{ وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ فَسَجَدُوۤاْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ }* { قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } * { قَالَ فَٱهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَٱخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّاغِرِينَ }*{ قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } * { قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ } * { قَالَ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ } * { ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ }* { قَالَ ٱخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُوماً مَّدْحُوراً لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ } * {ويَآءَادَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّالِمِينَ } * { فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَالِدِينَ } * { وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّاصِحِينَ } * { فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ ٱلشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌ مُّبِينٌ }
قال الرازى فى تفسيره:
المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى رغب الأمم في قبول دعوة الأنبياء عليهم السلام بالتخويف أولاً ثم بالترغيب ثانياً على ما بيناه، والترغيب إنما كان لأجل التنبيه على كثرة نعم الله تعالى على الخلق، فبدأ في شرح تلك النعم بقوله:
{ وَلَقَدْ مَكَّنَّـٰكُمْ فِى ٱلأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَـٰيِشَ }
[الأعراف:10] ثم أتبعه بذكر أنه خلق أبانا آدم وجعله مسجوداً للملائكة، والإنعام على الأب يجري مجرى الإنعام على الابن فهذا هو وجه النظم في هذه الآيات، ونظيره أنه تعالى قال في أول سورة البقرة:
{ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوٰتًا فَأَحْيَـٰكُمْ }
[البقرة: 28] فمنع تعالى من المعصية بقوله: { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ } وعلل ذلك المنع بكثرة نعمه على الخلق، وهو أنهم كانوا أمواتاً فأحياهم، ثم خلق لهم ما في الأرض جميعاً من المنافع، ثم أتبع تلك المنفعة بأن جعل آدم خليفة في الأرض مسجوداً للملائكة، والمقصود من الكل تقرير أن مع هذه النعم العظيمة لا يليق بهم التمرد والجحود فكذا في هذه السورة ذكر تعالى عين هذا المعنى بغير هذا الترتيب فهذا بيان وجه النظم على أحسن الوجوه
وقال ابو حيان فى بحره:
لمّا تقدّم ما يدلّ على تقسيم المكلفين إلى طائع وعاصٍ فالطائع ممتثل ما أمر الله به مجتنب ما نهى عنه والعاصي بضدّه أخذ ينبّه على أنّ هذا التقسيم كان في البدء الأول من أمر الله للملائكة بالسجود فامتثل من امتثل وامتنع من امتنع، وأنه أمر تعالى آدم ونهى فحكى عنه ما يأتي خبره فنبّه أولاً على موضع الاعتبار وإبراز الشيء من العدم الصّرف إلى الوجود والتصوير في هذه الصورة الغريبة الشكل المتمكّنة من بدائع الصانع
وقال البقاعى فى نظم الدرر:
ولما ذكر سبحانه ما منحهم به من التمكين، ذكّرهم ما كانو عليه قبل هذه المكنة من العدم تذكيراً بالنعم في سياق دال على البعث الذي فرغ من تقريره، وعلى ما خص به أباهم آدم عليه السلام من التمكين في الجنة بالخلق والتصوير وإفاضة روح الحياة وروح العلم وأمر أهل سماواته بالسجود له والغضب على من عاداه وطرده عن محل كرامته ومعدن سعادته وإسكانه هو بذلك المحل الأعلى والموطن الأسنى مأذوناً له في كل ما فيه إلا شجرة واحدة، فلما خالف الأمر أزاله عنه وأخرجه منه؛ وفي ذلك تحذير لأهل المكنة من إزالة المنة في استدرار النعمة وإحلال النقمة فقال: { ولقد خلقناكم } أي بما لنا من صفات العظمة { ثم صورناكم } أي قدرنا خلقكم ثم تصويركم بأن جعلنا فيكم قابلية قريبة من ذلك بتخصيص كل جزء من المادة بمقداره المعين بتخمير طينة آدم عليه السلام على حالة تقبل ذلك كما يهيأ التراب بتخميره بإنزال المطر لأن يكون منه شجرة، وقد تكون تلك الشجرة مهيأة لقبول صورة الثمرة وقد لا تكون كما قال تعالى:
{ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظماً فكسونا العظم لحماً ثم أنشأناه خلقاً آخر }[المؤمنون: 12-14] وقال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: " إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح " وعنه أيضاً رضي الله عنه عند مسلم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" إذا مر بالنطفة اثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكاً فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: يا رب! أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك " الحديث. فظاهر هذا الحديث مخالف للفظ الذي قبله وللآية، فيحمل على أن معنى صورها: هيأها في مدة الأربعين الثانية لقبول الصورة تهيئة قريبة من الفعل، وسهل أولها بالتخمير على هيئة مخصوصة بخلاف ما قبل ذلك، فإنها كانت نطفة فكانت بعيدة عن قبول الصورة، ولذلك اختلفوا في احترامها وهل يباح إفسادها والتسبب في إخراجها، ومعنى " خلق ": قدر أي جعل لكل شيء من ذلك حداً لا يتجاوزه في الجملة، والدليل على هذا المجاز شكه في كونها ذكراً أو أنثى، ولو كان ذلك على ظاهره لما حصل شك في كونها ذكراً أو أنثى إذ آلة الذكر والأنثى من جملة الصورة، وبهذا تلتئم هذه الاية مع قوله تعالى
{ إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراً من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين }
[ص: 71] فهذا خلق بالفعل، والذي في هذه السورة بإيداعه القوة المقربة منه، والمراد من الآية التذكير بالنعم استعطافاً إلى المؤالفة وتفظيعاً بحال المخالفة، أي خسروا أنفسهم والحال أنا أنعمنا عليهم بنعمة التمكين بعد أن أنشأناهم على الصورة المذكورة بعد أن كانوا عدماً وأسجدنا ملائكتنا لأبيهم وطردنا من تكبر عليه طرداً لا طرد مثله، وأبعدناه عن محل قدسنا بعداً لا قرب معه، وأسكنا أباهم الجنة دار رحمتنا وقربنا، فقال تعال مترجماً عن ذلك: { ثم قلنا }
{ يَٰبَنِيۤ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذٰلِكَ خَيْرٌ ذٰلِكَ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ }
قال الرازى فى تفسيره:
في نظم الآية وجهان:
الوجه الأول: أنه تعالى لما بين أنه أمر آدم وحواء بالهبوط إلى الأرض، وجعل الأرض لهما مستقراً بين بعده أنه تعالى أنزل كل ما يحتاجون إليه في الدين والدنيا، ومن جملتها اللباس الذي يحتاج إليه في الدين والدنيا.
الوجه الثاني: أنه تعالى لما ذكر واقعة آدم في انكشاف العورة أنه كان يخصف الورق عليها، أتبعه بأن بين أنه خلق اللباس للخلق ليستروا بها عورتهم، ونبه به على المنة العظيمة على الخلق بسبب أنه أقدرهم على التستر.
وقال ابو حيان فى بحره:
مناسبة هذه الآية لما قبلها هو أنه تعالى لما ذكر قصة آدم وفيها ستر السوءات وجعل له في الأرض مستقرّاً ومتاعاً ذكر ما امتنّ به على بنيه وما أنعم به عليهم من اللّباس الذي يواري السوءات والرّياش الذي يمكن به استقرارهم في الأرض واستمتاعهم بما خولهم،
وقال ابن عاشور فى التحرير:
إذا جرينا على ظاهر التّفاسير كان قوله: { يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً } الآية استئنافاً ابتدائياً، عاد به الخطاب إلى سائر النّاس الذين خوطبوا في أوّل السّورة بقوله:
{ اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم }
[الأعراف: 3] الآيات، وهم أمّة الدّعوة، لأنّ الغرض من السّورة إبطال ما كان عليه مشركو العرب من الشّرك وتوابعه من أحوال دينهم الجاهلي، وكان قوله:
{ ولقد خلقناكم ثم صورناكم }
[الأعراف: 11] استطراداً بذكر منّة الله عليهم وهم يكفرون به كما تقدّم عند قوله تعالى: { ولقد خلقناكم } فخاطبتْ هذه الآية جميع بني آدم بشيء من الأمور المقصودة من السّورة فهذه الآية كالمقدّمة للغرض الذي يأتي في قوله:
{ يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد }
[الأعراف: 31] ووقوعها في أثناء آيات التّحذير من كيد الشّيطان جعلها بمنزلة الاستطراد بين تلك الآيات وإن كانت هي من الغرض الأصلي.
ويجوز أن يكون قوله: { يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً } وما أشبهه ممّا افتتح بقوله: { يا بني آدم } أربعَ مرّات، من جملة المقول المحكي بقوله:
{ قال فيها تحيون }
[الأعراف: 25] فيكون ممّا خاطب الله به بني آدم في ابتداء عهدهم بعمران الأرض على لسان أبيهم آدمَ، أو بطريق من طرق الإعلام الإلهي، ولو بالإلهام، لما تَنشأ به في نفوسهم هذه الحقائق، فابتدأ فأعلمهم بمنَّته عليهم أن أنزل لهم لباساً يواري سَوْآتهم، ويتجمّلون به بمناسبة ما قصّ الله عليهم من تعري أبويهم حين بدت لهما سَوءاتُهما، ثمّ بتحذيرهم من كيد الشّيطان وفتنته بقوله:
{ يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان }
[الأعراف: 27] ثمّ بأن أمرهم بأخذ اللّباس وهو زينة الإنسان عند مواقع العبادة لله تعالى بقوله:
{ يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد }
[الأعراف: 31]، ثمّ بأن أخذ عليهم العهد بأن يُصدّقوا الرّسل وينتفعوا بهديهم بقوله:
{ يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم }
[الأعراف: 35] الآية، واستطرد بين ذلك كلّه بمواعظ تنفع الذين قُصدوا من هذا القَصص، وهم المشركون المكذّبون محمّداً صلى الله عليه وسلم فهم المقصود من هذا الكلام كيفما تفنّنت أساليبه وتناسقَ نظمُه، وأيًّا ما كان فالمقصود الأوّل من هذه الخطابات أو من حكايتها هم مشركُو العرب ومكذّبو محمّد صلى الله عليه وسلم ولذلك تخللتْ هذه الخطاباتِ مُستطرَدَاتٌ وتعريضاتٌ مناسبة لما وضعه المشركون من التّكاذيب في نقض أمر الفطرة.
وقال البقاعى فى تفسيره:
ولما ذكر اللباس الحسي، وقسمه على ساتر ومزين، أتبعه المعنوي فقال مشيراً - بقطعه في قراءة الجمهور عما قبله - إلى كمال تعظيمه حثاً عليه وندباً إليه: { ولباس التقوى } فعلم أن ساتر العورات حسي ومعنوي، فالحسي لباس الثياب، والمعنوي التحلي بما يبعث على المناب؛ ثم زاد في تعظيم المنوي بقوله: { ذلك خير } أي ولباس التقوى هو خير من لباس الثياب، ولكنه فصل باسم الإشارة المقترن بإداة البعد إيماء إلى علو رتبته وحسن عاقبته لكونه أهم اللباسين لأن نزعه يكون بكشف العورة الحسية والمعنوية، فلو تجمل الإنسان بأحسن الملابس وهو غير متق كان كله سوءات، ولوكان متقياً وليس عليه إلا خريقة تواري عورته كان في غاية الجمال والستر والكمال، بل ولو كان مكشوف العورة في بعض الأحوال كما قال صلى الله عليه وسلم " ستر ما بين عوراتكم وأعين الجن أن يقول أحدكم إذا دخل الخلاء: بسم الله اللهم! إني أعوذ بك من الخبث والخبائث " رواه الترمذي وابن ماجه عن علي رضى الله عنه، والذي يكاد يقطع به أن المعاصي سبب إحلال السوءة الذي منه ضعف البدن وقصر العمر حساً أو معنى بمحق البركة منه لما يفهمه ما تقدم في البقرة في بدء الخلق عن التوراة أن الله تعالى قال لآدم عليه السلام: كل من جميع أشجار الفردوس، فأما شجرة علم الخير والشر فلا تأكل منها لأنك في اليوم الذي تأكل منها تموت موتاً تتهيأ للموت حساً، ويقضى عليك بالاشتغال بأسباب المعيشة فيقصر عمرك معنى بذهاب بركته - والله أعلم.
{ يَابَنِيۤ ءَادَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَانُ كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِّنَ ٱلْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَآ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ أَوْلِيَآءَ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ }
قال البقاعى غى تفسيره:
ولما كان المقصود من ذكر القصص لا سيما قصص الأنبياء الاعتبار بها، فكان بيان ما وقع بين آدم عليه السلام وبين الشيطان من شديد العدواة مقتضياً للتحذير من الشيطان، وكان المقام خطراً والتخلص عسراً، أشار إلى ذلك بالتأكيد وبيان ما سلط الشيطان به من المكايد الخفية والأسباب الدقيقة ليعلم الناجي أنه إنما نجا بمحض التوفيق ومجرد اللطف فيقبل على الشكر متبرئاً من الحول والقوة، فقال منادياً لهم بما يفهم الاستعطاف والتراؤف والتحنن والترفق والاستضعاف: { يا بني آدم
{ وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }
قال ابن عاشور فى التحرير:
{ وإذا فعلوا فاحشة } معطوف على
{ للذين لا يؤمنون }
[الأعراف: 27] فهو من جملة الصّلة، وفيه إدماج لكشف باطلهم في تعلّلاتهم ومعاذيرهم الفاسدة، أي للذين لا يقبلون الإيمان ويفعلون الفواحش ويعتذرون عن فعلها بأنّهم اتّبعوا آباءهم وأنّ الله أمرهم بذلك
وقال البقاعى فى نظم الدرر:
ولما جعل أمارتهم في ولاية الشيطان عدم الإيمان، عطف على ذلك أمارة أخرى فقال: { وإذا فعلوا فاحشة
{ قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِٱلْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ } * { فَرِيقاً هَدَىٰ وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلضَّلاَلَةُ إِنَّهُمُ ٱتَّخَذُوا ٱلشَّيَاطِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ }
قال الرازى فى تفسيره:
اعلم أنه تعالى لما بين أمر الأمر بالفحشاء بين تعالى أنه يأمر بالقسط والعدل
وقال ابن الجوزى فى زاد المسير:
وفي قوله: { كما بدأكم تعودون } ثلاثة أقوال.
أحدها: كما بدأكم سعداء وأشقياء كذلك تبعثون، روى هذا المعنى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، والقرظي، والسدي، ومقاتل، والفراء.
والثاني: كما خُلقتم بقدرته، كذلك يعيدكم، روى هذا المعنى العوفي عن ابن عباس، وبه قال الحسن، وابن زيد، والزجاج، وقال: هذا الكلام متصل بقوله:
{ فيها تحيون وفيها تموتون }
[الأعراف: 25].
والثالث: كما بدأكم لا تملكون شيئا، كذلك تعودون، ذكره الماوردي.
وقال ابن كثير فى تفسيره:
اختلف في معنى قوله: { كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ } فقال ابن أبي نجيح: عن مجاهد { كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ }: يحييكم بعد موتكم، وقال الحسن البصري: كما بدأكم في الدنيا، كذلك تعودون يوم القيامة أحياء، وقال قتادة: { كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ } قال: بدأ فخلقهم، ولم يكونوا شيئاً، ثم ذهبوا، ثم يعيدهم، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كما بدأكم أولاً، كذلك يعيدكم آخراً، واختار هذا القول أبو جعفر بن جرير، وأيده بما رواه من حديث سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج، كلاهما عن المغيرة بن النعمان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظة، فقال: " يا أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلاً، كما بدأنا أول خلق نعيده، وعداً علينا إنا كنا فاعلين "
وقال وِقاءُ بن إياس أبو يزيد عن مجاهد: { كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ } قال: يبعث المسلم مسلماً، والكافر كافراً، وقال أبو العالية { كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ } ردّوا إلى علمه فيهم، وقال سعيد بن جبير: كما بدأكم تعودون، كما كتب عليكم تكونون، وفي رواية: كما كنتم عليه تكونون، وقال محمد بن كعب القرظي في قوله تعالى: { كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ }: من ابتدأ الله خلقه على الشقاوة، صار إلى ما ابتدىء عليه خلقه، وإن عمل بأعمال أهل السعادة، ومن ابتدأ خلقه على السعادة، صار إلى ما ابتدىء خلقه عليه، وإن عمل بأعمال أهل الشقاء، كما أن السحرة عملوا بأعمال أهل الشقاء، ثم صاروا إلى ما ابتدئوا عليه، وقال السدي: { كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقاً هَدَىٰ وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلضَّلاَلَةُ } يقول: { كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ } كما خلقناكم، فريق مهتدون، وفريق ضلال، كذلك تعودون وتخرجون من بطون أمهاتكم.
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: قوله: { كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلضَّلَـٰلَةُ } قال: إن الله تعالى بدأ خلق ابن آدم مؤمناً وكافراً، كما قال:
{ هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }
[التغابن: 2] ثم يعيدهم يوم القيامة كما بدأهم مؤمناً وكافراً. قلت: ويتأيد هذا القول بحديث ابن مسعود في صحيح البخاري: " فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة، فيدخل الجنة " وقال أبو القاسم البغوي: حدثنا علي بن الجعد، حدثنا أبو غسان عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن العبد ليعمل فيما يرى الناس بعمل أهل الجنة، وإنه من أهل النار، وإنه ليعمل فيما يرى الناس بعمل أهل النار، وإنه من أهل الجنة، وإنما الأعمال بالخواتيم " هذا قطعة من حديث البخاري من حديث أبي غسان محمد بن مطرف المدني في قصة قزمان يوم أحد، وقال ابن جرير: حدثني ابن بشار حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " تبعث كل نفس على ما كانت عليه " وهذا الحديث رواه مسلم وابن ماجه من غير وجه، عن الأعمش به، ولفظه:" يبعث كل عبد على ما مات عليه " وعن ابن عباس مثله، قلت: ويتأيد بحديث ابن مسعود، قلت: ولا بد من الجمع بين هذا القول، إن كان هو المراد من الآية، وبين قوله تعالى:
{ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا }
[الروم: 30] وما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه " وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يقول الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم " الحديث، ووجه الجمع على هذا، أنه تعالى خلقهم ليكون منهم مؤمن وكافر في ثاني الحال، وإن كان قد فطر الخلق كلهم على معرفته وتوحيده والعلم بأنه لا إله غيره، كما أخذ عليهم الميثاق بذلك، وجعله في غرائزهم وفطرهم ومع هذا قدر أن منهم شقياً، ومنهم سعيداً
{ هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ }
[التغابن: 2] وفي الحديث: " كل الناس يغدو، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها " وقدر الله نافذ في بريته، فإنه هو
{ وَٱلَّذِى قَدَّرَ فَهَدَىٰ }
[الأعلى: 3] و { ٱلَّذِىۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَىءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ } [طه: 50] وفي الصحيحين: " فأما من كان منكم من أهل السعادة، فسييسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة، فسييسر لعمل أهل الشقاوة " ولهذا قال تعالى: { فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلضَّلَـٰلَةُ }
وقال ابو حيان فى بحره:
قال ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة هو إعلام بالبعث أي كما أوجدكم واخترعكم كذلك يعيدكم بعد الموت ولم يذكر الزمخشري غير هذا القول. قال: كما أنشأكم ابتداء يعيدكم احتجّ عليهم في إنكارهم الإعادة بابتداء الخلق والمعنى أنه يعيدكم فيجازيكم على أعمالكم فأخلصوا له العبادة انتهى، وهذا قول الزّجاج قال: كما أحياكم في الدّنيا يحييكم في الآخرة وليس بعثكم بأشد من ابتداء إنشائكم وهذا احتجاج عليهم في إنكارهم البعث انتهى.
وقال ابن عباس أيضاً وجابر بن عبد الله وأبو العالية ومحمد بن كعب وابن جبير والسدّي ومجاهد أيضاً والفرّاء، وروى معناه عن الرّسول أنه إعلام بأنّ من كتب عليه أنه من أهل الشقاوة والكفر في الدّنيا هم أهل ذلك في الآخرة وكذلك من كتب له السعادة والإيمان في الدنيا هم أهل ذلك في الآخرة لا يتبدّل شيء مما أحكمه ودبّره تعالى ويؤيد هذا المعنى قراءة أبيّ { تعودون } فريقين { فريقاً هدى وفريقاً حقّ عليهم الضلالة } وعلى هذا المعنى يكون الوقف على { تعودون } غير حسن لأنّ { فريقاً } نصب على الحال وفريقاً عطف عليه والجملة من { هدى } ومن { حقّ } في موضع الصفة لما قبله وقد حذف الضمير من جملة الصفة أي هداهم، وجوّز أبو البقاء أن يكون { فريقاً } مفعول { هدى } { وفريقاً } مفعول أضل مضمرة والجملتان الفعليتان حال، وهدى على إضمار قد أي تعودون قد هدى فريقاً وأضلّ فريقاً، وعلى المعنى الأوّل يحسن الوقف على { تعودون } ويكون { فريقاً } مفعولاً بهدى ويكون { وفريقاً } منصوباً بإضمار فعل يفسّر قوله { حقّ عليهم الضلالة }
انظر المشاركة 125 هنا
http://www.mazameer.com/vb/showthrea...14#post1837014
قال الرازى فى تفسيره:
المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى رغب الأمم في قبول دعوة الأنبياء عليهم السلام بالتخويف أولاً ثم بالترغيب ثانياً على ما بيناه، والترغيب إنما كان لأجل التنبيه على كثرة نعم الله تعالى على الخلق، فبدأ في شرح تلك النعم بقوله:
{ وَلَقَدْ مَكَّنَّـٰكُمْ فِى ٱلأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَـٰيِشَ }
[الأعراف:10] ثم أتبعه بذكر أنه خلق أبانا آدم وجعله مسجوداً للملائكة، والإنعام على الأب يجري مجرى الإنعام على الابن فهذا هو وجه النظم في هذه الآيات، ونظيره أنه تعالى قال في أول سورة البقرة:
{ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوٰتًا فَأَحْيَـٰكُمْ }
[البقرة: 28] فمنع تعالى من المعصية بقوله: { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ } وعلل ذلك المنع بكثرة نعمه على الخلق، وهو أنهم كانوا أمواتاً فأحياهم، ثم خلق لهم ما في الأرض جميعاً من المنافع، ثم أتبع تلك المنفعة بأن جعل آدم خليفة في الأرض مسجوداً للملائكة، والمقصود من الكل تقرير أن مع هذه النعم العظيمة لا يليق بهم التمرد والجحود فكذا في هذه السورة ذكر تعالى عين هذا المعنى بغير هذا الترتيب فهذا بيان وجه النظم على أحسن الوجوه
وقال ابو حيان فى بحره:
لمّا تقدّم ما يدلّ على تقسيم المكلفين إلى طائع وعاصٍ فالطائع ممتثل ما أمر الله به مجتنب ما نهى عنه والعاصي بضدّه أخذ ينبّه على أنّ هذا التقسيم كان في البدء الأول من أمر الله للملائكة بالسجود فامتثل من امتثل وامتنع من امتنع، وأنه أمر تعالى آدم ونهى فحكى عنه ما يأتي خبره فنبّه أولاً على موضع الاعتبار وإبراز الشيء من العدم الصّرف إلى الوجود والتصوير في هذه الصورة الغريبة الشكل المتمكّنة من بدائع الصانع
وقال البقاعى فى نظم الدرر:
ولما ذكر سبحانه ما منحهم به من التمكين، ذكّرهم ما كانو عليه قبل هذه المكنة من العدم تذكيراً بالنعم في سياق دال على البعث الذي فرغ من تقريره، وعلى ما خص به أباهم آدم عليه السلام من التمكين في الجنة بالخلق والتصوير وإفاضة روح الحياة وروح العلم وأمر أهل سماواته بالسجود له والغضب على من عاداه وطرده عن محل كرامته ومعدن سعادته وإسكانه هو بذلك المحل الأعلى والموطن الأسنى مأذوناً له في كل ما فيه إلا شجرة واحدة، فلما خالف الأمر أزاله عنه وأخرجه منه؛ وفي ذلك تحذير لأهل المكنة من إزالة المنة في استدرار النعمة وإحلال النقمة فقال: { ولقد خلقناكم } أي بما لنا من صفات العظمة { ثم صورناكم } أي قدرنا خلقكم ثم تصويركم بأن جعلنا فيكم قابلية قريبة من ذلك بتخصيص كل جزء من المادة بمقداره المعين بتخمير طينة آدم عليه السلام على حالة تقبل ذلك كما يهيأ التراب بتخميره بإنزال المطر لأن يكون منه شجرة، وقد تكون تلك الشجرة مهيأة لقبول صورة الثمرة وقد لا تكون كما قال تعالى:
{ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظماً فكسونا العظم لحماً ثم أنشأناه خلقاً آخر }[المؤمنون: 12-14] وقال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: " إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح " وعنه أيضاً رضي الله عنه عند مسلم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" إذا مر بالنطفة اثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكاً فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: يا رب! أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك " الحديث. فظاهر هذا الحديث مخالف للفظ الذي قبله وللآية، فيحمل على أن معنى صورها: هيأها في مدة الأربعين الثانية لقبول الصورة تهيئة قريبة من الفعل، وسهل أولها بالتخمير على هيئة مخصوصة بخلاف ما قبل ذلك، فإنها كانت نطفة فكانت بعيدة عن قبول الصورة، ولذلك اختلفوا في احترامها وهل يباح إفسادها والتسبب في إخراجها، ومعنى " خلق ": قدر أي جعل لكل شيء من ذلك حداً لا يتجاوزه في الجملة، والدليل على هذا المجاز شكه في كونها ذكراً أو أنثى، ولو كان ذلك على ظاهره لما حصل شك في كونها ذكراً أو أنثى إذ آلة الذكر والأنثى من جملة الصورة، وبهذا تلتئم هذه الاية مع قوله تعالى
{ إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراً من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين }
[ص: 71] فهذا خلق بالفعل، والذي في هذه السورة بإيداعه القوة المقربة منه، والمراد من الآية التذكير بالنعم استعطافاً إلى المؤالفة وتفظيعاً بحال المخالفة، أي خسروا أنفسهم والحال أنا أنعمنا عليهم بنعمة التمكين بعد أن أنشأناهم على الصورة المذكورة بعد أن كانوا عدماً وأسجدنا ملائكتنا لأبيهم وطردنا من تكبر عليه طرداً لا طرد مثله، وأبعدناه عن محل قدسنا بعداً لا قرب معه، وأسكنا أباهم الجنة دار رحمتنا وقربنا، فقال تعال مترجماً عن ذلك: { ثم قلنا }
{ يَٰبَنِيۤ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذٰلِكَ خَيْرٌ ذٰلِكَ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ }
قال الرازى فى تفسيره:
في نظم الآية وجهان:
الوجه الأول: أنه تعالى لما بين أنه أمر آدم وحواء بالهبوط إلى الأرض، وجعل الأرض لهما مستقراً بين بعده أنه تعالى أنزل كل ما يحتاجون إليه في الدين والدنيا، ومن جملتها اللباس الذي يحتاج إليه في الدين والدنيا.
الوجه الثاني: أنه تعالى لما ذكر واقعة آدم في انكشاف العورة أنه كان يخصف الورق عليها، أتبعه بأن بين أنه خلق اللباس للخلق ليستروا بها عورتهم، ونبه به على المنة العظيمة على الخلق بسبب أنه أقدرهم على التستر.
وقال ابو حيان فى بحره:
مناسبة هذه الآية لما قبلها هو أنه تعالى لما ذكر قصة آدم وفيها ستر السوءات وجعل له في الأرض مستقرّاً ومتاعاً ذكر ما امتنّ به على بنيه وما أنعم به عليهم من اللّباس الذي يواري السوءات والرّياش الذي يمكن به استقرارهم في الأرض واستمتاعهم بما خولهم،
وقال ابن عاشور فى التحرير:
إذا جرينا على ظاهر التّفاسير كان قوله: { يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً } الآية استئنافاً ابتدائياً، عاد به الخطاب إلى سائر النّاس الذين خوطبوا في أوّل السّورة بقوله:
{ اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم }
[الأعراف: 3] الآيات، وهم أمّة الدّعوة، لأنّ الغرض من السّورة إبطال ما كان عليه مشركو العرب من الشّرك وتوابعه من أحوال دينهم الجاهلي، وكان قوله:
{ ولقد خلقناكم ثم صورناكم }
[الأعراف: 11] استطراداً بذكر منّة الله عليهم وهم يكفرون به كما تقدّم عند قوله تعالى: { ولقد خلقناكم } فخاطبتْ هذه الآية جميع بني آدم بشيء من الأمور المقصودة من السّورة فهذه الآية كالمقدّمة للغرض الذي يأتي في قوله:
{ يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد }
[الأعراف: 31] ووقوعها في أثناء آيات التّحذير من كيد الشّيطان جعلها بمنزلة الاستطراد بين تلك الآيات وإن كانت هي من الغرض الأصلي.
ويجوز أن يكون قوله: { يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً } وما أشبهه ممّا افتتح بقوله: { يا بني آدم } أربعَ مرّات، من جملة المقول المحكي بقوله:
{ قال فيها تحيون }
[الأعراف: 25] فيكون ممّا خاطب الله به بني آدم في ابتداء عهدهم بعمران الأرض على لسان أبيهم آدمَ، أو بطريق من طرق الإعلام الإلهي، ولو بالإلهام، لما تَنشأ به في نفوسهم هذه الحقائق، فابتدأ فأعلمهم بمنَّته عليهم أن أنزل لهم لباساً يواري سَوْآتهم، ويتجمّلون به بمناسبة ما قصّ الله عليهم من تعري أبويهم حين بدت لهما سَوءاتُهما، ثمّ بتحذيرهم من كيد الشّيطان وفتنته بقوله:
{ يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان }
[الأعراف: 27] ثمّ بأن أمرهم بأخذ اللّباس وهو زينة الإنسان عند مواقع العبادة لله تعالى بقوله:
{ يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد }
[الأعراف: 31]، ثمّ بأن أخذ عليهم العهد بأن يُصدّقوا الرّسل وينتفعوا بهديهم بقوله:
{ يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم }
[الأعراف: 35] الآية، واستطرد بين ذلك كلّه بمواعظ تنفع الذين قُصدوا من هذا القَصص، وهم المشركون المكذّبون محمّداً صلى الله عليه وسلم فهم المقصود من هذا الكلام كيفما تفنّنت أساليبه وتناسقَ نظمُه، وأيًّا ما كان فالمقصود الأوّل من هذه الخطابات أو من حكايتها هم مشركُو العرب ومكذّبو محمّد صلى الله عليه وسلم ولذلك تخللتْ هذه الخطاباتِ مُستطرَدَاتٌ وتعريضاتٌ مناسبة لما وضعه المشركون من التّكاذيب في نقض أمر الفطرة.
وقال البقاعى فى تفسيره:
ولما ذكر اللباس الحسي، وقسمه على ساتر ومزين، أتبعه المعنوي فقال مشيراً - بقطعه في قراءة الجمهور عما قبله - إلى كمال تعظيمه حثاً عليه وندباً إليه: { ولباس التقوى } فعلم أن ساتر العورات حسي ومعنوي، فالحسي لباس الثياب، والمعنوي التحلي بما يبعث على المناب؛ ثم زاد في تعظيم المنوي بقوله: { ذلك خير } أي ولباس التقوى هو خير من لباس الثياب، ولكنه فصل باسم الإشارة المقترن بإداة البعد إيماء إلى علو رتبته وحسن عاقبته لكونه أهم اللباسين لأن نزعه يكون بكشف العورة الحسية والمعنوية، فلو تجمل الإنسان بأحسن الملابس وهو غير متق كان كله سوءات، ولوكان متقياً وليس عليه إلا خريقة تواري عورته كان في غاية الجمال والستر والكمال، بل ولو كان مكشوف العورة في بعض الأحوال كما قال صلى الله عليه وسلم " ستر ما بين عوراتكم وأعين الجن أن يقول أحدكم إذا دخل الخلاء: بسم الله اللهم! إني أعوذ بك من الخبث والخبائث " رواه الترمذي وابن ماجه عن علي رضى الله عنه، والذي يكاد يقطع به أن المعاصي سبب إحلال السوءة الذي منه ضعف البدن وقصر العمر حساً أو معنى بمحق البركة منه لما يفهمه ما تقدم في البقرة في بدء الخلق عن التوراة أن الله تعالى قال لآدم عليه السلام: كل من جميع أشجار الفردوس، فأما شجرة علم الخير والشر فلا تأكل منها لأنك في اليوم الذي تأكل منها تموت موتاً تتهيأ للموت حساً، ويقضى عليك بالاشتغال بأسباب المعيشة فيقصر عمرك معنى بذهاب بركته - والله أعلم.
{ يَابَنِيۤ ءَادَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَانُ كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِّنَ ٱلْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَآ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ أَوْلِيَآءَ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ }
قال البقاعى غى تفسيره:
ولما كان المقصود من ذكر القصص لا سيما قصص الأنبياء الاعتبار بها، فكان بيان ما وقع بين آدم عليه السلام وبين الشيطان من شديد العدواة مقتضياً للتحذير من الشيطان، وكان المقام خطراً والتخلص عسراً، أشار إلى ذلك بالتأكيد وبيان ما سلط الشيطان به من المكايد الخفية والأسباب الدقيقة ليعلم الناجي أنه إنما نجا بمحض التوفيق ومجرد اللطف فيقبل على الشكر متبرئاً من الحول والقوة، فقال منادياً لهم بما يفهم الاستعطاف والتراؤف والتحنن والترفق والاستضعاف: { يا بني آدم
{ وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }
قال ابن عاشور فى التحرير:
{ وإذا فعلوا فاحشة } معطوف على
{ للذين لا يؤمنون }
[الأعراف: 27] فهو من جملة الصّلة، وفيه إدماج لكشف باطلهم في تعلّلاتهم ومعاذيرهم الفاسدة، أي للذين لا يقبلون الإيمان ويفعلون الفواحش ويعتذرون عن فعلها بأنّهم اتّبعوا آباءهم وأنّ الله أمرهم بذلك
وقال البقاعى فى نظم الدرر:
ولما جعل أمارتهم في ولاية الشيطان عدم الإيمان، عطف على ذلك أمارة أخرى فقال: { وإذا فعلوا فاحشة
{ قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِٱلْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ } * { فَرِيقاً هَدَىٰ وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلضَّلاَلَةُ إِنَّهُمُ ٱتَّخَذُوا ٱلشَّيَاطِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ }
قال الرازى فى تفسيره:
اعلم أنه تعالى لما بين أمر الأمر بالفحشاء بين تعالى أنه يأمر بالقسط والعدل
وقال ابن الجوزى فى زاد المسير:
وفي قوله: { كما بدأكم تعودون } ثلاثة أقوال.
أحدها: كما بدأكم سعداء وأشقياء كذلك تبعثون، روى هذا المعنى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، والقرظي، والسدي، ومقاتل، والفراء.
والثاني: كما خُلقتم بقدرته، كذلك يعيدكم، روى هذا المعنى العوفي عن ابن عباس، وبه قال الحسن، وابن زيد، والزجاج، وقال: هذا الكلام متصل بقوله:
{ فيها تحيون وفيها تموتون }
[الأعراف: 25].
والثالث: كما بدأكم لا تملكون شيئا، كذلك تعودون، ذكره الماوردي.
وقال ابن كثير فى تفسيره:
اختلف في معنى قوله: { كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ } فقال ابن أبي نجيح: عن مجاهد { كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ }: يحييكم بعد موتكم، وقال الحسن البصري: كما بدأكم في الدنيا، كذلك تعودون يوم القيامة أحياء، وقال قتادة: { كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ } قال: بدأ فخلقهم، ولم يكونوا شيئاً، ثم ذهبوا، ثم يعيدهم، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كما بدأكم أولاً، كذلك يعيدكم آخراً، واختار هذا القول أبو جعفر بن جرير، وأيده بما رواه من حديث سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج، كلاهما عن المغيرة بن النعمان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظة، فقال: " يا أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلاً، كما بدأنا أول خلق نعيده، وعداً علينا إنا كنا فاعلين "
وقال وِقاءُ بن إياس أبو يزيد عن مجاهد: { كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ } قال: يبعث المسلم مسلماً، والكافر كافراً، وقال أبو العالية { كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ } ردّوا إلى علمه فيهم، وقال سعيد بن جبير: كما بدأكم تعودون، كما كتب عليكم تكونون، وفي رواية: كما كنتم عليه تكونون، وقال محمد بن كعب القرظي في قوله تعالى: { كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ }: من ابتدأ الله خلقه على الشقاوة، صار إلى ما ابتدىء عليه خلقه، وإن عمل بأعمال أهل السعادة، ومن ابتدأ خلقه على السعادة، صار إلى ما ابتدىء خلقه عليه، وإن عمل بأعمال أهل الشقاء، كما أن السحرة عملوا بأعمال أهل الشقاء، ثم صاروا إلى ما ابتدئوا عليه، وقال السدي: { كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقاً هَدَىٰ وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلضَّلاَلَةُ } يقول: { كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ } كما خلقناكم، فريق مهتدون، وفريق ضلال، كذلك تعودون وتخرجون من بطون أمهاتكم.
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: قوله: { كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلضَّلَـٰلَةُ } قال: إن الله تعالى بدأ خلق ابن آدم مؤمناً وكافراً، كما قال:
{ هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }
[التغابن: 2] ثم يعيدهم يوم القيامة كما بدأهم مؤمناً وكافراً. قلت: ويتأيد هذا القول بحديث ابن مسعود في صحيح البخاري: " فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة، فيدخل الجنة " وقال أبو القاسم البغوي: حدثنا علي بن الجعد، حدثنا أبو غسان عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن العبد ليعمل فيما يرى الناس بعمل أهل الجنة، وإنه من أهل النار، وإنه ليعمل فيما يرى الناس بعمل أهل النار، وإنه من أهل الجنة، وإنما الأعمال بالخواتيم " هذا قطعة من حديث البخاري من حديث أبي غسان محمد بن مطرف المدني في قصة قزمان يوم أحد، وقال ابن جرير: حدثني ابن بشار حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " تبعث كل نفس على ما كانت عليه " وهذا الحديث رواه مسلم وابن ماجه من غير وجه، عن الأعمش به، ولفظه:" يبعث كل عبد على ما مات عليه " وعن ابن عباس مثله، قلت: ويتأيد بحديث ابن مسعود، قلت: ولا بد من الجمع بين هذا القول، إن كان هو المراد من الآية، وبين قوله تعالى:
{ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا }
[الروم: 30] وما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه " وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يقول الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم " الحديث، ووجه الجمع على هذا، أنه تعالى خلقهم ليكون منهم مؤمن وكافر في ثاني الحال، وإن كان قد فطر الخلق كلهم على معرفته وتوحيده والعلم بأنه لا إله غيره، كما أخذ عليهم الميثاق بذلك، وجعله في غرائزهم وفطرهم ومع هذا قدر أن منهم شقياً، ومنهم سعيداً
{ هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ }
[التغابن: 2] وفي الحديث: " كل الناس يغدو، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها " وقدر الله نافذ في بريته، فإنه هو
{ وَٱلَّذِى قَدَّرَ فَهَدَىٰ }
[الأعلى: 3] و { ٱلَّذِىۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَىءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ } [طه: 50] وفي الصحيحين: " فأما من كان منكم من أهل السعادة، فسييسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة، فسييسر لعمل أهل الشقاوة " ولهذا قال تعالى: { فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلضَّلَـٰلَةُ }
وقال ابو حيان فى بحره:
قال ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة هو إعلام بالبعث أي كما أوجدكم واخترعكم كذلك يعيدكم بعد الموت ولم يذكر الزمخشري غير هذا القول. قال: كما أنشأكم ابتداء يعيدكم احتجّ عليهم في إنكارهم الإعادة بابتداء الخلق والمعنى أنه يعيدكم فيجازيكم على أعمالكم فأخلصوا له العبادة انتهى، وهذا قول الزّجاج قال: كما أحياكم في الدّنيا يحييكم في الآخرة وليس بعثكم بأشد من ابتداء إنشائكم وهذا احتجاج عليهم في إنكارهم البعث انتهى.
وقال ابن عباس أيضاً وجابر بن عبد الله وأبو العالية ومحمد بن كعب وابن جبير والسدّي ومجاهد أيضاً والفرّاء، وروى معناه عن الرّسول أنه إعلام بأنّ من كتب عليه أنه من أهل الشقاوة والكفر في الدّنيا هم أهل ذلك في الآخرة وكذلك من كتب له السعادة والإيمان في الدنيا هم أهل ذلك في الآخرة لا يتبدّل شيء مما أحكمه ودبّره تعالى ويؤيد هذا المعنى قراءة أبيّ { تعودون } فريقين { فريقاً هدى وفريقاً حقّ عليهم الضلالة } وعلى هذا المعنى يكون الوقف على { تعودون } غير حسن لأنّ { فريقاً } نصب على الحال وفريقاً عطف عليه والجملة من { هدى } ومن { حقّ } في موضع الصفة لما قبله وقد حذف الضمير من جملة الصفة أي هداهم، وجوّز أبو البقاء أن يكون { فريقاً } مفعول { هدى } { وفريقاً } مفعول أضل مضمرة والجملتان الفعليتان حال، وهدى على إضمار قد أي تعودون قد هدى فريقاً وأضلّ فريقاً، وعلى المعنى الأوّل يحسن الوقف على { تعودون } ويكون { فريقاً } مفعولاً بهدى ويكون { وفريقاً } منصوباً بإضمار فعل يفسّر قوله { حقّ عليهم الضلالة }
انظر المشاركة 125 هنا
http://www.mazameer.com/vb/showthrea...14#post1837014
.
تعليق