السلام عليكم
هو من بلدكم دكتور من السودان يعيش في لندن واسمه "عماد محمد بابكر حسن"وضع نظرية مثيرة تتحدث عن مسيرة خلق الإنسان وعلاقة هذه المسيرة بمناسك الحج--
[web]http://www.attaweel.com/vb/showthread.php?t=5050[/web]
الحقيقة نحتاج إلى رأيك الجازم فيها--
وهذا مثال عن طرحه
********************************
**************************************************
(الاستواء على العرش:
فى سورة السجدة ارتبط الاستواء على العرش بظواهر كونية عظمى:
{اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ* يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ* ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ* الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ* ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ* ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} 4-9 السجدة !
نلاحظ ان الاستواء على العرش هنا قد:
1. تلى إكتمال الستة مراحل فى خلق السموات والارض, وقد قدم اليه بحرف العطف "ثـــــــم".
2. تبعه وصف لحجم الكون وسرعة الضوء, ومفهوم النسبية فى الزمان والمكان, ثم تفاصيل خلق وتتطور الانسان عبر مراحل التطور من الطين مرورا بالتناسل الجنسى منتهيا بالعقل!
من هذا يمكننا ان نفترض ان مفهوم "الاستواء" يرتبط بالقوانين الالهية التى تحكم الكون وبمقدور الانسان دراستها وفهمها والتعامل معها.
وفى سورة طه بعدٌ آخر للإستواء على العرش, يشرح لنا الحكمة من الاستواء علي العرش, وبالتالي تشرح هذا المفهوم الغامض:
{طه* مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى* إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى* تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَا* الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى* لَهُ مَا فى السَّمَاوَاتِ وَمَا فى الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى* وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى* اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} 4-8 طه!
لا يخفي علينا أنَّ هذه الآيات قد فتنت الكثيرين على مرِّ العصور, وما زالت تسبب حرجاً كبيرا للعلماء والعامة, إذ انَّ إجتماع لفظ "استوى" مع لفظ "العرش" يزيد من التصوير التجسيمى الذى يناقض الصفات الإلهية.
ولكنِ استعصى على المسلمين فهمها فى الحقب التى كان فهم ناموس الكون فيها مستحيلا, فظلت مصدر إشكالٍ كبيرٍ فى التأويل! وقد تعامل معها المفسورن بحذرٍ شديد لِما تسببه من فتنة اللانسان, ولعلّ ابلغ ما قيل فى أمرها هو قول الامام مالك رضي الله عنه: {الإستواء معلوم والكيف مجهول والسؤال عنه بدعة}! ونحن نحمد الله تعالى ان جعلنا نعيش فى زمان تكاثر فيه علم الانسان بقوانين الكون التى كانت غيبا على هؤلاء الائمة! وهذا يشمل عِلَمنا بكروية الارض ودورانها حول نفسها وحول الشمس وتوسط الشمس للمجرة الحلزونية وحركة الكواكب والنجوم والمجرات فى الفضاء وقدرة الانسان على التعامل مع قوانين الطبيعة والطيران عكس الجاذبية الارضية فوق السحاب بسرعة اسرع من الصوت.... كل هذه الحقائق الكونية اصبحت من المسلَّمات عندنا ولكنها كانت غيبا على اؤلئك المفسرين الأفذاذ! ونظن انه ليس من حقنا ان نعيد تأويلها بما آتانا الله من علمٍ فحسب, بل هو واجب شرعى تقتضيه أمانة العلم الذى علمّنا الله إياه بالقلم وما كان متاحاً لغيرنا!
****************************
طه: اختلف المفسرون اختلافات كثيرة فى مدلول هذه الحروف ولسنا بصدد نقل آرائهم, ولكن لدينا من العلمِ بكيفية عمل ادوات السمع التى تلتقط الاصوات, والألباب التى تصنفها وتعقلها, ما يجعلنا نظن ان هذه الحروف لها مدلول صوتى يؤثر على مراكز محددة فى المخ, فيقود الى استشعارٍ وهيئة نفسية تجعله اكثر تقبلاً لما يتبعها من كلام مفهوم! وفي هذه الحقيقة العلمية يشترك المسلم والكافر, وما قول الله تعالى إنَّ أنكر الاصوات لصوت الحميرِ الا تأكيدا على ان غير المفهوم من الأصوات فيه الحسن الذى يريح النفس مثل شقشقة العصافير وهديل الحمام وغيرها, وفيه المرعب كنباح الكلاب وزئير الاسود وفيه المنكر الذى يؤدى للاشمئزاز كصوت الحمير! إذا تدبرنا موضوع الآيات لشعرنا ان "طه" فيها مفتاح موسيقى لمراكز الشعور بالرأفة والرحمة والرقة التى تنسجم مع ما سيأتى بعدها من قولٍ رقيق ليس على قلب النبى فحسب, وإنما كان فيه مفتاح لقلبٍ من أقسى قلوب العرب على النبى وهو عمر بن الخطاب رضى الله عنه!
وتمضي الآيات وكأنها تُرِّبتُ على كتف النبى بكل رأفة وحنان كان احوج ما يكون اليهما:
{ مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى* إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى* تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَا }!
ولعلّ فى وصف نفسه بأنه مَنْ خَلَقَ الارضَ والسماواتِ العُلي تمهيدا للتصريح بحقيقة كونية ارتبطت بظروف الآية التى كانت تُهوِّن على النبى وتزيد من عزيمته وصبره على ما كان يعانيه وهو ينتظر رحمة الله وتيسيره, الذى إن شاء لجعل كل الناس مؤمنين من غير معاناة, ولكن ارادته اقتضت ان يُبْتَلَي المؤمنون ويُزلزلوا زِلزالا شديدا قبل ان يأتيهم نصر الله! ونلاحظ ان خلق الارض جاء قبل خلق السموات هنا رغم ان القرآن فى كل آياته التى وصف فيها خلق السموات والارض قدم السموات الا فى هذه الآية وآية اخرى ارتبط صياغ الوصف فيها تقديم الارض لاختصاص الامر كما هو الحال هنا بالارض! هذا التمهيد يؤكده ان الآية التالية تصف علاقة العرش بأحداث فى الارض و تُصرح بأنه رغم ان الله مالك كل شىء, إلا أن رحمته لا تأتي عفوا او عشوائيا لأن قانون الكون اقتضى استوائه على العرش:
{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}
كلمة اسْتَوَى أصلها من سوى, وتعنى استقامة واعتدال بين شيئين! سَوَّى تعنى عدَّل ونفَّذ الشئ باستقامة وحكمة, واستوى على قياس "افتعل" من ذات المعنى وتدل على تأكيد وإحكامٍٍ فى التسوية!
وقد رأينا ان لفظ "عرش" حينما يرتبط بالذات الإلهية لا يعنى مجلس الملك, إنَّما قمة السلطة والقدرات المنتظمة المتناسقة فى الخلق والتحكم فيه وتسيير الامور وفق نظام محكم لا يتبدل, وهو ناموس الكون الذى يصعب على الإنسان فهمه مهما اوتى من علم! ورأينا فى تفسير آيات سورة الملك انّ لفظ العرش يَرِدُ بالتحديد حينما تكون السلطة الإلهية مرتبطة بنظام الخلق والمقاليد وليس الارادة الالهية المطلقة! فـ "كان عرشه على الماء" تعنى انه فرض على الماء أعلى قدر من القوانين النوعية التى جعلته يتغير الى أشكالٍ مختلفة, ويدخل فى خلق كل الكون بصورٍ متباينة وبنسبٍ ثابتة { انظر الحلقة الاولى اعلاه}!
ولفظ "على" يفيد ان الله له إرادة مطلقة و حرة فى التعامل مع الوجود من غير قانون او نظام, ولكنه جعل تلك الارادة الحرة تعلو على القانون الذى قدره "العرش" وجعل من شأنه تسيير نظام الكون, وانه قادرٌ على تعطيل القانون الذى صنعه وتغييره او الغائه او ازالة كل الوجود بأرادته التى تعلو عليه! فهو الذى خلق النار الحارقة ولكن حينما شاء, أمرها ان تكون بردا وسلاما على ابراهيم, فكانت, انصياعا لامره المطلق الذى يعلو على قوانين النار النوعية!
ثم رأينا فى آية الكرسى, ان الكون جسم واحد متداخل ومتصل من اقصاه الى اقصاه, وكل موجودٍ فيه اودعه الله قوانين تحكمه وتتحكم فيه وتتداخل مع ما حوله من الموجودات الملتصقة به وِفقَ نظامٍ ثابت منتظم لا تخبُّطَ فيه ولا عشوائية, ويتحكم الله فيه بصورة مطلقة!
************************************************** ****************
يتبع
هو من بلدكم دكتور من السودان يعيش في لندن واسمه "عماد محمد بابكر حسن"وضع نظرية مثيرة تتحدث عن مسيرة خلق الإنسان وعلاقة هذه المسيرة بمناسك الحج--
[web]http://www.attaweel.com/vb/showthread.php?t=5050[/web]
الحقيقة نحتاج إلى رأيك الجازم فيها--
وهذا مثال عن طرحه
********************************
**************************************************
(الاستواء على العرش:
فى سورة السجدة ارتبط الاستواء على العرش بظواهر كونية عظمى:
{اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ* يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ* ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ* الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ* ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ* ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} 4-9 السجدة !
نلاحظ ان الاستواء على العرش هنا قد:
1. تلى إكتمال الستة مراحل فى خلق السموات والارض, وقد قدم اليه بحرف العطف "ثـــــــم".
2. تبعه وصف لحجم الكون وسرعة الضوء, ومفهوم النسبية فى الزمان والمكان, ثم تفاصيل خلق وتتطور الانسان عبر مراحل التطور من الطين مرورا بالتناسل الجنسى منتهيا بالعقل!
من هذا يمكننا ان نفترض ان مفهوم "الاستواء" يرتبط بالقوانين الالهية التى تحكم الكون وبمقدور الانسان دراستها وفهمها والتعامل معها.
وفى سورة طه بعدٌ آخر للإستواء على العرش, يشرح لنا الحكمة من الاستواء علي العرش, وبالتالي تشرح هذا المفهوم الغامض:
{طه* مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى* إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى* تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَا* الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى* لَهُ مَا فى السَّمَاوَاتِ وَمَا فى الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى* وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى* اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} 4-8 طه!
لا يخفي علينا أنَّ هذه الآيات قد فتنت الكثيرين على مرِّ العصور, وما زالت تسبب حرجاً كبيرا للعلماء والعامة, إذ انَّ إجتماع لفظ "استوى" مع لفظ "العرش" يزيد من التصوير التجسيمى الذى يناقض الصفات الإلهية.
ولكنِ استعصى على المسلمين فهمها فى الحقب التى كان فهم ناموس الكون فيها مستحيلا, فظلت مصدر إشكالٍ كبيرٍ فى التأويل! وقد تعامل معها المفسورن بحذرٍ شديد لِما تسببه من فتنة اللانسان, ولعلّ ابلغ ما قيل فى أمرها هو قول الامام مالك رضي الله عنه: {الإستواء معلوم والكيف مجهول والسؤال عنه بدعة}! ونحن نحمد الله تعالى ان جعلنا نعيش فى زمان تكاثر فيه علم الانسان بقوانين الكون التى كانت غيبا على هؤلاء الائمة! وهذا يشمل عِلَمنا بكروية الارض ودورانها حول نفسها وحول الشمس وتوسط الشمس للمجرة الحلزونية وحركة الكواكب والنجوم والمجرات فى الفضاء وقدرة الانسان على التعامل مع قوانين الطبيعة والطيران عكس الجاذبية الارضية فوق السحاب بسرعة اسرع من الصوت.... كل هذه الحقائق الكونية اصبحت من المسلَّمات عندنا ولكنها كانت غيبا على اؤلئك المفسرين الأفذاذ! ونظن انه ليس من حقنا ان نعيد تأويلها بما آتانا الله من علمٍ فحسب, بل هو واجب شرعى تقتضيه أمانة العلم الذى علمّنا الله إياه بالقلم وما كان متاحاً لغيرنا!
****************************
طه: اختلف المفسرون اختلافات كثيرة فى مدلول هذه الحروف ولسنا بصدد نقل آرائهم, ولكن لدينا من العلمِ بكيفية عمل ادوات السمع التى تلتقط الاصوات, والألباب التى تصنفها وتعقلها, ما يجعلنا نظن ان هذه الحروف لها مدلول صوتى يؤثر على مراكز محددة فى المخ, فيقود الى استشعارٍ وهيئة نفسية تجعله اكثر تقبلاً لما يتبعها من كلام مفهوم! وفي هذه الحقيقة العلمية يشترك المسلم والكافر, وما قول الله تعالى إنَّ أنكر الاصوات لصوت الحميرِ الا تأكيدا على ان غير المفهوم من الأصوات فيه الحسن الذى يريح النفس مثل شقشقة العصافير وهديل الحمام وغيرها, وفيه المرعب كنباح الكلاب وزئير الاسود وفيه المنكر الذى يؤدى للاشمئزاز كصوت الحمير! إذا تدبرنا موضوع الآيات لشعرنا ان "طه" فيها مفتاح موسيقى لمراكز الشعور بالرأفة والرحمة والرقة التى تنسجم مع ما سيأتى بعدها من قولٍ رقيق ليس على قلب النبى فحسب, وإنما كان فيه مفتاح لقلبٍ من أقسى قلوب العرب على النبى وهو عمر بن الخطاب رضى الله عنه!
وتمضي الآيات وكأنها تُرِّبتُ على كتف النبى بكل رأفة وحنان كان احوج ما يكون اليهما:
{ مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى* إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى* تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَا }!
ولعلّ فى وصف نفسه بأنه مَنْ خَلَقَ الارضَ والسماواتِ العُلي تمهيدا للتصريح بحقيقة كونية ارتبطت بظروف الآية التى كانت تُهوِّن على النبى وتزيد من عزيمته وصبره على ما كان يعانيه وهو ينتظر رحمة الله وتيسيره, الذى إن شاء لجعل كل الناس مؤمنين من غير معاناة, ولكن ارادته اقتضت ان يُبْتَلَي المؤمنون ويُزلزلوا زِلزالا شديدا قبل ان يأتيهم نصر الله! ونلاحظ ان خلق الارض جاء قبل خلق السموات هنا رغم ان القرآن فى كل آياته التى وصف فيها خلق السموات والارض قدم السموات الا فى هذه الآية وآية اخرى ارتبط صياغ الوصف فيها تقديم الارض لاختصاص الامر كما هو الحال هنا بالارض! هذا التمهيد يؤكده ان الآية التالية تصف علاقة العرش بأحداث فى الارض و تُصرح بأنه رغم ان الله مالك كل شىء, إلا أن رحمته لا تأتي عفوا او عشوائيا لأن قانون الكون اقتضى استوائه على العرش:
{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}
كلمة اسْتَوَى أصلها من سوى, وتعنى استقامة واعتدال بين شيئين! سَوَّى تعنى عدَّل ونفَّذ الشئ باستقامة وحكمة, واستوى على قياس "افتعل" من ذات المعنى وتدل على تأكيد وإحكامٍٍ فى التسوية!
وقد رأينا ان لفظ "عرش" حينما يرتبط بالذات الإلهية لا يعنى مجلس الملك, إنَّما قمة السلطة والقدرات المنتظمة المتناسقة فى الخلق والتحكم فيه وتسيير الامور وفق نظام محكم لا يتبدل, وهو ناموس الكون الذى يصعب على الإنسان فهمه مهما اوتى من علم! ورأينا فى تفسير آيات سورة الملك انّ لفظ العرش يَرِدُ بالتحديد حينما تكون السلطة الإلهية مرتبطة بنظام الخلق والمقاليد وليس الارادة الالهية المطلقة! فـ "كان عرشه على الماء" تعنى انه فرض على الماء أعلى قدر من القوانين النوعية التى جعلته يتغير الى أشكالٍ مختلفة, ويدخل فى خلق كل الكون بصورٍ متباينة وبنسبٍ ثابتة { انظر الحلقة الاولى اعلاه}!
ولفظ "على" يفيد ان الله له إرادة مطلقة و حرة فى التعامل مع الوجود من غير قانون او نظام, ولكنه جعل تلك الارادة الحرة تعلو على القانون الذى قدره "العرش" وجعل من شأنه تسيير نظام الكون, وانه قادرٌ على تعطيل القانون الذى صنعه وتغييره او الغائه او ازالة كل الوجود بأرادته التى تعلو عليه! فهو الذى خلق النار الحارقة ولكن حينما شاء, أمرها ان تكون بردا وسلاما على ابراهيم, فكانت, انصياعا لامره المطلق الذى يعلو على قوانين النار النوعية!
ثم رأينا فى آية الكرسى, ان الكون جسم واحد متداخل ومتصل من اقصاه الى اقصاه, وكل موجودٍ فيه اودعه الله قوانين تحكمه وتتحكم فيه وتتداخل مع ما حوله من الموجودات الملتصقة به وِفقَ نظامٍ ثابت منتظم لا تخبُّطَ فيه ولا عشوائية, ويتحكم الله فيه بصورة مطلقة!
************************************************** ****************
يتبع
تعليق