جاء في تفسير الإمام الفخر الرازي قدّس الله سره :
[ أما قوله جل جلاله : { اهدنا الصراط المستقيم } -
فاعلم أنه عبارة عن طلب الهداية ، ولتحصيل الهداية طريقان :
أحدهما : طلب المعرفة بالدليل والحجة .
والثاني : بتصفية الباطن والرياضة .
أما طرق الاستدلال فإنها غير متناهية لأنه لا ذرة من ذرات العالم الأعلى والأسفل إلا وتلك الذرة شاهدة بكمال إلهيته ، وبعزة عزته ، وبجلال صمديته ، كما قيل :
وتقريره : أن أجسام العالم متساوية في ماهية الجسمية ، ومختلفة في الصفات ، وهي الألوان والأمكنة والأحوال ، ويستحيل أن يكون اختصاص كل جسم بصفته المعينة لأجل الجسمية أو لوازم الجسمية ، وإلا لزم حصول الاستواء ، فوجب أن يكون ذلك لتخصيص مخصص وتدبير مدبر ، وذلك المخصص إن كان جسما عاد الكلام فيه ، وإن لم يكن جسما فهو المطلوب .
ثم ذلك الموجود إن لم يكن حيا عالما قادرا ، بل كان تأثيره بالفيض والطبع عاد الإلزام في وجوب الاستواء ، وإن كان حيا عالما قادرا فهو المطلوب .
إذا عرفت هذا فقد ظهر أن كل واحد من ذرات السموات والأرض شاهد صادق ، ومخبر ناطق ، بوجود الإله القادر الحكيم العليم ، وكان الشيخ الإمام الوالد "ضياء الدين عمر" رحمه الله يقول : إن لله تعالى في كل جوهر فرد أنواعا غير متناهية من الدلائل الدالة على القدرة والحكمة والرحمة ، وذلك لأن كل جوهر فرد فإنه يمكن وقوعه في أحياز غير متناهية على البدل ، ويمكن أيضا اتصافه بصفات غير على البدل ، وكل واحد من تلك الأحوال المقدرة فإنه بتقدير الوقوع يدل على الافتقار إلى وجود الصانع الحكيم الرحيم ، فثبت بما ذكرنا أن هذا النوع من المباحث غير متناه .
وأما تحصيل الهداية بطريق الرياضة والتصفية فذلك بحر لا ساحل له ، ولكل واحد من السائرين إلى الله تعالى منهج خاص ، ومشرب معين ، كما قال : { ولكل وجهة هو موليها } ، ولا وقوف للعقول على تلك الأسرار ، ولا خبر عند الأفهام من مبادىء ميادين تلك الأنوار ، والعارفون المحققون لحظوا فيها مباحث عميقة ، وأسرارا دقيقة ، قلما ترقى إليها أفهام الأكثرين . ] آ.هـ تفسير الفخر الرازي 1/17
ويمكن أن يستدرك على كلامه رحمه الله بأنه حصر سبل تحصيل الهداية في هذا الموضع في طريقين كسبيين ، وأغفل ذكر الطرق الوهبية من الوحي والإلهام والكشف والتحديث .
ويمكن أن يُرد بأن الوحي ترجع حجيته إلى العقل والنظر فيعود إلى الكسب ، والإلهام والكشف والتحديث والرؤيا الصالحة كلها لا تفيد العلم بل ولا الظن الراجح ولذا لا يعمل بها وإنما يُستأنس بها .
ويُردّ عليه بجعل الهداية المقصودة في كلامه واقعة على معرفة الله تعالى والإيمان به لا على معرفة التفاصيل والأحكام ، وعليه فقد يقذف الله الإيمان به في قلب عبد لاه غافل دون جهد أو كسب منه رأفة به واصطفاء وجذبة إلى رحمته ، كما يقبل إيمان المقلد المتبع للوحي وإن كان آثما بترك النظر كما ذكره المتكلمون في مظانه .
على أن ما قاله رحمه الله من تحصيل الهداية بطريق الرياضة والتصفية يحسن ضبطه وتقييده بما لا يخالف العقل أو الشرع في الوسائل والنتائج .
والله الموفق
[ أما قوله جل جلاله : { اهدنا الصراط المستقيم } -
فاعلم أنه عبارة عن طلب الهداية ، ولتحصيل الهداية طريقان :
أحدهما : طلب المعرفة بالدليل والحجة .
والثاني : بتصفية الباطن والرياضة .
أما طرق الاستدلال فإنها غير متناهية لأنه لا ذرة من ذرات العالم الأعلى والأسفل إلا وتلك الذرة شاهدة بكمال إلهيته ، وبعزة عزته ، وبجلال صمديته ، كما قيل :
وفي كل شيء له آية *** تدل على أنه واحد
وتقريره : أن أجسام العالم متساوية في ماهية الجسمية ، ومختلفة في الصفات ، وهي الألوان والأمكنة والأحوال ، ويستحيل أن يكون اختصاص كل جسم بصفته المعينة لأجل الجسمية أو لوازم الجسمية ، وإلا لزم حصول الاستواء ، فوجب أن يكون ذلك لتخصيص مخصص وتدبير مدبر ، وذلك المخصص إن كان جسما عاد الكلام فيه ، وإن لم يكن جسما فهو المطلوب .
ثم ذلك الموجود إن لم يكن حيا عالما قادرا ، بل كان تأثيره بالفيض والطبع عاد الإلزام في وجوب الاستواء ، وإن كان حيا عالما قادرا فهو المطلوب .
إذا عرفت هذا فقد ظهر أن كل واحد من ذرات السموات والأرض شاهد صادق ، ومخبر ناطق ، بوجود الإله القادر الحكيم العليم ، وكان الشيخ الإمام الوالد "ضياء الدين عمر" رحمه الله يقول : إن لله تعالى في كل جوهر فرد أنواعا غير متناهية من الدلائل الدالة على القدرة والحكمة والرحمة ، وذلك لأن كل جوهر فرد فإنه يمكن وقوعه في أحياز غير متناهية على البدل ، ويمكن أيضا اتصافه بصفات غير على البدل ، وكل واحد من تلك الأحوال المقدرة فإنه بتقدير الوقوع يدل على الافتقار إلى وجود الصانع الحكيم الرحيم ، فثبت بما ذكرنا أن هذا النوع من المباحث غير متناه .
وأما تحصيل الهداية بطريق الرياضة والتصفية فذلك بحر لا ساحل له ، ولكل واحد من السائرين إلى الله تعالى منهج خاص ، ومشرب معين ، كما قال : { ولكل وجهة هو موليها } ، ولا وقوف للعقول على تلك الأسرار ، ولا خبر عند الأفهام من مبادىء ميادين تلك الأنوار ، والعارفون المحققون لحظوا فيها مباحث عميقة ، وأسرارا دقيقة ، قلما ترقى إليها أفهام الأكثرين . ] آ.هـ تفسير الفخر الرازي 1/17
ويمكن أن يستدرك على كلامه رحمه الله بأنه حصر سبل تحصيل الهداية في هذا الموضع في طريقين كسبيين ، وأغفل ذكر الطرق الوهبية من الوحي والإلهام والكشف والتحديث .
ويمكن أن يُرد بأن الوحي ترجع حجيته إلى العقل والنظر فيعود إلى الكسب ، والإلهام والكشف والتحديث والرؤيا الصالحة كلها لا تفيد العلم بل ولا الظن الراجح ولذا لا يعمل بها وإنما يُستأنس بها .
ويُردّ عليه بجعل الهداية المقصودة في كلامه واقعة على معرفة الله تعالى والإيمان به لا على معرفة التفاصيل والأحكام ، وعليه فقد يقذف الله الإيمان به في قلب عبد لاه غافل دون جهد أو كسب منه رأفة به واصطفاء وجذبة إلى رحمته ، كما يقبل إيمان المقلد المتبع للوحي وإن كان آثما بترك النظر كما ذكره المتكلمون في مظانه .
على أن ما قاله رحمه الله من تحصيل الهداية بطريق الرياضة والتصفية يحسن ضبطه وتقييده بما لا يخالف العقل أو الشرع في الوسائل والنتائج .
والله الموفق
تعليق