بسم الله الرحمن الرحيم
تصحيحُ حديثِ ( الظهر و البطن )
و شرحُهُ
مصطفى حمدو عليان
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، سيدنا محمد الصادق الأمين، وعلى آله الطاهرين،وصحابته الطيبين، وبعد :
فهذه رسالة كتبتها بعد أن رأيت الشيخ الفاضل الدكتور فضل عباس رحمه الله تعالى قد حكم بالوضع على حديث: ( أنزل القرآن على سبعة أحرف، لكل حرف منها ظهر وبطن، ولكل حرف حد ولكل حد مطلع ) في كتابه " التفسير والمفسرون" بردودٍ ضعيفة ، ظانَّاً أن هذا الحديث يُثبت وجود التأويل الباطني للقرآن . وليس الأمر كما ظن بل إن هذا الحديث لا يتعلق الا بكيفية قراءة القرآن، وتمييز مخارج الأحرف السبعة. وليس لأهل التأويل الباطني حجّة قائمة في حديث الظهر والبطن كما سنرى.ولم أجد من فسره هذا التفسير.
وجعلت هذا البحث في مطلبين:
* المطلب الأول : جمع طرق الحديث، وبيان أخطاء الشيخ في الحكم على بعض طرقه، مع بيان قيمة مرسلات الحسن .
* المطلب الثاني : شرح الحديث ومعرفة معاني الأحرف السبعة، والظهر والبطن، والحد والمطلع. كما بينتها في بحث سابق بشرح لم أُسبق إليه، وإثبات أنّ اللفظ الصحيح للحديث هو " لكل حرف منها ظهر وبطن " وليس "لكل آية منها ظهر وبطن " .
ولذلك فإني أُثبتُ الحديث ولكني لا أقول بالتأويل الباطني لكونه لا يوافق أساليب العرب في خطابهم ، ولا يوافق سياق النص. والحديث ما هو إلا في بيان كيفية قراءة الأحرف السبعة التي يبدل بعضها بآخر ولا يختلف المعنى بذلك وهو مشهور عند العرب. قال ابنُ فارس في فقه اللغة: "من سُنَن العرب إبدالُ الحروف، وإقامةُ بعضها مقام بعض" وقال أبو الطيب: ليس المراد بالإبدال أنّ العرب تتَعَمَّد تعويض حرف من حرف، وإنما هي لغاتٌ مختلفة لمعانٍ متفقةٍ؛ تتقارَبُ اللفظتان في لُغتين لمعنى واحد، حتى لا يختلفا إلا في حرفٍ واحد". المزهر (1/144)
وأسأل الله ان يوفقني الى الصواب والرشاد.
المطلب الاول : طرق الحديث:
* الروايات التي ذكرها د.فضل عباس في كتابه:
قال الشيخ د. فضل عباس صفحة (239) : (ولا بد أن نعرض لهذا القول من عدة نواح : سرد الروايات أولاً، ومناقشة سند الحديث ثانياً، وفي الخطوة الثالثة نناقش متن هذا الحديث، لكي نكون على بينة من الأمر فنتبعها ولا نتبع أهواء الذين لا يعلمون. وإليكم روايات هذا الحديث:
1- أخرج الفريابي: حدّثنا سفيان عن يونس بن عبيد عن الحسن قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( لكل آية ظهر وبطن ولكل حرف حد ولكل حد مطلع).
2- وأخرج الديلمي من حديث عبد الرحمن بن عوف مرفوعاً: القرآن تحت العرش له ظهر وبطن يحاج العباد.
3-وأخرج الطبراني وأبويعلى والبزار وغيرهم عن ابن مسعود موقوفاً: إن هذا القرآن ليس منه حرف إلا له حد، ولكل حد مطلع).
أقول: هكذا نقل الشيخ الفاضل هذه الروايات وهولم يرجع إليها وإنما نقلها حرفياً من الإتقان ص (448).
أما رواية الفريابي فقد قال عنهاالشيخ فضل :" إنّ رواية الفريابي فضلاً على أنها مرسلة فإن المصدر الذي ذكرت فيه ليس من المصادر التي يطمئن اليها أهل الحديث ". أقول:ليس هذا الكلام كلامَ متخصصٍ بالحديث، أما قوله بأنها مرسلة فإن المرسل يُؤخذ به إذا جاء ما يقويه من مسند أو مرسل وهو حجة عند أكثر الأئمة قال أبو داود في رسالته:" وأما المراسيل فقد كان أكثر العلماء يحتجون بها فيما مضى مثل سفيان الثوري ومالك والأوزاعي حتى جاء الشافعي رحمه فتكلم في ذلك"( ). والشافعي لم يرده مطلقاً وإنما اشترط له شروطاً فقد قال النووي في مقدمة شرحه على مسلم:" ومذهب الشافعي أنه إذا انضم إلى المرسل ما يعضده احتج به وذلك بأن يروى أيضاً مسنداً أو مرسلاً من جهة أخرى، أو يعمل به الصحابة أو أكثر أهل العلم".ص30 .وأما مرسل الحسن فقد قال علي بن المديني :" مرسلات الحسن البصري التي رواها عنه الثقات صحاح ما أقل ما يسقط منها". وقال يحيى بن معين :"مرسلات الحسن ليس بها بأس " ، وقال البيهقي :" وليس الحسن وابن سيرين بدون كثير من التابعين، واذا كان بعضهم أقوى مرسلاً منهما أو من احدهما "( ). وقد روى هذا المرسل عن الحسن أكثر من واحد وسنتوسع في ذلك لاحقاً.
أما تضعيفه لتفسير الفريابي فمردود لأنّ الفريابي وهو محمد بن يوسف إمام حافظ روى عنه الستة وهو شيخ البخاري( )، وتفسيره كباقي التفاسير فيه الضعيف وفيه ما هو على شرط الشيخين ، قال السيوطي في الاتقان :" ومن جيد الطرق عن ابن عباس : طريق قيس عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عنه. وهذه طريق صحيحة على شرط الشيخين، وكثيراً ما يخرج منها الفريابي والحاكم في مستدركه" ( ).
وأما رواية الديلمي فهي خارجة عن موضوع الدراسة لأنها لا تتحدث عن الأحرف السبعة- ولا أظنها تصح ، إلا أنه قد صحَّ أن القرآن يحاج عن المؤمنين. ( )
أما رواية الطبراني وأبي يعلى والبزار فهي مرفوعة ولست موقوفة كما سيأتي بيانه.
ثم اقتصر الشيخ على دراسة رواية ابن حبان وترك ما هو أصح منها كرواية الطبري والطبراني والطحاوي وبعض مرسلات الحسن فقال:" أما الرواية الثالثة فهي موقوفة على الرغم من أنها وردت في كتب ليس كل ما جاء فيها صحيحاً، فلنقتصر بحثنا إذاً على الرواية الرابعة والأخيرة أعني رواية ابن حبان". ثم ذكر رواية ابن حبان .
وكلامه هذا عليه عدة أمور:
1- إن هذه الكتب التي لم يدرسها فيها ماهو على شرط الشيخين، وهي رواية مرفوعة، وليست باسناد واحد حتى يتركها جملة .
2- لا يخلو كتاب في الحديث من وجود بعض الضعف فيه حتى الصحيحين، وإذا رُدَّت الروايات بهذه العلة ما سلم حديث واحد.
3- إن رواية ابن حبان لاتصلح للاحتجاج بها ولكن للاستشهاد. وتضعيف ابن أبي أويس لاينفع فليس مدار الحديث عليه أصلاً، لأنه قد تعددت طرقه. ولا يكفي للحكم على الحديث بالوضع دراسة رواية واحدة وترك ماهو أصح منها. مع عدم وجود من حكم عليه بذلك من السابقين. إلا أن ما دفع الشيخ الفاضل إلى ذلك هو غيرته على الشريعة من التحريف والتلاعب. ونحن معه في هذه الغيرة.
ولقد جمعت طرق الحديث جميعها وقمت بشرحه شرحاً ليس فيه حجة للباطنية والحمد لله.
أخرج الطبري في مقدمة تفسيره ص (22) ، قال :
(حدثنا محمد بن حميد الرازي، قال: حدثنا جرير بن عبد الحميد عن مغيرة، عن واصل بن حيان،عمن ذكره، عن أبي الاحوص ، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" أُنزِلَ القرآن على سبعة أحرف، لكل حرف منها ظهر وبطن،ولكل حرف حد،ولكل حدٍ مطلع".
وقال : حدثنا ابن حميد قال: حدثنا مهران، قال: حدثنا سفيان عن إبراهيم الهجري عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله).
إن أكثر من درس الإسناد الأول ضعَّفَه لجهالة الراوي بين واصل بن حيان وأبي الأحوص، قال أحمد شاكر في تعليقه على تفسير الطبري: ( الحديث ( 10 , 11 ) هو حديث واحد بإسنادين ضعيفين، أمّا أحدهما فلا نقطاعه بجهالة راويه....) فهو لم يضعف هذا الإسناد إلا لهذه العلة ، وتابعه على ذلك شعيب الأرناؤوط في ( الإحسان في تقريب صحيح ابن حيان). وليس الأمر كما ظنّوا فإن هذا الراوي قد تم التصريح به في بعض روايات الحديث، كما عند:
1- الطبراني في الأوسط (1/236) رقم ( 773) قال: حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني، قال: نا الفيض بن وثيق الثقفي قال : نا جرير بن عبد الحميد عن مغيرة بن مقسم الضبي، عن واصل بن حيان عن عبد الله بن أبي الهذيل عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لو كنت متّخذاً خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن صاحبكم خليل الله ، وأنزل القرآن على سبعة أحرف ، لكل حرف منها ظهر وبطن "
وفي الكبير (8/435) قال:حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بن يَحْيَى الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا الْفَيْضُ بن وَثِيقٍ الثَّقَفِيُّ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ وَاصِلِ بن حَيَّانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن أَبِي الْهُذَيْلِ، عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ:" لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ اللَّهِ.
وَأُنْزِلَ القرآن عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، وَلِكُلِّ آيَةٍ مِنْهَا ظَهْرٌ وَبَطْنٌ ".
2- وكذلك صرّح الحافظ ابن عبد البّر باسمه في التمهيد ( 6/18 ) : باب ما جاء في القرآن، قال: وروى جرير بن عبد الحميد عن المغيرة عن واصل بن حيان عن عبد الله بن أبي الهذيل عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أٌنزل القرآن على سبعة أحرف، لكل آية منها ظهر وبطن ولكل حد مطلع )"
3-كذلك صرّح باسمه البغوي في معالم التنزيل (1/69) حيث قال : أخبرنا أبو بكر بن أبي الهيثم الترابي أنا الحاكم أبو الفضل الحدادي أنا أبو يزيد محمد بن يحيى أنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي ثنا جرير بن عبد الحميد عن المغيرة عن واصل بن حيان عن ابن أبي هذيل عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن القرآن أنزل على سبعة أحرف، لكل آية منها ظهر وبطن ولكل حدّ مطلع ويروى لكل حرف حدّ ولكل حدّ مطلع ".
4- وكذلك عند السلمي في تفسيره (1/21) قال:أخبرنا عبد الله بن محمد بن علي الدقاق قال: حدثنا محمد بن إسحاق قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي قال: أخبرنا جرير عن واصل بن حبان عن ابن أبي الهذيل عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن القرآن أنزل على سبعة أحرف لكل آية منه ظهر وبطن ولكل حد مطلع"
5- وكذلك صرح باسمه أبو يعلى في المسند (10/410) عن مغيرة ، عن واصل بن حيان ، عن عبد الله بن أبي الهذيل ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : « لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر بن أبي قحافة خليلا ، ولكن صاحبكم خليل الله ، وإن القرآن نزل على سبعة أحرف ، لكل آية منها ظهر وبطن ، ولكل حد مطلع »
6- وكذلك الطحاوي في مشكل الآثار (7/121) قال: حدثنا فهد بن سليمان قال : حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني ح وحدثنا يحيى بن عثمان قال : حدثنا موسى بن هارون البردي قال : حدثنا جرير وهو ابن عبد الحميد ، عن مغيرة ، عن واصل بن حيان ، عن عبد الله بن أبي الهذيل ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أنزل القرآن على سبعة أحرف ، لكل آية منها ظهر وبطن ، ولكل حد مطلع » - وهذا إسناد صحيح - .
قلت: فقد تم التصريح باسم هذا الراوي فزالت عنه الجهالة ، فالواسطة بين واصل بن حيان وأبي الأحوص هو : عبد الله بن أبي الهذيل ، فلعل أحد الرواة - وقد يكون ابن حميد- نسي اسمه عند الطبري .
- وعبد الله بن أبي الهذيل هو أبو المغيرة الكوفي وهو ثقة، روى عن: ابن مسعود وعلي وعمر وأُبيّ وعمار وأبي هريرة وغيرهم.
روى له البخاري في القراءة خلف الامام وفي الادب، ومسلم والترمذي والنسائي. ( )
وإسناد الطبري الأول وإسناد الطبراني في الأوسط وإسناد الطحاوي هي أصّح الأسانيد لهذا الحديث، ولفظ الطبري أصح الألفاظ كما سيأتي، ولقد بينَّا العلة التي ضُعِّف لأجلها حديث الطبري. أما رواته :
1. أبو الأحوص : هو عوف بن مالك الاشجعي وهو ثقة، روى عن : ابن مسعود وعلي وقيل إنه شهد معه قتال الخوارج بالنهروان - وأبي مسعود وأبي هريرة .
روى له البخاري في الادب ومسلم والاربعة. وثقه يحيى بن معين وابن سعد وابن حبان و النسائي. ( )
ولقد تابعه في روايته عن ابن مسعود شقيق بن سلمة وهو تابعي كبير أعلم الناس بحديث ابن مسعود( ) وقد رواه أبو نعيم في حلية الأولياء (1/33) قال:
حدثنا أبو القاسم نذير بن جناح القاضي، حدثنا إسحاق بن محمد بن مروان، حدثنا أبي، حدثنا عباس بن عبيد الله، حدثنا غالب بن عثمان الهمداني أبو مالك، عن عبيدة، عن شقيق، عن عبد الله بن مسعود، قال: " إن القرآن أنزل على سبعة أحرف ما منها حرف إلا له ظهر وبطن ". وردت في هذه الرواية زيادة" وإن علي بن أبي طالب عنده علم الظاهر والباطن ". وأظنها من زيادة بعض الرواة. وهذا إسناد ضعيف.
2. عبد الله ابن أبي الهذيل ، تابعي ثقة .
3. واصل بن حيان : روى عن: ابن أبي الهذيل وابراهيم النخعي ومجاهد و زر بن حبيش وأبي وائل وشريح القاضي . روى له الجماعة. وثقه يحيى وابو داود والنسائي وأبو حاتم وابن حيان. ( )
4. مغيرة ابن مقسم الضبي : وهو ثقة متقن فقيه، إلا أنه كان يرسل الحديث عن ابراهيم النخعي.( )
5. جرير بن عبد الحميد : وهو ثقة.( )
6. محمد بن حميد الرازي : لا بأس به ، كتب عنه أحمد ويحيى ( )،وفيه ضعف إلا أنه قد تابعه عن جرير بن عبد الحميد جماعة هم:
1- الفيض بن وثيق الثقفي عند الطبراني في الأوسط ( 1/236 )
2-وموسى بن هارون البردي: وهو ثقة صدوق( )،ويحيى بن عبد الحميد الحماني: لا بأس به( )، وقد رواه الطحاوي كما مر.
3- وإسحاق ابن إبراهيم وهو ابن راهويه الحافظ الامام: عند البغوي في التفسير وقد مر. وعند السلمي في تفسيره (1/21) .
وبذلك يثبت أصل الحديث وأنّه ليس بموضوع بل يرتقي الى درجة الصحة بمجموع طرقه وشواهده . وكل الطرق التي سأذكرها الآن ستكون شواهد ومتابعات لإسناد الطبري الأول .
تصحيحُ حديثِ ( الظهر و البطن )
و شرحُهُ
مصطفى حمدو عليان
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، سيدنا محمد الصادق الأمين، وعلى آله الطاهرين،وصحابته الطيبين، وبعد :
فهذه رسالة كتبتها بعد أن رأيت الشيخ الفاضل الدكتور فضل عباس رحمه الله تعالى قد حكم بالوضع على حديث: ( أنزل القرآن على سبعة أحرف، لكل حرف منها ظهر وبطن، ولكل حرف حد ولكل حد مطلع ) في كتابه " التفسير والمفسرون" بردودٍ ضعيفة ، ظانَّاً أن هذا الحديث يُثبت وجود التأويل الباطني للقرآن . وليس الأمر كما ظن بل إن هذا الحديث لا يتعلق الا بكيفية قراءة القرآن، وتمييز مخارج الأحرف السبعة. وليس لأهل التأويل الباطني حجّة قائمة في حديث الظهر والبطن كما سنرى.ولم أجد من فسره هذا التفسير.
وجعلت هذا البحث في مطلبين:
* المطلب الأول : جمع طرق الحديث، وبيان أخطاء الشيخ في الحكم على بعض طرقه، مع بيان قيمة مرسلات الحسن .
* المطلب الثاني : شرح الحديث ومعرفة معاني الأحرف السبعة، والظهر والبطن، والحد والمطلع. كما بينتها في بحث سابق بشرح لم أُسبق إليه، وإثبات أنّ اللفظ الصحيح للحديث هو " لكل حرف منها ظهر وبطن " وليس "لكل آية منها ظهر وبطن " .
ولذلك فإني أُثبتُ الحديث ولكني لا أقول بالتأويل الباطني لكونه لا يوافق أساليب العرب في خطابهم ، ولا يوافق سياق النص. والحديث ما هو إلا في بيان كيفية قراءة الأحرف السبعة التي يبدل بعضها بآخر ولا يختلف المعنى بذلك وهو مشهور عند العرب. قال ابنُ فارس في فقه اللغة: "من سُنَن العرب إبدالُ الحروف، وإقامةُ بعضها مقام بعض" وقال أبو الطيب: ليس المراد بالإبدال أنّ العرب تتَعَمَّد تعويض حرف من حرف، وإنما هي لغاتٌ مختلفة لمعانٍ متفقةٍ؛ تتقارَبُ اللفظتان في لُغتين لمعنى واحد، حتى لا يختلفا إلا في حرفٍ واحد". المزهر (1/144)
وأسأل الله ان يوفقني الى الصواب والرشاد.
المطلب الاول : طرق الحديث:
* الروايات التي ذكرها د.فضل عباس في كتابه:
قال الشيخ د. فضل عباس صفحة (239) : (ولا بد أن نعرض لهذا القول من عدة نواح : سرد الروايات أولاً، ومناقشة سند الحديث ثانياً، وفي الخطوة الثالثة نناقش متن هذا الحديث، لكي نكون على بينة من الأمر فنتبعها ولا نتبع أهواء الذين لا يعلمون. وإليكم روايات هذا الحديث:
1- أخرج الفريابي: حدّثنا سفيان عن يونس بن عبيد عن الحسن قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( لكل آية ظهر وبطن ولكل حرف حد ولكل حد مطلع).
2- وأخرج الديلمي من حديث عبد الرحمن بن عوف مرفوعاً: القرآن تحت العرش له ظهر وبطن يحاج العباد.
3-وأخرج الطبراني وأبويعلى والبزار وغيرهم عن ابن مسعود موقوفاً: إن هذا القرآن ليس منه حرف إلا له حد، ولكل حد مطلع).
أقول: هكذا نقل الشيخ الفاضل هذه الروايات وهولم يرجع إليها وإنما نقلها حرفياً من الإتقان ص (448).
أما رواية الفريابي فقد قال عنهاالشيخ فضل :" إنّ رواية الفريابي فضلاً على أنها مرسلة فإن المصدر الذي ذكرت فيه ليس من المصادر التي يطمئن اليها أهل الحديث ". أقول:ليس هذا الكلام كلامَ متخصصٍ بالحديث، أما قوله بأنها مرسلة فإن المرسل يُؤخذ به إذا جاء ما يقويه من مسند أو مرسل وهو حجة عند أكثر الأئمة قال أبو داود في رسالته:" وأما المراسيل فقد كان أكثر العلماء يحتجون بها فيما مضى مثل سفيان الثوري ومالك والأوزاعي حتى جاء الشافعي رحمه فتكلم في ذلك"( ). والشافعي لم يرده مطلقاً وإنما اشترط له شروطاً فقد قال النووي في مقدمة شرحه على مسلم:" ومذهب الشافعي أنه إذا انضم إلى المرسل ما يعضده احتج به وذلك بأن يروى أيضاً مسنداً أو مرسلاً من جهة أخرى، أو يعمل به الصحابة أو أكثر أهل العلم".ص30 .وأما مرسل الحسن فقد قال علي بن المديني :" مرسلات الحسن البصري التي رواها عنه الثقات صحاح ما أقل ما يسقط منها". وقال يحيى بن معين :"مرسلات الحسن ليس بها بأس " ، وقال البيهقي :" وليس الحسن وابن سيرين بدون كثير من التابعين، واذا كان بعضهم أقوى مرسلاً منهما أو من احدهما "( ). وقد روى هذا المرسل عن الحسن أكثر من واحد وسنتوسع في ذلك لاحقاً.
أما تضعيفه لتفسير الفريابي فمردود لأنّ الفريابي وهو محمد بن يوسف إمام حافظ روى عنه الستة وهو شيخ البخاري( )، وتفسيره كباقي التفاسير فيه الضعيف وفيه ما هو على شرط الشيخين ، قال السيوطي في الاتقان :" ومن جيد الطرق عن ابن عباس : طريق قيس عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عنه. وهذه طريق صحيحة على شرط الشيخين، وكثيراً ما يخرج منها الفريابي والحاكم في مستدركه" ( ).
وأما رواية الديلمي فهي خارجة عن موضوع الدراسة لأنها لا تتحدث عن الأحرف السبعة- ولا أظنها تصح ، إلا أنه قد صحَّ أن القرآن يحاج عن المؤمنين. ( )
أما رواية الطبراني وأبي يعلى والبزار فهي مرفوعة ولست موقوفة كما سيأتي بيانه.
ثم اقتصر الشيخ على دراسة رواية ابن حبان وترك ما هو أصح منها كرواية الطبري والطبراني والطحاوي وبعض مرسلات الحسن فقال:" أما الرواية الثالثة فهي موقوفة على الرغم من أنها وردت في كتب ليس كل ما جاء فيها صحيحاً، فلنقتصر بحثنا إذاً على الرواية الرابعة والأخيرة أعني رواية ابن حبان". ثم ذكر رواية ابن حبان .
وكلامه هذا عليه عدة أمور:
1- إن هذه الكتب التي لم يدرسها فيها ماهو على شرط الشيخين، وهي رواية مرفوعة، وليست باسناد واحد حتى يتركها جملة .
2- لا يخلو كتاب في الحديث من وجود بعض الضعف فيه حتى الصحيحين، وإذا رُدَّت الروايات بهذه العلة ما سلم حديث واحد.
3- إن رواية ابن حبان لاتصلح للاحتجاج بها ولكن للاستشهاد. وتضعيف ابن أبي أويس لاينفع فليس مدار الحديث عليه أصلاً، لأنه قد تعددت طرقه. ولا يكفي للحكم على الحديث بالوضع دراسة رواية واحدة وترك ماهو أصح منها. مع عدم وجود من حكم عليه بذلك من السابقين. إلا أن ما دفع الشيخ الفاضل إلى ذلك هو غيرته على الشريعة من التحريف والتلاعب. ونحن معه في هذه الغيرة.
ولقد جمعت طرق الحديث جميعها وقمت بشرحه شرحاً ليس فيه حجة للباطنية والحمد لله.
أخرج الطبري في مقدمة تفسيره ص (22) ، قال :
(حدثنا محمد بن حميد الرازي، قال: حدثنا جرير بن عبد الحميد عن مغيرة، عن واصل بن حيان،عمن ذكره، عن أبي الاحوص ، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" أُنزِلَ القرآن على سبعة أحرف، لكل حرف منها ظهر وبطن،ولكل حرف حد،ولكل حدٍ مطلع".
وقال : حدثنا ابن حميد قال: حدثنا مهران، قال: حدثنا سفيان عن إبراهيم الهجري عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله).
إن أكثر من درس الإسناد الأول ضعَّفَه لجهالة الراوي بين واصل بن حيان وأبي الأحوص، قال أحمد شاكر في تعليقه على تفسير الطبري: ( الحديث ( 10 , 11 ) هو حديث واحد بإسنادين ضعيفين، أمّا أحدهما فلا نقطاعه بجهالة راويه....) فهو لم يضعف هذا الإسناد إلا لهذه العلة ، وتابعه على ذلك شعيب الأرناؤوط في ( الإحسان في تقريب صحيح ابن حيان). وليس الأمر كما ظنّوا فإن هذا الراوي قد تم التصريح به في بعض روايات الحديث، كما عند:
1- الطبراني في الأوسط (1/236) رقم ( 773) قال: حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني، قال: نا الفيض بن وثيق الثقفي قال : نا جرير بن عبد الحميد عن مغيرة بن مقسم الضبي، عن واصل بن حيان عن عبد الله بن أبي الهذيل عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لو كنت متّخذاً خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن صاحبكم خليل الله ، وأنزل القرآن على سبعة أحرف ، لكل حرف منها ظهر وبطن "
وفي الكبير (8/435) قال:حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بن يَحْيَى الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا الْفَيْضُ بن وَثِيقٍ الثَّقَفِيُّ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ وَاصِلِ بن حَيَّانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن أَبِي الْهُذَيْلِ، عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ:" لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ اللَّهِ.
وَأُنْزِلَ القرآن عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، وَلِكُلِّ آيَةٍ مِنْهَا ظَهْرٌ وَبَطْنٌ ".
2- وكذلك صرّح الحافظ ابن عبد البّر باسمه في التمهيد ( 6/18 ) : باب ما جاء في القرآن، قال: وروى جرير بن عبد الحميد عن المغيرة عن واصل بن حيان عن عبد الله بن أبي الهذيل عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أٌنزل القرآن على سبعة أحرف، لكل آية منها ظهر وبطن ولكل حد مطلع )"
3-كذلك صرّح باسمه البغوي في معالم التنزيل (1/69) حيث قال : أخبرنا أبو بكر بن أبي الهيثم الترابي أنا الحاكم أبو الفضل الحدادي أنا أبو يزيد محمد بن يحيى أنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي ثنا جرير بن عبد الحميد عن المغيرة عن واصل بن حيان عن ابن أبي هذيل عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن القرآن أنزل على سبعة أحرف، لكل آية منها ظهر وبطن ولكل حدّ مطلع ويروى لكل حرف حدّ ولكل حدّ مطلع ".
4- وكذلك عند السلمي في تفسيره (1/21) قال:أخبرنا عبد الله بن محمد بن علي الدقاق قال: حدثنا محمد بن إسحاق قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي قال: أخبرنا جرير عن واصل بن حبان عن ابن أبي الهذيل عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن القرآن أنزل على سبعة أحرف لكل آية منه ظهر وبطن ولكل حد مطلع"
5- وكذلك صرح باسمه أبو يعلى في المسند (10/410) عن مغيرة ، عن واصل بن حيان ، عن عبد الله بن أبي الهذيل ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : « لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر بن أبي قحافة خليلا ، ولكن صاحبكم خليل الله ، وإن القرآن نزل على سبعة أحرف ، لكل آية منها ظهر وبطن ، ولكل حد مطلع »
6- وكذلك الطحاوي في مشكل الآثار (7/121) قال: حدثنا فهد بن سليمان قال : حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني ح وحدثنا يحيى بن عثمان قال : حدثنا موسى بن هارون البردي قال : حدثنا جرير وهو ابن عبد الحميد ، عن مغيرة ، عن واصل بن حيان ، عن عبد الله بن أبي الهذيل ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أنزل القرآن على سبعة أحرف ، لكل آية منها ظهر وبطن ، ولكل حد مطلع » - وهذا إسناد صحيح - .
قلت: فقد تم التصريح باسم هذا الراوي فزالت عنه الجهالة ، فالواسطة بين واصل بن حيان وأبي الأحوص هو : عبد الله بن أبي الهذيل ، فلعل أحد الرواة - وقد يكون ابن حميد- نسي اسمه عند الطبري .
- وعبد الله بن أبي الهذيل هو أبو المغيرة الكوفي وهو ثقة، روى عن: ابن مسعود وعلي وعمر وأُبيّ وعمار وأبي هريرة وغيرهم.
روى له البخاري في القراءة خلف الامام وفي الادب، ومسلم والترمذي والنسائي. ( )
وإسناد الطبري الأول وإسناد الطبراني في الأوسط وإسناد الطحاوي هي أصّح الأسانيد لهذا الحديث، ولفظ الطبري أصح الألفاظ كما سيأتي، ولقد بينَّا العلة التي ضُعِّف لأجلها حديث الطبري. أما رواته :
1. أبو الأحوص : هو عوف بن مالك الاشجعي وهو ثقة، روى عن : ابن مسعود وعلي وقيل إنه شهد معه قتال الخوارج بالنهروان - وأبي مسعود وأبي هريرة .
روى له البخاري في الادب ومسلم والاربعة. وثقه يحيى بن معين وابن سعد وابن حبان و النسائي. ( )
ولقد تابعه في روايته عن ابن مسعود شقيق بن سلمة وهو تابعي كبير أعلم الناس بحديث ابن مسعود( ) وقد رواه أبو نعيم في حلية الأولياء (1/33) قال:
حدثنا أبو القاسم نذير بن جناح القاضي، حدثنا إسحاق بن محمد بن مروان، حدثنا أبي، حدثنا عباس بن عبيد الله، حدثنا غالب بن عثمان الهمداني أبو مالك، عن عبيدة، عن شقيق، عن عبد الله بن مسعود، قال: " إن القرآن أنزل على سبعة أحرف ما منها حرف إلا له ظهر وبطن ". وردت في هذه الرواية زيادة" وإن علي بن أبي طالب عنده علم الظاهر والباطن ". وأظنها من زيادة بعض الرواة. وهذا إسناد ضعيف.
2. عبد الله ابن أبي الهذيل ، تابعي ثقة .
3. واصل بن حيان : روى عن: ابن أبي الهذيل وابراهيم النخعي ومجاهد و زر بن حبيش وأبي وائل وشريح القاضي . روى له الجماعة. وثقه يحيى وابو داود والنسائي وأبو حاتم وابن حيان. ( )
4. مغيرة ابن مقسم الضبي : وهو ثقة متقن فقيه، إلا أنه كان يرسل الحديث عن ابراهيم النخعي.( )
5. جرير بن عبد الحميد : وهو ثقة.( )
6. محمد بن حميد الرازي : لا بأس به ، كتب عنه أحمد ويحيى ( )،وفيه ضعف إلا أنه قد تابعه عن جرير بن عبد الحميد جماعة هم:
1- الفيض بن وثيق الثقفي عند الطبراني في الأوسط ( 1/236 )
2-وموسى بن هارون البردي: وهو ثقة صدوق( )،ويحيى بن عبد الحميد الحماني: لا بأس به( )، وقد رواه الطحاوي كما مر.
3- وإسحاق ابن إبراهيم وهو ابن راهويه الحافظ الامام: عند البغوي في التفسير وقد مر. وعند السلمي في تفسيره (1/21) .
وبذلك يثبت أصل الحديث وأنّه ليس بموضوع بل يرتقي الى درجة الصحة بمجموع طرقه وشواهده . وكل الطرق التي سأذكرها الآن ستكون شواهد ومتابعات لإسناد الطبري الأول .
ما أنزل الله تعالى آية الا لها ظهر وبطن، وكل حرف حد وكل حد مطلع ). وهذا مرسل صحيح.
تعليق