تأويل سورة المعارج
قال تعالى
{ سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ } * { لِّلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ } * { مِّنَ ٱللَّهِ ذِي ٱلْمَعَارِجِ } * { تَعْرُجُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ } * { فَٱصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً }
قال أبو جعفر رحمه الله"
: اختلفت القرّاء في قراءة قوله: { سأَلَ سائِلٌ } فقرأته عامة قرّاء الكوفة والبصرة: { سأَلَ سائِلٌ } بهمز سأل سائل، بمعنى سأل سائل من الكفار عن عذاب الله، بمن هو واقع وقرأ ذلك بعض قرّاء المدينة: «سال سائِلٌ» فلم يهمز سأل، ووجهه إلى أنه فعل من السيل.
والذي هو أولى القراءتين بالصواب قراءة من قرأه بالهمز لإجماع الحجة من القرّاء على ذلك، وأن عامة أهل التأويل من السلف بمعنى الهمز تأوّلوه.
****************************************
قال أبو جعفر رحمه الله"
وأما الذين قرأوا ذلك بغير همز، فإنهم قالوا: السائل واد من أودية جهنم.
*********************************
قال أبو جعفر رحمه الله"
وقوله: { بِعَذَابٍ وَاقِعٍ للْكافِرِينَ } يقول: سأل بعذاب للكافرين واجب لهم يوم القيامة واقع بهم.
ومعنى { للْكافِرِينَ } على الكافرين، كالذي:
*****************************************
قال أبو جعفر رحمه الله"
وقوله: { لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ مِنَ اللَّهِ ذِي المَعَارِجٍ } يقول تعالى ذكره: ليس للعذاب الواقع على الكافرين من الله دافع يدفعه عنهم.
وقوله: { ذِي المَعارِجِ } يعني: ذا العلوّ والدرجات والفواضل والنعم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
********************************
قال أبو جعفر رحمه الله"
وقوله: { تَعْرُجُ المَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ } يقول تعالى ذكره: تصعد الملائكة والروح، وهو جبريل عليه السلام إليه، يعني إلى الله جلّ وعزّ والهاء في قوله: إلَيْهِ عائدة على اسم الله في { يَوْمٍ كانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ } يقول: كان مقدار صعودهم ذلك في يوم لغيرهم من الخلق خمسين ألف سنة، وذلك أنها تصعد من منتهى أمره من أسفل الأرض السابعة إلى منتهى أمره من فوق السموات السبع.
*****************************************
قال أبو جعفر رحمه الله"
وقال آخرون: بل معنى ذلك: تعرج الملائكة والروح إليه في يوم يفرغ فيه من القضاء بين خلقه، كان قدر ذلك اليوم الذي فرغ فيه من القضاء بينهم قدر خمسين ألف سنة.
* وقد رُوي عن ابن عباس في ذلك غير القول الذي ذكرنا عنه، وهو أن رجلاً سأل ابن عباس عن يوم كان مقداره ألف سنة، فقال: ما يوم كان مقداره خمسين ألف سنة؟ قال: إنما سألتك لتخبرني، قال: هما يومان ذكرهما الله في القرآن، الله أعلم بهما، فكره أن يقول في كتاب الله ما لا يعلم.
*********************************
قال أبو جعفر رحمه الله"
وقرأت عامة قرّاء الأمصار قوله: { تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ } بالتاء خلا الكسائي، فإنه كان يقرأ ذلك بالياء بخبر كان يرويه عن ابن مسعود أنه قرأ ذلك كذلك.
والصواب من قراءة ذلك عندنا ما عليه قرّاء الأمصار، وهو بالتاء لإجماع الحجة من القرّاء عليه.
****************************
قال أبو جعفر رحمه الله"
وقوله { فاصْبِرْ صَبْراً جمِيلاً } يقول تعالى ذكره: فاصبر صبراً جميلاً، يعني: صبراً لا جزع فيه. يقول له: اصبر على أذى هؤلاء المشركين لك، ولا يثنيك ما تلقى منهم من المكروه عن تبليغ ما أمرك ربك أن تبلغهم من الرسالة.
*********************************
وذكر أبو جعفر رحمه الله قولا لابن زيد ونقده "
**: قال ابن زيد، في قوله: { فاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً } قال: هذا حين كان يأمره بالعفو عنهم لا يكافئهم، فلما أمر بالجهاد والغلظة عليهم أمر بالشدّة والقتل حتى يتركوا، ونسخ هذا.
وهذا الذي قاله ابن زيد أنه كان أمر بالعفو بهذه الآية، ثم نسخ ذلك قول لا وجه له، لأنه لا دلالة على صحة ما قال من بعض الأوجه التي تصحّ منها الدعاوي، وليس في أمر الله نبيه في الصبر الجميل على أذى المشركين ما يوجب أن يكون ذلك أمراً منه له به في بعض الأحوال، بل كان ذلك أمراً من الله له به في كلّ الأحوال، لأنه لم يزل من لدن بعثه الله إلى أن اخترمه في أذى منهم، وهو في كلّ ذلك صابر على ما يلقى منهم من أذًى قبل أن يأذن الله له بحربهم، وبعد إذنه له بذلك.
******************************************
يتبع
تعليق