إرشاد النحرير لترجيحات الامام ابن جرير

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • اسامة محمد خيري
    Registered User
    • Dec 2008
    • 12975

    #121
    القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا }.

    اختلفت القراء فـي قراءة قوله: { وَكَفَّلَهَا } ، فقرأته عامة قراء أهل الـحجاز والـمدينة والبصرة: «وكَفَلَها» مخففة الفـاء بـمعنى: ضمها زكريا إلـيه، اعتبـاراً بقول الله عزّ وجلّ:
    { يُلْقُون أَقْلَـظ°مَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ }
    [آل عمران: 44]. وقرأ ذلك عامة قراء الكوفـيـين: { وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا } بـمعنى: وكفّلها الله زكريا.

    وأولـى القراءتـين بـالصواب فـي ذلك عندي قراءة من قرأ: { وَكَفَّلَهَا } مشددة الفـاء بـمعنى: وكفّلها الله زكريا، بـمعنى: وضمها الله إلـيه؛ لأن زكريا أيضاً ضمها إلـيه بإيجاب الله له ضمها إلـيه بـالقرعة التـي أخرجها الله له، والآية التـي أظهرها لـخصومه فـيها، فجعله بها أولـى منهم، إذ قرع فـيها من شاحّه فـيها. وذلك أنه بلغنا أن زكريا وخصومه فـي مريـم إذ تنازعوا فـيها أيهم تكون عنده، تساهموا بقداحهم فرموا بها فـي نهر الأردنّ، فقال بعض أهل العلـم: رتَب قِدْحُ زكريا، فقام فلـم يجر به الـماء وجرى بقداح الآخرين الـماء، فجعل الله ذلك لزكريا أنه أحقّ الـمتنازعين فـيها. وقال آخرون: بل صعد قدح زكريا فـي النهر، وانـحدرت قداح الآخرين مع جرية الـماء وذهبت، فكان ذلك له علـماً من الله فـي أنه أولـى القوم بها. وأيّ الأمرين كان من ذلك فلا شكّ أن ذلك كان قضاء من الله بها لزكريا علـى خصومه بأنه أولاهم بها، وإذا كان ذلك كذلك، فإنـما ضمها زكريا إلـى نفسه بضم الله إياها إلـيه بقضائه له بها علـى خصومه عند تشاحهم فـيها واختصامهم فـي أولاهم بها.

    تعليق

    • اسامة محمد خيري
      Registered User
      • Dec 2008
      • 12975

      #122
      وقوله: { بِكَلِمَةٍ مّنْهُ } يعنـي: برسالة من الله، وخبر من عنده، وهو من قول القائل: ألقـى فلان إلـيّ كلـمة سرّنـي بها، بـمعنى: أخبرنـي خبراً فرحت به، كما قال جلّ ثناؤه:
      { وَكَلِمَتُهُ أَلْقَـظ°هَا إِلَىظ° مَرْيَمَ }
      [النساء: 171] يعنـي بشرى الله مريـم بعيسى ألقاها إلـيها.

      فتأويـل الكلام: وما كنت يا مـحمد عند القوم إذ قالت الـملائكة لـمريـم: يا مريـم إن الله يبشرك ببشرى من عنده، هي ولد لك، اسمه الـمسيح عيسى ابن مريـم.

      وقد قال قوم، وهو قول قتادة: إن الكلـمة التـي قال الله عزّ وجلّ بكلـمة منه، هو قوله: «كن».

      حدثنا بذلك الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة قوله: { بِكَلِمَةٍ مّنْهُ } قال: قوله: «كن».

      فسماه الله عزّ وجلّ كلـمته، لأنه كان عن كلـمته، كما يقال لـما قدر الله من شيء: هذا قدر الله وقضاؤه، يعنـي به: هذا عن قدر الله وقضائه حدث، وكما قال جلّ ثناؤه: { وَكَانَ أَمْرُ ظ±للَّهِ مَفْعُولاً } يعنـي به: ما أمر الله به، وهو الـمأمور الذي كان عن أمر الله عزّ وجلّ.

      وقال آخرون: بل هي اسم لعيسى سماه الله بها كما سمى سائر خـلقه بـما شاء من الأسماء. ورُوي عن ابن عبـاس رضي الله عنه أنه قال: الكلـمة: هي عيسى.

      حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن إسرائيـل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عبـاس فـي قوله: { إِذْ قَالَتِ ظ±لْمَلَـئِكَةُ يظ°مَرْيَمُ إِنَّ ظ±للَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ } قال: عيسى هو الكلـمة من الله.

      وأقرب الوجوه إلـى الصواب عندي القول الأول: وهو أن الـملائكة بشرت مريـم بعيسى عن الله عزّ وجلّ برسالته وكلـمته التـي أمرها أن تلقـيها إلـيها، أن الله خالق منها ولداً من غير بعل ولا فحل، ولذلك قال عزّ وجلّ: { ظ±سْمُهُ ظ±لْمَسِيحُ } فذكَّر، ولـم يقل اسمها فـيؤنث، والكلـمة مؤنثة، لأن الكلـمة غير مقصود بها قصد الاسم الذي هو بـمعنى فلان، وإنـما هي بـمعنى البشارة، فذكرت كنايتها، كما تذكر كناية الذرّية والدابة والألقاب، علـى ما قد بـيناه قبل فـيـما مضى.

      فتأويـل ذلك كما قلنا آنفـا، من أن معنى ذلك: إن الله يبشركِ ببشرى، ثم بـين عن البشرى، أنها ولد اسمه الـمسيح.

      تعليق

      • اسامة محمد خيري
        Registered User
        • Dec 2008
        • 12975

        #123
        وقال آخرون: معنى ذلك: إذ قال الله يا عيسى، إنـي رافعك إلـيّ، ومطهرك من الذين كفروا، ومتوفـيك بعد إنزالـي إياك إلـى الدنـيا. وقال: هذا من الـمقدّم الذي معناه التأخير، والـمؤخر الذي معناه التقديـم.

        قال أبو جعفر: وأولـى هذه الأقوال بـالصحة عندنا قول من قال: معنى ذلك: إنـي قابضك من الأرض ورافعك إلـيّ، لتواتر الأخبـار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " يَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَـمَ فَـيَقْتُلُ الدَّجَّالَ " ثُمَّ يَـمْكُثُ فِـي الأرْض مُدَّةً ذَكَرَها اختلفت الرواية فـي مبلغها، ثم يـموت، فـيصلـي علـيه الـمسلـمون ويدفنونه.

        حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن مـحمد بن مسلـم الزهري، عن حنظلة بن علـيّ الأسلـميّ، عن أبـي هريرة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لَـيُهْبِطنَّ اللَّهُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَـمَ حَكَما عَدْلاً وَإِمَاما مُقْسِطا، يَكْسِرُ الصَّلِـيبَ، وَيَقْتُلُ الـخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الـجِزْيَةَ، وَيُفِـيضُ الـمالُ حتـى لا يَجِدَ مَنْ يَأْخُذُهُ، وَلَـيُسْلَكَنَّ الرَّوْحَاءَ حاجّاً أَوْ مُعْتَـمِرا، أَوْ يَدِينُ بِهِمَا جَمِيعا " .....

        تعليق

        • اسامة محمد خيري
          Registered User
          • Dec 2008
          • 12975

          #124
          قُلْ إِنَّ ظ±لْهُدَىظ° هُدَى ظ±للَّهِ } معترض به، وسائر الكلام متسق علـى سياق واحد. فـيكون تأويـله حينئذ: ولا تؤمنوا إلا لـمن اتبع دينكم، ولا تؤمنوا أن يؤتـى أحد مثل ما أوتـيتـم، بـمعنى: لا يؤتـى أحد بـمثل ما أوتـيتـم، { أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبّكُمْ } بـمعنى: أو أن يحاجكم عند ربكم أحد بإيـمانكم، لأنكم أكرم علـى الله منهم بـما فضلكم به علـيهم. فـيكون الكلام كله خبراً عن قول الطائفة التـي قال الله عزّ وجلّ
          { وَقَالَت طَّائِفَةٌ مّنْ أَهْلِ ظ±لْكِتَـظ°بِ ءامِنُواْ بِظ±لَّذِي أُنزِلَ عَلَى ظ±لَّذِينَ ءامَنُواْ وَجْهَ ظ±لنَّهَارِ }
          [آل عمران: 72] سوى قوله: { قُلْ إِنَّ ظ±لْهُدَىظ° هُدَى ظ±للَّهِ } ثم يكون الكلام مبتدأ بتكذيبهم فـي قولهم: قل يا مـحمد للقائلـين ما قالوا من الطائفة التـي وصفت لك قولها لتبّـاعها من الـيهود { إِنَّ ظ±لْهُدَىظ° هُدَى ظ±للَّهِ } إن التوفـيق توفـيق الله، والبـيان بـيانه، وإن الفضل بـيده يؤتـيه من يشاء، لا ما تـمنـيتـموه أنتـم يا معشر الـيهود. وإنـما اخترنا ذلك من سائر الأقوال التـي ذكرناها، لأنه أصحها معنى، وأحسنها استقامة علـى معنى كلام العرب، وأشدّها اتساقاً علـى نظم الكلام وسياقه، وما عدا ذلك من القول، فـانتزاع يبعد من الصحة علـى استكراه شديد الكلام.

          تعليق

          • اسامة محمد خيري
            Registered User
            • Dec 2008
            • 12975

            #125
            وقال آخرون: معنى ذلك: إلا ما دمت علـيه قائماً علـى رأسه. ذكر من قال ذلك:

            حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قوله: { إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا } يقول: يعترف بأمانته ما دمت قائماً علـى رأسه، فإذا قمت ثم جئت تطلبه كافَرَك الذي يؤدي، والذي يجحد.

            وأولـى القولـين بتأويـل الآية قول من قال: معنى ذلك: إلا ما دمت علـيه قائماً بـالـمطالبة والاقتضاء، من قولهم: قام فلان بحقـي علـى فلان حتـى استـخرجه لـي، أي عمل فـي تـخـلـيصه، وسعى فـي استـخراجه منه حتـى استـخرجه، لأن الله عزّ وجلّ إنـما وصفهم بـاستـحلالهم أموال الأميـين، وأن منهم من لا يقضي ما علـيه إلا بـالاقتضاء الشديد والـمطالبة، ولـيس القـيام علـى رأس الذي علـيه الدين، بـموجب له النقلة عما هو علـيه من استـحلال ما هو له مستـحلّ، ولكن قد يكون ـ مع استـحلاله الذهاب بـما علـيه لربّ الـحق ـ إلـى استـخراجه السبـيـلُ بـالاقتضاء والـمـحاكمة والـمخاصمة، فذلك الاقتضاء: هو قـيام ربّ الـمال بـاستـخراج حقه مـمن هو علـيه.

            تعليق

            • اسامة محمد خيري
              Registered User
              • Dec 2008
              • 12975

              #126
              وقال آخرون: بل هم ولاة الناس وقادتهم. ذكر من قال ذلك:

              حدثنـي يونس بن عبد الأعلـى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سمعت ابن زيد يقول فـي قوله: { كُونُواْ رَبَّـظ°نِيِّينَ } قال: الربـانـيون: الذين يربون الناس ولاة هذا الأمر، يربونهم: يـلونهم. وقرأ: { لَوْلاَ يَنْهَـظ°هُمُ ظ±لرَّبَّـظ°نِيُّونَ وَظ±لأحْبَارُ } قال: الربـانـيون: الولاة، والأحبـار: العلـماء.

              قال أبو جعفر: وأولـى الأقوال عندي بـالصواب فـي الربـانـيـين أنهم جمع ربـانـيّ، وأن الربـانـيّ الـمنسوب إلـى الرَّبَّـان: الذي يربُّ الناس، وهو الذي يصلـح أمورهم ويربها، ويقوم بها، ومنه قول علقمة بن عبدة:
              وكنتَ امْرأً أفْضَتْ إِلَـيْكَ رِبَـابَتِـي وَقَبْلَكَ رَبَّتْنِـي فَضِعْتُ رُبُوبُ
              يعنـي بقوله: «ربّتنـي»: ولـي أمري والقـيام به قبلك من يربه ويصلـحه، فلـم يصلـحوه، ولكنهم أضاعونـي فضعت، يقال منه: ربّ أمري فلان فهو بربُّه رَبًّـا وهو رابُّه، فإذا أريد به الـمبـالغة فـي مدحه قـيـل: هو رَبَّـان، كما يقال: هو نعسان، من قولهم: نَعَس ينعُس، وأكثر ما يجيء من الأسماء علـى فعلان ما كان من الأفعال الـماضية علـى فَعِل مثل قولهم: هو سكران وعطشان وريان، من سَكِرَ يَسْكَر، وعَطِش يَعطش، ورَوِي يَرْوَى، وقد يجيء مـما كان ماضيه علـى فَعَل يَفْعُل، نـحو ما قلنا من نَعَسَ يَنْعُس، ورَبَّ يَرُبُّ.

              فإذا كان الأمر فـي ذلك علـى ما وصفنا، وكان الربـان ما ذكرنا، والربـانـي: هو الـمنسوب إلـى من كان بـالصفة التـي وصفت، وكان العالـم بـالفقه والـحكمة من الـمصلـحين، يربّ أمور الناس بتعلـيـمه إياهم الـخير، ودعائهم إلـى ما فـيه مصلـحتهم، وكان كذلك الـحكيـم التقـيّ لله، والولـي الذي يـلـي أمور الناس علـى الـمنهاج الذي ولـيه الـمقسطون من الـمصلـحين أمور الـخـلق بـالقـيام فـيهم، بـما فـيه صلاح عاجلهم وآجلهم، وعائدة النفع علـيهم فـي دينهم ودنـياهم؛ كانوا جميعاً مستـحقـين أنهم مـمن دخـل فـي قوله عزّ وجلّ { وَلَـظ°كِن كُونُواْ رَبَّـظ°نِيّينَ }. فـالربـانـيون إذاً، هم عماد الناس فـي الفقه والعلـم وأمور الدين والدنـيا، ولذلك قال مـجاهد: «وهم فوق الأحبـار»، لأن الأحبـار هم العلـماء. والربـانـي: الـجامع إلـى العلـم والفقه، البصرَ بـالسياسة والتدبـير، والقـيام بأمور الرعية، وما يصلـحهم فـي دنـياهم ودينهم....

              القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { بِمَا كُنتُمْ تُعَلّمُونَ ظ±لْكِتَـظ°بَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ }.

              اختلفت القراء فـي قراءة ذلك، فقرأه عامة قراء أهل الـحجاز وبعض البصريـين: «بِـمَا كُنْتُـمْ تَعْلَـمُونَ» بفتـح التاء وتـخفـيف اللام، يعنـي: بعلـمكم الكتاب، ودراستكم إياه وقراءتكم. واعتلّوا لاختـيارهم قراءة ذلك كذلك، بأن الصواب لو كان التشديد فـي اللام وضمّ التاء، لكان الصواب فـي «تدرسون» بضم التاء وتشديد الراء. وقرأ ذلك عامة قراء الكوفـيـين: { بِمَا كُنتُمْ تُعَلّمُونَ ظ±لْكِتَـظ°بَ } بضم التاء من تعلِّـمون وتشديد اللام، بـمعنى: بتعلـيـمكم الناس الكتاب، ودراستكم إياه. واعتلّوا لاختـيارهم ذلك بأن من وصفهم بـالتعلـيـم فقد وصفهم بـالعلـم، إذ لا يعلِّـمون إلا بعد علـمهم بـما يعلـمون.

              قالوا: ولا موصوف بأنه يعلـم، إلا وهو موصوف بأنه عالـم. قالوا: فأما الـموصوف بأنه عالـم، فغير موصوف بأنه معلـم غيره. قالوا: فأولـى القراءتـين بـالصواب، أبلغهما فـي مدح القوم، وذلك وصفهم بأنهم كانوا يعلِّـمون الناس الكتاب. كما:

              حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا يحيـى بن آدم، عن ابن عيـينة، عن حميد الأعرج، عن مـجاهد أنه قرأ: «بِـمَا كُنْتُم تَعْلَـمُونَ الكِتابَ وَبِـمَا كُنْتُـمْ تَدْرُسُونَ» مخففة بنصب التاء. وقال ابن عيـينة: ما عَلَّـموه حتـى عَلِـموه.

              وأولـى القراءتـين بـالصواب فـي ذلك قراءة من قرأه بضم التاء وتشديد اللام، لأن الله عزّ وجلّ وصف القوم بأنهم أهل عماد للناس فـي دينهم ودنـياهم، وأهل إصلاح لهم ولأمورهم وتربـية، يقول جلّ ثناؤه: { وَلَـظ°كِن كُونُواْ رَبَّـظ°نِيّينَ } علـى ما بـينا قبل من معنى الربـانـي. ثم أخبر تعالـى ذكره عنهم أنهم صاروا أهل إصلاح للناس، وتربـية لهم بتعلـيـمهم إياهم كتاب ربهم. ودراستهم إياه: تلاوته، وقد قـيـل: دراستهم الفقه.

              وأشبه التأويـلـين بـالدراسة ما قلنا من تلاوة الكتاب، لأنه عطف علـى قوله: { تُعَلّمُونَ ظ±لْكِتَـظ°بَ } ، والكتاب: هو القرآن، فلأن تكون الدراسة معنـياً بها دراسة القرآن أولـى من أن تكون معنـياً بها دراسة الفقه الذي لـم يجر له ذكر. ذكر من قال ذلك:

              حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: قال يحيـى بن آدم: قال أبو زكريا: كان عاصم يقرؤها: { بِمَا كُنتُمْ تُعَلّمُونَ ظ±لْكِتَـظ°بَ } قال: القرآن، { وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ } قال: الفقه.

              فمعنى الآية: ولكن يقول لهم: كونوا أيها الناس سادة الناس وقادتهم فـي أمر دينهم ودنـياهم، ربـانـيـين بتعلـيـمكم إياهم كتاب الله، وما فـيه من حلال وحرام، وفرض وندب، وسائر ما حواه من معانـي أمور دينهم، وبتلاوتكم إياه ودراستكموه.

              تعليق

              • اسامة محمد خيري
                Registered User
                • Dec 2008
                • 12975

                #127
                اختلفت القراء في قراءة قوله: { وَلاَ يَأْمُرَكُمْ } ، فقرأته عامة قراء الحجاز والمدينة: «وَلاَ يَأْمُرُكُمْ» على وجه الابتداء من الله بالخبر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ لاَ يَأْمُرُكُمْ أيُّها النَّاسُ أنْ تَتَّـخِذُوا الـمَلائِكَةَ وَالنَّبِـيِّـينَ أرْبـابـاً. واستشهد قارئو ذلك كذلك بقراءة ذكروها عن ابن مسعود أنه كان يقرؤها وهي: «ولن يأمركم» فـاستدلوا بدخول لن علـى انقطاع الكلام عما قبله، وابتداء خبر مستأنف. قالوا: فلـما صير مكان «لن» فـي قراءتنا «لا» وجبت قراءته بـالرفع. وقرأه بعض الكوفـيـين والبصريـين: { وَلاَ يَأْمُرَكُمْ } بنصب الراء عطفـاً علـى قوله: { ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ }. وكان تأويـله عندهم: ما كان لبشر أن يؤتـيه الله الكتاب، ثم يقول للناس ولا أن يأمركم، بـمعنى: ولا كان له أن يأمركم أن تتـخذوا الـملائكة والنبـيـين أربـابـاً.

                وأولـى القراءتـين بـالصواب فـي ذلك: { وَلاَ يَأْمُرَكُمْ } بـالنصب علـى الاتصال بـالذي قبله، بتأوّل: { مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ ظ±للَّهُ ظ±لْكِتَـظ°بَ وَظ±لْحُكْمَ وَظ±لنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لّى مِن دُونِ ظ±للَّهِ } ولا أن يأمركم أن تتـخذوا الـملائكة والنبـيـين أربـابـاً. لأن الآية نزلت فـي سبب القوم الذين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أتريد أن نعبدك؟ فأخبرهم الله جلّ ثناؤه أنه لـيس لنبـيه صلى الله عليه وسلم أن يدعو الناس إلـى عبـادة نفسه، ولا إلـى اتـخاذ الـملائكة والنبـيـين أربـابـاً، ولكن الذي له أن يدعوهم إلـى أن يكونوا ربـانـيـين. فأما الذي ادّعى من قرأ ذلك رفعاً أنه فـي قراءة عبد الله: «ولن يأمركم» استشهاداً لصحة قراءته بـالرفع، فذلك خبر غير صحيح سنده، وإنـما هو خبر رواه حجاج عن هارون لا يجوز أن ذلك فـي قراءة عبد الله كذلك. ولو كان ذلك خبراً صحيحاً سنده، لـم يكن فـيه لـمـحتـجّ حجة، لأن ما كان علـى صحته من القراءة من الكتاب الذي جاء به الـمسلـمون وراثة عن نبـيهم صلى الله عليه وسلم لا يجوز تركه لتأويـل علـى قراءة أضيفت إلـى بعض الصحابة بنقل من يجوز فـي نقله الـخطأ والسهو.

                فتأويـل الآية إذاً: وما كان للنبـيّ أن يأمر الناس أن يتـخذوا الـملائكة والنبـيـين أربـابـاً، يعنـي بذلك آلهة يعبدون من دون الله، كما لـيس له أن يقول لهم كونوا عبـاداً لـي من دون الله. ثم قال جلّ ثناؤه نافـياً عن نبـيه صلى الله عليه وسلم أن يأمر عبـاده بذلك: أيأمركم بـالكفر أيها الناس نبـيكم بجحود وحدانـية الله بعد إذ أنتـم مسلـمون، يعنـي بعد إذ أنتـم له منقادون بـالطاعة متذللون له بـالعبودية، أي إن ذلك غير كائن منه أبداً. وقد:

                حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: ولا يأمركم النبـيّ صلى الله عليه وسلم أن تتـخذوا الـملائكة والنبـيـين أربـابـاً.

                تعليق

                • اسامة محمد خيري
                  Registered User
                  • Dec 2008
                  • 12975

                  #128
                  لَمَا ءاتَيْتُكُم مّن كِتَـظ°بٍ وَحِكْمَةٍ } اختلفت القراء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء الـحجاز والعراق؛ { لَمَا ءاتَيْتُكُم } بفتـح اللام من «لـما»، إلا أنهم اختلفوا فـي قراءة آتـيتكم، فقرأه بعضهم { ءاتَيْتُكُم } علـى التوحيد، وقرأه آخرون: «آتـيناكم»، علـى الـجمع.

                  ثم اختلف أهل العربـية إذا قرىء ذلك كذلك، فقال بعض نـحويـي البصرة: اللام التـي مع «ما» فـي أوّل الكلام لام الابتداء، نـحو قول القائل: لزيد أفضل منك، لأن «ما» اسم، والذي بعدها صلة لها، واللام التـي فـي: { لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ } لام القسم، كأنه قال: والله لتؤمننّ به، يؤكد فـي أول الكلام وفـي آخره، كما يقال: أما والله أن لو جئتنـي لكان كذا وكذا، وقد يستغنى عنها فـيؤكد فـي لتؤمننّ به بـاللام فـي آخر الكلام، وقد يستغنى عنها، ويجعل خبر «ما آتـيتكم من كتاب وحكمة»، «لتؤمننّ به»، مثل: «لعبدالله والله لا آتـينه»، قال: وإن شئت جعلت خبر «ما» «من كتاب» يريد: لـما آتـيتكم كتابٌ وحكمة، وتكون «من» زائدة. وخطّأ بعض نـحويـي الكوفـيـين ذلك كله، وقال: اللام التـي تدخـل فـي أوائل الـجزاء لا تـجاب بـما ولا «لا» فلا يقال لـمن قام: لا تتبعه، ولا لـمن قام: ما أحسن، فإذا وقع فـي جوابها «ما» و«لا» علـم أن اللام لـيست بتوكيد للأولـى، لأنه يوضع موضعها «ما» و«لا»، فتكون كالأولـى، وهي جواب للأولـى. قال: وأما قوله: { لَمَا ءاتَيْتُكُم مّن كِتَـظ°بٍ وَحِكْمَةٍ } بـمعنى إسقاط «من» غلط، لأن «من» التـي تدخـل وتـخرج لا تقع مواقع الأسماء، قال: ولا تقع فـي الـخبر أيضاً، إنـما تقع فـي الـجحد والاستفهام والـجزاء.

                  وأولـى الأقوال فـي تأويـل هذه الآية علـى قراءة من قرأ ذلك بفتـح اللام بـالصواب أن يكون قوله: { لَمَا } بـمعنى: لـمهما، وأن تكون «ما» حرف جزاء أدخـلت علـيها اللام، وصير الفعل معها علـى فَعَل، ثم أجيبت بـما تـجاب به الأيـمان، فصارت اللام الأولـى يـميناً إذ تلقـيت بجواب الـيـمين.....

                  وأولـى القراءتـين فـي ذلك بـالصواب قراءة من قرأ: { وَإِذْ أَخَذَ ظ±للَّهُ مِيثَـظ°قَ ظ±لنَّبِيّيْنَ لَمَا ءاتَيْتُكُم } بفتـح اللام، لأن الله عز وجلّ أخذ ميثاق جميع الأنبـياء بتصديق كل رسول له ابتعثه إلـى خـلقه فـيـما ابتعثه به إلـيهم، كان مـمن آتاه كتابـاً، أو من لـم يؤته كتابـاً. وذلك أنه غير جائز وصف أحد من أنبـياء الله عزّ وجلّ ورسله، بأنه كان مـمن أبـيح له التكذيب بأحد من رسله. فإذا كان ذلك كذلك، وكان معلوماً أن منهم من أنزل علـيه الكتاب، وأن منهم من لـم ينزل علـيه الكتاب، كان بـيِّناً أن قراءة من قرأ ذلك: «لِـمَا آتَـيْتُكُمْ» بكسر اللام، بـمعنى: من أجل الذي آتـيتكم من كتاب، لا وجه له مفهوم إلا علـى تأويـل بعيد، وانتزاع عميق....

                  وأولـى هذه الأقوال فـي ذلك بـالصواب قول من قال: معنى ذلك: الـخبر عن أخذ الله الـميثاق من أنبـيائه بتصديق بعضهم بعضاً، وأخذ الأنبـياء علـى أمـمها، وتبـاعها الـميثاق بنـحو الذي أخذ علـيها ربها، من تصديق أنبـياء الله ورسله بـما جاءتها به، لأن الأنبـياء علـيهم السلام بذلك أرسلت إلـى أمـمها، ولـم يدَّع أحد مـمن صدق الـمرسلـين أن نبـياً أرسل إلـى أمة بتكذيب أحد من أنبـياء الله عزّ وجلّ، وحججه فـي عبـاده، بل كلها، وإن كذّب بعض الأمـم بعض أنبـياء الله بجحودها نبوّته، مقرّ بأن من ثبتت صحة نبوّته، فعلـيها الدينونة بتصديقه فذلك ميثاق مقرّ به جميعهم. ولا معنى لقول من زعم أن الـميثاق إنـما أخذ علـى الأمـم دون الأنبـياء، لأن الله عزّ وجلّ، قد أخبر أنه أخذ ذلك من النبـيـين، فسواء قال قائل: لـم يأخذ ذلك منها ربها، أو قال: لـم يأمرها ببلاغ ما أرسلت، وقد نصّ الله عزّ وجلّ أنه أمرها بتبلـيغه، لأنهما جميعاً خبران من الله عنها، أحدهما أنه أخذ منها، والآخر منهما أنه أمرها، فإن جاز الشكّ فـي أحدهما جاز فـي الآخر. وأما ما استشهد به الربـيع بن أنس علـى أن الـمعنـيّ بذلك أهل الكتاب من قوله: { لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ } فإن ذلك غير شاهد علـى صحة ما قال، لأن الأنبـياء قد أمر بعضها بتصديق بعض، وتصديق بعضها بعضاً، نصرة من بعضها بعضاً....

                  وأولـى الأقوال بـالصواب عندنا فـي تأويـل هذه الآية: أن جميع ذلك خبر من الله عزّ وجلّ عن أنبـيائه أنه أخذ ميثاقهم به، وألزمهم دعاء أمـمهم إلـيه والإقرار به، لأن ابتداء الآية خبر من الله عزّ وجلّ عن أنبـيائه أنه أخذ ميثاقهم، ثم وصف الذي أخذ به ميثاقهم، فقال: هو كذا وهو كذا.

                  وإنـما قلنا إن ما أخبر الله أنه أخذ به مواثـيق أنبـيائه من ذلك، قد أخذت الأنبـياء مواثـيق أمـمها به، لأنها أرسلت لتدعو عبـاد الله إلـى الدينونة، بـما أمرت بـالدينونة به فـي أنفسها من تصديق رسل الله علـى ما قدمنا البـيان قبل. فتأويـل الآية: واذكروا يا معشر أهل الكتاب إذ أخذ الله ميثاق النبـيـين لـمهما آتـيتكم أيها النبـيون من كتاب وحكمة، ثم جاءكم رسول من عندي مصدّق لـما معكم لتؤمننّ به، يقول: لتصدقنه ولتنصرنه. وقد قال السديّ فـي ذلك بـما:

                  حدثنا به مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ قوله: { لَمَا ءاتَيْتُكُم } يقول للـيهود: أخذت ميثاق النبـيـين بـمـحمد صلى الله عليه وسلم، وهو الذي ذكر فـي الكتاب عندكم.

                  فتأويـل ذلك علـى قول السديّ الذي ذكرناه: واذكروا يا معشر أهل الكتاب، إذ أخذ الله ميثاق النبـيـين لـما آتـيتكم أيها الـيهود من كتاب وحكمة. وهذا الذي قاله السديّ كان تأويلاً لا وجه غيره لو كان التنزيـل «بـما آتـيتكم»، ولكن التنزيـل بـاللام لـما آتـيتكم، وغير جائز فـي لغة أحد من العرب أن يقال: أخذ الله ميثاق النبـيـين لـما آتـيتكم، بـمعنى: بـما آتـيتكم....

                  تعليق

                  • اسامة محمد خيري
                    Registered User
                    • Dec 2008
                    • 12975

                    #129
                    حدثنا مـحمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: { إِنَّ ظ±لَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَـظ°نِهِمْ ثُمَّ ظ±زْدَادُواْ كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ ظ±لضَّالُّونَ } أما ازدادوا كفراً: فماتوا وهم كفـار، وأما لن تقبل توبتهم: فعند موته إذا تاب لـم تقبل توبته.

                    قال أبو جعفر: وأولـى هذه الأقوال بـالصواب فـي تأويـل هذه الآية قول من قال: عنى بها الـيهودَ، وأن يكون تأويـله: إن الذين كفروا من الـيهود بـمـحمد صلى الله عليه وسلم عند مبعثه بعد إيـمانهم به قبل مبعثه، ثم ازدادوا كفراً بـما أصابوا من الذنوب فـي كفرهم ومقامهم علـى ضلالتهم، لن تقبل توبتهم من ذنوبهم التـي أصابوها فـي كفرهم، حتـى يتوبوا من كفرهم بـمـحمد صلى الله عليه وسلم، ويراجعوا التوبة منه بتصديق ما جاء به من عند الله.

                    وإنـما قلنا ذلك أولـى الأقوال فـي هذه الآية بـالصواب، لأن الآيات قبلها وبعدها فـيهم نزلت، فأولـى أن تكون هي فـي معنى ما قبلها وبعدها إذ كانت فـي سياق واحد. وإنـما قلنا: معنى ازديادهم الكفر ما أصابوا فـي كفرهم من الـمعاصي، لأنه جلّ ثناؤه قال: { لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ } فكان معلوماً أن معنى قوله: { لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ } إنـما هو معنـيّ به: لن تقبل توبتهم مـما ازدادوا من الكفر علـى كفرهم بعد إيـمانهم، لا من كفرهم، لأن الله تعالـى ذكره وعد أن يقبل التوبة من عبـاده، فقال:

                    { وَهُوَ ظ±لَّذِى يَقْبَلُ ظ±لتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ }
                    [الشورى: 25] فمـحال أن يقول عزّ وجلّ أقبل، ولا أقبل فـي شيء واحد. وإذ كان ذلك كذلك، وكان من حكم الله فـي عبـاده أنه قابل توبة كل تائب من كل ذنب، وكان الكفر بعد الإيـمان أحد تلك الذنوب التـي وعد قبول التوبة منها بقوله: { إِلاَّ ظ±لَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ ظ±للَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } علـم أن الـمعنى الذي لا تقبل التوبة منه، غير الـمعنى الذي تقبل التوبة منه. وإذ كان ذلك كذلك، فـالذي لا تقبل منه التوبة هو الازدياد علـى الكفر بعد الكفر، لا يقبل الله توبة صاحبه ما أقام علـى كفره، لأن الله لا يقبل من مشرك عملاً ما أقام علـى شركه وضلاله، فأما إن تاب من شركه وكفره وأصلـح، فإن الله كما وصف به نفسه، غفور رحيـم.

                    فإن قال قائل: وما ينكر أن يكون معنى ذلك، كما قال من قال: فلن تقبل توبتهم من كفرهم عند حضور أجله، أو توبته الأولـى؟ قـيـل: أنكرنا ذلك لأن التوبة من العبد غير كائنة إلا فـي حال حياته، فأما بعد مـماته فلا توبة، وقد وعد الله عزّ وجلّ عبـاده قبول التوبة منهم ما دامت أرواحهم فـي أجسادهم، ولا خلاف بـين جميع الـحجة فـي أن كافراً لو أسلـم قبل خروج نفسه بطرفة عين أن حكمه حكم الـمسلـمين فـي الصلاة علـيه والـموارثة، وسائر الأحكام غيرها، فكان معلوماً بذلك أن توبته فـي تلك الـحال لو كانت غير مقبولة، لـم ينتقل حكمه من حكم الكفـار إلـى حكم أهل الإسلام، ولا منزلة بـين الـموت والـحياة يجوز أن يقال لا يقبل الله فـيها توبة الكافر، فإذا صحّ أنها فـي حال حياته مقبولة، ولا سبـيـل بعد الـمـمات إلـيها، بطل قول الذي زعم أنها غير مقبولة عند حضور الأجل.

                    وأما قول من زعم أن معنى ذلك التوبة التـي كانت قبل الكفر فقول لا معنى له، لأن الله عزّ وجلّ لـم يوصف القوم بإيـمان كان منهم بعد كفر، ثم كفر بعد إيـمان، بل إنـما وصفهم بكفر بعد إيـمان، فلـم يتقدم ذلك الإيـمان كفر كان للإيـمان لهم توبة منه، فـيكون تأويـل ذلك علـى ما تأوله قائل ذلك، وتأويـل القرآن علـى ما كان موجوداً فـي ظاهر التلاوة إذا لـم تكن حجة تدلّ علـى بـاطن خاصّ أولـى من غيره وإن أمكن توجيهه إلـى غيره.

                    تعليق

                    • اسامة محمد خيري
                      Registered User
                      • Dec 2008
                      • 12975

                      #130
                      { كُلُّ ظ±لطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لِّبَنِيغ¤ إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىظ° نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ ظ±لتَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بِظ±لتَّوْرَاةِ فَظ±تْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ }

                      يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: أنه لـم يكن حرّم على بني إسرائيل ـ وهم ولد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيـم خـلـيـل الرحمن ـ شيئاً من الأطعمة من قبل أن تنزل التوراة، بل كان ذلك كله لهم حلالاً، إلا ما كان يعقوب حرّمه علـى نفسه، فإن ولده حرّموه استناناً بأبـيهم يعقوب، من غير تـحريـم الله ذلك علـيهم فـي وحي ولا تنزيـل ولا علـى لسان رسول له إلـيهم من قبل نزول التوراة.

                      ثم اختلف أهل التأويـل فـي تـحريـم ذلك علـيهم، هل نزل فـي التوراة أم لا؟ فقال بعضهم: لـما أنزل الله عزّ وجلّ التوراة، حرّم علـيهم من ذلك ما كانوا يحرّمونه قبل نزولها. ذكر من قال ذلك:

                      حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ قوله: { كُلُّ ظ±لطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لّبَنِى إِسْرظ°ءيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرظ°ءيلُ عَلَىظ° نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ ظ±لتَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بظ±لتَّوْرَظ°ةِ فَظ±تْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَظ°دِقِيِنَ } قالت الـيهود: إنـما نـحرّم ما حرّم إسرائيـل علـى نفسه، وإنـما حرّم إسرائيـل العروق، كان يأخذه عرق النَّسا، كان يأخذه بـاللـيـل ويتركه بـالنهار، فحلف لئن الله عافـاه منه لا يأكل عِرْقاً أبداً، فحرّمه الله علـيهم ثم قال: { قُلْ فَأْتُواْ بِظ±لتَّوْرَظ°ةِ فَظ±تْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَـظ°دِقِينَ }: ما حرّم هذا علـيكم غيري ببغيكم، فذلك قوله:
                      { فَبِظُلْمٍ مّنَ ظ±لَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيّبَـظ°تٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ }
                      [النساء: 160].

                      فتأويـل الآية علـى هذا القول: كل الطعام كان حلاًّ لبنـي إسرائيـل، إلا ما حرّم إسرائيـل علـى نفسه من قبل أن تنزل التوراة، فإن الله حرّم علـيهم من ذلك ما كان إسرائيـل حرّمه علـى نفسه فـي التوراة، ببغيهم علـى أنفسهم، وظلـمهم لها. قل يا مـحمد: فأتوا أيها الـيهود إن أنكرتـم ذلك بـالتوراة، فـاتلوها إن كنتـم صادقـين أن الله لـم يحرم ذلك علـيكم فـي التوارة، وأنكم إنـما تـحرّمونه لتـحريـم إسرائيـل إياه علـى نفسه.

                      وقال آخرون: ما كان شيء من ذلك علـيهم حراماً، ولا حرّمه الله علـيهم فـي التوراة، وإنـما هو شيء حرّموه علـى أنفسهم اتبـاعاً لأبـيهم، ثم أضافوا تـحريـمه إلـى الله. فكذبهم الله عز وجل فـي إضافتهم ذلك إلـيه، فقال الله عزّ وجلّ لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: قل لهم يا مـحمد: إن كنتـم صادقـين، فأتوا بـالتوراة فـاتلوها، حتـى ننظر هل ذلك فـيها، أم لا؟ لـيتبـين كذبهم لـمن يجهل أمرهم. ذكر من قال ذلك:

                      حدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ، قال: أخبرنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: { إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرظ°ءِيلَ عَلَىظ° نَفْسِهِ } إسرائيـل: هو يعقوب، أخذه عرق النسا، فكان لا يثبت اللـيـل من وجعه، وكان لا يؤذيه بـالنهار.

                      فحلف لئن شفـاه الله لا يأكل عِرْقا أبداً، وذلك قبل نزول التوراة علـى موسى. فسأل نبـي الله صلى الله عليه وسلم الـيهود ما هذا الذي حرّم إسرائيـل علـى نفسه؟ فقالوا: نزلت التوراة بتـحريـم الذي حرّم إسرائيـل فقال الله لـمـحمد صلى الله عليه وسلم: { قُلْ فَأْتُواْ بِظ±لتَّوْرَاةِ فَظ±تْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَـظ°دِقِينَ }... إلـى قوله:
                      { فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ظ±لظَّـظ°لِمُونَ }
                      [آل عمران: 94] وكذبوا وافتروا، لـم تنزل التوراة بذلك.

                      وتأويـل الآية علـى هذا القول: كل الطعام كان حِلاًّ لبنـي إسرائيـل من قبل أن تنزل التوراة وبعد نزولها، إلا ما حرّم إسرائيـل علـى نفسه من قبل أن تنزل التوراة، بـمعنى: لكن إسرائيـل حرّم علـى نفسه من قبل أن تنزل التوراة بعض ذلك. وكأن الضحاك وجه قوله: { إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرظ°ءيلُ عَلَىظ° نَفْسِهِ } إلـى الاستثناء الذي يُسمّيه النـحويون: الاستثناء الـمنقطع.

                      وقال آخرون تأويـل ذلك: كل الطعام كان حِلاًّ لبنـي إسرائيـل، إلا ما حرّم إسرائيـل علـى نفسه من قبل أن تنزل التوراة، فإن ذلك حرام علـى ولده بتـحريـم إسرائيـل إياه علـى ولده، من غير أن يكون الله حرّمه علـى إسرائيـل ولا علـى ولده. ذكر من قال ذلك:

                      حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس قوله: { كُلُّ ظ±لطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لّبَنِى إِسْرظ°ءيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرظ°ءيلُ عَلَىظ° نَفْسِهِ } فإنه حرّم علـى نفسه العروق، وذلك أنه كان يشتكي عرق النسا، فكان لا ينام اللـيـل، فقال: والله لئن عافـانـي الله منه لا يأكله لـي ولد! ولـيس مكتوباً فـي التوراة. وسأل مـحمد صلى الله عليه وسلم نفراً من أهل الكتاب، فقال «ما شأن هذا حراما؟» فقالوا: هو حرام علـينا من قبل الكتاب. فقال الله عز وجل: { كُلُّ ظ±لطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لّبَنِى إِسْرظ°ءيلَ }... إلـى: { إِن كُنتُمْ صَـظ°دِقِينَ }.

                      حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج، قال ابن عبـاس: أخذه ـ يعنـي إسرائيـل ـ عِرْقُ النَّسَا، فكان لا يثبت بـاللـيـل من شدّة الوجع، وكان لا يؤذيه بـالنهار، فحلف لئن شفـاه الله لا يأكل عِرْقاً أبداً، وذلك قبل أن تنزل التوارة، فقال الـيهود للنبـي صلى الله عليه وسلم: نزلت التوراة بتـحريـم الذي حرّم إسرائيـل علـى نفسه. قال الله لـمـحمد صلى الله عليه وسلم: { قُلْ فَأْتُواْ بِظ±لتَّوْرَاةِ فَظ±تْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَـظ°دِقِينَ } وكذبوا، لـيس فـي التوراة.

                      قال أبو جعفر: وأولـى الأقوال فـي ذلك عندنا بـالصواب، قول من قال: معنى ذلك: كل الطعام كان حلاًّ لبنـي إسرائيـل من قبل أن تنزل التوارة، إلا ما حرّم إسرائيـل علـى نفسه من غير تـحريـم الله ذلك علـيه، فإن كان حراماً علـيهم بتـحريـم أبـيهم إسرائيـل ذلك علـيهم، من غير أن يحرّمه الله علـيهم فـي تنزيـل ولا بوحي قبل التوراة، حتـى نزلت التوراة، فحرم الله علـيهم فـيها ما شاء، وأحلّ لهم فـيها ما أحبّ.

                      ...

                      حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن إسرائيـل، عن جابر، عن مـجاهد فـي قوله: { إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرظ°ءيلُ عَلَىظ° نَفْسِهِ } قال: حرّم لـحوم الأنعام.

                      قال أبو جعفر: وأولـى هذه الأقوال بـالصواب، قول ابن عبـاس الذي رواه الأعمش، عن حبـيب، عن سعيد، عنه، أن ذلك العروق ولـحوم الإبل، لأن الـيهود مـجمعة إلـى الـيوم علـى ذلك من تـحريمهما، كما كان علـيه من ذلك أوائلها وقد رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنـحو ذلك خبر، وهو ما:

                      حدثنا به أبو كريب، قال: ثنا يونس بن بكير، عن عبد الـحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن ابن عبـاس: أن عصابة من الـيهود حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا أبـا القاسم أخبرنا أيّ الطعام حرّم إسرائيـل علـى نفسه من قبل أن تنزل التوراة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنْشُدُكُمْ بـالَّذي أنْزَلَ التَّوْرَاةَ علـى مُوسَى هَلْ تَعْلَـمُونَ أنَّ إسْرَائِيـلَ يَعْقُوبَ مَرِضَ مَرَضاً شَدِيداً، فَطالَ سَقَمُهُ مِنْهُ، فَنَذَرَ للَّهِ نَذْراً لَئِنْ عافـاهُ اللَّهُ مِنْ سَقَمِهِ لَـيُحَرّمَنَّ أحبَّ الطَّعامِ وَالشَّرابِ إلَـيْهِ، وكانَ أحَبَّ الطَّعامِ إلَـيْهِ لـحْمَانُ الإبِلِ، وأحَبُّ الشَّرَابِ إلَـيْهِ ألْبـانُها؟ " فقالوا: اللهم نعم.

                      تعليق

                      • اسامة محمد خيري
                        Registered User
                        • Dec 2008
                        • 12975

                        #131
                        والصواب من القول فـي ذلك: ما قال جلّ ثناؤه فـيه: إن أوّل بـيت مبـارك وهدى وضع للناس، للذي ببكة. ومعنى ذلك: إن أوّل بـيت وضع للناس: أي لعبـادة الله فـيه مبـاركاً وهدى، يعنـي: بذلك ومآباً لنسك الناسكين وطواف الطائفـين، تعظيـماً لله وإجلالاً له؛ للَّذي ببكة؛ لصحة الـخبر بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك ما:

                        حدثنا به مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا ابن أبـي عديّ، عن شعبة، عن سلـيـمان، عن إبراهيـم التـيـمي، عن أبـيه، عن أبـي ذر، قال: قلت يا رسول الله، أيّ مسجد وضع أوّل؟ قال: " «الـمَسْجدُ الـحَرامُ» قال: ثم أيّ؟ قال: «الـمَسْجدُ الأقْصَى» قال: كم بـينهما؟ قال: «أرْبَعُونَ سَنَةٌ» "

                        فقد بـين هذا الـخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن الـمسجد الـحرام هو أوّل مسجد وضعه الله فـي الأرض علـى ما قلنا، فأما فـي وضعه بـيتاً بغير معنى بـيت للعبـادة والهدى والبركة، ففـيه من الاختلاف ما قد ذكرت بعضه فـي هذا الموضع وبعض في سورة البقرة وغيرها من سور القرآن وبينت الصواب من القول عندنا في ذلك بما أغنى عن إعادته فـي هذا الموضع.....

                        تعليق

                        • اسامة محمد خيري
                          Registered User
                          • Dec 2008
                          • 12975

                          #132
                          حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: أما قوله: { وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءامِناً }: فلو أن رجلاً قتل رجلاً، ثم أتـى الكعبة فعاذ بها، ثم لقـيه أخو الـمقتول لـم يحلّ له أبداً أن يقتله.

                          وقال آخرون: معنى ذلك: ومن دخـله يكن آمناً من النار. ذكر من قال ذلك:

                          حدثنا علـيّ بن مسلـم، قال: ثنا أبو عاصم، قال: أخبرنا رزيق بن مسلـم الـمخزومي، قال: ثنا زياد ابن أبـي عياض، عن يحيـى بن جعدة، فـي قوله: { وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءامِناً } قال: آمناً من النار.

                          وأولـى الأقوال فـي ذلك عندنا بـالصواب، قول ابن الزبـير ومـجاهد والـحسن، ومن قال معنى ذلك: ومن دخـله من غيره مـمن لـجأ إلـيه عائذاً به كان آمناً ما كان فـيه، ولكنه يخرج منه فـيقام عليه الـحدّ إن كان أصاب ما يستوجبه فـي غيره ثم لـجأ إلـيه، وإن كان أصابه فـيه أقـيـم علـيه فـيه.

                          فتأويـل الآية إذاً: فـيه آيات بـينات مقام إبراهيـم، ومن يدخـله من الناس مستـجيراً به يكن آمناً مـما استـجار منه ما كان فـيه، حتـى يخرج منه.

                          فإن قال قائل: وما منعك من إقامة الـحدّ علـيه فـيه؟ قـيـل: لاتفـاق جميع السلف علـى أن من كانت جريرته فـي غيره ثم عاذ به، فإنه لا يؤخذ بجريرته فـيه.

                          وإنـما اختلفوا فـي صفة إخراجه منه لأخذه بها، فقال بعضهم: صفة ذلك منعه الـمعانـي التـي يضطر مع منعه وفقده إلـى الـخروج منه.

                          وقال آخرون: لا صفة لذلك غير إخراجه منه بـما أمكن إخراجه من الـمعانـي التـي توصل إلـى إقامة حدّ الله معها، فلذلك قلنا: غير جائز إقامة الـحدّ علـيه فـيه إلا بعد إخراجه منه. فأما من أصاب الـحدّ فـيه، فإنه لا خلاف بـين الـجميع فـي أنه يقام علـيه فـيه الـحدّ، فكلتا الـمسألتـين أصل مـجمع علـى حكمهما علـى ما وصفنا.
                          ...

                          وأولـى الأقوال فـي ذلك عندنا بـالصواب، قول من قال بقول ابن الزبـير وعطاء، إن ذلك علـى قدر الطاقة، لأن السبـيـل فـي كلام العرب: الطريق، فمن كان واجداً طريقاً إلـى الـحجّ لا مانع له منه من زمانة، أو عجز، أو عدوّ، أو قلة ماء فـي طريقه، أو زاد، وضعف عن الـمشي، فعلـيه فرض الـحجّ لا يجزيه إلا أداؤه فإن لـم يكن واجداً سبـيلاً، أعنـي بذلك: فإن لـم يكن مطيقاً الـحجّ بتعذّر بعض هذه الـمعانـي التـي وصفناها علـيه، فهو مـمن لا يجد إلـيه طريقاً، ولا يستطيعه، لأن الاستطاعة إلـى ذلك هو القدرة علـيه، ومن كان عاجزاً عنه ببعض الأسبـاب التـي ذكرنا أو بغير ذلك، فهو غير مطيق ولا مستطيع إلـيه السبـيـل.

                          وإنـما قلنا هذه الـمقالة أولـى بـالصحة مـما خالفها، لأن الله عزّ وجلّ لـم يخصص إذ ألزم الناس فرض الـحجّ بعض مستطيعي السبـيـل إلـيه بسقوط فرض ذلك عنه فذلك علـى كل مستطيع إلـيه سبـيلاً بعموم الآية. فأما الأخبـار التـي رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فـي ذلك بأنه الزاد والراحلة، فإنها أخبـار فـي أسانـيدها نظر، لا يجوز الاحتـجاج بـمثلها فـي الدين...

                          وأولـى التأويلات بـالصواب فـي ذلك قول من قال: معنى { وَمَن كَفَرَ }: ومن جحد فرض ذلك وأنكر وجوبه، فإن الله غنـيّ عنه وعن حجه وعن العالـمين جميعاً.

                          وإنـما قلنا ذلك أولـى به، لأن قوله: { وَمَن كَفَرَ } بعقب قوله: { وَللَّهِ عَلَى ظ±لنَّاسِ حِجُّ ظ±لْبَيْتِ مَنِ ظ±سْتَطَـظ°عَ إِلَيْهِ سَبِيلاً } بأن يكون خبراً عن الكافر بـالـحجّ، أحقّ منه بأن يكون خبراً عن غيره، مع أن الكافر بفرض الـحجّ علـى من فرضه الله علـيه بـالله كافر، وإن الكفر أصله الـجحود، ومن كان له جاحداً ولفرضه منكراً، فلا شكّ إن حجّ لـم يرج بحجه برّاً، وإن تركه فلـم يحجّ لـم يره مأثماً. فهذه التأويلات وإن اختلفت العبـارات بها فمتقاربـات الـمعانـي.

                          تعليق

                          • اسامة محمد خيري
                            Registered User
                            • Dec 2008
                            • 12975

                            #133
                            وأولـى الأقوال التـي ذكرناها فـي ذلك بـالصواب القول الذي ذكرناه عن أبـيّ بن كعب أنه عنى بذلك جميع الكفـار، وأن الإيـمان الذي يوبخون علـى ارتدادهم عنه، هو الإيـمان الذي أقرّوا به يوم قـيـل لهم: { أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىظ° شَهِدْنَا }. وذلك أن الله جلّ ثناؤه جعل جميع أهل الآخرة فريقـين: أحدهما سوداء وجوهه، والآخر بـيضاء وجوهه، فمعلوم إذ لـم يكن هنالك إلا هذان الفريقان أن جميع الكفـار داخـلون فـي فريق من سوّد وجهه، وأن جميع الـمؤمنـين داخـلون فـي فريق من بـيض وجهه، فلا وجه إذاً لقول قائل عنى بقوله: { أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَـظ°نِكُمْ } بعض الكفـار دون بعض، وقد عمّ الله جلّ ثناؤه الـخبر عنهم جميعهم، وإذا دخـل جميعهم فـي ذلك ثم لـم يكن لـجميعهم حالة آمنوا فـيها، ثم ارتدوا كافرين بعد إلا حالة واحدة، كان معلوماً أنها الـمرادة بذلك.

                            فتأويـل الآية إذاً: أولئك لهم عذاب عظيـم فـي يوم تبـيضّ وجوه قوم، وتسودّ وجوه آخرين؛ فأما الذين اسودّت وجوههم، فـيقال: أجحدتـم توحيد الله وعهده وميثاقه الذي واثقتـموه علـيه، بأن لا تشركوا به شيئاً، وتـخـلصوا له العبـادة بعد إيـمانكم، يعنـي: بعد تصديقكم به، { فَذُوقُواْ ظ±لْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ } يقول: بـما كنتـم تـجحدون فـي الدنـيا ما كان الله قد أخذ ميثاقكم بـالإقرار به والتصديق؛ وأما الذين ابـيضت وجوههم مـمن ثبت علـى عهد الله وميثاقه، فلـم يبدل دينه، ولـم ينقلب علـى عقبـيه بعد الإقرار بـالتوحيد، والشهادة لربه بـالألوهة، وأنه لا إله غيره { فَفِى رَحْمَةِ ظ±للَّهِ } يقول: فهم فـي رحمة الله، يعنـي فـي جنته ونعيـمها، وما أعدّ الله لأهلها فـيها، { هُمْ فِيهَا خَـظ°لِدُونَ } أي بـاقون فـيها أبداً بغير نهاية ولا غاية.

                            تعليق

                            • اسامة محمد خيري
                              Registered User
                              • Dec 2008
                              • 12975

                              #134
                              حدثنـي مـحمد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الـحنفـي، عن عبـاد، عن الـحسن فـي قوله: { كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِظ±لْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ظ±لْمُنْكَرِ } قال: قد كان ما تسمع من الـخير فـي هذه الأمة:

                              حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعد عن قتادة قال: كان الـحسن يقول: نـحن آخرها وأكرمها علـى الله.

                              قال أبو جعفر: وأولـى هذه الأقوال بتأويـل الآية ما قال الـحسن، وذلك أن:

                              حدثني يعقوب بن إبراهيـم حدثنـي قال: ثنا ابن علـية، عن بهز بن حكيـم، عن أبـيه، عن جده، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ألا إنَّكُمْ وَفَّـيْتُـمْ سَبْعِينَ أُمَّةً أنْتُـمْ آخِرُها وأكْرَمُها علـى اللَّهِ "

                              حدثنا الـحسن بن يحيـى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن بهز بن حكيـم، عن أبـيه، عن جده، أنه سمع النبـيّ صلى الله عليه وسلم يقول فـي قوله: { كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } قال: " أنْتُـمْ تُتِـمُّونَ سَبْعِينَ أُمَّةً أنْتُـمْ خَيْرُها وأكْرَمُها علـى اللَّهِ "

                              تعليق

                              • اسامة محمد خيري
                                Registered User
                                • Dec 2008
                                • 12975

                                #135
                                وقال آخرون من نـحويـي الكوف: هو استثناء متصل. والـمعنى: ضربت علـيهم الذلة أينـما ثقـفوا: أي بكلّ مكان، إلا بـموضع حبل من الله، كما تقول: ضربت علـيهم الذلة فـي الأمكنة إلا فـي هذا الـمكان، وهذا أيضاً طلب الـحقّ، فأخطأ الـمفصل، وذلك أنه زعم أنه استثناء متصل، ولو كان متصلاً كما زعم لوجب أن يكون القوم إذا ثقـفوا بحبل من الله وحبل من الناس غير مضروبة علـيهم الـمسكنة، ولـيس ذلك صفة الـيهود لأنهم أينـما ثقـفوا بحبل من الله وحبل من الناس، أو بغير حبل من الله عزّ وجلّ، وغير حبل من الناس، فـالذلة مضروبة علـيهم علـى ما ذكرنا عن أهل التأويـل قبل. فلو كان قوله: { إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ ظ±للَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ ظ±لنَّاسِ } استثناء متصلاً لوجب أن يكون القوم إذا ثقـفوا بعهد وذمة، أن لا تكون الذلة مضروبة علـيهم. وذلك خلاف ما وصفهم الله به من صفتهم، وخلاف ما هم به من الصفة، فقد تبـين أيضاً بذلك فساد قول هذا القائل أيضاً. ولكن القول عندنا أن البـاء فـي قوله: { إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ ظ±للَّهِ } أدخـلت لأن الكلام الذي قبل الاستثناء مقتض فـي الـمعنى البـاء، وذلك أن معنى قولهم: { ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ظ±لذِّلَّةُ أَيْنَمَا ثُقِفُواْ }: ضربت علـيهم الذلة بكل مكان ثقـفوا، ثم قال: { إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ ظ±للَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ ظ±لنَّاسِ } علـى غير وجه الاتصال بـالأول، ولكنه علـى الانقطاع عنه، ومعناه: ولكن يثقـفون بحبل من الله وحبل من الناس، كما قـيـل:
                                { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً }
                                [النساء: 92] فـالـخطأ وإن كان منصوبـاً بـما عمل فـيـما قبل الاستنثاء، فلـيس قوله بـاستثناء متصل بـالأوّل بـمعنى إلا خطأ، فإن له قتله كذلك، ولكن معناه: ولكن قد يقتله خطأ، فكذلك قوله: { أَيْنَمَا ثُقِفُواْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ ظ±للَّهِ } وإن كان الذي جلب البـاء التـي بعد إلا الفعل الذي يقتضيها قبل إلا، فليس الإستثناء بالإستثناء المتصل بالذي قبله بمعنى أن القوم إذا لقوا، فالذلة زائلة عنهم، بل الذلة ثابتة بكلّ حال، ولكن معناه ما بينا آنفاً.

                                تعليق

                                يعمل...