بسم الله الرحمن الرحيم
نقل أحد العلماء المتأخرين في رسالة له في مسألة علم النبي صلى الله عليه وسلم بالغيب كلاما مفيدا للشيخ الإمام تقي الدين السبكي في تفسير آية : "وما أدري ما يفعل بي ولا بكم " [الأحقاف :9]
وهذا الكلام يبدو أنه من تفسير الشيخ المسمى :" الدر النظيم في تفسير القرآن العظيم " فأحببت أن أنسخه هنا
وقد نقلتُ من هذا التفسير قديما مواضع أخرى ويظهر منها كلها أن الشيخ الإمام في تفسيره كانت له عناية بنقد الأقوال ومناقشتها واختيار أرجحها فلّله دره !
قال المؤلف رحمه الله :
قال الإمام المجتهد التقي السبكي في قوله تعالى : "وما أدري ما يفعل بي ولا بكم " في مستقبل الزمان في الدنيا مما يحدث فيها من الأمور لأنه لا علم لي بالغيب وما يقدّره الله تعالى :
ــ لي : أموت أم أقتل كما قتلت الأنبياء ؟
ــ ولكم : أترمون بالحجارة أم يخسف بكم أم أي شيء يفعل بكم؟
أما في الآخرة فمعاذ الله أن لا يدري وقد علم أنه في الجنة وأنهم في النار إذا أصروا على كفرهم
هذا هو القول الصحيح وهو رواية الكلبي عن ابن عباس ، وليس في الآية نسخ
والقول الثاني : إنها منسوخة
قال ابن عباس في رواية عطاء : لما نزلت هذه الآية فرح المشركون واليهود والمنافقون وقالوا : كيف نتبع نبيا لا يدري ما يفعل به ولا بنا فأنزل الله : "إنا فتحنا لك فتحا مبينا" إلى قوله :" فوزا عظيما" فبين الله ما يفعل به وبمن اتبعه من المؤمنين ونسخت هذه الآية
وهو قول أنس وقتادة وعكرمة ،
ولولا أنه مروي عن هؤلاء الأئمة لما ذكرتُه لضعفه
وحيث ورد فينبغي أن يتأول على أن المشركين والمنافقين تعلقوا بظاهر الآية فأنزل الله بيانها بقوله : "إنا فتحنا " دفعا لما تعلق به المشركون أما النسخ الحقيقي فلا لأن النبي لا بد أن يعلم أنه نبي وأنه فائز في الآخرة هو ومن اتبعه
وإنما يحسن وضع الخلاف في أن المراد أحوال الدنيا فقط أو الأمور الجزئية وتفاصيلها عموما لأنا وإن علمنا الفوز بالجنة وكثيرا مما فيها مما أخبرنا الله به لا ندري جميع الجزئيات والتفاصيل التي فيها في هذا الوقت ،
وعلى هذا يحمل ما ورد في قوله صلى الله عليه وسلم :"فو الله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي" فتأويله ذلك وأريد به تأديب غيره عن التسرع إلى القطع بالأمور المغيبة
على أن القول بأني لا أدري أموت أم أقتل إنما يصح إذا كان قبل نزول قوله تعالى :" والله يعصمك من الناس "
والذي يتعين الحمل عليه : النصر والغلبة والأمور التي كانت بينهم في الدنيا وجزئيات الأشياء [ في الآخرة]
انتهى ملخصا
اهـ ما نقله صاحب الرسالة عن الشيخ الإمام تقي الدين السبكي
رحمهما الله تعالى