوجه يتم الربط بين التفسير والواقع الاجتماعي والمشاكل التي يطرحها،وهو ما قرره السلف والعلماء، يقول علي بن أبي طالب كرم الله وجهه (ذلك القرآن فاستنطقوه ولن ينطق ولكن أخبركم عنه إلا أن فيه علم ما يأتي، والحديث عن ما مضي، ودواء دائكم ،ونظم ما بينكم)( علي بن أبي طالب، نهج البلاغة، خطبة 157).
أما طبقا للاستخلاف كنظرية للمعرفة فان منهج التفسير الاهتدائى يستند معرفيا إلى أن العلم كصفة إلوهية تظهر في عالم الشهادة من خلال شكلين:
تكويني:يتمثل في عالم الشهادة والسنن الإلهية التي تضبط حركته ،كمصدر للمعرفة والحواس والعقل كوسائل لمعرفته، وتكليفي يتمثل في عالم الغيب كمصدر للمعرفة والوحي كوسيلة لمعرفته. ومضمون الاستخلاف هنا إظهار العلم الإلهي في الأرض، وذلك بإفراد العلم المطلق لله ، واتخاذ صفة العلم الإلهية مثل أعلى مطلق يسعى لتحقيقه في واقعه المحدود، دون أن تتوافر له امكانيه التحقيق النهائي له ، وهو ما يتم باتخاذ مقتضى هذه الصفة كضوابط موضوعية مطلقة تحدد المعرفة الإنسانية ولا تلغيها. ويترتب على هذا أن هناك نوعان من الموضوعية: موضوعية تكوينية: تتمثل في أن للكون وجود مستقل عن العقل الإنساني وغير متوقف عليه .وموضوعية تكليفية: تتمثل في الوحي ذو الوجود المستقل عن عقل الإنسان وغير متوقف عليه (لأنه وضع إلهي لا من وضع العقل الإنساني) وهي موضوعية مطلقة. والتفسير يمثل الذاتية ، والنص القرآني يمثل (الموضوعية التكليفية)، بينما الكون يمثل (الموضوعية التكوينية)، وبالتالي فإن الموضوعية التكليفية (النص) تمثل (المطلق)، والموضوعية التكوينية (الكون) والذاتية (التفسير) يمثلان المحدود، ولما كان المطلق يحدد المحدود ولا يلغيه ، فإن النص القرآني يحدد جدل المعرفة القائم على الانتقال من الموضوعي(فيحدد طرق معرفه المشكلة العينية)، إلي الذاتي ( فيحدد طرق العلم بالحل المجرد لها )، إلي الموضوعي (الواقع) مرة أخرى من أجل تغييرها بالعمل (فيحدد الأسلوب اللازم لحلها)، ولا يلغيه فيكون بمثابة ضمان لاستمرار فاعليته.
المحكم والمتشابه(الأصل والفرع):يترتب على ما سبق أن غاية النص القرآني هداية الناس إلي ما فيه صالحهم في كل زمان بحكم أن الإسلام الرسالة الخاتمة (وما كان محمداً أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين)، وكل مكان بحكم أن الإسلام رسالة لكل الناس (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين).والنص القرانى يجمع بين كونه مطلق (وضعا وغاية)عن قيود الزمان والمكان غير خاضع للتطور أو التغير فيهما، ومراعاته التطور خلال الزمان و التغير في المكان ،وذلك بانقسامه إلى قسمين: القسم الأول هو ما أسماه المفسرين آيات الأصول أو الآيات المحكمات أو أم الكتاب ، والقسم الثاني هو ما أطلقوا عليه اسم آيات الفروع أو الآيات المتشابهات قال تعالى: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات)، يقول ابن كثير في تفسير قوله تعالى" هُنَّ أُمّ الْكِتَاب ": أَيْ أَصْله الَّذِي يُرْجَع إِلَيْهِ عِنْد الِاشْتِبَاه )، والقسم الأول يمثل المطلق والقسم الثاني يمثل المحدود ، وهذا التقسيم ينصب على الدلالة لا الوضع لان كلاهما وضع الهي وبالتالي مطلق.حيث يمكن تقسيم النص القرانى :
أولا:من حيث وحده الدلالة أو تعددها (إمكان التاؤيل أو عدمه): ينقسم النص القرآني هنا إلي آيات ذات دلاله واحده لا تحتمل التأويل.وآيات ذات دلالات متعددة،وبالتالي تحتمل التأويل،وفي تأويلها اختلف المسلمون ومازالوا يختلفون دون إثم. فالآيات الأولى هي الآيات المحكمة والثانية هي الآيات المتشابهة، ينقل السيوطى ( وقال الماوردى: المحكم ما لا يحتمل إلا وجها واحدا، والمتشابه بخلافه) (الإتقان في علوم القرآن،4-9).
ثانياً: من حيث الغايات والوسائل: ينقسم النص القرآني هنا إلي آيات ذات دلاله قائمه بذاتها وآيات ذات دلاله قائمه بغيرها ينقل السيوطي(وقيل: المحكم ما استقل بنفسه، والمتشابه: ما لا يستقل بنفسه إلا برده إلى غيره) (الإمام السيوطى،المرجع السابق، نفس المكان ).فالآيات الأولى يمكن اعتبارها غايات تتحقق من خلالها هداية الناس في كل زمان ومكان،أما الآيات الثانية فيمكن اعتبارها وسائل للغايات السابقة ، ولما كانت الغايات تحدد أسلوب العمل اللازم لتحقيقها (الوسائل)، فإن النوع الأول من الآيات يحدد النوع الثاني ، بحيث لا يمكن تفسير الأخيرة إلا استناداً إلي الأولى.
تفسير آيات الأحكام: الأحكام هي قواعد السلوك العامة (تخاطب الكافة ) المجردة (لا تنصب على واقعة معينة زماناً أو مكاناً أو أشخاصاً ) الملزمة ( آمره أو ناهية) . وغاية النص القرآني هنا (متمثلاً في آيات الأحكام) أن يهدي الناس إلي أفضل القواعد التي يحتاجون إليها لتحقيق مصالحهم في كل زمان ومكان قال تعالى(ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين)(البقرة: 1)
ولتحقيق هذه الغاية ينقسم النص القرآني إلي قسمين:
الأصول: وتتمثل فيما جاء في القرآن من أحكام (قواعد سلوك) ملزمة (القواعد- الأصول) والتي تهدي الناس إلي أفضل (القواعد الفروع) التي يحتاجون إلي وضعها في زمان ومكان معينين ولو لم ترد فيه نصاً. وهي تمثل المطلق غير أنه يجب التمييز بين شكلين لها:
من حيث وحده الدلالة أو تعددها: آيات ذات الدلالة الواحدة التي لا تتحمل التأويل، وتتمثل في الآيات المحكمة على هذا الوجه كمصدر للقواعد الأصول.
من حيث الغايات والوسائل: أي الآيات ذات الدلالة (المعنى) القائمة بذاتها بحيث يمكن اعتبارها إحدى الغايات التي يتحقق من خلالها غاية النص القرآني، أي هداية الناس إلي مصالحهم في كل زمان ومكان ، وتتمثل في ما يسمى بقواعد النظام العام أو الحدود وهي القواعد (الأحكام) الآمرة كقوله تعالى (تلك حدود الله فلا تعتدوها)( البقرة: 229) أو الناهية كقوله تعالى(تلك حدود الله فلا تقربوها) ( البقرة: 187) والتي تهدف إلي تحقيق مصلحة الجماعة في كل زمان ومكان. وقد أسميت حدوداً لأنها تحدد الفعل الإنسان وإن كان الفقهاء قد أطلقوا بلفظ الحدود على العقوبات في مرحلة تالية يقول ابن تيمية (الحدود في لفظ الكتاب والسنة يراد بها الفصل بين الحلال والحرام و الأمر والنهي أما تسمية العقوبة المقدرة حداً فهو عرف حادث)( ابن تيمية مجموع الفتاوى، ط1¬، الرياض ج28) ويدل على المعنى الحقيقي للحد قوله صلى الله عليه وسلم (من أصاب حداً فعجلت له عقوبته في الدنيا فالله أعدل من أن يثني على عبده العقوبة في الآخرة)( مشكاة المصابيح ج2 ص209). ينقل ابن كثبر في تفسيره:وَقَدْ اِخْتَلَفُوا فِي الْمُحْكَم وَالْمُتَشَابِه فَرُوِيَ عَنْ السَّلَف عِبَارَات كَثِيرَة فَقَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا : الْمُحْكَمَات نَاسِخَةٌ وَحَلَاله وَحَرَامه وَأَحْكَامه مَا يُؤْمَر بِهِ وَيُعْمَل بِهِ وَقَالَ يَحْيَى بْن يَعْمَر : الْفَرَائِض وَالْأَمْر وَالنَّهْي وَالْحَلَال وَالْحَرَام(تفسير ابن كثير،الايه7:العمران).
الفروع:
من حيث وحده الدلالة أو تعددها: أي الآيات ذات الدلالات المتعددة ،والتي بالتالي تحتمل التأويل وفي تأويلها اختلف المسلمين ويختلفون دون إثم ، ومن أخطأ فهو مثوب مرة ومن أصاب فهو مثوب مرتين، وقد يرجع الخلاف إلي دلالة اللفظ على معنيين ، وقد يرجع إلي المفاصلة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي إلي آخر الأسباب المعروفة في فقه القرآن. وتتمثل في الآيات المتشابهة كمصدر للقواعد الفروع.
من حيث الغايات والوسائل: أي الآيات ذات الدلالة غير القائمة بذاتها، بل قائمة بدلالة الآيات (الأصول)، فهي بمثابة وسائل لتحقيق الغايات التي تتضمنها آيات الأصول.