تعليق نفيس للإمام السنوسي في تفسير قوله تعالى: (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا)

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • جلال علي الجهاني
    خادم أهل العلم
    • Jun 2003
    • 4020

    #1

    تعليق نفيس للإمام السنوسي في تفسير قوله تعالى: (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا)

    ذكر الإمام الونشريسي في المعيار: الجزء 11، ص 304-305 أنه:
    وجِّه سؤال إلى بعض علماء تلمسان، في قوله تعالى: (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا، فمنهم ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد، ومن سابق بالخيرات بإذن الله)، فأجاب عنها جماعة منهم الإمام السنوسي رحمه الله تعالى، بما نصه:

    الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد، وآله وسلم.
    حاصل المعنى فيما نقل أعلاه: أن المؤمنين الذين أخبر مولانا تبارك وتعالى عنهم بالاصطفاء، وحكم لجميعهم بدخول جنات عدن، وبالتنعم في مشتهياتها هم ثلاثة أصناف:

    الصنف الأول: الظالمون لأنفسهم، وهم المسرفون في المعاصي، الذين لا يبالون بما يأتون منها بحسناتهم، وبعض ليس له حسنة إلا حسنة الإيمان بالله تعالى وبرسله عليهم السلام.
    والصنف الثاني: هم المقتصدون، وهم الذين توسطوا في الأعمال، وخلطوا بين الحسنات والسيئات.
    والصنف الثالث: وهم المسارعون في أعمال الطاعات، واجتناب المخالفات.

    ثم إنَّ المولى تبارك وتعالى مَنَّ على الجميع فضلاً منه وكرماً وإحساناً بأن أدخلهم تحت اسم الاصطفاء.

    ويصح إطلاق اسم الصلاح على جميعهم إطلاقاً نسبياً، أي بالنسبة والإضافة إلى من اتصف بالكفر بالله تعالى وبرسله عليهم الصلاة والسلام؛ فإن هؤلاء الكفرة ليس معهم إلا الفساد في بواطنهم وظواهرهم، وأمَّا المؤمنون وإن كانوا مسرفين في المعاصي فعندهم صلاح بواطنهم بما حلَّ فيها من نور الإيمان، وصلاح ظواهرهم بالنطق بكلمتي الشهادة. وهم أيضاً معترفون بحقوق مولاهم عليهم، وأنهم عصاة مستحقون للعقوبة على جرأتهم، لا يعتقدون حلة ما ارتكبوا من المعاصي، بل يعتقدون شرها، ويتمنون التوفيق لمفارقتها.
    فقد فارقوا بهذه الأوجه الشريفة التي منَّ مولانا جل وعلا بها الكفر بالله وبرسوله، فلهذا ألحقهم مولانا سبحانه فضلاً منه بزمرة السابقين، وحكم بدخولهم معهم في جنات عدن؛ لانحيازهم إليهم في الإيمان بالله تعالى ورسله عليهم الصلاة والسلام، وكونهم إنما يستصوبون بقلوبهم أعمال السابقين، لا أعمال الكافرين.

    وأيضًا فمرجعهم عند الشدائد والدواهي وانحيازهم بظواهرهم وبواطنهم إنما هو إلى زمرة السابقين، إذ لو فرضنا حرباً وقع بين أولياء الله السابقين وبين أعداء الله تعالى الكافرين، لانحاز كل مقتصد وكل ظالم وكل مسرفٍ في الكبائر بين أهل الإيمان إلى فريق السابقين، وحاربوا معهم الكافرين، ووقوهم بأنفسهم وأموالهم، وحرصوا على سلامتهم بقدر استطاعتهم.

    وأيضًا لو قدرنا اجتماع جهة وانحاز أصناف السابقين وأهل الولاية الذين لم يقع من واحدٍ منهم معصية إلى جهة أخرى، وجعل بين هذين الفريقين عصاة المؤمنين بصنفيهم وهم المتقصدون والظالمون في موضع واحد، لم يختلطوا فيه إلا بالسابقين لا بالكافرين. ثم نادى بهؤلاء العصاة من لا تمكنهم مخالفتهم وأمرهم أن يلحق كل واحدٍ منهم بحزبه من الفريقين، وهما فريق الكافرين، وفريق السابقين؛ لسعي كل واحد من أولئك العصاة من غير تردد، وجرى حتى يلتحق بفريق السابقين، ويتعلق بهم ويستمسك بأذيالهم.

    وأيضاً فمولانا تبارك وتعالى قسَّم جميع المكلفين إلى قسمين: مؤمن وكافر، فقال جل من قائل: (هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن)، فدخل في قوله تعالى: (ومنكم مؤمن) جميع أصناف أهل الإيمان، من صالح وطالح، ظالم ومقتصد، كما دخل في قوله: (فمنكم كافر) جميعُ أصناف الكفرة، فكما يجتمع أصناف الكفرة في الخلود في العذاب والجحيم، يجتمع جميع أصناف المؤمنين في الخلود في جنات النعيم.

    اللهم احشرنا مع الآباء والأمهات والزوجات، والإخوة والمشايخ، والذرية والأحبة، في زمرة السابقين في جنات عدن في عافية، بلا محنة، بجاه الشفيع المشفع عندك، سيدنا ونبينا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه ذوي السبق في الدنيا والآخرة، إلى كل فضل ومنة.
    وكتب: عبد الله تعالى، محمد بن يوسف السنوسي الحسني، أحسن الله عاقبته بلا محنة.

    انتهى النقل.


    اللهم احشرنا مع الآباء والأمهات والزوجات، والإخوة والمشايخ، والذرية والأحبة، في زمرة السابقين في جنات عدن في عافية، بلا محنة، بجاه الشفيع المشفع عندك، سيدنا ونبينا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه ذوي السبق في الدنيا والآخرة، إلى كل فضل ومنة.
    إلهنا واجبٌ لولاه ما انقطعت
    آحاد سلسلة حفَّــت بإمكـانِ



    كتاب أنصح بقراءته: سنن المهتدين في مقامات الدين للإمام المواق
    حمله من هنا
  • عبدالعزيز عبد الرحمن علي
    طالب علم
    • Apr 2010
    • 760

    #2
    رضي الله عنه

    اللهم آمين

    تعليق

    يعمل...