الأسرار العاليات فى العلاقة بين الايات المتتاليات

تقليص
هذا موضوع مثبت
X
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • اسامة محمد خيري
    Registered User
    • Dec 2008
    • 12975

    #166
    { مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ وَلَـٰكِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ }

    قال ابن عاشور فى التحرير:
    استئناف ابتدائي جاء فارقاً بين ما أحدثه أهل الجاهلية من نقائض الحنيفية وبين ما نوّه الله به ممّا كانوا عليه من شعائر الحج، فإنّه لمّا بيّن أنّه جعل الكعبة قياماً للناس وجعل الهدْي والقلائد قياماً لهم، بيّن هنا أنّ أموراً ما جعلها الله ولكن جعلها أهل الضلالة ليميز الخبيث من الطيّب، فيكون كالبيان لآية
    { قل لا يستوي الخبيث والطيّب }
    [المائدة: 100]، فإنّ البَحيرة وما عطف عليها هنا تشبهُ الهدي في أنّها تحرّر منافعها وذواتها حيّة لأصنامهم كما تهدي الهدايا للكعبة مذكّاة، فكانوا في الجاهلية يزعمون أنّ الله شرع لهم ذلك ويخلطون ذلك بالهدايا، ولذلك قال الله تعالى: { قل هلمَّ شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرَّم هذا وقال في هذه الآية: ولكنّ الذين كفروا يفترون على الله الكذب }. فالتصدّي للتفرقة بين الهدي وبين البحيرة والسائبة ونحوهما، كالتصدّي لبيان عدم التفرقة بين الطواف وبين السعي للصفا والمروة في قوله:
    { إنّ الصفا والمروة من شعائر الله }
    [البقرة: 158] كما تقدّم هنالك. وقد قدّمنا ما رواه مجاهد عن ابن عباس: أنّ ناساً سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البحيرة والسائبة ونحوهما فنزلت هذه الآية.

    وقال ابو حيان فى بحره:

    مناسبة هذه لما قبلها أنه تعالى لما نهى عن سؤال ما لم يأذن فيه ولا كلفهم إياه منع من التزام أمور ليست مشروعة من الله تعالى، ولما سأل قوم عن هذه الأحكام التي كانت في الجاهلية هل تلحق بأحكام الكعبة بين تعالى أنه لم يشرع شيئاً منها، أو لما ذكر المحللات والمحرمات في الشرع عاد إلى الكلام في المحللات والمحرمات من غير شرع

    { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ }

    قال ابن عاشور فى التحرير:

    الواو للحال. والجملة حال من قوله:
    { الذين كفروا }
    [المائدة: 103]، أي أنّهم ينسبون إلى الله ما لم يأمر به كذباً، وإذا دعوا إلى اتّباع ما أمر الله به حقّاً أو التدبّر فيه أعرضوا وتمسّكوا بما كان عليه آباؤهم

    { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ }

    قال الرازى فى تفسيره:

    قوله تعالى: { يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ }

    في الآية مسائل:

    المسألة الأولى: لما بين أنواع التكاليف والشرائع والأحكام ثم قال:
    { مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلَـٰغُ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ }
    [المائدة: 99] إلى قوله
    { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءابَاءنَا }
    [المائدة: 104] فكأنه تعالى قال: إن هؤلاء الجهال مع ما تقدم من أنواع المبالغة في الاعذار والانذار والترغيب والترهيب لم ينتفعوا بشيء منه بل بقوا مصرين على جهلهم مجدين على جهالاتهم وضلالتهم، فلا تبالوا أيها المؤمنون بجهالتهم وضلالتهم، بل كونوا منقادين لتكاليف الله مطيعين لأوامره ونواهيه، فلا يضركم ضلالتهم وجهالتهم، فلهذا قال: { يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ }.

    { يِآ أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ حِينَ ٱلْوَصِيَّةِ ٱثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ ٱلْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ ٱلصَّلٰوةِ فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ ٱللَّهِ إِنَّآ إِذَاً لَّمِنَ ٱلآَثِمِينَ }

    قال الرازى فى تفسيره:

    قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية }.

    اعلم أنه تعالى: لما أمر بحفظ النفس في قوله
    { عليكم أنفسكم }
    [المائدة: 105] أمر بحفظ المال في قوله { يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم }

    وقال ابو حيان فى بحره:

    ومناسبة هذه الآية لما قبلها هي أنه لما ذكر { يا أيها الذين آمنوا } كان في ذلك تنفير عن الضلال واستبعاد عن أن ينتفع بهم في شيء من أمور المؤمنين من شهادة أو غيرها فأخبر تعالى بمشروعية شهادتهم أو الإيصاء إليهم في السفر على ما سيأتي بيانه

    { يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ }

    قال ابن عاشور فى التحرير:

    جملة { يوم يجمع الله الرّسُلَ } استئناف ابتدائي متّصل بقوله:
    { فأثابهم الله بما قالوا }
    [المائدة: 85] إلى قوله
    { وذلك جزاء المحسنين }
    [المائدة: 85]. وما بينهما جمل معترضة نشأ بعضها عن بعض، فعاد الكلام الآن إلى أحوال الذين اتّبعوا عيسى ـــ عليه السلام ـــ، فبدّل كثير منهم تبديلاً بلغ بهم إلى الكفر ومضاهاة المشركين، للتذكير بهول عظيم من أهوال يوم القيامة تكون فيه شهادة الرسل على الأمم وبراءتهم ممّا أحدثه أممهم بعدهم في الدين ممّا لم يأذن به الله، والتخلّص من ذلك إلى شهادة عيسى على النصارى بأنّه لم يأمرهم بتأليهه وعبادته. وهذا متّصل في الغرض بما تقدّم من قوله تعالى:
    { ولتجدنّ أقربهم مودّة للذين آمنوا الذين قالوا إنّا نصارى }
    [المائدة: 82]. فإنّ في تلك الآيات ترغيباً وترهيباً، وإبعاداً وتقريباً، وقع الانتقال منها إلى أحكام تشريعية ناسبت ما ابتدعه اليهود والنصارى، وذلك من قوله تعالى:
    { يا أيها الذين آمنوا لا تحرّموا طيّبات ما أحلّ الله لكم }
    [المائدة: 87] وتفنّن الانتقال إلى هذا المبلغ، فهذا عود إلى بيان تمام نهوض الحجّة على النصارى في مشهد يوم القيامة. ولقد جاء هذا مناسباً للتذكير العامّ بقوله تعالى:
    { واتّقوا الله واسمعوا والله لا يهدي القوم الفاسقين }
    [المائدة: 108]. ولمناسبة هذا المقام التزم وصف عيسى بابن مريم كلّما تكرّر ذكره في هذه الآيات أربع مرات تعريضاً بإبطال دعوى أنّه ابن لله تعالى.

    ولأنّه لمّا تمّ الكلام على الاستشهاد على وصايا المخلوقين ناسب الانتقال إلى شهادة الرسل على وصايا الخالق تعالى، فإنّ الأديان وصايا الله إلى خلقه.
    قال تعالى:
    { شرع لكم من الدين ما وصّى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصّينا به إبراهيم وموسى وعيسى }
    [الشورى: 13]. وقد سمّاهم الله تعالى شهداء في قوله:
    { فكيف إذا جئنا من كلّ أمّة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً }
    [النساء: 41].

    وقال الرازى فى تفسيره:

    في هذه الآية قولان: أحدهما: أنها متصلة بما قبلها وعلى هذا التقدير ففيه وجهان: الأول: قال الزجاج تقديره: واتقوا الله يوم يجمع الله الرسل، ولا يجوز أن ينصب على الظرف لهذا الفعل لأنهم لم يؤمروا بالتقوى في ذلك اليوم، ولكن على المفعول له. الثاني: قال القفال رحمه الله: يجوز أن يكون التقدير: والله لا يهدي القوم الفاسقين يوم يجمع الله الرسل، أي لا يهديهم إلى الجنة كما قال
    { وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ }
    [النساء: 168، 169]

    والقول الثاني: أنها منقطعة عما قبلها، وعلى هذا التقدير ففيه أيضاً وجهان: الأول: أن التقدير: اذكر يوم يجمع الله الرسل. والثاني: أن يكون التقدير: يوم يجمع الله الرسل كان كيت وكيت.

    وقال ابو حيان فى بحره:

    مناسبة هذه لما قبلها أنه لما أخبر تعالى بالحكم في شاهدي الوصية وأمر بتقوى الله والسمع والطاعة، ذكر بهذا اليوم المهول المخوف وهو يوم القيامة فجمع بذلك بين فضيحة الدنيا وعقوبة الآخرة لمن حرّف الشهادة ولمن لم يتق الله ولم يسمع،

    { إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِىءُ ٱلأَكْمَهَ وَٱلأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ ٱلْمَوتَىٰ بِإِذْنِيِ وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ فَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ }

    قال ابن عاشور فى التحرير:

    وقوله: { إذ قال الله يا عيسى ابن مريم } ظرف، هو بدل من { يومَ يجمع الله الرسل } بدل اشتمال، فإنّ يوم الجمع مشتمل على زمن هذا الخطاب لعيسى، ولذلك لم تعطف هذه الجملة على التي قبلها. والمقصود من ذكر ما يقال لعيسى يومئذٍ هو تقريع اليهود. والنصارى الذين ضلّوا في شأن عيسى بين طرفي إفراط بغض وإفراط حبّ.

    وقال الرازى فى تفسيره:

    اعلم أنا بينا أن الغرض من قوله تعالى للرسل
    { مَاذَا أَجَبْتُمُ }
    [المائدة: 109] توبيخ من تمرد من أممهم، وأشد الأمم افتقاراً إلى التوبيخ والملامة النصارى الذين يزعمون أنهم أتباع عيسى عليه السلام؛ لأن طعن سائر الأمم كان مقصوراً على الأنبياء وطعن هؤلاء الملاعين تعدى إلى جلال الله وكبريائه، حيث وصفوه بما لا يليق بعاقل أن يصف الإلۤه به، وهو اتخاذ الزوجة والولد، فلا جرَم ذكر الله تعالى أنه يعدد أنواع نعمه على عيسى بحضرة الرسل واحدة فواحدة، والمقصود منه توبيخ النصارى وتقريعهم على سوء مقالتهم فإن كل واحدة من تلك النعم المعدودة على عيسى تدل على أنه عبد وليس بإله. والفائدة في هذه الحكاية تنبيه النصارى الذين كانوا في وقت نزول هذه الآية على قبح مقالتهم وركاكة مذهبهم واعتقادهم

    { وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُوۤاْ آمَنَّا وَٱشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ }

    قال ابن عاشور فى التحرير:

    يجوز أن يكون عطفاً على جملة
    { إذْ أيَّدتك بروح القدس }
    [المائدة: 110]، فيكون من جملة ما يقوله الله لعيسى يوم يجمع الرسل. فإنّ إيمان الحواريّين نعمة على عيسى إذ لو لم يؤمنوا به لما وجد من يتّبع دينه فلا يحصل له الثواب المتجدّد بتجدد اهتداء الأجيال بدينه إلى أن جاء نسخه بالإسلام.

    تعليق

    • اسامة محمد خيري
      Registered User
      • Dec 2008
      • 12975

      #167
      { إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ قَالَ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ } * { قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ ٱلشَّاهِدِينَ }
      قال ابن عاشور فى التحرير:
      جملة: { إذ قال الحواريّون } يجوز أن تكون من تمام الكلام الذي يكلّم الله به عيسى يومَ يجمع الرسل، فيكون { إذ } ظرفا متعلّقاً بفعل
      { قالوا آمنّا }
      [المائدة: 111] فيكون ممّا يذكر الله به عيسى يوم يجمع الرسل، فحكي على حسب حصوله في الدنيا وليس ذلك بمقتض أنّ سؤالهم المائدة حصل في أول أوقات إيمانهم بل في وقت آخر
      { قالوا آمنّا واشهد بأنّنا مسلمون }
      [المائدة: 111]؛ فإنّ قولهم { آمنّا } قد يتكرّر منهم بمناسبات، كما يكون عند سماعهم تكذيب اليهود عيسى، أو عندما يشاهدون آيات على يد عيسى، أو يقولونه لإعادة استحضار الإيمان شأن الصدّيقيين الذين يحاسبون أنفسهم ويصقلون إيمانهم فيقولون في كلّ معاودة. آمنّا واشهد بأنّنا مسلمون. وأمّا ما قرّر به «الكشاف» ومتابعوه فلا يحسن تفسير الكلام به.

      ويجوز أن يكون جملة: { إذ قال الحواريّون } ابتدائية بتقدير: اذكر، على أسلوب قوله تعالى
      { إذْ قال موسى لأهله إنّي آنست ناراً }
      في سورة النمل (7)، فيكون الكلام تخلّصاً إلى ذكر قصّة المائدة لمناسبة حكاية ما دار بين عيسى وبين الحواريّين في قوله تعالى:
      { وإذ أوحيت إلى الحواريّين أن آمنوا بي وبرسولي }

      ملحوظة هامة

      ذكرنا قول الرازى فى تفسير قوله تعالي
      { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهَا وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ }
      قال الرازى:
      أنه تعالى لما قال: { مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلَـٰغُ } وهذا ادعاء منه للرسالة، ثم إن الكفار كانوا يطالبونه بعد ظهور المعجزات،بمعجزات أخر على سبيل التعنت كما قال تعالى حاكياً عنهم
      { وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلاْرْضِ يَنْبُوعًا }
      [الإسرار: 90] إلى قوله
      { قُلْ سُبْحَـٰنَ رَبّى هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً }
      [الإسرار: 93] والمعنى إني رسول أمرت بتبليغ الرسالة والشرائع والأحكام إليكم، والله تعالى قد أقام الدلالة على صحة دعواي في الرسالة بإظهار أنواع كثيرة من المعجزات، فبعد ذلك طلب الزيادة من باب التحكم وذلك ليس في وسعي ولعل إظهارها يوجب ما يسوءكم مثل أنها لو ظهرت فكل من خالف بعد ذلك استوجب العقاب في الدنيا، ثم إن المسلمين لما سمعوا الكفار يطالبون الرسول صلى الله عليه وسلم بهذه المعجزات، وقع في قلوبهم ميل إلى ظهورها فعرفوا في هذه الآية أنهم لا ينبغي أن يطلبوا ذلك فربما كان ظهورها يوجب ما يسوءهم.

      رحم الله الرازى فتامل اخى الحبيب المنا سبة بين هذا وبين قصة اصحاب المائدة التى ذكرها بعد والذين اقترحوا هذه الاية كى يزداد يقين بنى اسرائيل

      فقوله تعالي { قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا كَافِرِينَ }

      يجوز ان يكون منهم اصحاب المائدة على القول انها نزلت والله اعلم

      وتامل قول البقاعى غى نظم الدرر قال:

      لما كان من المقصود بذكر معجزات عيسى عليه السلام تنبيه الكافر ليؤمن، والمؤمن ليزداد إيماناً، وتسلية النبي صلى الله عليه وسلم وتوبيخ اليهود المدعين أنهم أبناء وأحباء - إلى غير ذلك مما أراد الله، قرعت به الأسماع، ولم يتعلق بما يجيب به يوم القيامة عند أمره بذلك غرض فطوي؛ ولما كان أجلّ المقاصد تأديب هذه الأمة لنبيها عليه السلام لتجلّه عن أن تبدأه بسؤال أو تقترح عليه شيئاً في حال من الأحوال، ذكر لهم شأن الحواريين في اقتراحهم بعدما تقدم من امتداحهم بِعَدِّهم في عداد أولي الوحي ومبادرتهم إلى الإيمان امتثالاً للأمر ثم إلى الإشهاد على سبيل التأكيد بتمام الانقياد وسلب الاختيار، فقال معلقاً بـ " قالوا آمنا " مقرباً لزمن تعنتهم من زمن إيمانهم، مذكراً لهذه الأمة بحفظها على الطاعة، ومبكتاً لبني إسرائيل بكثرة تقلبهم وعدم تماسكهم إبعاداً لهم عن درجة المحبة فضلاً عن البنوة، وهذه القصة قبل قصة الإيحاء إليهم فتكون " إذ " هذه ظرفاً لتلك، فيكون الإيحاء إليهم بالأمر بالإيمان في وقت سؤالهم هذه بعد ابتدائه، ويكون فائدته حفظهم من أن يسألوا آية أخرى كما سألوا هذه بعدما رأوا منه صلى الله عليه وسلم من الآيات: { إذ قال }


      { وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ }

      قال الرازى فى تفسيره:

      فيه مسائل:

      المسألة الأولى: هذا معطوف على قوله
      { إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱذْكُرْ نِعْمَتِى عَلَيْكَ }
      [المائدة: 110] وعلى هذا القول فهذا الكلام إنما يذكره لعيسى يوم القيامة، ومنهم من قال: إنه تعالى قال هذا الكلام لعيسى عليه السلام حين رفعه إليه وتعلق بظاهر قوله { وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ } وإذ تستعمل للماضي، والقول الأول أصح، لأن الله تعالى عقب هذه القصة بقوله
      { هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّـٰدِقِينَ صِدْقُهُمْ }
      [المائدة: 119] والمراد به يوم القيامة

      { قَالَ ٱللَّهُ هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ }

      قال الالوسي فى تفسيره:

      والكلام مسوق لرد عرض عيسى عليه السلام المغفرة عليه سبحانه وتعالى كأنه قيل: هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لا غير فلا مغفرة لهؤلاء

      وقال ابو حيان فى بحره:

      أي هذا الوقت وقت نفع الصادقين وفيه إشارة إلى صدق عيسى عليه السلام. ..... وقال السدي: هذا فصل من كلام عيسى عليه السلام أي: يقول عيسى يوم القيامة: قال الله تعالى

      { للَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }

      قال ابو حيان فى بحره:

      لما ادّعت النصارى في عيسى وأمه الألوهية اقتضت الدعوى أن يكونا مالكين قادرين فردّ الله عليهم. قال ابن عطية: ويحتمل أن يكون مما يقال يوم القيامة، ويحتمل أن يكون مقطوعاً من ذلك مخاطباً به محمداً صلى الله عليه وسلم وأمّته؛ انتهى. وقيل: هذا جواب سائل من يعطيهم { ذلك الفوز العظيم } فقيل الذي له ملك السماوات والأرض.

      تعليق

      • اسامة محمد خيري
        Registered User
        • Dec 2008
        • 12975

        #168
        النظم فى سورة الانعام

        { هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَىۤ أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ }

        قال ابن عاشور فى التحرير:
        استئناف لغرض آخر للتعجيب من حال المشركين إذ أنكروا البعث، فإنّه ذكّرهم ابتداء بخلق السماوات والأرض، وعجّب من حالهم في تسويتهم ما لم يخلق السماوات ولا الأرض بالله تعالى في الإلهيّة. ثم ذكّرهم بخلقهم الأول، وعجّب من حالهم كيف جمعوا بين الاعتراف بأنّ الله هو خالقهم الخلق الأول فكيف يمترون في الخلق الثاني.
        { وَهُوَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَفِي ٱلأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ }

        قال الرازى فى تفسيره

        واعلم أنا إن قلنا: إن المقصود من الآية المتقدمة إقامة الدليل على وجود الصانع القادر المختار.

        قلنا: المقصود من هذه الآية بيان كونه تعالى عالماً بجميع المعلومات، فإن الآيتين المتقدمتين يدلان على كمال القدرة، وهذه الآية تدل على كمال العلم وحينئذٍ يكمل العلم بالصفات المعتبرة في حصول الإلهية، وإن قلنا: المقصود من الآية المتقدمة إقامة الدلالة على صحة المعاد، فالمقصود من هذه الآية تكميل ذلك البيان، وذلك لأن منكري المعاد إنما أنكروه لأمرين أحدهما: أنهم يعتقدون أن المؤثر في حدوث بدن الإنسان هو امتزاج الطبائع وينكرون أن يكون المؤثر فيه قادراً مختاراً. والثاني: أنهم يسلمون ذلك إلا أنهم يقولون إنه غير عالم بالجزئيات فلا يمكنه تمييز المطيع من العاصي، ولا تمييز أجزاء بدن زيد عن أجزاء بدن عمرو ثم إنه تعالى أثبت بالآيتين المتقدمتين كونه تعالى قادراً ومختاراً لا علة موجبة، وأثبت بهذه الآية كونه تعالى عالماً بجميع المعلومات، وحينئذٍ تبطل جميع الشبهات التي عليها مدار القول بإنكار المعاد، وصحة الحشر والنشر فهذا هو الكلام في نظم الآية

        { وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَٰتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ }
        قال الرازى فى تفسيره:
        اعلم أنه تعالى لما تكلم، أولاً: في التوحيد، وثانياً: في المعاد، وثالثاً: فيما يقرر هذين المطلوبين ذكر بعده ما يتعلق بتقرير النبوة وبدأ فيه بأن بين كون هؤلاء الكفار معرضين عن تأمل الدلائل،

        { فَقَدْ كَذَّبُواْ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ }

        قال الرازى فى تفسيره:

        أعلم أنه تعالى رتب أحوال هؤلاء الكفار على ثلاث مراتب،
        فالمرتبة الأولى: كونهم معرضين عن التأمل في الدلائل والتفكر في البينات،
        والمرتبة الثانية: كونهم مكذبين بها وهذه المرتبة أزيد مما قبلها، لأن المعرض عن الشيء قد لا يكون مكذباً به، بل يكون غافلاً عنه غير متعرض له، فإذا صار مكذباً به فقد زاد على الأعراض،
        والمرتبة الثالثة: كونهم مستهزئين بها لأن المكذب بالشيء قد لا يبلغ تكذيبه به إلى حد الاستهزاء، فإذا بلغ إلى هذا الحد فقد بلغ الغاية القصوى في الانكار، فبين تعالى أن أولئك الكفار وصلوا إلى هذه المراتب الثلاثة على هذا الترتيب

        { أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّٰهُمْ فِي ٱلأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيْهِم مِّدْرَاراً وَجَعَلْنَا ٱلأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَٰهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ }

        قال الرازى فى تفسيره:

        اعلم أن الله تعالى لما منعهم عن ذلك الإعراض والتكذيب والاستهزاء بالتهديد والوعيد أتبعه بما يجري مجرى الموعظة والنصيحة في هذا الباب فوعظهم بسائر القرون الماضية، كقوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وقوم شعيب وفرعون وغيرهم.

        { وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَٰباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ }

        قال الرازى فى تفسيره:

        اعلم أن الذين يتمردون عن قبول دعوة الأنبياء طوائف كثيرة، فالطائفة الأولى الذين بالغوا في حب الدنيا وطلب لذاتها وشهواتها إلى أن استغرقوا فيها واغتنموا وجدانها، فصار ذلك مانعاً لهم عن قبول دعوة الأنبياء، وهم الذين ذكرهم الله تعالى في الآية المتقدمة وبين أن لذات الدنيا ذاهبة وعذاب الكفر باق، وليس من العقل تحممل العقاب الدائم لأجل اللذات المنقرضة الخسيسة، والطائفة الثانية الذين يحملون معجزات الأنبياء عليهم السلام، على أنها من باب السحر لا من باب المعجزة، هؤلاء الذين ذكرهم الله تعالى في هذه الآية

        { وَقَالُواْ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ ٱلأَمْرُ ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ } * { وَلَوْ جَعَلْنَٰهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَٰهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ }

        قال الرازى فى تفسيره:

        اعلم أن هذا النوع الثالث من شبه منكري النبوّات فإنهم يقولون: لو بعث الله إلى الخلق رسولاً لوجب أن يكون ذلك الرسول واحداً من الملائكة فإنهم إذا كانوا من زمرة الملائكة كانت علومهم أكثر، وقدرتهم أشد، ومهابتهم أعظم، وامتيازهم عن الخلق أكمل، والشبهات والشكوك في نبوّتهم ورسالتهم أقل. والحكيم إذا أراد تحصيل مهم فكل شيء كان أشد إفضاءً إلى تحصيل ذلك المطلوب كان أولى. فلما كان وقوع الشبهات في نبوّة الملائكة أقل، وجب لو بعث الله رسولاً إلى الخلق أن يكون ذلك الرسول من الملائكة هذا هو المراد من قوله تعالى: { وَقَالُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ }.

        { وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ }

        قال الرازى فى تفسيره:

        اعلم أن بعض الأقوام الذين كانوا يقولون إن رسول الله يجب أن يكون ملكاً من الملائكة كانوا يقولون هذا الكلام على سبيل الاستهزاء، وكان يضيق قلب الرسول عند سماعه فذكر ذلك ليصير سبباً للتخفيف عن القلب لأن أحداً ما يخفف عن القلب المشاركة في سبب المحنة والغم. فكأنه قيل له إن هذه الأنواع الكثيرة من سوء الأدب التي يعاملونك بها قد كانت موجودة في سائر القرون مع أنبيائهم، فلست أنت فريداً في هذا الطريق

        { قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ثُمَّ ٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ }

        قال الرازى فى تفسيره:
        اعلم أنه تعالى كما صبر رسوله بالآية الأولى، فكذلك حذر القوم بهذه الآية، وقال لرسوله قل لهم لا تغتروا بما وجدتم من الدنيا وطيباتها ووصلتم إليه من لذاتها وشهواتها، بل سيروا في الأرض لتعرفوا صحة ما أخبركم الرسول عنه من نزول العذاب على الذين كذبوا الرسل في الأزمنة السالفة

        { قُل لِّمَن مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ قُل للَّهِ كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } * { وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ }

        قال ابو حيان فى بحره:

        { قل لمن ما في السماوات والأرض قل الله } لما ذكر تعالى تصريفه فيمن أهلكهم بذنوبهم، أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بسؤالهم ذلك فإنه لا يمكنهم أن يقولوا إلا أن ذلك لله تعالى فيلزمهم بذلك أنه تعالى هو المالك المهلك لهم، وهذا السؤال سؤال تبكيت وتقرير ثم أمره تعالى بنسبة ذلك لله تعالى ليكون أول من بادر إلى الاعتراف بذلك. وقيل: في الكلام حذف تقديره فإذا لم يجيبوا { قل لله } وقال قوم: المعنى أنه أمر بالسؤال فكأنه لما لم يجيبوا سألوا فقيل لهم { قل لله } ولله خبر مبتدأ محذوف التقدير قل ذلك أو هو لله
        { وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ } * { قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ قُلْ إِنِّيۤ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ } * { قُلْ إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } * { مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ }

        قال الرازى فى تفسيره:
        في الآية مسائل:

        في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن أحسن ما قيل في نظم هذه الآية ما ذكره أبو مسلم رحمه الله تعالى فقال: ذكر في الآية الأولى السماوات والأرض، إذ لا مكان سواهما. وفي هذه الآية ذكر الليل والنهار إذ لا زمان سواهما، فالزمان والمكان ظرفان للمحدثات، فأخبر سبحانه أنه مالك للمكان والمكانيات، ومالك للزمان والزمانيات، وهذا بيان في غاية الجلالة.

        وأقول ههنا دقيقة أخرى، وهو أن الابتداء وقع بذكر المكان والمكانيات، ثم ذكر عقيبه الزمان والزمانيات، وذلك لأن المكان والمكانيات أقرب إلى العقول والأفكار من الزمان والزمانيات، لدقائق مذكورة في العقليات الصرفة، والتعليم الكامل هو الذي يبدأ فيه بالأظهر فالأظهر مترقياً إلى الأخفى فالأخفى، فهذا ما يتعلق بوجه النظم.

        وقال ابو حيان فى بحره:

        { قل أغير الله أتخذ ولياً فاطر السموات والأرض } لما تقدّم أنه تعالى اخترع السموات والأرض، وأنه مالك لما تضمنه المكان والزمان أمر تعالى نبيه أن يقول لهم ذلك على سبيل التوبيخ لهم أي من هذه صفاته هو الذي يتخذ ولياً وناصراً ومعيناً لا الآلهة التي لكم، إذ هي لا تنفع ولا تضر لأنها بين جماد أو حيوان مقهور

        { وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ }
        قال ابن عاشور فى التحرير:
        عطف على الجمل المفتتحة بفعل
        { قل }
        [الأنعام: 15] فالخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم.

        وهذا مؤذن بأنّ المشركين خوّفوا النبي صلى الله عليه وسلم أو عرّضوا له بعزمهم على إصابته بشرّ وأذى فخاطبه الله بما يثبّت نفسه وما يؤيس أعداءه من أن يستزلّوه. وهذا كما حكي عن إبراهيم عليه السلام
        { وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنّكم أشركتم بالله ما لم ينزّل به عليكم سلطاناً }
        [الأنعام: 81]، ومن وراء ذلك إثبات أنّ المتصرّف المطلق في أحوال الموجودات هو الله تعالى بعد أن أثبت بالجمل السابقة أنّه محدث الموجودات كلّها في السماء والأرض، فجُعل ذلك في أسلوب تثبيت للرسول صلى الله عليه وسلم على عدم الخشية من بأس المشركين وتهديدهم ووعيدهم، ووعدُه بحصول الخير له من أثر رضى ربّه وحدَه عنه، وتحدّي المشركين بأنّهم لا يستطيعون إضراره ولا يجلبون نفعه. ويحصل منه ردّ على المشركين الذين كانوا إذا ذُكّروا بأنّ الله خالق السماوات والأرض ومن فيهن أقرّوا بذلك، ويزعمون أنّ آلهتهم تشفع عند الله وأنّها تجلب الخير وتدفع الشرّ، فلمَّا أبطلت الآيات السابقة استحقاق الأصنام الإلهية لأنّها لم تخلق شيئاً، وأوجبت عبادة المستحقّ الإلهية بحقّ، أبطلت هذه الآية استحقاقهم العبادة لأنّهم لا يملكون للناس ضرّاً ولا نفعاً، كما قال تعالى:
        { قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرّاً ولا نفعاً }
        [المائدة: 76] وقال عن إبراهيم عليه السلام:
        { قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرّون }
        [الشعراء: 73].

        { وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ }
        قال ابن عاشور فى التحرير:
        هذه الجملة معطوفة على جملة
        { وإن يمسسك الله بضرّ }
        [الأنعام: 17] الآية، والمناسبة بينهما أنّ مضمون كلتيهما يبطل استحقاق الأصنام العبادة. فالآية الأولى أبطلت ذلك بنفي أن يكون للأصنام تصرّف في أحوال المخلوقات، وهذه الآية أبطلت أن يكون غير الله قاهراً على أحد أو خبيراً أو عالماً بإعطاء كل مخلوق ما يناسبه، ولا جرم أنّ الإله تجب له القدرة والعلم، وهما جماع صفات الكمال، كما تجب له صفات الأفعال من نفع وضرّ وإحياء وإماتة

        { قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَٰدةً قُلِ ٱللَّهُ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ ءَالِهَةً أُخْرَىٰ قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ }

        قال ابن عاشور فى التحرير:

        انتقال من الاستدلال على إثبات ما يليق بالله من الصفات، إلى إثبات صدق رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وإلى جعْللِ الله حكماً بينه وبين مكذّبيه، فالجملة استئناف ابتدائي، ومناسبة الانتقال ظاهرة.

        تعليق

        • اسامة محمد خيري
          Registered User
          • Dec 2008
          • 12975

          #169
          { ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ }

          قال الرازى فى تفسيره:

          اعلم أنا روينا في الآية الأولى أن الكفار سألوا اليهود والنصارى عن صفة محمد عليه الصلاة والسلام فأنكروا دلالة التوراة والإنجيل على نبوته، فبيّـن الله تعالى في الآية الأولى أن شهادة الله على صحة نبوته كافية في ثبوتها وتحققها، ثم بيّـن في هذه الآية أنهم كذبوا في قولهم أنا لا نعرف محمداً عليه الصلاة والسلام، لأنهم يعرفونه بالنبوّة والرسالة كما يعرفون أبناءهم لما روي أنه لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة قال عمر لعبد الله بن سلام: أنزل الله على نبيه هذه الآية فكيف هذه المعرفة، فقال يا عمر لقد عرفته فيكم حين رأيته كما أعرف ابني ولأنا أشد معرفة بمحمد مني يا بني لأني لا أدري ما صنع النساء وأشهد أنه حق من الله تعالى.

          { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَٰتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ } * { وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ }

          قال الرازى فى تفسيره:

          اعلم أنه تعالى لما حكم على أولئك المنكرين بالخسران في الآية الأولى بيّـن في هذه الآية سبب ذلك الخسران،

          { وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ } * { ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } * { ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ }

          قال ابن عاشور فى التحرير:

          عطف على جملة:
          { ومن أظلم ممّن افترى على الله كذباً }
          [الأنعام: 21]، أو على جملة
          { إنّه لا يفلح الظالمون }
          [الأنعام: 21]، فإنّ مضمون هذه الجمل المعطوفة له مناسبة بمضمون جملة { ومن أظلم } ومضمون جملة { إنّه لا يفلح الظالمون } ، لأنّ مضمون هذه من آثار الظلم وآثار عدم الفلاح، ولأنّ مضمون الآية جامع للتهديد على الشرك والتكذيب ولإثبات الحشر ولإبطال الشرك.

          { وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِيۤ ءَاذَانِهِمْ وَقْراً وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ ءَايَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوكَ يُجَٰدِلُونَكَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ }

          قال الرازى فى تفسيره:

          اعلم أنه تعالى لما بيّن أحوال الكفار في الآخرة أتبعه بما يوجب اليأس عن إيمان بعضهم فقال { وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ

          وقال البقاعى فى تفسيره:

          ولما علم أن هذه الآيات قد ترابطت حتى كانت آية واحدة، وختم بأن مضمون قوله
          { فقد كذبوا بالحق لما جاءهم }
          [الأنعام: 5] - الآية، قد صار وصفاً لهم ثابتاً حتى ظهر في يوم الجمع، قسم الموسومين بما كانت تلك الآية سبباً له، وهو الإعراض عن الآيات المذكور في قوله
          { إلاّ كانوا عنها معرضين }
          [الأنعام: 4]، فكان كأنه قيل: فمنهم من أعرض بكليته، فعطف عليه قوله: { ومنهم من يستمع إليك } أي يصغي بجهده كما في السيرة عن أبي جهل بن هشام وأبي سفيان بن حرب والأخنس بن شريق أن كلاًّ منهم جلس عند بيت النبي صلى الله عليه وسلم في الليل يستمع القرآن.لا يعلم أحد منهم بمجلس صاحبه، فلما طلع الفجر انصرفوا فضمهم الطريق فتلاوموا وقالوا: لو رآكم ضعفاؤكم لسارعوا إليه، وتعاهدوا على أن لا يعودوا، ثم عادوا تمام ثلاث ليال، ثم سأل الأخنس أبا سفيان عما سمع فقال: سمعت أشياء عرفتها وعرفت المراد منها، وأشياء لم أعرفها ولم أعرف المراد منها، فقال: وأنا كذلك، ثم سأل أبا جهل فأجاب بما يعرف منه أنه علم صدقه وترك تصديقه حسداً وعناداً، وذلك هو المراد من قوله: { وجعلنا
          { وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ }
          قال الرازى فى تفسيره:

          في الآية مسائل:

          المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما بيّن أنهم طعنوا في كون القرآن معجزاً بأن قالوا: إنه من جنس أساطير الأولين وأقاصيص الأقدمين؛ بين في هذه الآية أنهم ينهون عنه وينأون عنه، وقد سبق ذكر القرآن وذكر محمد عليه السلام، فالضمير في قوله { عَنْهُ } محتمل أن يكون عائداً إلى القرآن وأن يكون عائداً إلى محمد عليه الصلاة والسلام، فلهذا السبب اختلف المفسرون فقال بعضهم: { وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ } أي عن القرآن وتدبره والاستماع له. وقال آخرون: بل المراد ينهون عن الرسول.

          واعلم أن النهي عن الرسول عليه السلام محال بل لا بدّ وأن يكون المراد النهي عن فعل يتعلق به عليه الصلاة والسلام، وهو غير مذكور فلا جرم حصل فيه قولان: منهم من قال المراد أنهم ينهون عن التصديق بنبوّته والإقرار برسالته. وقال عطاء ومقاتل: نزلت في أبي طالب كان ينهى قريشاً عن إيذاء النبي عليه الصلاة والسلام، ثم يتباعد عنه ولا يتبعه على دينه.

          { وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ فَقَالُواْ يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَٰتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } * {بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ }

          قال الرازى فى تفسيره:

          اعلم أنه تعالى لما ذكر صفة من ينهى عن متابعة الرسول عليه الصلاة والسلام، وينأى عن طاعته بأنهم يهلكون أنفسهم شرح كيفية ذلك الهلاك بهذه الآية

          تعليق

          • اسامة محمد خيري
            Registered User
            • Dec 2008
            • 12975

            #170
            { وَقَالُوۤاْ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ }

            قال الرازى فى تفسيره:

            اعلم أنه حصل في الآية قولان: الأول: أنه تعالى ذكر في الآية الأولى، أنه بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل فبين في هذه الآية أن ذلك الذي يخفونه هو أمر المعاد والحشر والنشر، وذلك لأنهم كانوا ينكرونه ويخفون صحته ويقولون ما لنا إلا هذه الحياة الدنيوية، وليس بعد هذه الحياة لا ثواب ولا عقاب.

            والثاني: أن تقدير الآية ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ولأنكروا الحشر والنشر، وقالوا: { إِنْ هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ }.

            { وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقِّ قَالُواْ بَلَىٰ وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُواْ ٱلعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ }

            قال الرازى فى تفسيره:
            فيه مسائل:

            المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما حكى عنهم في الآية الأولى إنكارهم للحشر والنشر والبعث والقيامة بيّن في هذه الآية كيفية حالهم في القيامة، فقال { وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَىٰ رَبّهِمْ

            { قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ إِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُواْ يٰحَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ }

            قال ابن عاشور فى التحرير:

            استئناف للتعجيب من حالهم حين يقعون يوم القيامة في العذاب على ما استداموه من الكفر الذي جرّأهم على استدامته اعتقادهم نفي البعث فذاقوا العذاب لذلك، فتلك حالة يستحقّون بها أن يقال فيهم: قد خسِروا وخابوا.

            والخسران تقدّم القول فيه عند قوله تعالى:
            { الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون }
            في هذه السورة (12). والخسارة هنا حرمان خيرات الآخرة لا الدنيا.

            { وَمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ ٱلآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ }

            قال الرازى فى تفسيره:

            في الآية مسائل:

            المسألة الأولى: اعلم أن المنكرين للبعث والقيامة تعظم رغبتهم في الدنيا وتحصيل لذاتها، فذكر الله تعالى هذه الآية تنبيهاً على خساستها وركاكتها.

            {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ}
            قال الرازى فى تفسيره:
            في الآية مسائل:

            المسألة الأولى: اعلم أن طوائف الكفار كانوا فرقاً كثيرين، فمنهم من ينكر نبوته لأنه كان ينكر رسالة البشر ويقول يجب أن يكون رسول الله من جنس الملائكة وقد ذكر الله تعالى في هذه السورة شبهة هؤلاء وأجاب عنها. ومنهم من يقول: إن محمداً يخبرنا بالحشر والنشر بعد الموت وذلك محال. وكانوا يستدلون بامتناع الحشر والنشر على الطعن في رسالته. وقد ذكر الله تعالى ذلك وأجاب عنه بالوجوه الكثيرة التي تقدم ذكرها ومنهم من كان يشافهه بالسفاهة وذكر ما لا ينبغي من القول وهو الذي ذكره الله تعالى في هذه الآية. واختلفوا في أن ذلك المحزن ما هو؟ فقيل كانوا يقولن إنه ساحر وشاعر وكاهن ومجنون وهو قول الحسن. وقيل: إنهم كانوا يصرحون بأنهم لا يؤمنون به ولا يقبلون دينه وشريعته. وقيل: كانوا ينسبونه إلى الكذب والافتعال

            { وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَىٰ مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ وَلَقدْ جَآءَكَ مِن نَّبَإِ ٱلْمُرْسَلِينَ }
            قال الرازى فى تفسيره:
            في الآية مسألتان:

            المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى أزال الحزن عن قلب رسوله في الآية الأولى بأن بين أن تكذيبه يجري مجرى تكذيب الله تعالى فذكر في هذه الآية طريقاً آخر في إزالة الحزن عن قلبه وذلك بأن بين أن سائر الأمم عاملوا أنبياءهم بمثل هذه المعاملة، وأن أولئك الأنبياء صبروا على تكذيبهم وإيذائهم حتى أتاهم النصر والفتح والظفر فأنت أولى بالتزام هذه الطريقة لأنك مبعوث إلى جميع العالمين، فاصبر كما صبروا تظفر كما ظفروا. ثم أكد وقوى تعالى هذا الوعد بقوله ولا مبدل لكلمات الله يعني أن وعد الله إياك بالنصر حق وصدق، ولا يمكن تطرق الخلف والتبديل إليه
            { وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِن ٱسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي ٱلأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي ٱلسَّمَآءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى ٱلْهُدَىٰ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْجَٰهِلِينَ }
            قال البقاعى فى تفسيره:

            ولما سلاه بما هو في غاية الكفاية في التسلية، أخبره بأنه لا حيلة له غير الصبر، فقال عاطفاً على ما تقديره: فتسلّ واصبر كما صبروا، وليصغر عندك ما تلاقي منهم في جنب الله: { وإن كان كبر } أي عظم جداً { عليك إعراضهم } أي عما يأتيهم به من الآيات الذي قدمنا الإخبار عنه بقولنا
            { وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين }
            [الأنعام: 4] وأردت أن تنتقل - في إخبارنا لك بأنه لا ينفعهم الآيات المقترحات - من علم اليقين إلى عين اليقين { فإن استطعت أن تبتغي } أي تطلب بجهدك وغاية طاقتك

            { إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَٱلْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ }

            قال الرازى فى تفسيره:

            اعلم أنه تعالى بيّن السبب في كونهم بحيث لا يقبلون الإيمان ولا يتركون الكفر فقال: { إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسْمَعُونَ } يعني أن الذين تحرص على أن يصدقوك بمنزلة الموتى الذين لا يسمعون، وإنما يستجيب من يسمع، كقوله
            { إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ }
            [النمل: 80]

            { وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يُنَزِّلٍ آيَةً وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}
            قال الرازى فى تفسيره:
            اعلم أن هذا النوع الرابع من شبهات منكري نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك لأنهم قالوا: لو كان رسولاً من عند الله فهلا أنزل عليه آية قاهرة ومعجزة باهرة!

            وقال ابن عاشور فى التحرير:

            عطف على جملة:
            { وإن كان كبر عليك إعراضهم }
            [الأنعام: 35] الآيات، وهذا عود إلى ما جاء في أول السورة (4) من ذكر إعراضهم عن آيات الله بقوله
            { وما تأتيهم من آية من آيات ربّهم إلاّ كانوا عنها معرضين }
            ثم ذكر ما تفنّنوا به من المعاذير من قولهم:
            { لولا أنزل عليه ملك }
            [الأنعام: 8] وقوله:
            { وإن يروا كلّ آية لا يؤمنوا بها }
            [الأنعام: 25] أي وقالوا: لولا أنزل عليه آية، أي على وفق مقترحهم، وقد اقترحوا آيات مختلفة في مجادلات عديدة. ولذلك أجملها الله تعالى هنا اعتماداً على علمها عند الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، فقال: { وقالوا لولا نزّل عليه آية من ربّه }.

            { وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلكِتَٰبِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ }

            قال الرازى فى تفسيره

            في الآية مسائل:

            المسألة الأولى: في تقرير وجه النظم، فنقول فيه وجهان: الأول: أنه تعالى بيّن في الآية الأولى أنه لو كان إنزال سائر المعجزات مصلحة لهم لفعلها ولأظهرها إلا أنه لما لم يكن إظهارها مصلحة للمكلفين، لا جرم ما أظهرها. وهذا الجواب إنما يتم إذا ثبت أنه تعالى يراعي مصالح المكلفين ويتفضل عليهم بذلك فبيّن أن الأمر كذلك، وقرره بأن قال: { وَمَا مِن دَابَّةٍ فِى ٱلاْرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَـٰلُكُمْ } في وصول فضل الله وعنايته ورحمته وإحسانه إليهم، وذلك كالأمر المشاهد المحسوس فإذا كانت آثار عنايته واصلة إلى جميع الحيوانات؛ فلو كان في إظهار هذه المعجزات القاهرة مصلحة للمكلفين لفعلها ولأظهرها ولامتنع أن يبخل بها مع ما ظهر أنه لم يبخل على شيء من الحيوانات بمصالحها ومنافعها وذلك يدل على أنه تعالى إنما لم يظهر تلك المعجزات، لأن إظهارها يخل بمصالح المكلفين. فهذا هو وجه النظم والمناسبة بين هذه الآية وبين ما قبلها والله أعلم.

            الوجه الثاني في كيفية النظم: قال القاضي: إنه تعالى لما قدم ذكر الكفار وبين أنهم يرجعون إلى الله ويحشرون بين أيضاً بعده بقوله { وَمَا مِن دَابَّةٍ فِى ٱلأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَـٰلُكُمْ } في أنهم يحشرون، والمقصود: بيان أن الحشر والبعث كما هو حاصل في حق الناس فهو أيضاً حاصل في حق البهائم.

            وقال ابن عاشور فى التحرير:

            معنى هذه الآية غامض بدءاً. ونهايتها أشدّ غموضاً، وموقعها في هذا السياق خفي المناسبة. فاعلَم أنّ معنى قوله: { وما من دابّة في الأرض } إلى قوله { إلاّ أمم أمثالكم } أنّ لها خصائص لكلّ جنس ونوع منها كما لأمم البشر خصائصها، أي جعل الله لكلّ نوع ما به قوامه وألهمه اتِّباع نظامه وأنّ لها حياة مؤجّلة لا محالة.

            فمعنى { أمثالكم } المماثلة في الحياة الحيوانية وفي اختصاصها بنظامها.

            وأمّا معنى قوله: { ثم إلى ربّهم يحشرون } أنّها صائرة إلى الموت. ويعضّده ما روي عن ابن عباس: حشر البهائم موتها، أي فالحشر مستعمل في مجاز قريب إلى حقيقته اللغوية التي في نحو قوله تعالى:
            { وحشر لسليمان جنوده }
            [النمل: 17]. فموقع هذه الآية عند بعض المفسّرين أنّها بمنزلة الدليل على مضمون قوله تعالى:
            { قل إنّ الله قادر على أن ينزّل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون }
            [الأنعام: 37]، فيجوز أن تكون معطوفة على جملة
            { إنّ الله قادر على أن ينزّل آية }
            [الأنعام: 37] على أنّها من جملة ما أمر النبي بأن يقوله لهم؛ ويجوز أن تكون معطوفة على جملة:
            { قُل إنّ الله قادر }
            [الأنعام: 37] على أنّها من خطاب الله لهم. أي أنّ الذي خلق أنواع الأحياء كلِّها وجعلها كالأمم ذات خصائص جامعة لأفراد كلّ نوع منها فكان خلقها آية على عظيم قدرته لا يعجزه أن يأتي بآية حسب مقترحكم ولكنّكم لا تعلمون الحكمة في عدم إجابتكم لما سألتم. ويكون تعقيبه بقوله تعالى:
            { والّذين كذّبوا بآياتنا صمّ وبُكْم }
            [الأنعام: 39] الآية واضح المناسبة، أي لا يهتدون إلى ما في عوالم الدواب والطير من الدلائل على وحدانية الله.

            وأمّا قوله: { ثمّ إلى ربّهم يحشرون } فإن نظرنا إليه مستقلاً بنصّه غير ملتفتين إلى ما نيط به من آثار مروية في تفسيره؛ فأول ما يبدو للناظر أنّ ضميري { ربّهم } و { يحشرون } عائدان إلى { دابّة } و { طائر } باعتبار دلالتهما على جماعات الدّواب والطير لوقوعهما في حيّز حرف (مِنْ) المفيدة للعموم في سياق النفي، فيتساءل الناظر عن ذلك وهما ضميران موضوعان للعقلاء. وقد تأولوا لوقوع الضميرين على غير العقلاء بوجهين: أحدهما أنّه بناءٌ على التغليب إذ جاء بعده { إلاّ أمم أمثالكم }. الوجه الثاني أنّهما عائدان إلى { أمم أمثالكم } ، أي أنّ الأمم كلّها محشورة إلى الله تعالى.

            وأحسن من ذلك تأويلاً أن يكون الضميران عائديْن إلى ما عادت إليه ضمائر الغيبة في هذه الآيات التي آخرها ضمير { وقالوا لولا نزّل عليه آية من ربّه } ، فيكون موقع جملة { ثم إلى ربّهم يحشرون } موقع الإدماج والاستطراد مجابهة للمشركين بأنَّهم محشورون إلى الله لا محالة وإن أنكروا ذلك.

            فإذا وقع الإلتفات إلى ما روي من الآثار المتعلّقة بالآية كان الأمر مُشكلاً.

            فقد روى مسلم عن أبي هريرة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لتُؤَدّنّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتّى يقاد للشّاة الجلحاء (التي لا قرن لها، وفي رواية غيره: الجَماء) من الشاة القرناء " وروى أحمد بن حنبل وأبو داوود الطيالسي في «مسنديهما» عن أبي ذرّ قال: انتطحت شاتان أو عنزان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أبا ذر أتدري فيم انتطحتا، قلت: لا، قال: لكن الله يدري وسيقضي بينهما يوم القيامة. فهذا مقتض إثبات حشر الدوابّ ليوم الحساب، فكان معناه خفي الحكمة إذ من المحقّق انتفاء تكليف الدوابّ والطير تبعاً لانتفاء العقل عنها. وكان موقعها جلي المناسبة بما قاله الفخر نقلاً عن عبد الجبّار بأنّه لمّا قدّم الله أنّ الكفّار يُرجعون إليه ويحشرون بيّن بعده أنّ الدوابّ والطير أمم أمثالهم في أنّهم يحشرون. والمقصود بيان أنّ الحشر والبعث كما هو حاصل في الناس حاصل في البهائم. وهذا ظاهر قوله: { يحشرون } لأنّ غالب إطلاق الحشر في القرآن على الحشر للحساب، فيناسب أن تكون جملة: { وما من دابّة في الأرض } الآية عطفاً على جملة: { والموتى يبعثهم الله } ، فإنّ المشركين ينكرون البعث ويجعلون إخبار الرسول ـــ عليه الصلاة والسلام ـــ به من أسباب تهمته فيما جاء به، فلمّا توعّدهم الله بالآية السابقة بأنّهم إليه يرجعون زاد أن سجّل عليهم جهلهم فأخبرهم بما هو أعجب ممّا أنكروه، وهو إعلامهم بأنّ الحشر ليس يختصّ بالبشر بل يعمّ كلّ ما فيه حياة من الدّوابّ والطير. فالمقصود من هذا الخبر هو قوله: { ثم إلى ربّهم يحشرون }. وأمّا ما قبله فهو بمنزلة المقدمة له والاستدلال عليه، أي فالدّوابّ والطير تبعث مثل البشر وتحضر أفرادها كلّها يوم الحشر، وذلك يقتضي لا محالة أن يقتصّ لها، فقد تكون حكمة حشرها تابعة لإلقاء الأرض وما فيها وإعادة أجزاء الحيوان.

            وقال البقاعى فى تفسيره:

            ولما عجب منهم في قولهم هذا الذي يقتضي أنهم لم يروا له آية قط بعد ما جاءهم من الآيات الخاصة به ما ملأ الأقطار، ورد إلى الصم الأسماع، وأنار من العمى الأبصار؛ ذكرهم بآية غير آية القرآن تشتمل على آيات مستكثرة كافية لصلاحهم، رتبها سبحانه قبل سؤالهم تفضلاً منه عليهم دالة على باهر قدرته على البعث وغيره من الآيات التي طلبوها وغيرها وعلى تفرده بجميع الأمر، إذا تأملوها حق تأملها كفتهم في جميع ما يراد منهم فقال تعالى: { وما } أي قالوا ذلك والحال أنه ما، وهي ناظرة أتم نظر إلى قوله
            { هو الذي خلقكم من طين }
            [الأنعام: 2] أي فعل ذلك بكم وما { من دابة في الأرض } أي تدب أي تنتقل برجل وغير رجل { ولا طائر يطير } وقرر الحقيقة بقوله: { بجناحيه } وشمل ذلك جميع الحيوان حتى ما في البحر، لأن سيرها في الماء إما أن يكون دبيباً أو طيراناً مجازاً.

            تعليق

            • اسامة محمد خيري
              Registered User
              • Dec 2008
              • 12975

              #171
              { وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي ٱلظُّلُمَاتِ مَن يَشَإِ ٱللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }
              قال الرازى فى تفسيره:
              فيه مسائل:

              المسألة الأولى: في وجه النظم قولان: الأول: أنه تعالى بين من حال الكفار أنهم بلغوا في الكفر إلى حيث كأن قلوبهم قد صارت ميتة عن قبول الإيمان بقوله
              { إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَٱلْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ }
              [الأنعام: 36] فذكر هذه الآية تقريراً لذلك المعنى الثاني أنه تعالى لما ذكر في قوله
              { وَمَا مِن دَابَّةٍ فِى ٱلأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَـٰلُكُمْ }
              [الأنعام: 38] في كونها دالة على كونها تحت تدبير مدبر قديم وتحت تقدير مقدر حكيم، وفي أن عناية الله محيطة بهم، ورحمته واصلة إليهم، قال بعده والمكذبون لهذه الدلائل والمنكرون لهذه العجائب صم لا يسمعون كلاماً ألبتة، بكم لا ينطقون بالحق، خائضون في ظلمات الكفر، غافلون عن تأمل هذه الدلائل

              وقال ابو حيان فى بحره:

              ومناسبة هذه لما قبلها أنه لما تقدم قوله: { إنما يستجيب الذين يسمعون } أخبر أن المكذبين بالآيات صم لا يسمعون من ينبههم، فلا يستجيب أحد منهم ولما كان قوله:
              { وما من دابة }
              [هود: 6] الآية منبهاً على عظيم قدرة الله تعالى ولطيف صنعه وبديع خلقه، ذكر أن المكذب بآياته هو أصم عن سماع الحق أبكم عن النطق به،

              { قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَـٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ ٱلسَّاعَةُ أَغَيْرَ ٱللَّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } * { بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَآءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ }
              قال الرازى فى تفسيره:
              أعلم أنه تعالى لما بين غاية جهل أولئك الكفار بين من حالهم أيضاً أنهم إذا نزلت بهم بلية أو محنة يفزعون إلى الله تعالى ويلجأون إليه ولا يتمردون عن طاعته
              وقال ابو حيان فى بحره:
              هذا ابتداء احتجاج على الكفار الذين يجعلون لله شركاء

              وقال الالوسي فى تفسيره:


              نعم التقديم في قوله تعالى: { بَلْ إِيَّـٰهُ تَدْعُونَ } للتخصيص أي بل تخصونه سبحانه بالدعاء وليس لرعاية الفواصل، والتخصيص مستفاد مما بعد وهو عطف على جملة منفية تفهم من الكلام السابق كأنه قيل: لا غير الله تدعون بل إياه تدعون، وجعله في «الكشف» عطفاً على
              { أَغَيْرَ ٱللَّهِ تَدْعُونَ }
              وأورد الزمخشري على كون { أَغَيْرَ ٱللَّهِ تَدْعُونَ } متعلق الاستخبار أن قوله سبحانه: { فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ } أي ما تدعونه إلى كشفه مع قوله تعالى:
              { أَوْ أَتَتْكُمْ ٱلسَّاعَةُ }
              [الأنعام: 40] يأباه فإن قوارع الساعة لا تكشف عن المشركين. وأجاب بأنه قد اشترط في الكشف المشيئة بقوله جل شأنه: { إِن شَاء } وهو عز وجل لا يشاء كشف هاتيك القوارع عنهم، وخص الإيراد بذلك الوجه ـ على ما في «الكشف»ـ لأن الشرطين فيه لما كانا متعلقين بقوله سبحانه:
              { أَغَيْرَ }
              [الأنعام: 40] الخ وكان { بَلْ إِيَّـٰهُ } الخ عطفاً عليه إضراباً عنه والمعطوف في حكم المعطوف عليه وجب أن يكونا متعلقين به أيضاً. ولما كان الكشف مستعقب الدعاء مستفاداً عنه وجب أن يكونا متعلقين به أيضاً فجاء سؤال أن قوارع الساعة لا تكشف. وأما في الوجه الآخر فلأن { أَغَيْرَ } الخ لما كان كلاماً مستقلاً لم يتعلق به الشرطان لفظاً بل جاز أن يقدرا أو هو الظاهر إن ساعد المعنى، وأن يقدر واحد منهما حسب استدعاء / المقام وذلك أنه سبحانه بكتهم بما كانوا عليه من اختصاصهم إياه تعالى بالدعاء عند الكرب ألا ترى إلى قوله جل شأنه:
              { ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْـئَرُونَ }
              [النحل: 53] فلا مانع من ذكر أمرين والتقريع على أحدهما دون الآخر لا سيما عند اختصاصه بالتقريع انتهى. وربما يقال: إن كشف القوارع الدنيوية والأخروية بدعاء المؤمن أو المشرك بل قبول الدعاء مطلقاً مشروط بالمشيئة وبذلك تقيد آية
              { ٱدْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ }
              [غافر: 60]
              { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ }
              [البقرة: 186] لكن انتفاء المشيئة متحقق في بعض الصور كما في قبول دعاء الكفار بكشف قوارع الساعة وما يلقونه من سوء الجزاء على كفرهم وكشف بعض الأهوال عنهم ككرب طول الوقوف حين يشفع صلى الله عليه وسلم فيشفع في الفصل بين الخلائق يومئذٍ ليس من باب استجابة دعائهم في شيء.

              على أن كرب طول الوقوف الذي يفارقونه نعيم بالنسبة إلى ما يلاقونه بعد وإن لم يعلموا ذلك قبل فالقوارع محيطة بهم في ذلك اليوم لا تفارقهم أصلاً وإنما ينتقلون فيها من شديد إلى أشد، فقول بعضهم إثر قول الزمخشري: فإن قوارع الساعة لا تكشف عن المشركين الأحسن عندي أن هول القيامة يكشف أيضاً ككرب الموقف إذا طال كما ورد في حديث الشفاعة العظمى إلا أن الزمخشري لم يذكره لأن المعتزلة قائلون بنفي الشفاعة وقد غفل عن هذا من اتبعه كلام خال عن التحقيق، والمعتزلة على ما في «مجمع البحار» لا ينفون الشفاعة في فصل القضاء وإنما ينكرون الشفاعة لأهل الكبائر والكفار في النجاة من النار.

              وقال ابن عاشور فى التحرير:

              وفي قوله: { إن شاء } إشارة إلى مقابله، وهو إن لم يشأ لم يكشف، وذلك في عذاب الدنيا. وأما إتيان الساعة فلا يُكشف إلاّ أن يراد بإتيانها ما يحصل معها من القوارع والمصائب من خسف وشبهه فيجوز كشفه عن بعض الناس. وممَّا كشفه الله عنهم من عذاب الدنيا عذابُ الجوع الذي في قوله تعالى:
              { فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى الناس هذا عذاب أليم }
              [الدخان: 10 - 11] إلى قوله
              { إنّا كاشفوا العذاب قليلاً إنّكم عائدون يوم نبطش البطشة الكبرى إنّا منتقمون }
              [الدخان: 15 - 16] فُسّرت البطشة بيوم بدر.

              { وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَٰهُمْ بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ } * { فَلَوْلاۤ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَـٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ مَا كَانُواّ يَعْمَلُونَ }

              قال الرازى فى تفسيره:

              اعلم أنه تعالى بين في الآية الأولى أن الكفار عند نزول الشدائد يرجعون إلى الله تعالى، ثم بين في هذه الآية أنهم لا يرجعون إلى الله عند كل ما كان من جنس الشدائد، بل قد يبقون مصرين على الكفر منجمدين عليه غير راجعين إلى الله تعالى، وذلك يدل على مذهبنا من أن الله تعالى إذا لم يهده لم يهتد، سواء شاهد الآيات الهائلة، أو لم يشاهدها،

              { فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ } * { فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ }
              قال الرازى فى تفسيره:
              اعلم أن هذا الكلام من تمام القصة الأولى فبيّن الله تعالى أنه أخذهم أولاً بالبأساء والضراء لكي يتضرعوا ثم بيّن في هذه الآية أنهم لما نسوا ما ذكروا به من البأساء والضراء فتحنا عليهم أبواب كل شيء، ونقلناهم من البأساء والضراء إلى الراحة والرخاء وأنواع الآلاء والنعماء، والمقصود أنه تعالى عاملهم بتسليط المكاره والشدائد عليهم تارة فلم ينتفعوا به، فنقلهم من تلك الحالة إلى ضدها وهو فتح أبواب الخيرات عليهم وتسهيل موجبات المسرات والسعادات لديهم فلم ينتفعوا به أيضاً. وهذا كما يفعله الأب المشفق بولده يخاشنه تارة ويلاطفه أخرى طلباً لصلاحه حتى إذا فرحوا بما أوتوا من الخير والنعم، لم يزيدوا على الفرح والبطر من غير انتداب لشكر ولا إقدام على اعتذار وتوبة، فلا جرم أخذناهم بغتة.

              { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ ٱللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ مَّنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ ٱنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ }

              قال ابو حيان فى بحره:
              { قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به } لما ذكر أولاً تهديدهم بإتيان العذاب أو الساعة كان ذلك أعظم من هذا التهديد، فأكد خطاب الضمير بحرف الخطاب فقيل أرأيتكم ولما كان هذا التهديد أخف من ذلك لم يؤكد به، بل اكتفى بخطاب الضمير فقيل { أرأيتم } وفي تلك وهذه الاستدلال على توحيد الله تعالى وأنه المتصرف في العالم الكاشف للعذاب والراد لما شاء بعد الذهاب، وأن آلهتهم لا تغني عنهم شيئاً

              وقال البقاعى فى تفسيره:

              ولما قدم التنبيه بإتيان مطلق العذاب في مطلق الأحوال، وكان الإتيان بالكاف ثَمَّ مشيراً مع إفادة التأكيد إلى أن ثَمَّ نوع مهلة، وأتبعه أن أخذ الأمم كان بغتة، أعقبه التنبيه بعذاب خاص تصورُ شناعته يهذأ الأركان ويقطع الكبود ويملأ الجنان، فإنه لا أشنع حالاً من أصم أعمى مجنون، فقال مشيراً - بإسقاط كاف الخطاب مع التعبير بالأخذ الذي عهد أنه للبغث بالسطوة والقهر - إلى غاية التحذير من سرعة أيّ الأخذ: { قل أرءيتم

              { قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَـٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلظَّٰلِمُونَ }
              قال ابو حيان فى بحره:
              هذا تهديد ثالث فالأول بأحد أمرين: العذاب والساعة، والثاني: بالأخذ والختم، والثالث: بالعذاب فقط.
              وقال البقاعى فى تفسيره:
              ولما قرن الأخذ بالبغت تارة صريحاً وتارة بإسقاط الكاف؛ كان ربما وقع في وهم السؤالُ عن حالة الجهر، أتبع ذلك ذكره مفصلاً لما أجمل من الأحوال في الآيتين قبل فقال: { قل أرءيتكم } ولما كان المعنى: أخبروني، وكان كأنه قيل: عما ذا؟ قيل: { إن أتاكم عذاب الله } أي الذي له جميع صفات الكمال فلا يعجزه شيء { بغتة } أي بحيث لا يرى إلا ملتبساً بكم من غير أن يشعر به ويظهر شيء من أماراته، { أو جهرة } أي بحيث ترونه مقبلاً إليكم مقدماً عليكم { هل }.

              { وَمَا نُرْسِلُ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ فَمَنْ ءَامَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} * { وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ ٱلْعَذَابُ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ }
              قال الرازى فى تفسيره:
              اعلم أنه تعالى حكى عن الكفار فيما تقدم أنهم قالوا
              { لَوْلاَ نُزّلَ عَلَيْهِ ءايَةٌ مّن رَّبّهِ }
              [الأنعام: 37] وذكر الله تعالى في جوابهم ما تقدم من الوجوه الكثيرة ثم ذكر هذه الآية والمقصود منها أن الأنبياء والرسل بعثوا مبشرين ومنذرين ولا قدرة لهم على إظهار الآيات وإنزال المعجزات، بل ذاك مفوض إلى مشيئة الله تعالى وكلمته وحكمته فقال: { وَمَا نُرْسِلُ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ } مبشرين بالثواب على الطاعات، ومنذرين بالعقاب على المعاصي، فمن قبل قولهم وأتى بالإيمان الذي هو عمل القلب والاصلاح الذي هو عمل الجسد { فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا يَمَسُّهُمُ ٱلْعَذَابُ


              { قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلاۤ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلاۤ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ }
              قال الرازى فى تفسيره:
              في الآية مسائل:

              المسألة الأولى: اعلم أن هذا من بقية الكلام على قوله
              { لَوْلاَ نُزّلَ عَلَيْهِ ءايَةٌ مّن رَّبّهِ }
              [الأنعام: 37] فقال الله تعالى قل لهؤلاء الأقوام، إنما بعثت مبشراً ومنذراً، وليس لي أن أتحكم على الله تعالى وأمره الله تعالى أن ينفي عن نفسه أموراً ثلاثة، أولها: قوله { لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَائِنُ ٱللَّهِ } فاعلم أن القوم كانوا يقولون له إن كنت رسولاً من عند الله، فاطلب من الله حتى يوسع علينا منافع الدنيا وخيراتها، ويفتح علينا أبواب سعادتها. فقال تعالى قل لهم إني لا أقول لكم عندي خزائن الله، فهو تعالى يؤتي الملك من يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء بيده الخير لا بيدي والخزائن جمع خزانة، وهو اسم للمكان الذي يخزن فيه الشيء وخزن الشيء إحرازه، بحيث لا تناله الأيدي. وثانيها: قوله { وَلا أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ } ومعناه أن القوم كانوا يقولون له إن كنت رسولاً من عند الله فلا بدّ وأن تخبرنا عما يقع في المستقبل من المصالح والمضار، حتى نستعد لتحصيل تلك المصالح، ولدفع تلك المضار. فقال تعالى: قل إني لا أعلم الغيب فكيف تطلبون مني هذه المطالب؟

              { وَأَنذِرْ بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ }
              قال الرازى فى تفسيره:
              اعلم أنه تعالى لما وصف الرسل بكونهم مبشرين ومنذرين، أمر الرسول في هذه الآية بالانذار فقال: { وَأَنذِرْ بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ }

              { وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ }
              قال ابن عاشور فى التحرير:
              عطف على قوله:
              { وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربّهم }
              [الأنعام: 51] لأنّه في معنى أنذرهم ولازمهم وإن كره ذلك متكبّرو المشركين. فقد أجريت عليهم هنا صلة أخرى هي أنسب بهذا الحكم من الصلة التي قبلها، كما أنّ تلك أنسبُ بالحكم الذي اقترنت معه منها بهذا، فلذلك لم يُسلك طريق الإضمار، فيقال: ولا تَطْردْهُم، فإنّ النبي صلى الله عليه وسلم جاء داعياً إلى الله فأولى الناس بملازمته الذين هجيّراهم دعاء الله تعالى بإخلاص فكيف يطردهم فإنّهم أولى بذلك المجلس، كما قال تعالى:
              { إنّ أولى الناس بإبراهيم للّذين اتَّبعوه }
              [آل عمران: 68].

              وقال الالوسي فى تفسيره:

              لما أمر النبـي صلى الله عليه وسلم بإنذار المذكورين لعلهم ينتظمون في سلك المتقين نهي عليه الصلاة والسلام عن كون ذلك بحيث يؤدي إلى طردهم؛ ويفهم من بعض الروايات أن الآيتين نزلتا معاً ولا يفهم ذلك من البعض الآخر، فقد أخرج أحمد والطبراني وغيرهما عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: «مر الملأ من قريش على النبـي صلى الله عليه وسلم وعنده صهيب وعمار وبلال وخباب ونحوهم من ضعفاء المسلمين فقالوا: يا محمد رضيت بهؤلاء من قومك أهؤلاء من الله تعالى عليهم من بيننا أنحن نكون تبعاً لهؤلاء اطردهم عنك فلعلك إن طردتهم أن نتبعك فأنزل الله تعالى فيهم القرآن { وَأَنذِرْ بِهِ ٱلَّذِينَ } [الأنعام: 51] إلى قوله سبحانه:
              { وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِٱلظَّـٰلِمِينَ }
              [الأنعام: 58].

              وقال البقاعى فى تفسيره:
              ولما أمره بدعاء من أعرض عنه ومجاهرته، أمره بحفظ من تبعه وملاطفته، فقال: { ولا تطرد الذين يدعون } ...

              ولما كان أكابر المشركين وأغنياؤهم قد وعدوه صلى الله عليه وسلم الاتباع إن طرد من تبعه ممن يأنفون من مجالستهم، وزهدوه فيهم بفقرهم وبأنهم غير مخلصين في اتباعه، إنما دعاهم إلى ذلك الحاجة؛ بين له تعالى أنه لا حظ له في طردهم ولا في اتباع أولئك بهذا الطريق إلا من جهة الدنيا التي هو مبعوث للتنفير عنها، فقال معللاً لما مضى أو مستأنفاً: { ما عليك } قدم الأهم عنده وهو تحمله { من حسابهم } وأغرق في النفي فقال: { من شيء } أي ليس لك إلا ظاهرهم، وليس عليك شيء من حسابهم، حتى تعاملهم بما يستحقون في الباطن من الطرد إن كانوا غير مخلصين { وما من حسابك } قدم أهم ما إليه أيضاً { عليهم من شيء } أي وليس عليهم شيء من حسابك فتخشى أن يحيفوا عليك فيه على تقدير غشهم، أو ليس عليك من رزقهم شيء فيثقلوا به عليك، وما من رزقك عليهم من شيء فيضعفوا عنه لفقرهم، بل الرازق لك ولهم الله؛

              وقال الرازى فى تفسيره:

              روي عن عبدالله بن مسعود أنه قال: مر الملأ من قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده صهيب وخباب وبلال وعمار وغيرهم من ضعفاء المسلمين، فقالوا: يا محمد أرضيت بهؤلاء عن قومك؟ أفنحن نكون تبعاً لهؤلاء؟ أطردهم عن نفسك، فلعلك إن طردتهم اتبعناك، فقال عليه السلام: " ما أنا بطارد المؤمنين " فقالوا فأقمهم عنا إذا جئنا، فإذا أقمنا فأقعدهم معك إن شئت، فقال «نعم» طمعاً في إيمانهم. وروي أن عمر قال له: لو فعلت حتى ننظر إلى ماذا يصيرون، ثم ألحوا وقالوا للرسول عليه السلام: أكتب لنا بذلك كتاباً فدعا بالصحيفة وبعلي ليكتب فنزلت هذه الآية، فرمى الصحيفة، واعتذر عمر عن مقالته، فقال سلمان وخباب: فينا نزلت، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقعد معنا وندنو منه حتى تمس ركبتنا ركبته، وكان يقوم عنا إذا أراد القيام، فنزل قوله
              { وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم }
              [الكهف: 28] فترك القيام عنا إلى أن نقوم عنه وقال: " الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن اصبر نفسي مع قوم من أمتي معكم المحيا ومعكم الممات

              ملحوظة

              ذكرنا الاية فى جواهر الضمائر فلتراجع هناك


              { وَكَذٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِّيَقُولوۤاْ أَهَـٰؤُلاۤءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِٱلشَّٰكِرِينَ}
              قال الرازى فى تفسيره:
              فيه مسائل:

              المسألة الأولى: أعلم أنه تعالى بيّـن في هذه الآية أن كل واحد مبتلى بصاحبه، فأولئك الكفار الرؤساء الأغنياء كانوا يحسدون فقراء الصحابة على كونهم سابقين في الإسلام مسارعين إلى قبوله فقالوا: لو دخلنا في الإسلام لوجب علينا أن ننقاد لهؤلاء الفقراء المساكين وأن نعترف لهم بالتبعية، فكان ذلك يشق عليهم. ونظيره قوله تعالى:
              { أءُلْقِىَ الذّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا }
              [القمر: 25]
              { لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ }
              [الأحقاف: 11] وأما فقراء الصحابة فكانوا يرون أولئك الكفار في الراحات والمسرات والطيبات والخصب والسعة، فكانوا يقولون كيف حصلت هذه الأحوال لهؤلاء مع أنا بقينا في هذه الشدة والضيق والقلة.

              فقال تعالى: { وَكَذٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ } فأحد الفريقين يرى الآخر متقدماً عليه في المناصب الدينية والفريق الآخر يرى الفريق الأول متقدماً عليه في المناصب الدنيوية

              وقال ابن عاشور فى التحرير:

              الواو استئنافية كما هي في نظائره. والجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً لأنّ السامع لمَّا شعر بقصّة أومأ إليها قوله تعالى:
              { ولا تطرد الذين يدعون ربَّهم }
              [الأنعام: 52] الآية يأخذه العجب من كبرياء عظماء أهل الشرك وكيف يرضَوْن البقاء في ضلالة تكبّراً عن غشيَان مجلس فيه ضعفاء الناس من الصالحين، فأجيب بأنّ هذا الخلق العجيب فتنة لهم خلقها الله في نفوسهم بسوء خلُقهم.

              تعليق

              • اسامة محمد خيري
                Registered User
                • Dec 2008
                • 12975

                #172
                { وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَٰمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوۤءًا بِجَهَٰلَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }

                قال الرازى فى تفسيره:

                في الآية مسائل:

                المسألة الأولى: اختلفوا في قوله { وَإِذَا جَاءكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِـئَايَـٰتِنَا } فقال بعضهم هو على إطلاقه في كل من هذه صفته. وقال آخرون: بل نزل في أهل الصفة الذين سأل المشركون الرسول عليه السلام طردهم وإبعادهم، فأكرمهم الله بهذا الإكرام. وذلك لأنه تعالى نهى الرسول عليه السلام أولاً عن طردهم، ثم أمره بأن يكرمهم بهذا النوع من الإكرام. قال عكرمة: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رآهم بدأهم بالسلام ويقول: «الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أبدأه بالسلام» وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أن عمر لما اعتذر من مقالته واستغفر الله منها. وقال للرسول عليه السلام، ما أردت بذلك إلا الخير نزلت هذه الآية. وقال بعضهم: بل نزلت في قوم أقدموا على ذنوب، ثم جاؤه صلى الله عليه وسلم مظهرين للندامة والأسف، فنزلت هذه الآية فيهم والأقرب من هذه الأقاويل أن تحمل هذه الآية على عمومها، فكل من آمن بالله دخل تحت هذا التشريف.

                ولي ههنا إشكال، وهو: أن الناس اتفقوا على أن هذه السورة نزلت دفعة واحدة، وإذا كان الأمر كذلك، فكيف يمكن أن يقال في كل واحدة من آيات السورة أن سبب نزولها هو الأمر الفلاني بعينه؟

                { وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ ٱلآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ ٱلْمُجْرِمِينَ } * { قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَآءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ }

                قال البقاعى فى تفسيره:

                ولما أتى في هذه السورة وما قبلها بما أتى من عجائب التفاصيل لجميع الأحوال متضمنة واضح الدلالات وباهر الآيات البينات، قال عاطفاً على { وكذلك فتنا } عطفاً للضد على ضده، فإن في الاختبار نوع خفاء: { وكذلك } أي ومثل الفتن بإيراد بعض ما فيه دقة وخفاء من بعض الوجوه لنضل من نشاء، فيتميز الضال من المهتدي { نفصل الآيات } التي نريد بيانها ليتضح سبيل المصلحين فيتبع { ولتستبين } أي تظهر ظهوراً بيناً { سبيل المجرمين * } فتجتنب، وخص هذا بالذكر وإن كان يلزم منه بيان الأول، لأن دفع المفاسد أهم.

                ولما كان محط حالهم في السؤال طرد الضعفاء قصد اتباع أهوائهم، أمره تعالى بأن يخبرهم أنه مباين لهم - لما بين له بالبيان الواضح من سوء عاقبة سبيلهم - مباينة لا يمكن معها اتباع أهوائهم، وهي المباينة في الدين فقال: { قل إني نهيت

                { قُلْ إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ يَقُصُّ ٱلْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْفَٰصِلِينَ }
                قال ابن عاشور فى التحرير:
                استئناف ابتدائي انتقل به الكلام من إبطال الشرك بدليل الوحي الإلهي المؤيِّد للأدلَّة السابقة إلى إثبات صدق الرسالة بدليل من الله مؤيِّد للأدلّة السابقة أيضاً، لييأسوا من محاولة إرجاع الرسول ـــ عليه الصلاة والسلام ـــ عن دعوته إلى الإسلام وتشكيكه في وحيه بقولهم: ساحر، مجنون، شاعر، أساطيرُ الأولين، ولييأسوا أيضاً من إدخال الشكّ عليه في صدق إيمان أصحابه، وإلقاء الوحشة بينه وبينهم بما حاولوا من طرده أصحابَه عن مجلسه حين حضور خصومه، فأمره الله أن يقول لهم إنَّه على يقين من أمر رَبِّه لا يتزعزعُ. وعطف على ذلك جواب عن شبهة استدلالهم على تكذيب الوعيد بما حلّ بالأمم من قبلهم بأنَّه لو كان صدقاً لعجّل لهم العذاب، فقد كانوا يقولون:
                { اللهم إن كان هذا هو الحقّ من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتِنا بعذاب أليم }
                [الأنفال: 32] ويقولون:
                { ربَّنا عجِّل لنا قطّنا قبل يوم الحساب }
                [ص: 16]، فقال الله لرسوله صلى الله عليه وسلم
                { قُل لو أنّ عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم }
                [الأنعام: 58]، وأكَّد الجملة بحرف التأكيد لأنَّهم ينكرون أن يكون على بيِّنه من ربِّه.

                وإعادة الأمر بالقول لتكرير الاهتمام الذي تقدّم بيانه عند قوله تعالى:
                { قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة }
                [الأنعام: 40].

                { قُل لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ ٱلأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِٱلظَّالِمِينَ }
                قال ابن عاشور فى التحرير:
                استئناف بياني لأنّ قوله:
                { ما عندي ما تستعجلون به }
                [الأنعام: 57] يثير سؤالاً في نفس السامع أن يقول: فلو كان بيدك إنزال العذاب بهم ماذا تصنع، فأجيب بقوله: { لَو أنّ عندي ما تستعجلون به } الآية

                { وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَٰتِ ٱلأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَٰبٍ مُّبِينٍ }
                قال ابو حيان فى بحره:

                } لما قال تعالى: إن الحكم إلا لله وقال هو أعلم بالظالمين بعد قوله { ما تستعجلون به } انتقل من خاص إلى عام وهو علم الله بجميع الأمور الغيبية، واستعارة للقدرة عليها المفاتح لما كانت سبباً للوصول إلى الشيء فاندرج في هذا العام ما استعجلوا وقوعه وغيره

                { وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّٰكُم بِٱلَّيلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَىٰ أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }
                قال ابن عاشور فى التحرير:
                عطف جملة { وهو الذي يتوفَّاكم } على جملة
                { وما تسقط من ورقة إلاّ يعلمها }
                [الأنعام: 59] انتقالاً من بيان سعة علمه إلى بيان عظيم قدرته لأنّ ذلك كلَّه من دلائل الإلهية تعليماً لأوليائه ونعياً على المشركين أعدائه. وقد جرت عادة القرآن بذكر دلائل الوحدانية في أنفس الناس عقب ذكر دلائلها في الآفاق فجمع ذلك هنا على وجه بديع مؤذن بتعليم صفاته في ضمن دليل وحدانيته. وفي هذا تقريب للبعث بعد الموت.

                { وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ } * { ثُمَّ رُدُّوۤاْ إِلَىٰ ٱللَّهِ مَوْلاَهُمُ ٱلْحَقِّ أَلاَ لَهُ ٱلْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ ٱلْحَاسِبِينَ }
                قال ابن عاشور فى التحرير:
                عطف على جملة
                { وهو الذي يتوفَّاكم }
                [الأنعام: 60]، وتقدّم تفسير نظيره آنفاً. والمناسبة هنا أنّ النوم والموت خلقهما الله فغلبا شِدّة الإنسان كيفما بلغت فبيَّن عقب ذكرهما أنّ الله هو القادر الغالب دون الأصنام. فالنوم قهر، لأنّ الإنسان قد يريد أن لا ينام فيغلبه النوم، والموت قهر وهو أظهر، ومن الكلم الحق: سبحان من قهر العباد بالموت

                { ثُمَّ رُدُّوۤاْ إِلَىٰ ٱللَّهِ مَوْلاَهُمُ ٱلْحَقِّ أَلاَ لَهُ ٱلْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ ٱلْحَاسِبِينَ }
                قال السمين الحلبى فى الدر المصون:

                والضمير في " مولاهم " فيه ثلاثة أوجه،

                أظهرهما: أنه للعباد في قوله { فَوْقَ عِبَادِهِ } فقوله: { وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم } التفاتٌ، إذا الأصل: ويرسل عليهم وفائدة هذا الالتفات التنبيهُ والإِيقاظ.

                والثاني: أنه يعود على الملائكة المعنيِّين بقوله: " رسلنا " ، يعني أنهم يموتون كما يموت بنو آدم ويُرَدُّون إلى ربهم.

                والثالث: أنه يعود على " أحد " في قوله: { إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ } إذ المراد به الجمع لا الإِفراد.
                { قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ مِّن ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَـٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ } * { قُلِ ٱللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ }
                قال ابو حيان فى بحره:
                لما تقدم ذكره دلائل على ألوهيته تعالى من العلم التام والقدرة الكاملة ذكر نوعاً من أثرهما وهو الإنجاء من الشدائد
                وقال الرازى فى تفسيره:
                اعلم أن هذا نوع آخر من الدلائل الدالة على كمال القدرة الإلهية، وكمال الرحمة والفضل والإحسان

                { قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ٱنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ }
                قال ابن عاشور فى التحرير:
                استئناف ابتدائي عُقّب به ذكرُ النعمة التي في قوله: { قل من يُنجّيكم } بذكر القدرة على الانتقام، تخويفاً للمشركين. وإعادة فعل الأمر بالقول مثل إعادته في نظائره للاهتمام المبيَّن عند قوله تعالى:
                { قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة }
                [الأنعام: 40]. والمعنى قل للمشركين، فالمخاطب بضمائر الخطاب هم المشركون. والمقصود من الكلام ليس الإعلام بقدرة الله تعالى فإنَّها معلومة، ولكن المقصود التهديد بتذكيرهم بأنّ القادر من شأنه أن يُخاف بأسُه فالخبر مستعمل في التعريض مجازاً مرسلاً مركّباً، أو كناية تركيبية. وهذا تهديد لهم، لقولهم
                { لولا أنزل عليه آية من ربِّه }
                [يونس: 20].
                وقال الرازى فى تفسيره:
                اعلم أن هذا نوع آخر من دلائل التوحيد وهو ممزوج بنوع من التخويف فبين كونه تعالى قادراً على إيصال العذاب إليهم من هذه الطرق المختلفة،

                تعليق

                • اسامة محمد خيري
                  Registered User
                  • Dec 2008
                  • 12975

                  #173
                  { وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ ٱلْحَقُّ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ } * { لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ }
                  قال ابن عاشور فى التحرير:
                  عطف على
                  { انظر كيف نُصَرّفُ الآيات }
                  [الأنعام: 65]، أي لعلَّهم يفقهون فلم يفقهوا وكذّبوا. وضمير { به } عائد إلى العذاب في قوله
                  { على أن يبعث عليكم عَذَاباً }
                  [الأنعام: 65]، وتكذيبهم به معناه تكذيبهم بأنّ الله يعذّبهم لأجل إعراضهم...

                  ويجوز أن يكون ضمير به عائداً إلى القرآن، فيكون قوله: { وكذّب به } رجوعاً بالكلام إلى قوله
                  { قل إنِّي على بيِّنة من ربِّي وكذّبتم به }
                  [الأنعام: 57]، أي كذّبتم بالقرآن، على وجه جعل (مِنْ) في قوله:
                  { من ربِّي }
                  [الأنعام: 57] ابتدائية كما تقدّم، أي كذّبتم بآية القرآن وسألتم نزولَ العذاب تصديقاً لرسالتي وذلك ليس بيدي. ثم اعتُرض بجمل كثيرة. أولاها:
                  { وعنده مفاتح الغيب }
                  [الأنعام: 59]، ثم ما بعده من التعريض بالوعيد، ثم بنى عليه قوله: { وكذّب به قومك وهو الحقّ } فكأنّه قيل: قل إنّي على بيّنة من ربّي وكذّبتم به وهو الحقّ قُل لست عليكم بوكيل.

                  وقال البقاعى فى تفسيره:

                  ولما كانوا بصدد أن يقولوا تهكماً: كن كذلك، فلا علينا منك! قال مهدداً: { لكل } وأشار إلى جلالة خبره بقوله: { نبإٍ } أي خبر أخبرتكم به من هذه الأخبار العظيمة، ومعنى { مستقر } موضع ووقت قرار من صدق أو كذب، أي لا بد أن يحط الخبر على واحد منهما، لا ينفك خبر من الأخبار عن ذلك { وسوف تعلمون* } أي محط خبره العظيم بوعد صادق لا خلف فيه وإن تأخر وقوعه.

                  { وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيۤ ءَايَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيْطَٰنُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ }
                  قال الرازى فى تفسيره:
                  اعلم أنه تعالى قال في الآية الأولى: { وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ ٱلْحَقُّ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ } فبين به أن الذين يكذبون بهذا الدين فإنه لا يجب على الرسول أن يلازمهم وأن يكون حفيظاً عليهم ثم بين في هذه الآية أن أولئك المكذبين إن ضموا إلى كفرهم وتكذيبهم الاستهزاء بالدين والطعن في الرسول فإنه يجب الاحتراز عن مقارنتهم وترك مجالستهم،

                  وقال ابن عاشور فى التحرير:
                  عطف على جملة
                  { وكذّب به قومك }
                  [الأنعام: 66]. والعدول عن الإتيان بالضمير إلى الإتيان بالاسم الظاهر وهو اسم الموصول، فلم يقل: وإذا رأيتهم فأعرض عنهم، يدلّ على أنّ الذي يخوضون في الآيات فريق خاص من القوم الذين كذّبوا بالقرآن أو بالعذاب. فعُمُوم القوم أنكروا وكذّبوا دون خَوض في آيات القرآن، فأولئك قسم، والذين يخوضون في الآيات قسم كان أبذَى وأقذَع، وأشدّ كفراً وأشنع، وهم المتصدّون للطعن في القرآن. وهؤلاء أُمِر الرسول صلى الله عليه وسلم بالإعراض عن مجادلتهم وترك مجالسهم حتَّى يرعُووا عن ذلك. ولو أمر الرسول ـــ عليه الصلاة والسلام ـــ بالإعراض عن جميع المكذّبين لتعطَّلت الدّعوة والتبليغ.

                  { وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَلَـٰكِن ذِكْرَىٰ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } * { وَذَرِ الَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَآ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ }

                  قال الرازى فى تفسيره:

                  قال ابن عباس: قال المسلمون لئن كنا كلما استهزأ المشركون بالقرآن وخاضوا فيه قمنا عنهم لما قدرنا على أن نجلس في المسجد الحرام وأن نطوف بالبيت، فنزلت هذه الآية وحصلت الرخصة فيها للمؤمنين بأن يقعدوا معهم ويذكرونهم ويفهمونهم. قال ومعنى الآية: { وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ } الشرك والكبائر والفواحش { مِنْ حِسَابِهِم } من آثامهم { مّن شَىْء وَلَـٰكِن ذِكْرَىٰ } قال الزجاج: قوله { ذِكْرَى } يجوز أن يكون في موضع رفع، وأن يكون في موضع نصب. أما كونه في موضع رفع فمن وجهين: الأول: ولكن عليكم ذكرى أي أن تذكروهم وجائز أن يكون ولكن الذي تأمرونهم به ذكرى، فعلى الوجه الأولى الذكرى بمعنى التذكير، وعلى الوجه الثاني الذكرى تكون بمعنى الذكر وأما كونه في موضع النصب، فالتقدير ذكروهم ذكرى لعلهم يتقون. والمعنى لعل ذلك الذكرى يمنعهم من الخوض في ذلك الفضول.

                  قوله تعالى: { وَذَرِ الَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَذَكّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِىٌّ وَلاَ شَفِيعٌ وَإِن تعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَآ أوْلـَٰئكَ ٱلذينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُواْ لَهُمُ شَرَابٌ مِنْ حَميمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِمَا كانواْ يَكفُرُونَ }

                  اعلم أن هؤلاء هم المذكورون بقوله: { ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِى ءايَـٰتِنَا } ومعنى { ذَرْهُمْ } أعرض عنهم وليس المراد أن يترك إنذارهم لأنه تعالى قال بعده: { وَذَكّرْ بِهِ } ونظيره قوله تعالى: { أُولَـئِكَ ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِى قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ } والمراد ترك معاشرتهم وملاطفتهم ولا يترك إنذارهم وتخويفهم.

                  وقال ابن عاشور فى التحرير:

                  وقوله: { ولكن ذكرى } عطفت الواو الاستدراكَ على النفي، أي ما عليهم شيء من حسابهم ولكن عليهم الذكرى. والذكرى اسم مصدر ذكَّر ـــ بالتشديد ـــ بمعنى وعظ، كقوله تعالى:
                  { تبصرة وذكرى لكلّ عبد منيب }
                  [ق: 8]، أي عليهم إن سمعُوهم يستهزئون أن يعظُوهم ويُخوّفوهم غضب الله فيجوز أن يكون { ذكرى } منصوباً على المفعول المطلق الآتي بدلاً من فعله. والتقدير: ولكن يُذكّرونهم ذكرى. ويجوز أن يكون ذكرى مرفوعاً على الابتداء، والتقدير: ولكن عليهم ذكرى.
                  وضمير { لعلَّهم يتَّقون } عائد إلى ما عاد إليه ضمير { حسابهم } أي لعلّ الذين يخوضون في الآيات يتَّقون، أي يتركون الخوض. وعلى هذا فالتقوى مستعملة في معناها اللغوي دون الشرعي. ويجوز أن يكون الضمير عائداً إلى { الذين يتَّقون } ، أي ولكن عليهم الذكرى لعلَّهم يتَّقون بتحصيل واجب النهي عن المنكر أو لعلَّهم يستمرّون على تقواهم.

                  وعن الكسائي: المعنى ولكن هذه ذكرى، أي قوله:
                  { وإمَّا ينسينَّك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين }
                  [الأنعام: 68] تذكرة لك وليست مؤاخذة بالنسيان، إذ ليس على المتَّقين تبعة سماع استهزاء المستهزئين ولكنّا ذكَّرناهم بالإعراض عنهم لعلَّهم يتَّقون سماعهم.

                  والجمهور على أنّ هذه الآية ليست بمنسوخة. وعن ابن عبَّاس والسدّي أنَّها منسوخة بقوله تعالى في سورة [النساء: 140]
                  { وقد نزّل عليكم في الكتاب أنْ إذا سمعتم آيات الله يُكْفَرُ بها ويُستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتَّى يخُوضُوا في حديث غيره إنَّكم إذن مثلهم }
                  بناء على رأيهم أنّ قوله:
                  { وما على الذين يتَّقون من حسابهم من شيء }
                  [النساء: 140] أباح للمؤمنين القعود ولم يمنعه إلاّ على النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:
                  { وإذا رأيتَ الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم }
                  [الأنعام: 68] كما تقدّم آنفاً.

                  { وَذَرِ الَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا }

                  قال ابن عاشور فى التحرير:
                  عطف على جملة:
                  { فأعرض عنهم }
                  [الأنعام: 68] أو على جملة:
                  { وما على الذين يتّقون من حسابهم من شيء }
                  [الأنعام: 69]. وهذا حكم آخر غير حكم الإعراض عن الخائضين في آيات الله ولذلك عطف عليه. وأتي بموصول وصلة أخرى فليس ذلك إظهاراً في مقام الإضمار...والذين اتَّخذوا دينهم لعباً ولهواً فريق عُرفوا بحال هذه الصلة واختصّت بهم، فهم غير المراد من الذين يخوضون في الآيات بل بينهم وبين الذين يخوضون في الآيات؛ فيجوز أن يكون المراد بهم المشركين كلَّهم بناء على تفسير الدين بالملَّة والنِّحلة فهم أعمّ من الذين يخوضون فبينهم العموم والخصوص المطلق.
                  { قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَىٰ أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا ٱللَّهُ كَٱلَّذِي ٱسْتَهْوَتْهُ ٱلشَّيَاطِينُ فِي ٱلأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى ٱلْهُدَى ٱئْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } * { وَأَنْ أَقِيمُواْ ٱلصَّلٰوةَ وَٱتَّقُوهُ وَهُوَ ٱلَّذِيۤ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ }
                  قال الرازى فى تفسيره:
                  اعلم أن المقصود من هذه الآية الرد على عبدة الأصنام وهي مؤكدة لقوله تعالى قبل ذلك: { قُلْ إِنّى نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } فقال: { قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ

                  وقال الالوسي فى تفسيره:

                  وقوله تعالى: { وَأَنْ أَقِيمُواْ ٱلصَّلٰوةَ وَٱتَّقُوهُ } أي الرب في مخالفة أمره سبحانه بتقدير حرف الجر وهو عطف على الجار والمجرور السابق، وقد صرح بدخول أن المصدرية على الأمر سيبويه وجماعة، وجوز أن يعطف { أَنْ أَقِيمُواْ } على موضع
                  { لِنُسْلِمَ }
                  [الأنعام: 71] كأنه قيل: أمرنا أن نسلم وأن أقيموا. وقيل: العطف على مفعول الأمر المقدر أي أمرنا بالإيمان وإقامة الصلاة، وقيل: على قوله تعالى:
                  { إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ }
                  [الأنعام: 71] الخ أي قل لهم إن هدى الله هو الهدى وأن أقيموا، وقيل: على
                  { ٱئْتِنَا }
                  [الأنعام: 71]، وقيل: غير ذلك. وذكر الإمام أنه كان الظاهر أن يقال: أمرنا لنسلم ولأن نقيم إلا أنه عدل لما ذكر للإيذان «بأن الكافر ما دام كافراً كان كالغائب الأجنبي فخوطب بما خوطب به الغُيَّب وإذا أسلم ودخل في زمرة المؤمنين صار كالقريب الحاضر فخوطب بما يخاطب به الحاضرون».

                  { وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ قَوْلُهُ ٱلْحَقُّ وَلَهُ ٱلْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ }
                  قال الرازى فى تفسيره:
                  اعلم أنه تعالى لما بين في الآيات المتقدمة فساد طريقة عبدة الأصنام، ذكر ههنا ما يدل على أنه لا معبود إلا الله وحده وهو هذه الآية، وذكر فيها أنواعاً كثيرة من الدلائل. أولها: قوله { وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ }

                  وقال ابن عاشور فى التحرير:

                  وقد أشكل نظم قوله: { ويوم يقول كن فيكون قوله الحقّ } ، وذهب فيه المفسّرون طرائق. والوجه أنّ قوله { ويوم يقول كن فيكون } ظرف وقع خبره مقدّماً للاهتمام به، والمبتدأ هو { قوله } ويكون { الحق } صفة للمتبدأ. وأصل التركيب: وقوله الحقّ يومَ يقول: كن فيكون. ونكتة الاهتمام بتقديم الظرف الردّ على المشركين المنكرين وقوع هذا التكوين بعد العدم.

                  { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّيۤ أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ } * { وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ } * { فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ } * { فَلَمَّآ رَأَى ٱلْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّالِّينَ } * { فَلَماَّ رَأَى ٱلشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي هَـٰذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ يٰقَوْمِ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ } * { إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ }

                  قال ابوحيان فى بحره:

                  { وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناماً آلة إني أراك وقومك في ضلال مبين }.

                  لما ذكر قوله تعالى:
                  { قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا }
                  [الأنعام: 71] ناسب ذكر هذه الآية هنا وكان التذكار بقصة ابراهيم عليه السلام مع أبيه وقومه أنسب لرجوع العرب إليه إذ هو جدّهم الأعلى فذكروا بأن إنكار هذا النبي محمد صلى الله عليه وسلم عليكم عبادة الأصنام هو مثل إنكار جدّكم ابراهيم على أبيه وقومه عبادتها وفي ذلك التنبيه على اقتفاء من سلف من صالحي الآباء والأجداد وهم وسائر الطوائف معظمون لإبراهيم عليه السلام...

                  { وكذلك نري إبراهيم ملكوت السمٰوات والأرض } هذه جملة اعتراض بين قوله: { وإذ قال إبراهيم } منكراً على أبيه عبادة الأصنام وبين جملة الاستدلال عليهم بإفراد المعبود

                  وقال الرازى فى تفسيره:

                  الكاف» في كذلك للتشبيه، وذلك إشارة إلى غائب جرى ذكره والمذكور ههنا فيما قبل هو أنه عليه السلام استقبح عبادة الأصنام، وهو قوله: { إِنّى أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ } والمعنى: ومثل ما أريناه من قبح عبادة الأصنام نريه ملكوت السموات والأرض.

                  وقال ابو حيان فى بحره:

                  { فلما جن عليه الليل رأى كوكباً فقال هذا ربي }.

                  هذه الجملة معطوفة على قوله: { وإذ قال إبراهيم } على قول من جعل { وكذلك نري } اعتراضاً وهو قول الزمخشري. قال ابن عطية: الفاء في قوله { فلما } رابطة جملة ما بعدها بما قبلها وهي ترجح أن المراد بالملكوت هو هذا التفصيل الذي في هذه الآية، وقال الزمخشري: كان أبوه وقومه يعبدون الأصنام والشمس والقمر والكواكب فأراد أن ينبههم على الخطأ في دينهم وأن يرشدهم إلى طريق النظر والاستدلال، ويعرفهم أن النظر الصحيح مؤدٍ إلى أن شيئاً منها لا يصح أن يكون إلهاً لقيام دليل الحدوث فيها وأن وراءها محدثاً أحدثها وصانعاً صنعها ومدبراً دبر طلوعها وأفولها وانتقالها ومسيرها وسائر أحوالها والكوكب الزهرة، قاله ابن عباس وقتادة، أو المشتري، قاله مجاهد والسدي وهو رباعي والواو فيه أصل وتكررت فيه الفاء فوزنه فعفل نحو قوقل وهو تركيب قليل، والظاهر أن جواب { لما رأى كوكباً } وعلى هذا جوزوا في { قال هذا ربي } أن يكون نعتاً للكوكب وهو مشكل أو مستأنفاً وهو الظاهر ويجوز أن يكون الجواب { قال هذا ربي } و { رأى كوكباً } حال أي جن عليه الليل رائياً كوكباً وهذا ربي الظاهر أنها جملة خبرية، وقيل هي استفهامية على جهة الإنكار

                  وقال ابن عاشور فى التحرير:

                  ووجه الاستدلال بالأفوال على عدم استحقاق الإلهية أنّ الأفول مغيب وابتعاد عن الناس، وشأن الإله أن يكون دائم المراقبة لتدبير عباده فلمَّا أفلّ النجم كان في حالة أفوله محجوباً عن الاطِّلاع على النَّاس، وقد بنَى هذا الاستدلال على ما هو شائع عند القوم من كون أفول النجم مغيباً عن هذا العالم، يعني أنّ ما يغيب لا يستحقّ أنْ يُتَّخذ إلهاً لأنَّه لا يغني عن عباده فيما يحتاجونه حين مغيبه. وليس الاستدلال منظوراً فيه إلى التغيّر لأنّ قومه لم يكونوا يعلمون الملازمة بين التغيّر وانتفاء صفة الإلهية، ولأنّ الأفول ليس بتغيّر في ذات الكوكب بل هو عَرَض للأبصار المشاهِدة له، أمَّا الكوكب فهو باق في فلكه ونظامه يغيب ويعود إلى الظهور وقوم إبراهيم يعلمون ذلك فلا يكون ذلك مقنعاً لهم.

                  ولأجل هذا احتجّ بحالة الأفول دون حالة البزوغ فإنّ البزوغ وإن كان طرأ بعد أفول لكنْ الأفول السابقُ غيرُ مشاهد لهم فكان الأفول أخصر في الاحتجاج من أن يقول: إنّ هذا البازغ كان من قَبلُ آفِلاً....

                  وقوله: { فلَّما أفل قال لَئن لم يهدني ربِّي لأكونَنّ من القوم الضالِّين } قصد به تنبيه قومه للنظر في معرفة الربّ الحقّ وأنَّه واحد، وأنّ الكوكب والقمر كليهما لا يستحقَّان ذلك مع أنَّه عَرّض في كلامه بأنّ له ربّا يهديه وهم لا ينكرون عليه ذلك لأنَّهم قائلون بعدّة أرباب. وفي هذا تهيئة لنفوس قومه لما عزم عليه من التصريح بأنّ له ربّاً غير الكواكب. ثم عَرّض بقومه أنَّهم ضالّون وهيّأهم قبل المصارحة للعلم بأنَّهم ضالّون، لأنّ قوله: { لأكونَنّ من القوم الضالّين } يُدخِل على نفوسهم الشكّ في معتقدهم أن يكون ضلالاً، ولأجل هذا التعريض لم يقل: لأكوننّ ضالاّ، وقال { لأكوننّ من القوم الضالّين } ليشير إلى أنّ في النَّاس قوماً ضالّين، يعني قومه.

                  وإنَّما تريَّث إلى أفول القمر فاستدلّ به على انتفاء إلهيته ولم ينفها عنه بمجرّد رؤيته بازغاً مع أنّ أفوله محقّق بحسب المعتاد لأنَّه أراد أن يقيم الاستدلال على أساس المشاهدة على ما هو المعروف في العقول لأنّ المشاهدة أقوى.

                  وقال ابو حيان فى بحره:

                  { فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون } أي من الأجرام التي تجعلونها شركاء لخالقها، ولما أفلت الشمس لم يبق لهم شيء يمثل لهم به وظهرت حجته وقوي بذلك على منابذتهم تبرأ من إشراكهم، وقال الماتريدي: الاختيار أن يقال: استدل على عدم صلاحيتها للإلهية لغلبة نور القمر نور الزهرة ونور الشمس لنوره وقهرتيك بذاك وهذا بتلك، والرب لا يقهر والظلام غلب نور الشمس وقهره انتهى ملخصاً. قال ابن أبي الفضل: ما جاء الظلام إلا بعد ذهاب الشمس فلم يجتمع معها حتى يقال قهرها وقهر نورها انتهى، وقال غيره من المفسرين: إنه استدل بما ظهر عليها من شأن الحدوث والانتقال من حال إلى حال وذلك من صفات الأجسام فكأنه يقول: إذا بان في هذه النيرات الرفيعة أنها لا تصلح للربوبية فأصنامكم التي من خشب وحجارة أحرى أن يتبين ذلك فيها ومثل لهم بهذه النيرات لأنهم كانوا أصحاب نظر في الأفلاك وتعلق بالنجوم وأجمع المفسرون على أن رؤية هذه النيرات كانت في ليلة واحدة، رأى الكوكب الزهرة أو المشتري على الخلاف السابق جانحاً للغروب فلما أفل بزغ القمر فهو أول طلوعه فسرى الليل أجمع فلما بزغت الشمس زال ضوء القمر قبلها لانتشار الصباح وخفى نوره ودنا أيضاً من مغربه، فسمي ذلك أفولاً لقربه من الأفول التام على تجوز في التسمية ثم بزغت الشمس على ذلك، قال ابن عطية: وهذا الترتيب يستقيم في الليلة الخامسة عشر من الشهر إلى ليلة عشرين، وليس يترتب في ليلة واحدة كما أجمع أهل التفسير إلا في هذه الليالي وبذلك التجوز في أفول القمر؛ انتهى، والظاهر والذي عليه المفسرون أن المراد من الكوكب والقمر والشمس هو ما وضعته له العرب من إطلاقها على هذه النيرات،

                  تعليق

                  • اسامة محمد خيري
                    Registered User
                    • Dec 2008
                    • 12975

                    #174
                    { وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَٰجُّوۤنِّي فِي ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَآءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ }
                    قال الرازى فى تفسيره:
                    اعلم أن إبراهيم عليه السلام لما أورد عليهم الحجة المذكورة، فالقوم أوردوا عليه حججاً على صحة أقوالهم، منها أنهم تمسكوا بالتقليد كقولهم:
                    { إِنَّا وَجَدْنَا ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ }
                    [الزخرف: 23] وكقولهم للرسول عليه السلام:
                    { أَجَعَلَ ٱلأَلِهَةَ إِلَـٰهاً وٰحِداً إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْء عُجَابٌ }
                    [صۤ: 5] ومنها: أنهم خوفوه بأنك لما طعنت في إلهية هذه الأصنام وقعت من جهة هذه الأصنام في الآفات والبليّات، ونظيره ما حكاه الله تعالى في قصة قوم هود:
                    { إِن نَّقُولُ إِلاَّ ٱعْتَرَاكَ بَعْضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوءٍ }
                    [هود: 54] فذكروا هذا الجنس من الكلام مع إبراهيم عليه السلام.

                    { وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَٰناً فَأَيُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِٱلأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ }
                    قال ابن عاشور فى التحرير:
                    عُطفت جملة { وكيف أخاف } على جملة:
                    { ولا أخاف ما تشركون به }
                    [الأنعام: 80] ليبيّن لهم أنّ عدم خوفه من آلهتهم أقلّ عجباً من عدم خوفهم من الله تعالى، وهذا يؤذن بأنّ قومه كانوا يعرفون الله وأنَّهم أشركوا معه في الإلهية غيره فلذلك احتجّ عليهم بأنّهم أشركوا بربّهم المعتَرف به دون أن يُنَزّل عليهم سلطاناً بذلك.

                    { ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوۤاْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلأَمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ }
                    قال ابن عاشور فى التحرير:
                    هذه الجملة من حكاية كلام إبراهيم على ما ذهب إليه جمهور المفسِّرين فيكون جواباً منه عن قوله:
                    { فأيّ الفريقين أحقّ بالأمن }
                    [الأنعام: 81]. تولّى جوابَ استفهامه بنفسه ولم ينتظر جوابهم لكون الجواب ممَّا لا يسع المسؤول إلاّ أن يجيب بمثله، وهو تبكيت لهم. قال ابن عبَّاس: كما يسأل العالم ويُجيبُ نفسه بنفسه، أي بقوله: «فإن قلتَ قلتُ». وقد تقدّمت نظائره في هذه السورة.

                    وقيل: ليس ذلك من حكاية كلام إبراهيم، وقد انتهى قول إبراهيم عند قوله
                    { إن كنتم تعلمون }
                    [الأنعام: 81] بل هو كلام مستأنف من الله تعالى لابتداء حكم، فتكون الجملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً تصديقاً لقول إبراهيم.

                    وقيل: هو حكاية لكلام صدر من قوم إبراهيم جواباً عن سؤال إبراهيم
                    { فأيّ الفريقين أحقّ بالأمن }
                    [الأنعام: 81]. ولا يصحّ لأنّ الشأن في ذلك أن يقال: قال الذين آمنوا الخ، ولأنَّه لو كان من قول قومه لما استمرّ بهم الضلال والمكابرة إلى حدّ أن ألقَوا إبراهيم في النّار.

                    { وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَٰتٍ مَّن نَّشَآءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ }
                    قال ابن عاشور فى التحرير:
                    عطف على جملة
                    { وحاجّه قومه }
                    [الأنعام: 80]. و { تلك } إشارة إلى جميع ما تكلّم به إبراهيم في محاجَّة قومه، وأتي باسم إشارة المؤنّث لأنّ المشار إليه حجّة فأخبر عنه بحجّة فلمَّا لم يكن ثمَّة مشار إليه محسوس تعيّن أن يعتبر في الإشارة لفظ الخبر لا غير، كقوله تعالى:
                    { تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض }
                    [البقرة: 253]. وإضافة الحجّة إلى اسم الجلالة للتّنويه بشأنها وصحَّتها.

                    { وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحاً هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ } * { وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ } * { وَإِسْمَاعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى ٱلْعَالَمِينَ } * { وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَٱجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } * { ذٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }
                    قال الرازى فى تفسيره:
                    في الآية مسائل:

                    المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما حكى عن إبراهيم عليه السلام أنه أظهر حجة الله تعالى في التوحيد ونصرها وذب عنها عدد وجوه نعمه وإحسانه عليه. فأولها: قوله: { وَتِلْكَ حُجَّتُنَا ءاتَيْنَـٰهَا إِبْرٰهِيمَ } والمراد إنا نحن آتيناه تلك الحجة وهديناه إليها وأوقفنا عقله على حقيقتها. وذكر نفسه باللفظ الدال على العظمة وهو كناية الجمع على وفق ما يقوله عظماء الملوك. فعلنا، وقلنا، وذكرنا. ولما ذكر نفسه تعالى ههنا باللفظ الدال على العظمة وجب أن تكون تلك العظمة عظمة كاملة رفيعة شريفة، وذلك يدل على أن إيتاء الله تعالى إبراهيم عليه السلام تلك الحجة من أشرف النعم، ومن أجل مراتب العطايا والمواهب. وثانيها: أنه تعالى خصه بالرفعة والاتصال إلى الدرجات العالية الرفيعة. وهي قوله: { نَرْفَعُ دَرَجَـٰتٍ مَّن نَّشَاء } وثالثها: أنه جعله عزيزاً في الدنيا، وذلك لأنه تعالى جعل أشرف الناس وهم الأنبياء والرسل من نسله، ومن ذريته وأبقى هذه الكرامة في نسله إلى يوم القيامة، لأن من أعظم أنواع السرور علم المرء بأنه يكون من عقبه الأنبياء والملوك، والمقصود من هذه الآيات تعديد أنواع نعم الله على إبراهيم عليه السلام جزاء على قيامه بالذب عن دلائل التوحيد، فقال: { وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَـٰقَ } لصلبه { وَيَعْقُوبَ } بعده من إسحق.

                    فإن قالوا: لم لم يذكر إسمعيل عليه السلام مع إسحق، بل أخر ذكره عنه بدرجات؟ قلنا: لأن المقصود بالذكر ههنا أنبياء بني إسرائيل، وهم بأسرهم أولاد إسحق ويعقوب. وأما إسمعيل فإنه ما خرج من صلبه أحد من الأنبياء إلا محمد صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز ذكر محمد عليه الصلاة والسلام في هذا المقام، لأنه تعالى أمر محمداً عليه الصلاة والسلام أن يحتج على العرب في نفي الشرك بالله بأن إبراهيم لما ترك الشرك وأصر على التوحيد رزقه الله النعم العظيمة في الدين والدنيا، ومن النعم العظيمة في الدنيا أن آتاه الله أولاداً كانوا أنبياء وملوكاً، فإذا كان المحتج بهذه الحجة هو محمد عليه الصلاة والسلام امتنع أن يذكر نفسه في هذا المعرض، فلهذا السبب لم يذكر إسمعيل مع إسحق.

                    { أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـٰؤُلاۤءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ }
                    قال الرازى فى تفسيره:
                    اعلم أن قوله: { أُوْلَـٰئِكَ } إشارة إلى الذين مضى ذكرهم قبل ذلك وهم الأنبياء الثمانية عشر الذين ذكرهم الله تعالى قبل ذلك، ثم ذكر تعالى أنه آتاهم الكتاب والحكم والنبوة.

                    أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَىٰ لِلْعَالَمِينَ }
                    قال الالوسي فى تفسيره:
                    { أُوْلَـٰئِكَ } أي الأنبياء المذكورون كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما والسدي وابن زيد، وقيل: الإشارة إلى المؤمنين الموكلين وروى ذلك عن الحسن وقتادة ولا يخفى ما فيه

                    { وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَٰبَ ٱلَّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَىٰ نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ مَّا لَمْ تَعْلَمُوۤاْ أَنتُمْ وَلاَ ءَابَآؤُكُمْ قُلِ ٱللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ }
                    قال ابن عاشور فى التحرير:
                    وجود واو العطف في صدر هذه الجملة ينادي على أنّها نزلت متناسقة مع الجمل الّتي قبلها، وأنّها وإيّاها واردتان في غرض واحد هو إبطال مزاعم المشركين، فهذا عطف على جملة
                    { فإن يكفر بها هؤلاء }
                    [الأنعام: 89]، وأنّها ليست ابتدائيّة في غرض آخر. فواو الضّمير في قوله { قدروا } عائد على ما عاد إليه اسم الإشارة في قوله:
                    { هؤلاء }
                    [الأنعام: 89] كما علمت آنفاً. ذلك أنّ المشركين لمّا استشعروا نهوض الحجّة عليهم في نزول القرآن بأنّه ليس بِدعاً ممّا نزل على الرّسل، ودحضَ قولهم:
                    { لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيراً }
                    [الفرقان: 7] توغّلوا في المكابرة والجحود فقالوا { ما أنزل الله على بشر من شيء } وتجاهلوا ما كانوا يقولونه عن إبراهيم ـــ عليه السّلام ـــ وما يعلمونه من رسالة موسى ـــ عليه السلام ـــ وكتابه. فروى الطبري عن ابن عبّاس ومجاهد: أنّ قائل ذلك هم المشركون من قريش.

                    وقد جاءت هذه الآية في هذا الموقع كالنتيجة لما قبلها من ذكر الأنبياء وما جاءوا به من الهدى والشّرائع والكتب، فلا جرم أنّ الّذين قالوا: ما أنزل الله على بشر من شيء، قد جاءوا إفكاً وزوراً وأنكروا ما هو معلوم في أجيال البشر بالتّواتر. وهذه الجملة مثل ما حكاه الله عنهم في قوله:
                    { وقال الّذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالّذي بين يديه }
                    [سبأ: 31]. ومن أئمّة التّفسير من جعل هذا حكاية لقول بعض اليهود، واختلفوا في أنّه معيّن أو غير معيّن، فعن ابن عبّاس أيضاً، وسعيد بن جبير، والحسن، والسديّ: أنّ قائل { ما أنزل الله على بشر من شيء } بعض اليهود وروي عن سعيد بن جبير وعكرمة أنّ قائل ذلك مالك بن الصيف القُرظي وكان من أحبار اليهود بالمدينة، وكان سميناً وأنّه جاء يخاصم النّبيء صلى الله عليه وسلم فقال له النّبيء " أنشدك بالّذي أنزل التّوراة على موسى أمَا تجد في التّوراة أنّ الله يبغض الحَبر السمين " فغضب وقال: والله ما أنزل الله على بشر من شيء. وعن السُدّي: أنّ قائله فِنْحاص اليهودي. ومحمل ذلك كلّه على أنّ قائل ذلك منهم قاله جهلاً بما في كتبهم فهو من عامّتهم، أو قاله لجاجاً وعِناداً. وأحسب أنّ هذه الرّوايات هي الّتي ألجأت رواتها إلى ادّعاء أنّ هذه الآيات نزلت بالمدينة، كما تقدّم في الكلام على أوّل هذه السورة.

                    وعليه يكون وقع هذه الآيات في هذا الموقع لمناسبة قوله:
                    { أولئك الّذين آتيناهم الكتاب }
                    [الأنعام: 89] الآية، وتكون الجملة كالمعترضة في خلال إبطال حجاج المشركين

                    وقال ابو حيان فى بحره:
                    ولما ذكر تعالى عن إبراهيم دليل التوحيد وتسفيه، رأى أهل الشرك وذكر تعالى ما منّ به على إبراهيم من جعل النبوّة في بنيه وأن نوحاً عليه السلام جدّه الأعلى كأن الله تعالى قد هداه وكان مرسلاً إلى قومه وأمر تعالى الرسول بالاقتداء بهدى الأنبياء أخذ في تقرير النبوّة والردّ على منكريّ الوحي فقال تعالى: { وما قدروا الله حق قدره }

                    { وَهَـٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلْنَٰهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ }
                    قال ابن عاشور فى التحرير:
                    { وهذا كتاب } عطف على جملة
                    { قل الله }
                    [الأنعام: 91]، أي وقل لهم الله أنزل الكتاب على موسى وهذا كتاب أنزلناه. والإشارة إلى القرآن لأنّ المحاولة في شأنه من ادّعائهم نفي نزوله من عند الله، ومن تبكيتهم بإنزال التّوراة، يجعل القرآن كالحاضر المشاهد، فأتي باسم الإشارة لزيادة تمييزه تقوية لحضوره في الأذهان.


                    { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنَزلَ ٱللَّهُ وَلَوْ تَرَىۤ إِذِ ٱلظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ ٱلْمَوْتِ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ بَاسِطُوۤاْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوۤاْ أَنْفُسَكُمُ ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ }
                    قال ابن عاشور فى التحرير:
                    لمّا تقضّى إبطال ما زعموه من نفي الإرسال والإنزال والوحي، النّاشيءُ عن مقالهم الباطل، إذ قالوا
                    { ما أنزل الله على بشر من شيء }
                    [الأنعام: 91]، وعقّب ذلك بإثبات ما لأجله جحدوا إرسال الرّسل وإنزال الوحي على بشر، وهو إثبات أنّ هذا الكتاب منزّل من الله، عُقّب بعد ذلك بإبطال ما اختلقه المشركون من الشّرائع الضّالة في أحوالهم الّتي شرعها لهم عَمْرو بن لُحَيّ من عبادة الأصنام، وزعمهم أنّهم شفعاءُ لهم عند الله، وما يستتبع ذلك من البحيرة، والسّائبة، وما لم يذكر اسم الله عليه من الذبائح، وغير ذلك. فهم ينفون الرّسالة تارة في حين أنّهم يزعمون أنّ الله أمرهم بأشياء فكيف بلَغهم ما أمرهم الله به في زعمهم، وهم قد قالوا:
                    { ما أنزل الله على بشر من شيء }
                    [الأنعام: 91]. فلزمهم أنّهم قد كذَبوا على الله فيما زعموا أنّ الله أمرهم به لأنّهم عطّلوا طريق وصول مراد الله إلى خلقه وهو طريق الرّسالة فجاءوا بأعجب مقالة.

                    { وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَٰدَىٰ كَمَا خَلَقْنَٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَٰكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَآءُ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ }
                    قال ابن عاشور فى التحرير
                    إن كان القول المقدّر في جملة
                    { أخرجوا أنفسكم }
                    [الأنعام: 93] قولاً من قِبَل الله تعالى كان قوله { ولقد جئتمونا فرادى } عطفاً على جملة
                    { أخرجوا أنفسكم }
                    [الأنعام: 93]، أي يقال لهم حين دفعهم الملائكة إلى العذاب: أخرجوا أنفسكم، ويقال لهم: لقد جئتمونا فرادى. فالجملة في محلّ النّصب بالقول المحذوف. وعلى احتمال أن يكون
                    { غمرات الموت }
                    [الأنعام: 93] حَقيقة، أي في حين النّزع يكون فعل { جئتمونا } من التّعبير بالماضي عن المستقبل القريب، مثل: قد قامت الصّلاة، فإنّهم حينئذٍ قاربوا أن يرجعوا إلى مَحض تصرّف الله فيهم.

                    وإن كان القول المقدّر قولَ الملائكة فجملة: { ولقد جئتمونا فُرادى } عطف على جملة:
                    { ولو ترى إذ الظّالمون }
                    [الأنعام: 93] فانتقل الكلام من خطاب المعتبِرين بحال الظّالمين إلى خطاب الظّالمين أنفسهم بوعيدهم بما سيقول لهم يومئذٍ.

                    فعلى الوجه الأوّل يكون { جئتمونا } حقيقة في الماضي لأنّهم حينما يقال لهم هذا القول قد حصل منهم المجيء بين يدي الله. و(قد) للتّحقيق.

                    وعلى الوجه الثّاني يكون الماضي معبّراً به عن المستقبل تنبيهاً على تحقيق وقوعه، وتكون (قد) ترشيحاً للاستعارة.

                    إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلْحَبِّ وَٱلنَّوَىٰ يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ ٱلْمَيِّتِ مِنَ ٱلْحَيِّ ذٰلِكُمُ ٱللَّهُ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ }
                    قال الرازى فى تفسيره:
                    في الآية مسائل:

                    المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما تكلم في التوحيد ثم أردفه بتقرير أمر النبوة، ثم تكلم في بعض تفاريع هذا الأصل، عاد ههنا إلى ذكر الدلائل الدالة على وجود الصانع، وكمال علمه وحكمته وقدرته تنبيهاً على أن المقصود الأصلي من جميع المباحث العقلية والنقلية، وكل المطالب الحكمية إنما هو معرفة الله بذاته وصفاته وأفعاله. وفي قوله: { فَالِقُ ٱلْحَبّ وَٱلنَّوَىٰ

                    { فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ وَجَعَلَ ٱلْلَّيْلَ سَكَناً وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ حُسْبَاناً ذٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ }

                    قال الرازى فى تفسيره:
                    اعلم أن هذا نوع آخر من دلائل وجود الصانع وعلمه وقدرته وحكمته، فالنوع المتقدم كان مأخوذاً من دلالة أحوال النبات والحيوان، والنوع المذكور في هذه الآية مأخوذ من الأحوال الفلكية، وذلك لأن فلق ظلمة الليل بنور الصبح أعظم في كمال القدرة من فلق الحب والنوى بالنبات والشجر، ولأن من المعلوم بالضرورة أن الأحوال الفلكية أعظم في القلوب وأكثر وقعاً من الأحوال الأرضية،

                    { وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَٰتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَٰتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ }
                    قال الرازى فى تفسيره:
                    هذا هو النوع الثالث من الدلائل الدالة على كمال القدرة والرحمة والحكمة، وهو أنه تعالى خلق هذه النجوم لمنافع العباد وهي من وجوه:

                    { وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَٰتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ }
                    قال الرازى فى تفسيره:
                    هذا نوع رابع من دلائل وجود الإله وكمال قدرته وعلمه، وهو الاستدلال بأحوال الإنسان فنقول لا شبهة في أن النفس الواحدة هي آدم عليه السلام وهي نفس واحدة. وحواء مخلوقة من ضلع من أضلاعه. فصار كل الناس من نفس واحدة وهي آدم.

                    { وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُّتَرَاكِباً وَمِنَ ٱلنَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّٰتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَٰبِهٍ ٱنْظُرُوۤاْ إِلِىٰ ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذٰلِكُمْ لأَيَٰتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }

                    قال الرازى فى تفسيره:
                    اعلم أن هذا النوع الخامس من الدلائل الدالة على كمال قدرة الله تعالى وعلمه وحكمته ورحمته ووجوه إحسانه إلى خلقه.

                    { وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ ٱلْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَٰتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَٰنَهُ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ }

                    قال الرازى فى تفسيره:
                    في الآية مسائل:

                    المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما ذكر هذه البراهين الخمسة من دلائل العالم الأسفل والعالم الأعلى على ثبوت الإلهية، وكمال القدرة والرحمة. ذكر بعد ذلك أن من الناس من أثبت لله شركاء، واعلم أن هذه المسألة قد تقدم ذكرها إلا أن المذكور ههنا غير ما تقدم ذكره وذلك لأن الذين أثبتوا الشريك لله فرق وطوائف.

                    فالطائفة الأولى: عبدة الأصنام فهم يقولون الأصنام شركاء لله في العبودية، ولكنهم معترفون بأن هذه الأصنام لا قدرة لها على الخلق والإيجاد والتكوين.

                    والطائفة الثانية: من المشركين الذين يقولون، مدبر هذا العالم هو الكواكب، وهؤلاء فريقان منهم من يقول: إنها واجبة الوجود لذاتها، ومنهم من يقول: إنها ممكنة الوجود لذواتها محدثة، وخالقها هو الله تعالى، إلا أنه سبحانه فوض تدبير هذا العالم الأسفل إليها وهؤلاء هم الذين حكى الله عنهم أن الخليل صلى الله عليه وسلم ناظرهم بقوله: { لا أُحِبُّ ٱلأَفِلِينَ } وشرح هذا الدليل قد مضى.

                    والطائفة الثالثة: من المشركين الذين قالوا لجملة هذا العالم بما فيه من السموات والأرضين إلهان: أحدهما فاعل الخير. والثاني فاعل الشر، والمقصود من هذه الآية حكاية مذهب هؤلاء فهذا تقرير نظم الآية والتنبيه على ما فيها من الفوائد. فروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال قوله تعالى: { وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء ٱلْجِنَّ } نزلت في الزنادقة الذين قالوا إن الله وإبليس أخوان فالله تعالى خالق الناس والدواب والأنعام والخيرات، وإبليس خالق السباع والحيات والعقارب والشرور.

                    واعلم أن هذا القول الذي ذكره ابن عباس أحسن الوجوه المذكورة في هذه الآية وذلك لأن بهذا الوجه يحصل لهذه الآية مزيد فائدة مغايرة لما سبق ذكره في الآيات المتقدمة، قال ابن عباس: والذي يقوي هذا الوجه قوله تعالى:
                    { وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً }
                    [الصافات: 158]

                    تعليق

                    • اسامة محمد خيري
                      Registered User
                      • Dec 2008
                      • 12975

                      #175
                      { بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَٰحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }

                      قال الرازى فى تفسيره:

                      اعلم أنه تعالى لما بين فساد قول طوائف أهل الدنيا من المشركين. شرع في إقامة الدلائل على فساد قول من يثبت له الولد فقال: { بَدِيعُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ }

                      وقال ابن عاشور فى التحرير:

                      { بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَٰحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }

                      جملة مستأنفة وهذا شروع في الإخبار بعظيم قدرة الله تعالى، وهي تفيد مع ذلك تقوية التّنزيه في قوله:
                      { سبحانه وتعالى عمّا يصفون }
                      [الأنعام: 100] فتتنزّل منزلة التَعليل لمضمون ذلك التّنزيه بمضمونها أيضاً، وبهذا الوجه رَجَح فصلُها على عطفها فإنّ ما يصفونه هو قولهم: إنّ له ولداً وبنات، لأنّ ذلك التّنزيه يتضمّن نفي الشيء المنزّه عنه وإبطاله، فعُلّ الإبطال بأنّه خالقُ أعظم المخلوقات دلالة على القدرة فإذا كنتم تدّعون بنوّة الجنّ والملائكة لأجل عظمتها في المخلوقات وأنتم لا ترون الجنّ ولا الملائكة فلماذا لم تدّعوا البنوّة للسماوات والأرض المشاهدة لكم وأنتم ترونها وترون عظمها. فهذا الإبطال بمنزلة النّقض في علم الجدل والمناظرة.

                      { ذٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ خَٰلِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَٱعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ }
                      قال الرازى فى تفسيره:
                      اعلم أنه تعالى لما أقام الحجة على وجود الإله القادر المختار الحكيم الرحيم وبين فساد قول من ذهب إلى الإشراك بالله، وفصل مذاهبهم على أحسن الوجوه وبين فساد كل واحد منها بالدلائل اللائقة به. ثم حكى مذهب من أثبت لله البنين والبنات، وبين بالدلائل القاطعة فساد القول بها فعند هذا ثبت أن إله العالم فرد واحد صمد منزه عن الشريك والنظير والضد والند، ومنزه عن الأولاد والبنين والبنات، فعند هذا صرح بالنتيجة فقال: ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل ما سواه فاعبدوه ولا تعبدوا غيره أحداً

                      { لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَٰرَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ }
                      قال ابن عاشور فى التحرير والتنوير:
                      جملة ابتدائيّة لإفادة عظمته تعالى وسعة علمه، فلعظمته جلّ عن أن يحيط به شيء من أبصار المخلوقين، وذلك تعريض بانتفاء الإلهيّة عن الأصنام الّتي هي أجسام محدودة محصورة متحيّزة، فكونُها مدركة بالأبصار من سمات المحدثات لا يليق بالإلهيّة ولو كانت آلهة لكانت محتجبة عن الأبصار، وكذلك الكواكب الّتي عبدها بعض العرب، وأمّا الجنّ والملائكة وقد عبدوهما فإنّهما وإن كانا غير مدركين بالأبصار في المتعارف لكلّ النّاس ولا في كلّ الأوقات إلاّ أنّ المشركين يزعمون أنّ الجنّ تَبدو لهم تارات في الفيافي وغيرها. قال شَمِر بن الحارث الضبي:
                      أتَوْا ناري فقلتُ مَنُونَ أنتُم فقالوا الجنّ قلتُ عِمُوا ظَلامَا
                      ويتوهّمون أنّ الملائكة يظهرون لبعض النّاس، يتلقّون ذلك عن اليهود.

                      { قَدْ جَآءَكُمْ بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ }
                      قال ابن عاشور فى التحرير:
                      هذا انتقال من محاجّة المشركين، وإثبات الوحدانيّة لله بالربوبيّة من قوله:
                      { إنّ الله فالق الحبّ والنَّوى }
                      [الأنعام: 95] إلى قوله
                      { وهو اللّطيف الخبير }
                      [الأنعام: 103]. فاستؤنف الكلام بتوجيه خطاببٍ للنّبيء ـــ عليه الصّلاة والسّلام ـــ مقولٍ لفعلِ أمر بالقول في أوّل الجملة، حُذف على الشّائع من حذف القول للقرينة في قوله: { وما أنا عليكم بحفيظ } [الأنعام: 104]. ومناسبة وقوع هذا الاستئناف عقب الكلام المسوق إليهم من الله تعالى أنّه كالتّوقيف والشّرح والفذلكة للكلام السّابق فيقدر: قُل يا محمّد قد جاءكم بصائر.

                      { وَكَذٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ }
                      قال الرازى فى تفسيره:
                      اعلم أنه تعالى لما تمم الكلام في الإلهيات إلى هذا الموضع شرع من هذا الموضع في إثبات النبوات فبدأ تعالى بحكاية شبهات المنكرين لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم.

                      فالشبهة الأولى: قولهم يا محمد إن هذا القرآن الذي جئتنا به كلام تستفيده من مدارسة العلماء ومباحثة الفضلاء، وتنظمه من عند نفسك، ثم تقرأه علينا، وتزعم أنه وحي نزل عليك من الله تعالى، ثم أنه تعالى أجاب عنه بالوجوه الكثيرة، فهذا تقرير النظم،

                      انظر الجوهرة الخامسة بعد المائة من جواهر القراءات هنا
                      http://www.mazameer.com/vb/showthrea...=172078&page=6

                      { ٱتَّبِعْ مَآ أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ } * { وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكُواْ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ }
                      قال الرازى فى تفسيره:
                      قوله تعالى: { ٱتَّبِعْ مَا أُوحِىَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ }.

                      اعلم أنه تعالى لما حكى عن الكفار أنهم ينسبونه في إظهار هذا القرآن إلى الافتراء أو إلى أنه يدارس أقواماً ويستفيد هذه العلوم منهم ثم ينظمها قرآناً ويدعي أنه نزل عليه من الله تعالى، أتبعه بقوله: { ٱتَّبِعْ مَا أُوحِىَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ } لئلا يصير ذلك القول سبباً لفتوره في تبليغ الدعوة والرسالة، والمقصود تقوية قلبه وإزالة الحزن الذي حصل بسبب سماع تلك الشبهة، ونبه بقوله: { لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } على أنه تعالى لما كان واحداً في الإلهية فإنه يجب طاعته، ولا يجوز الإعراض عن تكاليفه بسبب جهل الجاهلين وزيغ الزائغين.

                      { وَلاَ تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }
                      قال الرازى فى تفسيره:
                      اعلم أن هذا الكلام أيضاً متعلق بقولهم للرسول عليه السلام: إنما جمعت هذا القرآن من مدارسة الناس ومذاكرتهم، فإنه لا يبعد أن بعض المسلمين إذا سمعوا ذلك الكلام من الكفار غضبوا وشتموا آلهتهم على سبيل المعارضة، فنهى الله تعالى عن هذا العمل، لأنك متى شتمت آلهتهم غضبوا فربما ذكروا الله تعالى بما لا ينبغي من القول، فلأجل الاحتراز عن هذا المحذور وجب الاحتراز عن ذلك المقال، وبالجملة فهو تنبيه على أن خصمك إذا شافهك بجهل وسفاهة لم يجز لك أن تقدم على مشافهته بما يجري مجرى كلامه فإن ذلك يوجب فتح باب المشاتمة والسفاهة وذلك لا يليق بالعقلاء،

                      وقال ابن عاشور فى التحرير:
                      عطف على قوله:
                      { وأعرض عن المشركين }
                      [الأنعام: 106] يزيد معنى الإعراض المأمور به بياناً، ويحقّق ما قلناه أن ليس المقصود من الإعراض ترك الدّعوة بل المقصود الإغضاء عن سبابهم وبذيء أقوالهم مع الدّوام على متابعة الدّعوة بالقرآن، فإنّ النّهي عن سبّ أصنامهم يؤذن بالاسترسال على دعوتهم وإبطال معتقداتهم مع تجنّب المسلمين سبّ ما يدعونهم من دون الله.

                      { وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَٰتُ عِندَ ٱللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ }
                      قال الرازى فى تفسيره:
                      اعلم أنه تعالى حكى عن الكفار شبهة توجب الطعن في نبوته، وهي قولهم إن هذا القرآن إنما جئتنا به لأنك تدارس العلماء، وتباحث الأقوام الذين عرفوا التوارة والإنجيل. ثم تجمع هذه السور وهذه الآيات بهذا الطريق. ثم إنه تعالى أجاب عن هذه الشبهة بما سبق، وهذه الآية مشتملة على شبهة أخرى وهي قولهم له إن هذا القرآن كيفما كان أمره، فليس من جنس المعجزات ألبتة، ولو أنك يا محمد جئتنا بمعجزة قاهرة وبينة ظاهرة لآمنا بك، وحلفوا على ذلك وبالغوا في تأكيد ذلك الحلف، فالمقصود من هذه الآية تقرير هذه الشبهة

                      { وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَٰرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ }
                      قال ابن عاشور فى التحرير:
                      يجوز أن يكون عطفاً على جملة
                      { أنّها إذا جاءت لا يؤمنون }
                      [الأنعام: 109] فتكون بياناً لقوله
                      { لا يؤمنون }
                      [الأنعام: 109]، أي بأن نعطِّل أبصارَهم عن تلك الآية وعقولهم عن الاهتداء بها فلا يبصُرون ما تحتوي عليه الآية من الدّلائل ولا تفقه قلوبهم وجه الدّلالة فيتعطَّل تصديقهم بها، وذلك بأن يحرمهم الله من إصلاح إدراكهم، وذلك أنّهم قد خُلقت عقولهم نابية عن العلم الصّحيح بما هيّأ لها ذلك من انسلالها من أصول المشركين، ومن نشأتها بين أهل الضّلال وتلقّي ضلالتهم، كما بيّنتُه آنفاً. فعبّر عن ذلك الحال المخالف للفطرة السّليمة بأنّه تقليب لعقولهم وأبصارهم، ولأنّها كانت مقلوبة عن المعروف عند أهل العقول السّليمة، وليس داعي الشّرك فيها تقليباً عن حالة كانت صالحة لأنّها لم تكن كذلك حيناً، ولكنّه تقليب لأنّها جاءت على خلاف ما الشّأن أن تجيء عليه.

                      وضمير { به } عائد إلى القرآن المفهوم من قوله:
                      { لئن جاءتهم آية }
                      [الأنعام: 109] فإنّهم عَنوا آية غير القرآن.

                      والكاف في قوله: { كما لم يؤمنوا به أوّل مرّة } لتشبيه حالة انتفاء إيمانهم بعد أن تجيئهم آية ممّا اقترحوا. والمعنى ونقلِّب أيديهم وأبصارهم فلا يؤمنون بالآية الّتي تجيئهم مثلَما لم يؤمنوا بالقرآن من قبلُ، فتقليب أفئدتهم وأبصارهم على هذا المعنى يحصل في الدّنيا، وهو الخذلان.

                      ويجوز أن تكون جملة { ونقلّب أفئدتهم وأبصارهم } مستأنفة والواو للاستئناف، أو أن تكون معطوفة على جملة
                      { لا يؤمنون }
                      [الأنعام: 109]. والمعنى: ونحن نقلّب أفئدتهم وأبصارهم، أي في نار جهنّم، كناية عن تقليب أجسادهم كلّها. وخصّ من أجسادهم أفئدتُهم وأبصارهُم لأنّها سبب إعراضهم عن العبرة بالآيات، كقوله تعالى:
                      { سحروا أعْيُن النّاس }
                      [الأعراف: 116]، أي سحروا النّاسَ بما تُخيِّلُه لهم أعينهم.

                      وقال ابو حيان فى بحره:
                      الظاهر أن قوله: { ونقلب } جملة استئنافية أخبر تعالى أنه يفعل بهم ذلك وهي إشارة إلى الحيرة والتردد وصرف الشيء عن وجهه. والمعنى أنه تعالى يحولهم عن الهدى ويتركهم في الضلال والكفر. وكما للتعليل أي يفعل بهم ذلك لكونهم لم يؤمنوا به أول وقت جاءهم هدى الله كما قال تعالى:
                      { وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون }
                      [التوبة: 125] ويؤكد هذا المعنى آخر الآية { ونذرهم في طغيانهم يعمهون } أي ونتركهم في تغمطهم في الشرِّ والإفراط فيه يتحيرون، وهذا كله إخبار من الله تعالى بفعله بهم في الدنيا.
                      وقالت فرقة: هذا الإخبار هو على تقدير: أنه لو جاءت الآية التي اقترحوها صنعنا بهم ذلك. ولذلك قال الزمخشري { ونقلب أفئدتهم } { ونذرهم } عطف على { لا يؤمنون } داخل في حكم { وما يشعركم } بمعنى وما يشعركم أنهم لا يؤمنون { وما يشعركم } أنّا { نقلب أفئدتهم وأبصارهم } أي فنطبع على أبصارهم وقلوبهم فلا يفقهون ولا يبصرون الحق كما كانوا عند نزول آياتنا أولاً لا يؤمنون بها، لكونهم { وما يشعركم } أنّا { نذرهم في طغيانهم } أي نخليهم وشأنهم لا نكفهم ونصرفهم عن الطغيان حتى يعمهوا فيه انتهى.

                      وهذا معنى ما قاله ابن عباس ومجاهد وابن زيد قالوا: لو أتيناهم بآية كما سألوا لقلبنا أفئدتهم وأبصارهم عن الإيمان بها، وحلنا بينهم وبين الهدى فلم يؤمنوا كما لم يؤمنوا بما رأوا قبلها، عقوبة لهم على ذلك.
                      والفرق بين هذا القول والذي بدأنا به أولاً أن ذلك استئناف إخبار بما يفعل بهم تعالى في الدنيا. وهذا إخبار على تقدير مجيء الآية المقترحة فذلك واقع وهذا غير واقع، لأن الآية المقترحة لم تقع فلم يقع ما رتب عليها.

                      { وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ }
                      قال ابن عاشور فى التحرير:
                      جملة { وَلَوْ أَنَّنَا } معطوفة على جملة
                      { وما يُشعركم }
                      [الأنعام: 109] باعتبار كون جملة
                      { وما يُشعركم }
                      [الأنعام: 109] عطفاً على جملة
                      { قل إنّما الآيات عند الله }
                      [الأنعام: 109]، فتكون ثلاثتها ردّا على مضمون جملة
                      { وأقسموا بالله جَهْد أيمانهم لئن جاءتهم آية }
                      [الأنعام: 109] إلخ، وبيانا لجملة
                      { وما يشعركم أنّها إذا جاءت لا يؤمنون }
                      [الأنعام: 109].

                      وقال الرازى فى تفسيره:
                      اعلم أنه تعالى بين في هذه الآية تفصيل ما ذكره على سبيل الإجمال بقوله: { وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ } فبين أنه تعالى لو أعطاهم ما طلبوه من إنزال الملائكة وإحياء الموتى حتى كلموهم بل لو زاد في ذلك ما لا يبلغه اقتراحهم بأن يحشر عليهم كل شيء قبلاً ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله

                      { وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَٰطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ }
                      قال ابن عاشور فى التحرير:
                      اعتراض قصد منه تسلية الرّسول صلى الله عليه وسلم والواو واو الاعتراض، لأنّ الجملة بمنزلة الفذلكة، وتكون للرّسول صلى الله عليه وسلم تسلية بعد ذكر ما يحزنه من أحوال كفار قومه، وتصلبّهم في نبذ دعوته، فأنبأه الله: بأنّ هؤلاء أعداؤه، وأن عداوة أمثالهم سنة من سنن الله تعالى في ابتلاء أنبيائه كلّهم، فما منهم أحد إلاّ كان له أعداء، فلم تكن عداوة هؤلاء للنبيء عليه الصلاة والسلام بِدْعا من شأن الرّسل. فمعنى الكلام: ألَسْتَ نبيئا وقد جعلنا لكلّ نبيء عدوّا ــــ إلى آخره.
                      { وَلِتَصْغَىۤ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ }
                      قال ابن عاشور فى التحرير:
                      عُطف قوله: { ولتصغى } على
                      { غروراً }
                      [الأنعام: 112] لأنّ { غروراً } في معنى ليغرّوهم. واللام لام كي

                      انظر الجوهرة الرابعة من جواهر اللام فى كتاب الله هنا
                      http://www.mazameer.com/vb/showthread.php?t=172526

                      { أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ ٱلْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ }
                      قال الرزى فى تفسيره:
                      فيه مسائل:

                      المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما حكى عن الكفار أنهم أقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها، أجاب عنه بأنه لا فائدة في إظهار تلك الآيات، لأنه تعالى لو أظهرها لبقوا مصرين على كفرهم. ثم إنه تعالى بين في هذه الآية أن الدليل الدال على نبوته قد حصل وكمل، فكان ما يطلبونه طلباً للزيادة وذلك مما لا يجب الالتفات إليه،

                      وقال ابو حيان فى بحره:

                      { أفغير الله أبتغي حكماً وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلاً } قال مشركو قريش للرسول: اجعل بيننا وبينك حكماً من أحبار اليهود، وإن شئت من أساقفة النصارى، ليخبرنا عنك بما في كتابهم من أمرك فنزلت. ووجه نظمها بما قبلها أنه لما حكى حلف الكفار وأجاب بأنه لا فائدة في إظهار الآيات المقترحة لهم أنهم لا يبقون مصرين على الكفر بين الدليل على نبوته بإنزال القرآن عليه، وقد عجز الخلق عن معارضته وحكم فيه بنبوته، وباشتمال التوراة والإنجيل على أنه رسول حق، وأن القرآن كتاب من عند الله حق.
                      ووجه آخر وهو أنه لما ذكر العداوة وتهددهم قالوا ما ذكرناه في سبب النزول. وكان من عادتهم إذا التبس عليهم أمر واختلفوا فيه جعلوا بينهم كاهناً حكماً فأمره الله أن يقول: { أفغير الله أبتغي حكماً
                      { وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ }
                      قال ابن عاشور فى التحرير:
                      هذه الجملة معطوفة على جملة:
                      { أفغير الله أبْتغي حَكَما }
                      [الأنعام: 114] لأنّ تلك الجملة مَقولُ قول مقدّر، إذ التّقدير: قل أفغير الله أبتغي حكماً باعتبار ما في تلك الجملة من قوله:
                      { وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصّلاً }
                      [الأنعام: 114] فلمّا وصف الكتاب بأنّه منزّل من الله، ووصف بوضوح الدّلالة بقوله:
                      { وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصّلاً }
                      [الأنعام: 114] ثمّ بشهادة علماء أهل الكتاب بأنَّه من عند الله بقوله:
                      { والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنّه منزل من ربّك }
                      [الأنعام: 114]، أعلَم رسوله عليه الصلاة والسلام والمؤمنين بأنّ هذا الكتاب تامّ الدلالة، ناهض الحجّة، على كلّ فريق: من مؤمن وكافر، صادق وعدُه ووعيده، عادل أمره ونهيه. ويجوز أن تكون معطوفة على جملة: { وجعلنا لكلّ نبي عَدوّاً } وما بينهما اعتراض، كما سنبيّنه.

                      والمراد بالتمام معنى مجازي: إمّا بمعنى بلوغ الشّيء إلى أحسن ما يبلغه ممّا يراد منه، فإنّ التّمام حقيقته كون الشّيء وافراً أجزاءه، والنقصان كونه فاقدا بعض أجزائه، فيستعار لوفرة الصّفات التي تراد من نوعه؛ وإمّا بمعنى التّحقّق فقد يطلق التّمام على حصول المنتظر وتحقّقه، يقال: تَم ما أخبر به فلان، ويقال: أتم وعده، أي حقّقه، ومنه قوله تعالى:
                      { وإذِ آبتلى إبراهيم رَبُّه بكلمات فأتَمَّهُن }
                      [البقرة: 124] أي عمل بهنّ دون تقصير ولا ترخّص، وقوله تعالى:
                      { وتمّت كلمة ربّك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا }
                      [الأعراف: 137] أي ظهر وعده لهم بقوله:
                      { ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض }
                      [القصص: 5] الآية، ومن هذا المعنى قوله تعالى:
                      { والله متمّ نوره }
                      [الصف: 8] أي محقّق دينه ومثبتُه، لأنَّه جعل الإتمام في مقابلة الإطفاء المستعمل في الإزالة مجازاً أيضاً.

                      وقوله: { كلمات ربك } قرأه الجمهور ــــ بصيغة الجمع ــــ وقرأه عاصم، وحمزة، والكسائي، ويعقوب، وخلف: كَلمة ــــ بالإفراد ــــ فقيل: المراد بالكلمات أو الكلمة القرآن، وهو قول جمهور المفسّرين، ونقل عن قتادة، وهو الأظهر، المناسب لجعْل الجملة معطوفة على جملة:
                      { والذين آتيناهم الكتاب }
                      [الأنعام: 114]. فأمّا على قراءة الإفراد فإطلاق الكلمة على القرآن باعتبار أنّه كتاب من عند الله، فهو من كلامه وقوله. والكلمة والكلام يترادفان، ويقول العربُ: كلمة زهير، يعنون قصيدته، وقد أطلق في القرآن (الكلمات) على الكتب السّماوية في قوله تعالى:
                      { فآمِنوا بالله ورسوله النّبي الأمّي الذي يؤمن بالله وكلماته }
                      [الأعراف: 158] أي كتبه. وأمّا على قراءة الكلمات بالجمع فإطلاقها على القرآن باعتبار ما يشتمل عليه من الجمل والآيات. أو باعتبار أنواع أغراضه من أمر، ونهي، وتبشير، وإنذار، ومواعظ، وإخبار، واحتجاج، وإرشاد، وغير ذلك. ومعنى تمامها أنّ كلّ غرض جاء في القرآن فقد جاء وافياً بما يتطلّبه القاصد منه. واستبعد ابن عطيّة أن يكون المراد من { كلمات ربك } ــــ بالجمع أو الإفراد ــــ القرآن، واستظهر أنّ المراد منها: قول الله، أي نفذ قوله وحكمه.

                      وقريب منه ما أُثر عن ابن عبّاس أنّه قال: كلمات الله وَعده. وقيل: كلمات الله: أمره ونهيه، ووعده، ووعيده، وفسّر به في «الكشاف»، وهو قريب من كلام ابن عطيّة، لكنّ السّياق يشهد بأنّ تفسير الكلمات بالقرآن أظهر....

                      فعلى التّفسير الأوّل للكلمات أو الكلمة، يكون المعنى: أن القرآن بلغ أقصى ما تبلغه الكتب: في وضوح الدّلالة، وبلاغة العبارة، وأنّه الصّادق في أخباره، العادل في أحكامه، لا يُعثر في أخباره على ما يخالف الواقع، ولا في أحكامه على ما يخالف الحقّ؛ فذلك ضرب من التحدّي والاحتجاج على أحقّيّة القرآن. وعلى التّفسيرين الثّاني والثّالث، يكون المعنى: نفذ ما قاله الله، وما وَعَدَ وأوْعَد، وما أمر ونهى، صادقاً ذلك كلُّه، أي غير متخلّف، وعادلاً، أي غير جائر. وهذا تهديد للمشركين بأنْ سيحقُّ عليهم الوعيد، الّذي توعّدهم به، فيكون كقوله تعالى:
                      { وتمَّت كلمة ربّك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا }
                      [الأعراف: 137] أي تَمّ ما وعدهم به من امتلاك مشارق الأرض ومغاربها الّتي بارك فيها، وقوله:
                      { وكذلك حقّت كلمات ربّك على الذين كفروا أنّهم أصحاب النّار }
                      [غافر: 6] أي حقّت كلمات وعيده.

                      وقال الرازى فى تفسيره:

                      أن تعلق هذه الآية بما قبلها أنه تعالى بين في الآية السابقة أن القرآن معجز، فذكر في هذه الآية أنه تمت كلمة ربك، والمراد بالكلمة ـ القرآن ـ أي تم القرآن في كونه معجزاً دالاً على صدق محمد عليه السلام،

                      وقال ابو حيان فى بحره:

                      { وتمت كلمات ربك صدقاً وعدلاً } لما تقدّم من أول السورة إلى هنا دلائل التوحيد والنبوة والبعث والطعن على مخالفي ذلك وكان من هنا إلى آخر السورة أحكام وقصص، ناسب ذكر هذه الآيات هنا أي تمت أقضيته وأقداره

                      تعليق

                      • اسامة محمد خيري
                        Registered User
                        • Dec 2008
                        • 12975

                        #176
                        { وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي ٱلأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ } * { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ }
                        قال الرازى فى تفسيره:
                        اعلم أنه تعالى لما أجاب عن شبهات الكفار ثم بين بالدليل صحة نبوة محمد عليه الصلاة والسلام بين أن بعد زوال الشبهة وظهور الحجة لا ينبغي أن يلتفت العاقل إلى كلمات الجهال، ولا ينبغي أن يتشوش بسبب كلماتهم الفاسدة فقال: { وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى ٱلأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } وهذا يدل على أن أكثر أهل الأرض كانوا ضلالاً، لأن الإضلال لا بد وأن يكون مسبوقاً بالضلال. واعلم أن حصول هذا الضلال والإضلال لا يخرج عن أحد أمور ثلاثة: أولها: المباحث المتعلقة بالإلهيات فإن الحق فيها واحد، وأما الباطل ففيه كثرة، ومنها القول بالشرك إما كما تقوله الزنادقة وهو الذى أخبر الله عنه في قوله:
                        { وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء ٱلْجِنَّ }
                        [الأنعام: 100] وإما كما يقوله عبدة الكواكب. وإما كما يقوله عبدة الأصنام، وثانيها: المباحث المتعلقة بالنبوات. إما كما يقوله من ينكر النبوة مطلقاً أو كما يقوله من ينكر النشر. أو كما يقوله من ينكر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. ويدخل في هذا الباب المباحث المتعلقة بالمعاد. وثالثها: المباحث المتعلقة بالأحكام، وهي كثيرة، فإن الكفار كانوا يحرمون البحائر والسوائب والوصائل ويحللون الميتة، فقال تعالى: { وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى ٱلأَرْضِ } فيما يعتقدونه من الحكم على الباطل بأنه حق، وعلى الحق بأنه باطل يضلوك عن سبيل الله، أي عن الطريق والمنهج الصدق.

                        وقال ابن عاشور فى التحرير:

                        { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ }

                        تعليل لقوله:
                        { وإن تطع أكثر من في الأرض يضلّوك }

                        { فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ }
                        قال ابن عاشور فى التحرير:
                        هذا تخلّص من محاجّة المشركين وبيان ضلالهم، المذيَّل بقوله:
                        { إنّ ربّك هو أعلم من يضلّ عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين }
                        [الأنعام: 117]. انتقل الكلام من ذلك إلى تبيين شرائع هدى للمهتدين، وإبطاللِ شرائع شَرَعها المضلّون، تبيينا يزيل التّشابه والاختلاط. ولذلك خللت الأحكام المشروعة للمسلمين، بأضدادها الّتي كان شرعها المشركون وسلَفُهم.

                        وما تُشعر به الفاء من التفريع يقضي باتّصال هذه الجملة بالَّتي قبلها، ووجه ذلك: أنّ قوله تعالى:
                        { وإن تطع أكثر من في الأرض يضلّوك عن سبيل الله }
                        [الأنعام: 116] تضمّن إبطال ما ألقاه المشركون من الشّبهة على المسلمين: في تحريم الميتة، إذ قالوا للنّبيء صلى الله عليه وسلم " تزعم أن ما قتلتَ أنت وأصحابك وما قتل الكلب والصّقر حلال أكلُه، وأنّ ما قتل اللَّهُ حرام " وأنّ ذلك ممّا شمله قوله تعالى:
                        { وإن هم إلاّ يَخْرصون }
                        [الأنعام: 116]، فلمّا نهى الله عن اتِّباعهم، وسمّى شرائعهم خرصاً، فرّع عليه هنا الأمر بأكل ما ذكر اسم الله عليه، أي عند قتله، أي ما نُحر أو ذُبح وذُكر اسم الله عليه، والنّهيَ عن أكل ما لم يُذكر اسم الله عليه، ومنه الميتة، فإنّ الميتة لا يذكر اسم الله عليها، ولذلك عقبت هذه الآية بآية:
                        { وإنّ الشّياطين ليوحون إلى أوليائِهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنَّكم لمشركون }
                        [الأنعام: 121]. فتبيّن أنّ الفاء للتّفريع على معلوم من المراد من الآية السّابقة.

                        { وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا ٱضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيراً لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُعْتَدِينَ }

                        قال ابن عاشور فى التحرير:

                        ولم يفصح أحد من المفسّرين عن وجه عطف هذا على ما قبله، ولا عن الدّاعي إلى هذا الخطاب، سوى ما نقله الخفاجي في حاشية التّفسير ــــ عمّن لقَّبه علم الهدى ولعلّه عنى به الشّريف المرتضى: أنّ سبب نزول هذه الآية أنّ المسلمين كانوا يتحرّجون من أكل الطيّبات، تقشّفاً وتزهّداً اهــــ، ولعلّه يريد تزهّداً عن أكل اللّحم، فيكون قوله تعالى: { وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه } استطراداً بمناسبة قوله قبله:
                        { فكلوا ممّا ذكر اسم الله عليه }
                        [الأنعام: 118]، وهذا يقتضي أنّ الاستفهام مستعمل في اللّوم، ولا أحسب ما قاله هذا الملقّب بعلم الهدى صحيحاً ولا سند له أصلاً. قال الطّبري: ولا نعلم أحداً من سلف هذه الأمّة كفّ عن أكل ما أحلّ اللَّه من الذّبائح.

                        والوجه عندي أنّ سبب نزول هذه الآية ما تقدّم آنفاً من أنّ المشركين قالوا للنّبيء صلى الله عليه وسلم وللمسلمين، لمّا حَرّم الله أكل الميتة: " أنأكل ما نَقتل ولا نَأكل ما يقتلُ اللَّهُ " يعنون الميتة، فوقع في أنفس بعض المسلمين شيء، فأنزل الله { وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه } أي فأنبأهم الله بإبطال قياس المشركين المُموّهِ بأنّ الميتة أولى بالأكل ممّا قتله الذّابح بيده، فأبدى الله للنّاس الفرق بين الميتة والمذكّى، بأنّ المذكّى ذُكر اسم الله عليه، والميتة لا يذكر اسم الله عليها، وهو فارق مؤثّر. وأعرض عن محاجة المشركين لأنّ الخطاب مسوق إلى المسلمين لإبطال محاجّة المشركين فآل إلى الرد على المشركين بطريق التعريض. وهو من قبيل قوله في الردّ على المشركين، في قولهم:
                        { إنَّما البيعُ مثل الرّبا }
                        [البقرة: 275]، إذ قال:
                        { وأحلّ الله البيع وحرّم الرّبا }
                        [البقرة: 275] كما تقدّم هنالك، فينقلب معنى الاستفهام في قوله: { وما لكم أن لا تأكلوا } إلى معنى: لا يسوِّلْ لكم المشركون أكل الميتة، لأنّكم تأكلون ما ذكر اسم الله عليه، هذا ما قالوه وهو تأويل بعيد عن موقع الآية.
                        وقال الرازى فى تفسيره:

                        قوله: { وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ } أكثر المفسرين قالوا: المراد منه قوله تعالى في أول سورة المائدة: { حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنْزِيرِ } وفيه إشكال: وهو أن سورة الأنعام مكية وسورة المائدة مدنية، وهي آخر ما أنزل الله بالمدينة. وقوله: { وَقَدْ فَصَّلَ } يقتضي أن يكون ذلك المفصل مقدماً على هذا المجمل، والمدني متأخر عن المكي، والمتأخر يمتنع كونه متقدماً. بل الأولى أن يقال المراد قوله بعد هذه الآية:
                        { قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوحِىَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يطعمه }
                        [الأنعام: 145]. وهذه الآية وإن كانت مذكورة بعد هذه الآية بقليل إلا أن هذا القدر من التأخير لا يمنع أن يكون هو المراد والله أعلم
                        { وَذَرُواْ ظَٰهِرَ ٱلإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْسِبُونَ ٱلإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ }
                        قال ابن عاشور فى التحرير:
                        { وَذَرُواْ ظَـٰهِرَ ٱلإِثْمِ وَبَاطِنَهُ }.

                        جملة معترضة، والواو اعتراضيّة، والمعنى: إنْ أردتم الزّهد والتقرّب إلى الله فتقرّبوا إليْه بترك الإثم، لا بترك المباح. وهذا في معنى قوله تعالى:
                        { ليس البرّ أن تولّوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البرّ من آمن بالله }
                        [البقرة: 177] الآية.

                        { وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَٰدِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ }
                        قال الرازى فى تفسيره:
                        اعلم أنه تعالى لما بين أنه يحل أكل ما ذبح على اسم الله، ذكر بعده تحريم ما لم يذكر عليه اسم الله، ويدخل فيه الميتة، ويدخل فيه ما ذبح على ذكر الأصنام، والمقصود منه إبطال ما ذكره المشركون.

                        وقال ابن عاشور فى التحرير:

                        وقوله: { وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم } عطف على: { وإنه لفسق } ، أي: واحذروا جَدَل أولياء الشّياطين في ذلك، والمراد بأولياء الشّياطين: المشركون، وهم المشار إليهم بقوله، فيما مرّ:
                        { يُوحي بعضهم إلى بعض }
                        [الأنعام: 112] وقد تقدّم بيانه.

                        { أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَٰفِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }

                        قال الرازى فى تفسيره:

                        المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية الأولى أن المشركين يجادلون المؤمنين في دين الله ذكر مثلاً يدل على حال المؤمن المهتدي، وعلى حال الكافر الضال، فبين أن المؤمن المهتدي بمنزلة من كان ميتاً، فجعل حياً بعد ذلك وأعطى نوراً يهتدى به في مصالحه، وأن الكافر بمنزلة من هو في ظلمات منغمس فيها لا خلاص له منها، فيكون متحيراً على الدوام.

                        { وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ }
                        قال ابن عاشور فى التحرير:
                        عطف على جملة:
                        { كذلك زيّن للكافرين ما كانوا يعملون }
                        [الأنعام: 122] فلها حكم الاستئناف البياني، لبيان سبب آخر من أسباب استمرار المشركين على ضلالهم، وذلك هو مكر أكابر قريتهم بالرّسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين وصرفهم الحيل لصدّ الدهماء عن متابعة دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم

                        { وَإِذَا جَآءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَآ أُوتِيَ رُسُلُ ٱللَّهِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ }

                        قال ابن عاشور فى التحرير:

                        عطف على جملة:
                        { جعلنا في كلّ قرية أكابر مجرميها }
                        [الأنعام: 123] لأنّ هذا حديث عن شيء من أحوال أكابر مجرمي مكّة، وهم المقصود من التّشبيه في قوله: { وكذلك جعلنا في كلّ قرية أكابر مجرميها. ومكّة هي المقصود من عموم كلّ قرية كما تقدّم، فالضّمير المنصوب في قوله: جاءتهم } عائدٌ إلى
                        { أكابر مجرميها }
                        [الأنعام: 123]، باعتبار الخاصّ المقصود من العموم، إذ ليس قولُ: { لن نؤمن حتى نؤتي مثل ما أوتي رسل الله } بمنسوب إلى جميع أكابر المجرمين من جميع القرى.

                        وقال ابو حيان فى بحره:

                        والضمير في { جاءتهم } عائد على الأكابر قاله الزجاج. وقال غيره: يعود على المجادلين في أكل الميتة

                        { فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَٰمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِ كَذٰلِكَ يَجْعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ }
                        قال ابن عاشور فى التحرير:
                        الفاء مُرتِّبة الجملةَ الّتي بعدها على مضمون ما قبلها من قوله:
                        { أو من كان ميّتاً فأحييناه }
                        [الأنعام: 122] وما ترتَّب عليه من التّفاريع والاعتراض. وهذا التّفريع إبطال لتعلّلاتهم بعلّة
                        { حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله }
                        [الأنعام: 124]، وأنّ الله منعهم ما علّقوا إيمانَهم على حصوله، فتفرّع على ذلك بيان السّبب المؤثّر بالحقيقة إيمانَ المؤمن وكُفْرَ الكافر، وهو: هداية الله المؤمنَ، وإضلالُه الكافرَ، فذلك حقيقة التّأثير، دون الأسباب الظّاهرة، فيعرف من ذلك أنّ أكابر المجرمين لو أوتوا ما سألوا لما آمنوا، حتّى يريد الله هدايتهم إلى الإسلام، كما قال تعالى:
                        { إنّ الذين حقّت عليهم كلمت ربّك لا يؤمنون ولو جاءتهم كلّ آية حتّى يَروا العذاب الأليم }
                        [يونس: 96، 97] ــــ وكما قال:
                        { ولو أنَّنا نزّلنا إليهم الملائكة وكلّمهم الموتى وحشَرْنا عليهم كلّ شيء قِبَلاً ما كانوا ليؤمنوا إلاّ أن يشاء الله }
                        [الأنعام: 111].

                        { وَهَـٰذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ }
                        قال ابن عاشور فى التحرير
                        عطف على جملة:
                        { ومن يرد أن يضلّه يجعل صدره ضيّقاً حرجاً }
                        [الأنعام: 125] إلى آخِرها، لأنّ هذا تمثيل لحال هدي القرآن بالصّراط المستقيم الّذي لا يجهد متّبعه، فهذا ضدّ لحال التّمثيل في قوله:
                        { كأنَّما يصّعَّد في السَّماء }
                        [الأنعام: 125]. وتمثيل الإسلام بالصّراط المستقيم يتضمّن تمثيل المسلم بالسّالك صراطاً مستقيماً، فيفيد توضيحاً لقوله:
                        { يشرح صدره للإسلام }
                        [الأنعام: 125]

                        { لَهُمْ دَارُ ٱلسَّلَٰمِ عِندَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }
                        قال ابن عاشور:
                        الضّمير في: { لهم دار السلام } عائد إلى
                        { قوم يذّكَّرون }
                        [الأنعام: 126].

                        { وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُمْ مِّنَ ٱلإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ ٱلإِنْسِ رَبَّنَا ٱسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَآ أَجَلَنَا ٱلَّذِيۤ أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ ٱلنَّارُ مَثْوَٰكُمْ خَٰلِدِينَ فِيهَآ إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ }

                        قال ابن عاشور:
                        لمّا ذكر ثواب القوم الّذين يتذّكرون بالآيات، وهو ثواب دار السّلام، ناسب أن يعطف عليه ذكر جزاء الّذين لا يتذكّرون، وهو جزاء الآخرة أيضاً، فجملة: { ويوم يحشرهم } إلخ معطوفة على جملة:
                        { لهم دار السّلام عند ربّهم }
                        [الأنعام: 127]. والمعنى: وللآخرين النّار مثواهم خالدين فيها. وقد صُوّر هذا الخبر في صورة ما يقع في حسابهم يوم الحشر، ثمّ أُفضي إلى غاية ذلك الحساب، وهو خلودهم في النّار.

                        وانتصب: { يومَ } على المفعول به لفعل محذوف تقديره: اذْكُر، على طريقة نظائره في القرآن، أو انتصب على الظرفيّة لفعل القول المقدّر.

                        والضّمير المنصوب بــــ { نحشرهم } عائد إلى
                        { الذين أجرموا }
                        [الأنعام: 124] المذكور في قوله:
                        { سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله }
                        [الأنعام: 124]، أو إلى
                        { الذين لا يؤمنون }
                        [الأنعام: 125] في قوله: { كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون }. وهؤلاء هم مقابل الّذين يتذكّرون، فإنّ جماعة المسلمين يُعتَبرون مخاطبين لأنّهم فريق واحد مع الرّسول عليه الصّلاة والسّلام ويعتبر المشركون فريقاً مبائناً لهم بعيداً عنهم، فيتحدّث عنهم بضمير الغيبة، فالمراد المشركون الّذين ماتوا على الشّرك وأُكّد بــــ { جميعاً } ليعمّ كلّ المشركين، وسادتهم، وشياطينهم، وسائر عُلَقهم.

                        ويجوز أن يعود الضّمير إلى الشّياطين وأوليائهم في قوله تعالى:
                        { وإنّ الشّياطين ليوحون إلى أوليائهم }
                        [الأنعام: 121] إلخ.

                        وقال الرازى فى تفسيره:

                        المسألة الثانية: الضمير في قوله: { وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ } إلى ماذا يعود؟ فيه قولان: الأول: يعودإلى المعلوم، لا إلى المذكور، وهو الثقلان، وجميع المكلفين الذين علم أن الله يبعثهم. والثاني: أنه عائد إلى الشياطين الذين تقدم ذكرهم في قوله:
                        { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نِبِىّ عَدُوّاً شَيَـٰطِينَ ٱلإِنسِ وَٱلْجِنّ يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً }
                        [الأنعام: 112].

                        { وَكَذٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ ٱلظَّٰلِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ }

                        قال الرازى فى تفسيره:

                        الفائدة الأولى: اعلم أنه تعالى لما حكى عن الجن والإنس أن بعضهم يتولى بعضاً بين أن ذلك إنما يحصل بتقديره وقضائه، فقال: { وَكَذٰلِكَ نُوَلّى بَعْضَ ٱلظَّـٰلِمِينَ بَعْضاً } والدليل على أن الأمر كذلك أن القدرة صالحة للطرفين أعني العداوة والصداقة، فلولا حصول الداعية إلى الصداقة لما حصلت الصداقة، وتلك الداعية لا تحصل إلا بخلق الله تعالى قطعاً للتسلسل. فثبت بهذا البرهان أنه تعالى هو الذي يولي بعض الظالمين بعضاً. وبهذا التقرير تصير هذه الآية دليلاً لنا في مسألة الجبر والقدر.

                        وقال ابن عاشور فى التحرير:

                        { نولي بعض الظالمين بعضاً } نجعل بعضهم أولياء بعض، ويكون ناظراً إلى قوله:
                        { وقال أولياؤهم من الإنس }
                        [الأنعام: 128].

                        { يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَىٰ أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا وَشَهِدُواْ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ }
                        قال الرازى فى تفسيره:
                        اعلم أن هذه الآية من بقية ما يذكره الله تعالى في توبيخ الكفار يوم القيامة، وبين تعالى أنه لا يكون لهم إلى الجحود سبيل، فيشهدون على أنفسهم بأنهم كانوا كافرين، وإنهم لم يعذبوا إلا بالحجة

                        تعليق

                        • اسامة محمد خيري
                          Registered User
                          • Dec 2008
                          • 12975

                          #177
                          { ذٰلِكَ أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَٰفِلُونَ }

                          قال الرازى فى تفسيره:

                          اعلم أنه تعالى لما بين أنه ما عذب الكفار إلا بعد أن بعث إليهم الأنبياء والرسل بين بهذه الآية أن هذا هو العدل والحق والواجب

                          وقال ابو حيان فى بحره:

                          { ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون } الإشارة بذلك إلى أقرب مذكور دل عليه الكلام وهو إتيان الرسل قاصين الآيات ومنذرين بالحشر والحساب والجزاء بسبب انتفاء إهلاك القرى بظلم وأهلها لم ينتهوا ببعثة الرسل إليهم والإعذار إليهم والتقدم بالأخبار بما يحل بهم، إذا لم يتبعوا الرسل وفي الحديث: " ليس أحد أحب إليه العذر من الله " فمن أجل ذلك أنزل الكتاب وأرسل الرسل

                          { وَلِكُلٍّ دَرَجَٰتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ وَمَا رَبُّكَ بِغَٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ }
                          قال ابن عاشور فى التحرير:
                          احتراس على قوله:
                          { ذلك أن لم يكن ربّك مهلك القرى بظلم }
                          [الأنعام: 131] للتنبيه على أنّ الصّالحين من أهل القرى الغالبِ على أهلها الشركُ والظّلم لا يُحرمون جزاء صلاحهم.

                          { وَرَبُّكَ ٱلْغَنِيُّ ذُو ٱلرَّحْمَةِ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُمْ مَّا يَشَآءُ كَمَآ أَنشَأَكُمْ مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ } * { إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ }
                          قال الرازى فى تفسيره:
                          في الآية مسائل:

                          المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما بين ثواب أصحاب الطاعات وعقاب أصحاب المعاصي والمحرمات وذكر أن لكل قوم درجة مخصوصة ومرتبة معينة، بين أن تخصيص المطيعين بالثواب، والمذنبين بالعذاب، ليس لأجل أنه محتاج إلى طاعة المطيعين أو ينتقص بمعصية المذنبين فإنه تعالى غني لذاته عن جميع العالمين، ومع كونه غنياً فإن رحمته عامة كاملة

                          وقال ابن عاشور فى التحرير:

                          { إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ }

                          هذه الجملة بدل اشتمال من جملة:
                          { إن يشأ يذهبكم }
                          [الأنعام: 133] فإنّ المشيئة تشتمل على حالين: حاللِ ترك إهلاكهم، وحالِ إيقاعه، فأفادت هذه الجملة أنّ مشيئة الله تعلّقت بإيقاع ما أوعدهم به من الإذهاب، ولك أن تجعل الجملة استئنافاً بيانياً: جواباً عن أن يقول سائل من المشركين، متوركاً بالوعيد: إذا كنّا قد أُمهلنا وأخِّر عنَّا الاستئصال فقد أُفلتنا من الوعيد، ولعلّه يلقاه أقوام بعدنا، فورد قوله: { إن ما توعدون لأت } مورد الجواب عن هذا السّؤال النّاشىء عن الكلام السّابق بتحقيق أنّ مَا أُوعد به المشركون، واقع لا محالة وإنْ تأخّر.

                          { قُلْ يَٰقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنَّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَٰقِبَةُ ٱلدَّارِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ }
                          قال ابن عاشور فى التحرير:
                          استئناف ابتدائي بعد قوله:
                          { إنَّ ما توعدون لآتٍ }
                          [الأنعام: 134] فإنّ المقصود الأوّل منه هو وعيد المشركين، كما مرّ، فأعقبه بما تمحّض لوعيدهم: وهو الأمر المستعمل في الإنذار والتّهديد، لِيُمْلِيَ لَهُمْ في ضلالهم إملاء يشعر، في متعارف التّخاطُب، بأنّ المأمور به ممّا يزيد المأمور استحقاقاً للعقوبة، واقتراباً منها. أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يُناديهم ويُهَدّدهم. وأمر أن يبتدىء خطابهم بالنّداء للاهتمام بما سيقال لهم، لأنّ النّداء يسترعي إسماع المنادَيْن، وكان المنادي عنوانَ القوم لما يشعر به من أنّه قد رقّ لحالهم حين توعدهم بقوله:
                          { إنَّ ما توعدون لآتٍ وما أنتم بمعجزين }
                          [الأنعام: 134] لأنّ الشأن أنّه يحبّ لقومه ما يحبّ لنفسه.

                          { وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَٰمِ نَصِيباً فَقَالُواْ هَـٰذَا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَـٰذَا لِشُرَكَآئِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَىٰ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ للَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَىٰ شُرَكَآئِهِمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ }
                          قال ابن عاشور فى التحرير:
                          عَطفٌ على نظائره ممّا حكيت فيه أقوالهم وأعمالهم من قوله:
                          { وما قدروا الله حقّ قدره إذ قالوا ما أنزل اللَّه على بشر من شيء }
                          [الأنعام: 91] وقوله:
                          { وجعلوا لله شركاء الجنّ }
                          [الأنعام: 100] وقوله:
                          { وأقسموا بالله جَهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنُنّ بها }
                          [الأنعام: 109] وقوله:
                          { وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله }
                          [الأنعام: 124] وما تخلّل ذلك فهو إبطال لأقوالهم، ورد لمذاهبهم، وتمثيلات ونظائر، فضمير الجماعة يعود على المشركين الّذين هم غرض الكلام من أوّل السّورة من قوله:
                          { ثم الذين كفروا بربّهم يعدلون }
                          [الأنعام: 1]. وهذا ابتداءُ بيان تشريعاتهم الباطلة، وأوّلُها مَا جعلوه حقّاً عليهم في أموالهم للأصنام: ممّا يشبه الصّدقات الواجبة، وإنَّما كانوا يوجبونها على أنفسهم بالالتزام مثل النّذور، أو بتعيين من الّذين يشرعون لهم كما سيأتي.

                          وقال الرازى فى تفسيره:
                          اعلم أنه تعالى لما بين قبح طريقتهم في إنكارهم البعث، والقيامة ذكر عقيبه أنواعاً من جهالاتهم وركاكات أقوالهم تنبيهاً على ضعف عقولهم، وقلة محصولهم، وتنفيراً للعقلاء عن الالتفات إلى كلماتهم، فمن جملتها أنهم يجعلون لله من حروثهم، كالتمر والقمح، ومن أنعامهم كالضأن والمعز والإبل والبقر، نصيباً، فقالوا: { هَـٰذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ } يريد بكذبهم.

                          وقال البقاعى فى تفسيره:

                          { وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَٰمِ نَصِيباً فَقَالُواْ هَـٰذَا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَـٰذَا لِشُرَكَآئِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَىٰ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ للَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَىٰ شُرَكَآئِهِمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ }

                          ولما تمت هذه الآيات من قبح طريقتهم في إنكار البعث وحسن طريقة الإسلام على هذا الأسلوب البديع والمثال البعيد المنال الرفيع وختمت بحال الظالم، شرع في تفصيل قوله
                          { أغير الله أتخذ ولياً فاطر السماوات والأرض }
                          [الأنعام: 14] على أسلوب آخر ابتدأه ببيان ظلمهم وجهالاتهم وأباطيلهم تنبيهاً على سخافة عقولهم تنفيراً عنهم بوضعهم الأشياء في غير مواضعها وإخراجها عمن هي له ونسبتها إلى من لا يملك شيئاً وقتل الأولاد وتسييب الأنعام وغير ذلك، فقال عاطفاً على
                          { وجعلوا لله شركاء الجن }
                          [الأنعام: 100]:

                          { وَكَذٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَٰدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ }

                          قال الرازى فى تفسيره:

                          المسألة الأولى: اعلم أن هذا هو النوع الثاني من أحكامهم الفاسدة، ومذاهبهم الباطلة

                          وقال ابن عاشور فى التحرير:

                          عطفٌ على جملة:
                          { وجعلوا لله ممّا ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً }
                          [الأنعام: 136] والتقدير: جَعَلوا وزيَّنَ لهم شركاؤُهم قتلَ أولادِهم فقتلوا أولادَهم، فهذه حكاية نوع من أنواع تشريعاتهم الباطلة، وهي راجعة إلى تصرّفهم في ذُرّيَّاتهم بعد أن ذكر تصرّفاتهم في نتائج أموالهم

                          { وَقَالُواْ هَـٰذِهِ أَنْعَٰمٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُهَآ إِلاَّ مَن نَّشَآءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَٰمٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَٰمٌ لاَّ يَذْكُرُونَ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا ٱفْتِرَآءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ }
                          قال الرازى فى تفسيره:
                          اعلم أن هذا نوع ثالث من أحكامهم الفاسدة، وهي أنهم قسموا أنعامهم أقساماً

                          وقال البقاعى فى تفسيره:
                          ولما ذكر إقدامهم على ما قبحه الشرع، ولامه على تقبيحه العقلُ من قتل الأولاد، أتبعه إحجامهم عما حسنه الشرع من ذبح بعض الأنعام لنفعهم، وضم إليه جملة مما منعوا أنفسهم منه ودانوا به لمجرد أهوائهم فقال: { وقالوا }

                          { وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلأَنْعَٰمِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَٰجِنَا وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَآءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حِكِيمٌ عَلِيمٌ }
                          قال الرازى فى تفسيره:

                          : هذا نوع رابع من أنواع قضاياهم الفاسدة كانوا يقولون في أجنة البحائر والسوائب ما ولد منها حياً فهو خالص لذكور لا تأكل منها الأناث، وما ولد ميتاً اشترك فيه الذكور والإناث سيجزيهم وصفهم، والمراد منه الوعيد { إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ } ليكون الزجر واقعاً على حد الحكمة وبحسب الاستحقاق.

                          { قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ قَتَلُوۤاْ أَوْلَٰدَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ ٱفْتِرَآءً عَلَى ٱللَّهِ قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ }
                          قال ابن عاشور فى التحرير:
                          تذييل جُعل فذلكة للكلام السّابق، المشتمل على بيان ضلالهم في قتل أولادهم، وتحجير بعض الحلال على بعض من أحلّ له.

                          { وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَ جَنَّٰتٍ مَّعْرُوشَٰتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَٰتٍ وَٱلنَّخْلَ وَٱلزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُتَشَٰبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَٰبِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ }

                          قال الامام الجليل الرازى فى تفسيره:

                          المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى جعل مدار هذا الكتاب الشريف على تقرير التوحيد والنبوة والمعاد وإثبات القضاء والقدر، وأنه تعالى بالغ في تقرير هذه الأصول، وانتهى الكلام إلى شرح أحوال السعداء والأشقياء، ثم انتقل منه إلى تهجين طريقة من أنكر البعث والقيامة، ثم أتبعه بحكاية أقوالهم الركيكة، وكلماتهم الفاسدة في مسائل أربعة. والمقصود التنبيه على ضعف عقولهم، وقلة محصولهم، وتنفير الناس عن الالتفات إلى قولهم، والاغترار بشبهاتهم فلما تمم هذه الأشياء عاد بعدها إلى ما هو المقصود الأصلي، وهو إقامة الدلائل على تقرير التوحيد فقال: { وَهُوَ ٱلَّذِى أَنشَأَ جَنَّـٰتٍ مَّعْرُوشَـٰتٍ }.

                          واعلم أنه قد سبق ذكر هذا الدليل في هذه السورة، وهو قوله:
                          { وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضراً نخرج منه حباً متراكباً ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبهاً وغير متشابه انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون }
                          [الأنعام: 99] فالآية المتقدمة ذكر تعالى فيها خمسة أنواع، وهي: الزرع والنخل، وجنات من أعناب والزيتون والرمان، وفي هذه الآية التي نحن في تفسيرها ذكر هذه الخمسة بأعيانها لكن على خلاف ذلك الترتيب لأنه ذكر العنب، ثم النخل، ثم الزرع، ثم الزيتون ثم الرمان وذكر في الآية المتقدمة { مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَـٰبِهٍ } وفي هذه الآية { مُتَشَـٰبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَـٰبِهٍ } ثم ذكر في الآية المتقدمة { ٱنْظُرُواْ إِلِىٰ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ } فأمر تعالى هناك بالنظر في أحوالها والاستدلال بها على وجود الصانع الحكيم، وذكر في هذه الآية { كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَءاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ } فأذن في الانتفاع بها، وأمر بصرف جزء منها إلى الفقراء، فالذي حصل به الامتياز بين الآيتين أن هناك أمر بالاستدلال بها على الصانع الحكيم وههنا أذن في الانتفاع بها، وذلك تنبيه على أن الأمر بالاستدلال بها على الصانع الحكيم مقدم على الإذن في الانتفاع بها لأن الحاصل من الاستدلال بها سعادة روحانية أبدية والحاصل من الانتفاع بهذه سعادة جسمانية سريعة الانقضاء، والأول أولى بالتقديم، فلهذا السبب قدم الله تعالى الأمر بالاستدلال بها على الإذن بالانتفاع بها.

                          وقال ابو حيان فى بحره:

                          مناسبة هذه الآية لما قبلها أنه تعالى لما أخبر عنهم أنه حرموا أشياء مما رزقهم الله، أخذ يذكر تعالى ما امتنّ به عليهم من الرزق الذي تصرّفوا فيه بغير إذنه تعالى افتراء منهم عليه واختلافاً فذكر نوعي الرزق النباتي والحيواني فبدأ بالنباتي كما بدأ به في الآية المشبهة لهذا، واستطرد منه إلى الحيواني إذ كانوا قد حرّموا أشياء من النوعين

                          { وَمِنَ ٱلأَنْعَٰمِ حَمُولَةً وَفَرْشاً كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَٰنِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ }

                          قال الرازى فى تفسيره:
                          اعلم أنه تعالى لما ذكر كيفية إنعامه على عباده بالمنافع النباتية أتبعها بذكر إنعامه عليهم بالمنافع الحيوانية.

                          { ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ مِّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلأُنثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ } * { وَمِنَ ٱلإِبْلِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ ٱثْنَيْنِ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنْثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ وَصَّٰكُمُ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ ٱلنَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ }
                          قال ابن عاشور فى التحرير:
                          جملة: { ثمانية أزواج } حال من
                          { من الأنعام }
                          [الأنعام: 142]. ذكر توطئة لتقسيم الأنعام إلى أربعة أصناف الّذي هو توطئة للردّ على المشركين لقوله: { قل ءآلذكرين حرم أم الأنثيين } إلى قوله { أم كنتم شهداء } أي أنشأ من الأنعام حمولة إلى آخره حالة كونها ثمانية أزواج.

                          وقال البقاعى فى تفسيره:

                          ولما رد دين المشركين وأثبت دينه، وكانوا قد فصلوا الحرمة بالنسبة إلى ذكور الآدمي وإناثه، ألزمهم تفصيلها بالنسبة إلى ذكور الأنعام وإناثه، ففصل أمرها في أسلوب أبان فيها أن فعلهم رث القوى هلهل النسيج بعيد من قانون الحكمة، فهو موضع للاستهزاء وأهل للتهكم، فقال بياناً لـ { حمولة وفرشاً } { ثمانية أزواج } أي أصناف، لا يكمل صنف منها إلا بالآخر، أنشأها بزواج كل من الذكر والأنثى الآخر، ولحق بتسميتهم الفرد بالزوج - بشرط أن يكون آخر من جنسه - تسميتهم الزجاجة كأساً بشرط أن يكون فيها خمر.

                          وقال ابو حيان فى بحره:
                          { من الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين } انتقل من توبيخهم في نفي علمهم بذلك إلى توبيخهم في نفي شهادتهم ذلك وقت توصية الله إياهم بذلك، لأن مدرك الأشياء المعقول والمحسوس فإذا انتفيا فكيف يحكم بتحليل أو بتحريم؟ وكيفية انتفاء الشهادة منهم واضحة وكيفية انتفاء العلم بالعقل إن ذلك مستند إلى الوحي وكانوا لا يصدّقون بالرسل، ومع انتفاء هذين كانوا يقولون: إن الله حرم كذا افتراء عليه. قال الزمخشري: فتهكم بهم في قوله:
                          { أم كنتم شهداء }
                          [البقرة: 133] على معنى أعرفتم التوصية به مشاهدين لأنكم لا تؤمنون بالرسل؛ انتهى. وقدم الإبل على البقر لأنها أغلى ثمناً وأغنى نفعاً في الرحلة، وحمل الأثقال عليها وأصبر على الجوع والعطش وأطوع وأكثر انقياداً في الإناخة والإثارة.


                          { قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }

                          قال الرازى فى تفسيره:

                          اعلم أنه تعالى لما بين فساد طريقة أهل الجاهلية فيما يحل ويحرم من المطعومات أتبعه بالبيان الصحيح في هذا الباب،

                          وقال ابو حيان فى بحره:
                          } لما ذكر أنهم حرموا ما حرموا افتراء على الله، أمره تعالى أن يخبرهم بأن مدرك التحريم إنما هو بالوحي من الله تعالى وبشرعه لا بما تهوي الأنفس وما تختلقه على الله تعالى، وجاء الترتيب هنا كالترتيب الذي في البقرة والمائدة وجاء هنا هذه المحرمات منكرة والدم موصوف بقوله: { مسفوحاً } والفسق موصوفاً بقوله: { أهلَّ لغير الله به } وفي تينك السورتين معرفاً لأن هذه السورة مكية فعلق بالتنكير، وتانك السورتان مدنيتان فجاءت تلك الأسماء معارف بالعهد حوالة على ما سبق تنزيله في هذه السورة

                          تعليق

                          • اسامة محمد خيري
                            Registered User
                            • Dec 2008
                            • 12975

                            #178
                            { وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ وَٱلْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ ٱلْحَوَايَآ أَوْ مَا ٱخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذٰلِكَ جَزَيْنَٰهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَٰدِقُونَ }

                            قال ابن عاشور فى التحرير:

                            جملة: { وعلى الذين هادوا حرمنا } عَطْف على جملة:
                            { قُل }
                            [الأنعام: 145] عطفَ خبر على إنشاء، أي بيِّن لهم ما حرّم في الإسلام، واذكُرْ لهم ما حرّمنا على الّذين هادوا قبل الإسلام، والمناسبة أنّ الله لمّا أمر نبيّه عليه الصلاة والسلام أن يبيّن ما حَرّم الله أكله من الحيوان، وكان في خلال ذلك تنبيه على أنّ ما حرّمه الله خبيث بعضُه لا يصلح أكله بالأجساد الّذي قال فيه
                            { فإنه رجس }
                            [الأنعام: 145]، ومنه ما لا يلاقي واجب شكر الخالق وهو الّذي قال فيه:
                            { أو فِسقاً أهل لغير الله به }
                            [الأنعام: 145] أعقب ذلك بذكر ما حرّمه على بني إسرائيل تحريماً خاصّاً لحكمة خاصّة بأحوالهم، وموقَّتة إلى مجيء الشّريعة الخاتمة. والمقصود من ذكر هذا الأخير: أن يظهر للمشركين أنّ ما حرّموه ليس من تشريع الله في الحال ولا فيما مضى، فهو ضلال بحت. وتقديم المجرور على متعلَّقة في قوله: { وعلى الذين هادوا حرمنا } لإفادة الاختصاص، أي عليهم لا على غيرهم من الأمم.

                            وقال ابو حيان فى بحره:

                            مناسبة هذه لما قبلها أنه لما بين أن التحريم إنما يستند للوحي الإلهي أخبر أنه حرّم على بعض الأمم السابقة أشياء، كما حرّم على أهل هذه الملة أشياء مما ذكرها في الآية قبل فالتحريم إنما هو راجع إلى الله تعالى في الأمم جميعها

                            { فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ }
                            قال ابن عاشور فى التحرير:
                            تفريع على الكلام السّابق الذي أبطل تحريم ما حرّموه، ابتداء من قوله:
                            { ثمانية أزواج }
                            [الأنعام: 143] الآيات أي: فإن لم يرعَوُوا بعد هذا البيان وكذّبوك في نفي تحريم الله ما زعموا أنَّه حرّمه فذكِّرهم ببأس الله لعلّهم ينتهون عمّا زعموه، وذكِّرهم برحمته الواسعة لعلّهم يبادرون بطلب ما يخوّلهم رحمته من اتّباع هَدي الإسلام، فيعود ضمير: { كذبوك } إلى المشركين وهو المتبادر من سياق الكلام: سابِقِه ولاحقه، وعلى هذا الوجه يجوز أن يكون في قوله: { فقل ربكم ذو رحمة واسعة } تنبيه لهم بأنّ تأخير العذاب عنهم هو إمهال داخل في رحمة الله رحمة مؤقّته، لعلّهم يسلمون. وعليه يكون معنى فعل: { كذبوك } الاستمرار، أي إن استمرّوا على التّكذيب بعد هذه الحجج.

                            ويجوز أن يعود الضّمير إلى
                            { الذين هادوا }
                            [الأنعام: 146]، تكملة للاستطراد وهو قول مجاهد والسُدّي: أنّ اليهود قالوا لم يُحرّم الله علينا شيئاً وإنَّما حرّمنا ما حرّم إسرائيل على نفسه، فيكون معنى الآية: فَرْض تكذيبهم قوله:
                            { وعلى الذين هادوا حرمنا }
                            [الأنعام: 146] إلخ، لأنّ أقوالهم تخالف ذلك فهم بحيث يكذّبون ما في هذه الآية، ويشتبه عليهم الإمهال بالرّضى، فقيل لهم: { ربكم ذو رحمة واسعة }. ومن رحمته إمهاله المجرمين في الدّنيا غالباً.

                            { سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّىٰ ذَاقُواْ بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَآ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ } * { قُلْ فَلِلَّهِ ٱلْحُجَّةُ ٱلْبَالِغَةُ فَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ }

                            قال ابن عاشور فى التحرير:

                            استئناف رجع به الكلام إلى مجادلة المشركين بعد أن اعترض بينها بقوله:
                            { قل لا أجد في مآ أوحي إليّ محرماً على طاعم يطعمه }
                            [الأنعام: 145] إلى قوله
                            { فإنّ ربّك غفور رحيم }
                            [الأنعام: 145]، فلمّا قطع الله حجّتهم في شأن تحريم ما حرّموه، وقسمة ما قسموه، استقصى ما بقي لهم من حجّة وهي حجّة المحجوج المغلوب الذي أعيته المجادلة ولم تبق له حجّة، إذ يتشبّث بالمعاذير الواهية لترويج ضلاله، بأن يقول: هذا أمر قضي وقدّر.

                            فإن كان ضمير الرّفع في قوله:
                            { فإن كذبوك }
                            [الأنعام: 147] عائداً إلى المشركين كان قوله تعالى هنا: { سيقول الذين أشركوا } إظهاراً في مقام الإضمار لزيادة تفظيع أقوالهم، فإخبار الله عنهم بأنَّهم سيقولون ذلك إن كان نزول هذه الآية قبلَ نزول آية سورة النّحل (35):
                            { وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء }
                            وهو الأرجح، فإنّ سورة النَّحل معدودة في النّزول بعد سورة الأنعام، كان الإخبار بأنَّهم سيقولونه اطلاعاً على ما تُكنّه نفوسهم من تزوير هذه الحجّة، فهو معجزة من معجزات القرآن من نوع الإخبار بالغيب كقوله تعالى:
                            { فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا }
                            [البقرة: 24]. وإن كان نزول هذه الآية بعد نزول آية سورة النّحل فالإخبار بأنَّهم سيقولونه معناه أنَّهم سيعيدون معذرتهم المألوفة.

                            وقال الامام فخر الدين الرازى فى تفسيره المبارك ردا على المعتزله :

                            اعلم أنه تعالى لما حكى عن أهل الجاهلية إقدامهم على الحكم في دين الله بغير حجة ولا دليل، حكى عنهم عذرهم في كل ما يقدمون عليه من الكفريات، فيقولون: لو شاء الله منا أن لا نكفر لمنعنا عن هذا الكفر، وحيث لم يمنعنا عنه، ثبت أنه مريد لذلك فإذا أراد الله ذلك منا امتنع منا تركه فكنا معذورين فيه، وفي الآية مسائل:

                            المسألة الأولى: اعلم أن المعتزلة زعموا أن هذه الآية تدل على قولهم في مسألة إرادة الكائنات من سبعة أوجه:

                            فالوجه الأول: أنه تعالى حكى عن الكفار صريح قول المجبرة وهو قولهم: لو شاء الله منا أن لا نشرك لم نشرك، وإنما حكى عنهم هذا القول في معرض الذم والتقبيح، فوجب كون هذا المذهب مذموماً باطلاً.....

                            والجواب المعتمد في هذا الباب أن نقول: إنا بينا أن هذه السورة من أولها إلى آخرها تدل على صحة قولنا ومذهبنا، ونقلنا في كل آية ما يذكرونه من التأويلات وأجبنا عنها بأجوبة واضحة قوية مؤكدة بالدلائل العقلية القاطعة.

                            وإذا ثبت هذا، فلو كان المراد من هذه الآية ما ذكرتم، لوقع التناقض الصريح في كتاب الله تعالى فإنه يوجب أعظم أنواع الطعن فيه.

                            إذا ثبت هذا فنقول: إنه تعالى حكى عن القوم أنهم قالوا { لَوْ شَاء ٱللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا } ثم ذكر عقيبه { كَذٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } فهذا يدل على أن القوم قالوا لما كان الكل بمشيئة الله تعالى وتقديره، كان التكليف عبثاً، فكانت دعوى الأنبياء باطلة، ونبوتهم ورسالتهم باطلة، ثم إنه تعالى بين أن التمسك بهذا الطريق في إبطال النبوة باطل، وذلك لأنه إله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، ولا اعتراض عليه لأحد في فعله، فهو تعالى يشاء الكفر من الكافر، ومع هذا فيبعث إليه الأنبياء ويأمره بالإيمان، وورود الأمر على خلاف الإرادة غير ممتنع.

                            فالحاصل: أنه تعالى حكى عن الكفار أنهم يتمسكون بمشيئة الله تعالى في إبطال نبوة الأنبياء، ثم إنه تعالى بين أن هذا الاستدلال فاسد باطل، فإنه لا يلزم من ثبوت المشيئة لله في كل الأمور دفع دعوة الأنبياء، وعلى هذا الطريق فقط سقط هذا الاستدلال بالكلية، وجميع الوجوه التي ذكرتموها في التقبيح والتهجين عائد إلى تمسككم بثبوت المشيئة لله على دفع دعوة الأنبياء، فيكون الحاصل: أن هذا الاستدلال باطل، وليس فيه البتة ما يدل على أن القول بالمشية باطل.

                            { قُلْ فَلِلَّهِ ٱلْحُجَّةُ ٱلْبَالِغَةُ فَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ }
                            قال ابن عاشور فى التحرير:
                            جواب عن قولهم:
                            { لو شاء الله ما أشرَكْنا ولا آباؤنا }
                            [الأنعام: 148] تكملة للجواب السّابق لأنَّه زيادة في إبطال قولهم، وهو يشبه المعارضة في اصطلاح أهل الجدل.

                            { قُلْ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَ هَـٰذَا فَإِن شَهِدُواْ فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ }
                            قال الرازى فى تفسيره:
                            اعلم أنه تعالى لما أبطل على الكفار جميع أنواع حججهم بين أنه ليس لهم على قولهم شهود البتة

                            { قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ ذٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ }
                            قال الرازى فى تفسيره:
                            اعلم أنه تعالى لما بين فساد ما يقول الكفار أن الله حرم علينا كذا وكذا، أردفه تعالى ببيان الأشياء التي حرمها عليهم، وهي الأشياء المذكورة في هذه الآية،

                            وقال البقاعى فى تفسيره:
                            ولما أبطل دينهم كله أصولاً وفروعاً في التحريم والإشراك، وبين فساده بالدلائل النيرة، ناسب أن يخبرهم بالدين الحق مما حرمه الملك الذي له الخلق والأمر ومن غيره، فليس التحريم لأحد غيره فقال: { قل تعالوا
                            { وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَٱعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ وَبِعَهْدِ ٱللَّهِ أَوْفُواْ ذٰلِكُمْ وَصَّـٰكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ }

                            قال الرازى فى تفسيره:
                            اعلم أنه تعالى ذكر في الآية الأولى خمسة أنواع من التكاليف، وهي أمور ظاهرة جلية لا حاجة فيها إلى الفكر والاجتهاد، ثم ذكر تعالى في هذه الآية أربعة أنواع من التكاليف، وهي أمور خفية يحتاج المرء العاقل في معرفته بمقدارها إلى التفكر، والتأمل والاجتهاد.

                            وقال البقاعى فى تفسيره:
                            ولما كان المال عديل الروح من حيث إنه لا قوام لها إلا به، ابتدأ الآية التي تليها بالأموال، ولما كان أعظمها خطراً وحرمة مال اليتيم لضعفه وقلة ناصره، ابتدأ به فنهي عن قربه فضلاً عن أكله أو شربه فقال: { ولا تقربوا مال اليتيم }

                            { وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }
                            قال الالوسي فى تفسيره:
                            { وَأَنَّ هَـٰذَا صِرٰطِي } إشارة إلى شرعه عليه الصلاة والسلام على ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ويلائمه النهي الآتي، وعن مقاتل أنه إشارة إلى ما في الآيتين من الأمر والنهي، وقيل: إلى ما ذكر في السورة فإن أكثرها في إثبات التوحيد والنبوة وبيان الشريعة.

                            { ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ تَمَاماً عَلَى ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ }
                            قال الشيخ ابن عاشور فى التحرير:
                            { ثُمّ } هنا عاطفة على جملة:
                            { قل تعالوا }
                            [الأنعام: 151] فليست عاطفة للمفردات، فلا يُتوهَّم أنَّها لتراخي الزّمان، بل تنسلخ عنه حين تعطف الجمل فتدل على التّراخي في الرّتبة، وهو مهلة مجازيّة، وتلك دلالة (ثُم) إذا عطفت الجُمَل. وقد استصعب على بعض المفسّرين مسلك (ثُمّ) في هذه الآية لأنّ إتيان موسى عليه السّلام الكتاب ليس برتبة أهمّ من رتبة تلاوة ما حرّمه الله من المحرّمات وما فرضه من اتّباع صراط الإسلام. وتعدّدت آراء المفسّرين في محمل (ثُمّ) هنا إلى آراء: للفراء، والزجاج، والزّمخشري، وأبي مسلم، وغيرهم، كلّ يروم التخلّص من هذا المضيق.

                            والوجه عندي: أنّ (ثُمّ) ما فارقت المعروف من إفادة التّراخي الرّتبي، وأنّ تراخي رتبة إيتاء موسى عليه السّلام الكتاب عن تلاوة ما حَرّم الله في القرآن، وما أمر به من ملازمة صراط الإسلام، إنَّما يظهر بعد النَّظر إلى المقصود من نظم الكلام، فإنّ المقصود من ذكر إيتاء موسى عليه السّلام الكتاب ليس لذاته بل هو التّمهيد لقوله:
                            { وهذا كتاب أنزلناه مبارك }
                            [الأنعام: 92] ليرتّب عليه قوله:
                            { أن تقولوا إنَّما أنْزِل الكتابُ على طائفتين من قبلنا }
                            إلى قوله:
                            { وهدى ورحمة }
                            [الأنعام: 156، 157]، فمعنى الكلام: وفوْق ذلك فهذا كتاب أنزلناه مبارك جمع فيه ما أوتيه موسى عليه السّلام (وهو أعظم ما أوتيه الأنبياء من قبله) وما في القرآن: الذي هو مصدّق لما بين يديه ومهيمن عليه؛ إن اتَّبعتموه واتَّقيتم رَحمناكم ولا معذرة لكم أن تقولوا لو أنزل لنا كتاب لكنّا أفضل اهتداءً من أهل الكتابين، فهذا غرض أهمّ جمعاً لاتّباع جميع ما اشتمل عليه القرآن، وأدْخل في إقناع المخاطبين بمزية أخذهم بهذا الكتاب.

                            ومناسبة هذا الانتقال: ما ذكر من صراط الله الذي هو الإسلام، فإنّ المشركين لمّا كذّبوا دعوة الإسلام ذكَّرهم الله بأنَّه آتى موسى عليه السّلام الكتاب كما اشتهر بينهم حسبما بيّناه عند قوله تعالى:
                            { وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى }
                            ( 91) الآية، في هذه السّورة، لينتقل إلى ذكر القرآن والتّحريض على اتّباعه فيكون التّذكير بكتاب موسى عليه السّلام تمهيداً لذلك الغرض.

                            وقال الرازى فى تفسيره:

                            اعلم أن قوله: { ثُمَّ ءاتَيْنَا } فيه وجوه: الأول: التقدير: ثم إني أخبركم بعد تعديد المحرمات وغيرها من الأحكام، إن آتينا موسى الكتاب، فذكرت كلمة «ثم» لتأخير الخبر عن الخبر، لا لتأخير الواقعة، ونظيره قوله تعالى:
                            { وَلَقَدْ خَلَقْنَـٰكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَـٰكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَـٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ }
                            [الأعراف: 11]

                            والثاني: أن التكاليف التسعة المذكورة في الآية المتقدمة التكليف لا يجوز اختلافها بحسب اختلاف الشرائع بل هي أحكام واجبة الثبوت من أول زمان التكليف إلى قيام القيامة. وأما الشرائع التي كانت التوبة مختصة بها، فهي إنما حدثت بعد تلك التكاليف التسعة، فتقدير الآية أنه تعالى لما ذكرها قال: ذلكم وصاكم به يا بني آدم قديماً وحديثاً، ثم بعد ذلك آتينا موسى الكتاب.

                            الثالث: أن فيه حذفاً تقديره: ثم قل يا محمد إنا آتينا موسى، فتقديره: اتل ما أوحى إليك، ثم اتل عليهم خبر ما آتينا موسى.

                            { وَهَـٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ مُبَارَكٌ فَٱتَّبِعُوهُ وَٱتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } * { أَن تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أُنزِلَ ٱلْكِتَابُ عَلَىٰ طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ } * { أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْكِتَابُ لَكُنَّآ أَهْدَىٰ مِنْهُمْ فَقَدْ جَآءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي ٱلَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ }

                            قال ابن عاشور فى التحرير:
                            جملة: { وهذا كتاب أنزلته مبارك } عطف على جملة:
                            { ثمّ آتينا موسى الكتاب }
                            [الأنعام: 154]. والمعنى: آتينا موسى الكتاب وأنزلنا هذا الكتاب كما تقدّم عند قوله تعالى:
                            { ثم آتينا موسى الكتاب }
                            [الأنعام: 154] الخ...

                            تعليق

                            • اسامة محمد خيري
                              Registered User
                              • Dec 2008
                              • 12975

                              #179
                              { هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَٰنُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِيۤ إِيمَٰنِهَا خَيْراً قُلِ ٱنتَظِرُوۤاْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ }
                              قال الرازى فى تفسيره:
                              واعلم أنه تعالى لما بين أنه إنما أنزل الكتاب إزالة للعذر، وإزاحة للعلة، وبين أنهم لا يؤمنون ألبتة وشرح أحوالاً توجب اليأس عن دخولهم في الإيمان فقال: { هَلْ يَنظُرُونَ إِلاّ أَن تَأْتِيهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ } ونظير هذه الآية قوله في سورة البقرة:
                              { هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مّنَ ٱلْغَمَامِ }
                              [البقرة: 210] ومعنى ينظرون ينتظرون وهل استفهام معناه النفي، وتقدير الآية: أنهم لا يؤمنون بك إلا إذا جاءهم أحد هذه الأمور الثلاثة، وهي مجيء الملائكة، أو مجيء الرب، أو مجيء الآيات القاهرة من الرب.

                              { إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَآ أَمْرُهُمْ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ }

                              قال ابو حيان فى بحره:

                              لما ذكر تعالى أن صراطه مستقيم ونهى عن اتباع السبل وذكر موسى عليه السلام وما أنزل عليه وذكر القرآن وأمر باتباعه وذكر ما ينتظر الكفار مما هو كائن بهم، انتقل إلى ذكر من اتبع السبل فتفرّقت به عن سبيل الله لينبه المؤمنين على الائتلاف على الدين القويم، ولئلا يختلفوا كما اختلف من قبلهم من الأمم بعد أن كانوا متفقين على الشرائع التي بعث أنبياؤهم بها والذين فرّقوا دينهم الحرورية أو أهل الضلالة من هذه الأمّة أو أصحاب البدع أو الأهواء منهم،

                              وقال البقاعى فى تفسيره:

                              ولما نهى عن اتباع السبل لأنها سبب التفرق عن الحق، وكان قد كرر في هذه السورة نصب الحجج وإنارة الأدلة وإزاحة الشكوك ومحو آثار الشبه، وأشرفت السورة على الانقضاء. وكان من المعلوم قطعاً أن الحق - من حيث هو حق - شديد التأثير في إزهاق الباطل فكيف إذا كان كلام الملك الذي لا يخالف أمره ولا يخرج عن إرادته؛ اشتد استشراف النبي صلى الله عليه وسلم إلى رؤية ذلك الأثر مع ما عنده من الحرص على إسلام قومه لما طبعه الله عليه من الشفقة على جميع الخلق عموماً وعليهم خصوصاً، وإنما يكون ذلك الأثر بإيجاد هدايتهم ومحو غوايتهم، فلما ختم سبحانه بهذين التهديدين العظيمين الدالين على غشاوتهم، فإنه صلى الله عليه وسلم مما كان رجاه من هدايتهم أمر كأنه كان قد حصل، وذلك مورث للشفوق من الأسف على ما لا يدري قدره ولا يوصف خبره، فثبته سبحانه وسلاه بقوله: { إن الذين فرقوا

                              وقال الالوسي فى تفسيره:

                              { إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ } استئناف لبيان أحوال أهل الكتابين إثر بيان حال المشركين بناء على ما روي عن ابن عباس وقتادة أن الآية نزلت في اليهود والنصارى أي بددوا دينهم وبعضوه فتمسك بكل بعض منه فرقة منهم

                              { مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَىۤ إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ }

                              قال ابن عاشور فى التحرير:

                              من عادة القرآن أنَّه إذا أنذر أعقب الإنذار ببشارة لمن لا يحقّ عليه ذلك الإنذار، وإذا بَشَّر أعقب البشارة بنذارة لمن يتَّصف بضدّ ما بشر عليه، وقد جرى على ذلك ههنا: فإنَّه لمّا أنذر المؤمنين وحذرهم من التريُّثثِ في اكتساب الخير، قبل أن يأتي بعض آياتتِ الله القاهرة، بقوله:
                              { لاَ يَنْفَع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً }
                              [الأنعام: 158] فحَدّ لَهم بذلك حدّاً هو من مظهر عدله، أعقب ذلك ببشرى من مظاهر فضله وعَدله. وهي الجزاء على الحسنة بعشر أمثالها والجزاء على السيّئة بمثلها، فقوله: { من جاء بالحسنة } إلى آخره استئناف ابتدائي جرى على عرف القرآن في الانتقال بين الأغراض.

                              فالكلام تذييل جامع لأحوال الفريقين اللذين اقتضاهما قوله:
                              { لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً }
                              [الأنعام: 158]. وهذا بيان لبعض الإجمال الذي في قوله: { لا ينفع نفساً إيمانها } الآية، كما تقدّم آنفاً.

                              وقال البقاعى فى تفسيره:

                              ولما أخبر أن أمرهم ليس إلا إليه، كان كأنه قيل: فماذا يفعل بهم حينئذ؟ فأجيب بقوله: { من جاء }

                              { قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ }
                              قال الرازى فى تفسيره:
                              اعلم أنه تعالى لما علم رسوله أنواع دلائل التوحيد، والرد على القائلين بالشركاء والأنداد والأضداد وبالغ في تقرير إثبات التوحيد، والرد على القائلين بالشركاء والأنداد والأضداد، وبالغ في تقرير إثبات التوحيد والنافين للقضاء والقدر، ورد على أهل الجاهلية في أباطيلهم، أمره أن يختم الكلام بقوله: { إِنَّنِى هَدَانِى رَبّى إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ }

                              وقال ابن عاشور فى التحرير:

                              استئناف ابتدائي للانتقال من مجادلة المشركين، وما تخلّلها، إلى فذلكة ما أُمر به الرّسول صلى الله عليه وسلم في هذا الشّأن، غَلقاً لباب المجادلة مع المعرضين، وإعلاناً بأنّه قد تقلّد لنفسه ما كان يجادلهم فيه ليتقلّدوه وأنَّه ثابت على ما جاءهم به، وأنّ إعراضهم لا يزلزله عن الحقّ.

                              وفيه إيذان بانتهاء السّورة لأنّ الواعظ والمناظر إذا أشبع الكلام في غرضه، ثمّ أخذ يبين ما رَضِيه لِنفسه وما قَرّ عليه قَراره، علم السّامع أنَّه قد أخذ يطوي سجلّ المحاجّة، ولذلك غيّر الأسلوب. فأمر الرّسول صلى الله عليه وسلم بأن يقول أشياء يعلن بها أصول دينه، وتكرّر الأمر بالقول ثلاث مرّات تنويهاً بالمقول.

                              وقوله: { إنني هداني ربي } متصل بقوله:
                              { وأنّ هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه }
                              [الأنعام: 153] الذي بيّنه بقوله:
                              { وهذا كتاب أنزلناه مبارك }
                              [الأنعام: 92] فزاده بياناً بقوله هذا: { قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم } ، ليبيّن أنّ هذا الدّين إنَّما جاء به الرّسول صلى الله عليه وسلم بهدي من الله، وأنَّه جعله ديناً قيّماً على قواعد ملّة إبراهيم عليه السّلام، إلاّ أنَّه زائد عليه بما تضمّنه من نعمة الله عليه إذ هداه إلى ذلك الصّراط الذي هو سبيل النّجاة. وافتُتح الخبر بحرف التّأكيد لأنّ الخطاب للمشركين المكذّبين.

                              { قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } * { لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُسْلِمِينَ }
                              قال الرازى فى تفسيره:
                              اعلم أنه تعالى كما عرفه الدين المستقيم عرفه كيف يقوم به ويؤديه فقوله: { قُلْ إِنَّ صَلاَتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } يدل على أنه يؤديه مع الأخلاص وأكده بقوله: { لاَ شَرِيكَ لَهُ } وهذا يدل على أنه لا يكفي في العبادات أن يؤتى بها كيف كانت بل يجب أن يؤتى بها مع تمام الإخلاص وهذا من أقوى الدلائل على أن شرط صحة الصلاة أن يؤتى بها مقرونة بالأخلاص.

                              { قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ }

                              قال البقاعى فى تفسيره:
                              ولما حاجوه في الشرك في هذه السورة غير مرة كما حاج إبراهيم عليه السلام قومه، وكان آخر ذلك أن دعاهم صلى الله عليه وسلم إلى تلاوة ما أنزل عليه سبحانه في تحريم الشرك وشرح دينه القيم، ثم كرر هنا ذمهم بالتفرق الدال على الضلال ولا بد، ومدح دين الرسل الذي تقدم أنهم لم يختلفوا فيه أصلاً، وأيأس الكفار من موافقته صلى الله عليه وسلم لهم نوعاً من الموافقة وميله معهم شيئاً من الميل، أمره سبحانه - بعد أن ثبت بأول السورة وأثنائها وآخرها أنه لا رب غيره - بالإنكار على من يريد منه ميلاً إلى غير من تفرد بمحياه ومماته، فكان له التفرد بما بينهما وما بعد ذلك من غير شبهة، والتوبيخ الشديد فقال: { قل

                              وقال الرازى فى تفسيره:

                              اعلم أنه تعالى لما أمر محمداً صلى الله عليه وسلم بالتوحيد المحض، وهو أن يقول: { إِنَّ صَلاَتِى وَنُسُكِى } إلى قوله: { لاَ شَرِيكَ لَهُ } أمره بأن يذكر ما يجري مجرى الدليل على صحة هذا التوحيد

                              { وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ ٱلأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ ٱلْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ }
                              قال ابن عاشور فى التحرير
                              يَظهر أنّ هذا دليل على إمكان البعث، وعلى وقوعه، لأنّ الذي جعل بعض الأجيال خلائف لما سبَقَها، فعمَروا الأرض جيلاً بعد جيل، لا يُعجزه أن يحشرها جميعاً بعد انقضاء عالم حياتها الأولى. ثمّ إنّ الذي دبَّر ذلك وأتقنه لا يليق به أن لا يقيم بينهم ميزان الجزاء على ما صنعوا في الحياة الأولى لئلا يذهب المعتدون والظّالمون فائزين بما جنوا، وإذا كان يقيم ميزان الجزاء على الظّالمين فكيف يترك إثابة المحسنين، وقد أشار إلى الشقّ الأول قوله: { وهو الذي جعلكم خلائف الأرض } ، وأشار إلى الشقّ الثّاني قوله: { ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلونكم في ما آتاكم }. ولذلك أعقبه بتذييله: { إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم }.

                              فالخطابُ موجَّه إلى المشركين الذين أمِر الرّسولُ عليه الصلاة والسلام بأن يقول لهم:
                              { أغير الله أبغي رباً }
                              [ الأنعام: 164]؛ وذلك يذكّر بأنَّهم سيصيرون إلى ما صار إليه أولئك. فموقع هذه عقب قوله:
                              { ثم إلى ربكم مرجعكم }
                              [الأنعام: 164] تذكير بالنّعمة، بعد الإنذار بسلبها، وتحريض على تدارك ما فات، وهو يفتح أعينهم للنّظر في عواقب الأمم وانقراضها وبقائها.

                              ويجوز أن يكون الخطاب للرّسول عليه الصّلاة والسّلام والأمّة الإسلاميّة، وتكون الإضافة على معنى اللام، أي جعلكم خلائف الأمم التي ملكتْ الأرض فأنتم خلائفُ للأرض، فتكون بشارة للأمّة بأنَّها آخر الأمم المجعولة من الله لتعمير الأرض. والمراد: الأمم ذوات الشّرائع الإلهيّة وأياً ما كان فهو تذكير بعظيم صنع الله ومنّته لاستدعاء الشّكر والتّحذير من الكفر.

                              تعليق

                              • اسامة محمد خيري
                                Registered User
                                • Dec 2008
                                • 12975

                                #180
                                سورة الأعراف

                                { ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ }


                                قال الرازى فى تفسيره:

                                اعلم أن أمر الرسالة إنما يتم بالمرسل وهو الله سبحانه وتعالى والمرسل وهو الرسول، والمرسل إليه، وهو الأمة، فلما أمر في الآية الأولى الرسول بالتبليغ والإنذار مع قلب قوي، وعزم صحيح أمر المرسل إليه. وهم الأمة بمتابعة الرسول

                                وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ } * { فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَآ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ }


                                قال الرازى فى تفسيره:


                                اعلم أنه تعالى لما أمر الرسول عليه الصلاة والسلام بالإنذار والتبليغ، وأمر القوم بالقبول والمتابعة ذكر في هذه الآية ما في ترك المتابعة والإعراض عنها من الوعيد،

                                { فَلَنَسْأَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ } * { فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ }
                                قال الرازى فى تفسيره:
                                في الآية مسائل:

                                المسألة الأولى: في تقرير وجه النظم وجهان:

                                الوجه الأول: أنه تعالى لما أمر الرسل في الآية المتقدمة بالتبليغ، وأمر الأمة بالقبول والمتابعة، وذكر التهديد على ترك القبول والمتابعة بذكر نزول العذاب في الدنيا، أتبعه بنوع آخر من التهديد، وهو أنه تعالى يسأل الكل عن كيفية أعمالهم يوم القيامة.

                                الوجه الثاني: أنه تعالى لما قال:
                                { فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءهُم بَأْسُنَا إِلا أَن قَالُواْ إِنَّا كُنَّا ظَـٰلِمِينَ }
                                [الأعراف: 5] أتبعه بأنه لا يقع يوم القيامة الاقتصار على ما يكون منهم من الاعتراف بل ينضاف إليه أنه تعالى يسأل الكل عن كيفية أعمالهم، وبين أن هذا السؤل لا يختص بأهل العقاب بل هو عام في أهل العقاب وأهل الثواب.

                                { وَٱلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } * { وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـۤئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ }
                                قال الرازى فى تفسيره:
                                اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أن من جملة أحوال القيامة السؤال والحساب، بين في هذه الآية أن من جملة أحوال القيامة أيضاً وزن الأعمال

                                وقال البقاعى فى تفسيره:
                                ولما تقدمت الإشارة بقوله تعالى
                                { وأوفوا الكيل والميزان بالقسط }
                                [الأنعام: 152] الآية إلى المساواة الحقيقية في الميزان معجوز عنها وأنه أبعد المقادير عن التساوي، والنص في قوله تعالى
                                { ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها }
                                [الأنعام: 160] على قدرة القدير على ذلك، وختم الآية السالفة بإحاطة العلم على الوجه الأبلغ المقتضي لذلك على أعلى الوجوه، أكد الأمر أيضاً وقصره على علمه هنا فقال: { والوزن

                                { وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي ٱلأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ }

                                قال الرازى فى تفسيره:

                                المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما أمر الخلق بمتابعة الأنبياء عليهم السلام، وبقبول دعوتهم ثم خوفهم بعذاب الدنيا، وهو قوله:
                                { وَكَم مّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَا }
                                [الأعراف: 4] ثم خوفهم بعذاب الآخرة من وجهين: أحدهما: السؤال؛ وهو قوله:
                                { فَلَنَسْـئَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ }
                                [الأعراف: 6] والثاني: بوزن الأعمال، وهو قوله:
                                { وَٱلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ }
                                [الأعراف: 8] رغبهم في قبول دعوة الأنبياء عليهم السلام في هذه الآية بطريق آخر وهو أنه كثرت نعم الله عليهم، وكثرة النعم توجب الطاعة، فقال: { وَلَقَدْ مَكَّنَّـٰكُمْ فِى ٱلأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَـٰيِشَ }

                                وقال ابن عاشور فى التحرير:

                                { وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي ٱلأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ }

                                عطف على جملة:
                                { ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلاً ما تذكرون }
                                [الأعراف: 3] فهذا تذكير لهم بأن الله هو ولي الخلق، لأنّه خالقهم على وجه الأرض، وخالق ما به عيشهم الذي به بقاء وجودهم إلى أجل معلوم، وتوبيخ على قلّة شكرها، كما دلّ عليه تذييل الجملة بقوله: { قليلاً ما تشكرون } فإنّ النّفوس التي لا يزجُرها التّهديد قد تنفعها الذكريات الصّالحة،

                                تعليق

                                يعمل...