في هذه الظروف الاقتصادية الخطرة"68، المتمثلة في "ضيق الموارد الاقتصادية التي تعتمد على المطر و العشب من جهة و على التجارة من جهة أخرى، وقد أوشكت حياة الصراع و التناحر و الحروب بين القبائل و كلها حروب و صراعات ذات جذور اقتصادية- أن تؤدي إلى القضاء على الحاية ذاتها"، وزاد من هذه الأزمة "أن الجزيرة العربية كانت محاصرة بالقوى الأجنبية من كل جانب"69، كالمناذرة و الفرس في العراق، و الغساسنة و الروم في الشام، و الأحباش و جيش أبرهة من الجنوب.
فاختيار الإسلام بدلا عن غيره لم يكن إلا "تجاوبا مع حاجة الواقع"70، وهذا التجاوب حصل من خلال شخصية النبي الذي "تجسدت في داخله أحلام الجماعة التي ينتمي إليها"71.
* ولماذا لم يختاروا اليهودية أو النصرانية؟
لأن المسيحية "كانت دينا غازيا"، أما اليهودية فكانت متعالية على العرب "لا تقبل الوافدين الجدد"، لذلك "كانت الأيديوجيتان المطروحتان غير ملائمتين لتحقيق أهداف ذلك الوعي"72.
_____________
68- ص 73
69- ص 72
70- ص 74، هذا مناقض للنص نفسه إذ يخبر بأن اختيار ملة إبراهيم كان توجيها من الله لا بسبب الأحوال المادية، فقال: (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا) النحل، وقال: (قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا) آل عمران: 95، وقال: (قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا) الأنعام: 161، فالآيات تدل على أن اعتناق الإبراهيمية من قبل ذلك الواقع لم يكن في يده ولا باختياره ولا من ترتيبه ولا ابتداء منه، بل كان فرضا جديدا على ذلك الواقع المفارق للإبراهيمية شكلا ومضمونا، فرضا جديدا ومن مصدر جديد.
ولو اتبع الحق في (التشريع) أهواء الواقع البشري في اختيارهم وإرادتهم لفسدت الأرض ومن فيها، قال: (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ) المؤمنون: 71.
71- ص 74، هكذا إذا، اختيار الإسلام كان لإشباع الرغبات و ملئ البطون، لم يختاروا الإسلام لأنه من الله و لا لأنه خير و حق و صدق في نفسه بل لأنه يحقق لهم المكاسب المادية، اختاروا الإسلام لأنه يأتي لهم بالذهب و الفضة و الحرير و الأموال والسبايا و العبيد، لا لأنه «هداية» ورحمة ورشاد و صلاح وخير وتقوى. وهذه النظرة المادية عن الإسلام (كله) تفسر لنا لماذا يصور العلمانيون علماء المسلمين على أنهم متبعو شهوات و ملذات.
72- ص 73.
ههنا أمور تدل على تحكم و مجانبة متطرفة للواقع:
الأول: أنه يفرق بين الإبراهيمية و اليهودية والنصرانية، مع أن النصارى واليهود أنفسهم يردون أنفسهم إلى الإبراهيمية، فلا فرق إذا من هذه الناحية بين الإبراهيمية والنصرانية اليهودية، فلو أنهم كانوا يبحثون عن الإبراهيمية لوجدوها في اليهودية التي كان لها حضورها و مكانتها المرموقة في جزيرة العرب وكذلك النصرانية، حتى إن العرب -بل و الأحناف- لم يفرقوا بينهما في أشعارهم، كما فعل ورقة بن نوفل في القصيدة التي يقول فيها:
وموسى و إبراهيم حتى يرى له***بهاء و منشور من الذكر واضح
و مما يدل على تبني اليهود والنصارى للإبراهيمية أن الله أكذبهم في هذا الادعاء عندما ادعوه بقوله: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا) آل عمران: 67.
الثاني: كان اختيار العرب لليهودية أو النصرانية أولى بكثير و أقرب إلى الحقيقة والمنطق السليم من اختيار الإبراهيمية للأسباب الآتية:
- أن الإبراهيمية لم تعرف عندهم لأنها كانت منعدمة الوجود في الجزيرة كدين مكتمل المعالم واضح التفاصيل يمكن للناس اتباعه وتبنيه، ولا يوجد من يمثلها من العرب في ذلك الوقت كما تمثلوا الأديان الأخرى، ولا حتى الأحناف أنفسهم كانوا قادرين على مواجهة ذينك الدينين الذين لا زالا وضحا المعالم والتفاصيل بدين ليس واضح التفاصيل والتشريعات العملية، ولذلك كان لليهودية والنصرانية حضور قوي و مشاركة فاعلة في الواقع والثقافة بسبب قوة الدينين الذين كانا واضحين وضوحا يستطيع أصحابهما تقديمهما على أنهما حل أمثل للأمة العربية آنذاك في الخروج من مآزقهم، فكان اختيار العرب لليهودية او المسيحية أدعى بناء على فرضية أن الأمر اختيار ظرفي.
-هناك قبائل عربية كثيرة تبنت المسيحية منها تغلب و لخم و كلب وبلاد نجران، وكذلك اليهودية في الحجاز تبنتها قبائل النضير و قينقاع و قريظة، بينما لم يعرف العرب الإبراهيمية إلا من خلال اتصالهم باليهود و النصارى، ولولا ذاك لانمحت معالمها من حياة العرب الوثنية، فلم يكن الواقع يعرف الإبراهيمية كدين منفصل عن اليهودية و المسيحية.
-أن النصارى كانوا يدعون الناس إلى دينهم، واليهود إذا منعوا أحدا من الدخول في نسبهم فلم يمنعوه من الدخول في دينهم، قال تعالى: چﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ پ پ پ پچ البقرة: 120، قال الطاهر ابن عاشور: " أما اليهود فلم يكونوا يدعون الناس إلى اليهودية، ولكنهم يقبلون من يتهود كما تهود عرب اليمن"اهـ22/331، وجاء في " الاستيعاب " في أثناء الحديث عن زيد بن عمرو 2/616 " ومن خبره في ذلك أنه خرج في الجاهلية يطلب الدين هو وورقة بن نوفل فلقيا اليهود فعرضت عليهما يهود دينهم فتهود ورقة، ثم لقيا النصارى فعرضوا عليهما دينهم فترك ورقة اليهودية وتنصر، وأبى زيد بن عمرو أن يأتي شيئا من ذلك وقال : ما هذا إلا كدين قومنا نشرك ويشركون"اهـ
- لم يحصل أن وقع بين اليهود و العرب أي قتال قبل الإسلام، في الوقت الذي كانت العرب قبائل متناحرة تحارب بعضها في معارك طاحنة.
- لقد كان لليهود صورة لها احترامها في الشعر الجاهلي، فلم يصل إلينا أن هجى العرب اليهود في شعرهم، بل وصلنا أن مدحوهم وعظموا دينهم، كما مدح أبو سفيان بعضهم فقال: تأمل فإن القوم سر و إنهم***صريح لؤي لا شماطيط جرهم.
- وكذلك عظم العرب دين النصارى، ألا ترى إلى قول النّابغة يمدح آل النّعمان بن الحارث ، وكانوا نصارى:
مَجَلَّتُهم ذاتُ الإله ودينُهم*** قَويمٌ فما يَرْجُون غيرَ العواقب
ولا يَحْسِبُون الخَيْر لا شرّ بعده*** ولا يحسبون الشرّ ضَرْبَةَ لازب
مجلتهم = إنجيلهم.
- كان بين العرب و اليهود اتصال ديني مباشر استمر أثره حتى بعد الإسلام، قال النووي في المجموع ج 9 ص 64: "فرع في جواز الرقية بكتاب الله تعالى وبما يعرف من ذكر الله ... وروى البيهقي بإسناده الصحيح عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة قالت : دخل أبو بكر رضي الله عنه عليها وعندها يهودية ترقيها فقال : إرقيها بكتاب الله عز وجل"اهـ .
- كان لليهود مكانة مرموقة في نفوس العرب، كما قال الطاهر ابن عاشور: " فربما كان أهل تلك البلدان يدعون المشركين إلى اتباع اليهودية أو النصرانية ويصغرون الشرك في نفوسهم ، فكان المشركون لا يجرؤون على تكذيبهم لأنهم كانوا مرموقين عندهم بعين الوقار إذ كانوا يفضُلُونهم بمعرفة الديانة وبأنهم ليسوا أميين"اهـ
- كان اليهود بمثابة مرجعية عليا للعرب فيما يختص بشؤون الأديان، ولذلك استشاروهم كثيرا في أمر النبي ص.
- الاتصال الفكري و العاطفي مع المشركين، كرثائيات كعب بن الأشرف لقتلى المشركين في بدر، منها قوله:
طحنت رحى بدر لمهلك أهله *** ولمثل بدر تستهل الأدمع
وكذلك رثى العرب بعض من مات من اليهود، مثل رثاء خفاف بن ندبة قبل أن يسلم- خضيرا اليهودي، وكان نديمه وصديقه، ورثاء العباس بن مرداس بني النضير، هذا للتمثيل لا للحصر.
- الاتصال الاقتصادي المتمثل في التجارة له دور كبير في نشر المودة بين الطرفين استمرت إلى أن نهى الله من أسلم منهم عنها بسبب ما فعلوه في حق النبي ص عندما نزلت: (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ) 110-البقرة.
- أن اليهودية و النصرانية كانتا ديانتين تدعوان إلى التوحيد أيضا، قال الطاهر: " فكانت هذه الدعوة [المسيحية] إن صح إِيصَاء عيسى عليه السلام بها دعوةَ إرشاد إلى التوحيد"اهـ.
الثالث: أن المؤلف قال: "هؤلاء الآخرون هم الأحناف الذين تحصرهم السيرة في 1-ورقة بن نوفل، 2-وعبدالله بن جحش، 3-وعثمان بن الحويرث، 4-وزيد بن عمرو بن نفيل، وتروي أنهم التقوا ذات يوم.."اهــ ص69.
أقول : نعم، لم يكن الأحناف إلا هؤلاء، ولكن هؤلاء كلهم كانوا نصارى ما عدى الأخير!! وهذا يقتضي -على افتراض أنه جزء من واقع الأحناف- أن يختار النبي ص النصرانية كما اختارها أبناء واقعه. بل حتى زيد بن عمرو اختار اليهودية أولا مرة ثم انتقل إلى النصرانية، ولكنه لم يستمر عليهما لأنه قيل له بأن النبي قد ظهر في بلادك فعد إليها، فعاد، ولكنه لم يمهل، ولوللا ذلك لاستمر عليها. (ملخص من تاريخ الإسلام للذهبي 517-518).
الرابع: وكذلك لم يعرف عن النبي ص اختلاطه بالأحناف اختلاطا يصحح دعوى انه ابن واقعهم. وما حصل بينه وبي بعضهم لم يكن أكثر من مجرد التقاء عفوي غير مقصود، لم يتكرر إلا مرة أو مرتين، فهل يعني هذا أنه من مجتمع الأحناف؟ وأين ورد عن النبي أنه اتفق معهم على أن «يبحث» عن الدين الجديد؟ أم هي الشهوة والهوى؟
فإذا ثبت هذا نقول: لو صحت الدعوى بأن الإسلام اختيار من متعدد متاح لاختار النبي المسيحية أو اليهودية بديلا عن الإسلام، لأن الظروف المناسبة إلى اختيار دين له جذور متأصلة حاضرة في الواقع أولى بكثير من اختيار دين لا زال تحت البحث والتنقيب، أي لم يكن له وجود في الواقع أصلا، و لو صح أن النبي لم يكن مفارقا لواقع الأحناف لاختار النصرانية أو اليهودية بدلا عن الإسلام لأنهم كانوا يهودا أو نصارى، و بما أنه لم يخترهما صح قولنا بأن الإسلام لم يكن خيارا محتملا من متاحات موجودة قبل في الواقع بل كان شيئا مفارقا لا علاقة له بالواقع السائد لا من قريب و لا من بعيد، لا علاقة له بالأحناف و لا بغيرهم كما نصت الآيات.
أما ادعاء المؤلف بأنهم لم يتبعوا المسيحية لأنها كانت دينا غازيا فهو باطل، لأن العرب أصلا لم يروا في المسيحية دينا غازيا بل رأوها جزءا منهم، فاعتنقتها بعض القبائل العربية، واعتنقها بعض الحنيفيين، وما ظهر في أشعارهم من تعظيم للمسيحية ورجالها يدل على نقيض دعوى المؤلف.
تعليق