الجوهرة الثانية والثمانون
لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُـلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً
قال ابن عطية
في قوله: { لا يستوي } إبهام على السامع هو أبلغ من تحديد المنزلة التي بين المجاهد والقاعد، فالمتأمل يمشي مع فكرته ولا يزال يتخيل الدرجات بينهما، و { القاعدون } عبارة عن المتخلفين، إذ القعود هيئة من لا يتحرك إلى الأمر المقعود عنه في الأغلب، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة، " غيرُ أولي الضرر " برفع الراء من غير، وقرأ الأعمش وأبو حيوة " غيرِ " بكسر الراء فمن رفع جعل غير صفة للقاعدين عند سيبويه، كما هي عنده صفة في قوله تعالى:{ غير المغضوب } [الفاتحة:7] بجر غير صفة، ومثله قول لبيد: [الرمل]
وَإذَا جُوزِيتَ قِرْضاً فاجْزِهِ إنَّما يُجْزَى الْفَتى غَيْرَ الْجَمَلْ
قال المؤلف: كذا ذكره أبو علي، ويروى ليس الجمل، ومن قرأ بنصب الراء جعله استثناء من القاعدين، قال أبو الحسن: ويقوي ذلك أنها نزلت بعدها على طريق الاستثناء والاستدراك.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وقد يتحصل الاستدراك بتخصيص القاعدين بالصفة، قال الزجّاج: يجوز أيضاً في قراءة الرفع أن يكون على جهة الاستثناء، كأنه قال: " لا يستوي القاعدون والمجاهدون إلا أولو الضرر " فإنهم يساوون المجاهدين.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا مردود، لأن { أولي الضرر } لا يساوون المجاهدين، وغايتهم أن خرجوا من التوبيخ والمذمة التي لزمت القاعدين من غير عذر، قال: ويجوز في قراءة نصب الراء أن يكون على الحال، وأما كسر الراء فعلى الصفة للمؤمنين
وقال القرطبي
قوله تعالى: { إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ } أي من دون الله { إِلاَّ إِنَاثاً }؛ نزلت في أهل مكة إذ عبدوا الأصنام. و { إِنٍ } نافية بمعنى { مَآ }. و { إِنَـظ°ثاً } أصناماً، يعني اللاّت والعُزَّى ومَنَاةَ. وكان لكل حيٍّ صنم يعبدونه ويقولون: أنثى بني فلان، قاله الحسن وابن عباس، وأتى مع كل صنم شيطانه يتراءى للسدنة والكهنة ويكلمهم؛ فخرج الكلام مخرج التعجب؛ لأنّ الأنثى من كل جنس أخسّه؛ فهذا جهل ممن يشرك بالله جماداً فيسميه أنثى، أو يعتقده أنثى. وقيل: { إِلاَّ إِنَاثاً } مواتا؛ لأن الموَات لا روح له، كالخشبة والحجر. والموَات يخبر عنه كما يخبر عن المؤنث لاتّضاع المنزلة؛ تقول: الأحجار تعجبني، كما تقول: المرأة تعجبني. وقيل: { إِلاَّ إِنَـظ°ثاً } ملائكة؛ لقولِهِم: الملائكة بنات الله، وهي شفعاؤنا عند الله؛ عن الضحاك. وقراءة ابن عباس «إلاّ وَثَنا» بفتح الواو والثاء على إفراد اسم الجنس؛ وقرأ أيضاً «وُثُنا» بضم الثاء والواو، جمع وثن. وأوثان أيضاً جمع وَثَن مثل أسد وآساد. النحاس: ولم يقرأ به فيما علمت.
قلت: قد ذكر أبو بكر الأنباري ـ حدّثنا أبي حدّثنا نصر بن داود حدّثنا أبو عبيد حدّثنا حجاج عن ابن جريج عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقرأ: «إن يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إلاّ أَوْثَاناً». وقرأ ظ±بن عباس أيضاً «إلا أُثُناً» كأنه جمع وَثَناً على وِثان؛ كما تقول: جمل وجِمال، ثم جمع وِثانا على وُثُن؛ كما تقول: مثال ومُثُل؛ ثم أبدل من الواو همزة لما ظ±نْضمت؛ كما قال عز وجل:{ وَإِذَا ظ±لرُّسُلُ أُقِّتَتْ } [المرسلات: 11] من الوقت؛ فأُثنُ جمع الجمع. وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم «إلا أُنُثا» جمع أَنِيث، كغَدِير وغُدُر. وحكى الطبري أنه جمع إنَاث كثِمَار وثُمُر. حكى هذه القراءة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أبو عَمرو الدّانِيّ؛ قال: وقرأ بها ابن عباس والحسن وأبو حَيْوَة
لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُـلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً
قال ابن عطية
في قوله: { لا يستوي } إبهام على السامع هو أبلغ من تحديد المنزلة التي بين المجاهد والقاعد، فالمتأمل يمشي مع فكرته ولا يزال يتخيل الدرجات بينهما، و { القاعدون } عبارة عن المتخلفين، إذ القعود هيئة من لا يتحرك إلى الأمر المقعود عنه في الأغلب، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة، " غيرُ أولي الضرر " برفع الراء من غير، وقرأ الأعمش وأبو حيوة " غيرِ " بكسر الراء فمن رفع جعل غير صفة للقاعدين عند سيبويه، كما هي عنده صفة في قوله تعالى:{ غير المغضوب } [الفاتحة:7] بجر غير صفة، ومثله قول لبيد: [الرمل]
وَإذَا جُوزِيتَ قِرْضاً فاجْزِهِ إنَّما يُجْزَى الْفَتى غَيْرَ الْجَمَلْ
قال المؤلف: كذا ذكره أبو علي، ويروى ليس الجمل، ومن قرأ بنصب الراء جعله استثناء من القاعدين، قال أبو الحسن: ويقوي ذلك أنها نزلت بعدها على طريق الاستثناء والاستدراك.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وقد يتحصل الاستدراك بتخصيص القاعدين بالصفة، قال الزجّاج: يجوز أيضاً في قراءة الرفع أن يكون على جهة الاستثناء، كأنه قال: " لا يستوي القاعدون والمجاهدون إلا أولو الضرر " فإنهم يساوون المجاهدين.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا مردود، لأن { أولي الضرر } لا يساوون المجاهدين، وغايتهم أن خرجوا من التوبيخ والمذمة التي لزمت القاعدين من غير عذر، قال: ويجوز في قراءة نصب الراء أن يكون على الحال، وأما كسر الراء فعلى الصفة للمؤمنين
وقال القرطبي
قوله تعالى: { إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ } أي من دون الله { إِلاَّ إِنَاثاً }؛ نزلت في أهل مكة إذ عبدوا الأصنام. و { إِنٍ } نافية بمعنى { مَآ }. و { إِنَـظ°ثاً } أصناماً، يعني اللاّت والعُزَّى ومَنَاةَ. وكان لكل حيٍّ صنم يعبدونه ويقولون: أنثى بني فلان، قاله الحسن وابن عباس، وأتى مع كل صنم شيطانه يتراءى للسدنة والكهنة ويكلمهم؛ فخرج الكلام مخرج التعجب؛ لأنّ الأنثى من كل جنس أخسّه؛ فهذا جهل ممن يشرك بالله جماداً فيسميه أنثى، أو يعتقده أنثى. وقيل: { إِلاَّ إِنَاثاً } مواتا؛ لأن الموَات لا روح له، كالخشبة والحجر. والموَات يخبر عنه كما يخبر عن المؤنث لاتّضاع المنزلة؛ تقول: الأحجار تعجبني، كما تقول: المرأة تعجبني. وقيل: { إِلاَّ إِنَـظ°ثاً } ملائكة؛ لقولِهِم: الملائكة بنات الله، وهي شفعاؤنا عند الله؛ عن الضحاك. وقراءة ابن عباس «إلاّ وَثَنا» بفتح الواو والثاء على إفراد اسم الجنس؛ وقرأ أيضاً «وُثُنا» بضم الثاء والواو، جمع وثن. وأوثان أيضاً جمع وَثَن مثل أسد وآساد. النحاس: ولم يقرأ به فيما علمت.
قلت: قد ذكر أبو بكر الأنباري ـ حدّثنا أبي حدّثنا نصر بن داود حدّثنا أبو عبيد حدّثنا حجاج عن ابن جريج عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقرأ: «إن يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إلاّ أَوْثَاناً». وقرأ ظ±بن عباس أيضاً «إلا أُثُناً» كأنه جمع وَثَناً على وِثان؛ كما تقول: جمل وجِمال، ثم جمع وِثانا على وُثُن؛ كما تقول: مثال ومُثُل؛ ثم أبدل من الواو همزة لما ظ±نْضمت؛ كما قال عز وجل:{ وَإِذَا ظ±لرُّسُلُ أُقِّتَتْ } [المرسلات: 11] من الوقت؛ فأُثنُ جمع الجمع. وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم «إلا أُنُثا» جمع أَنِيث، كغَدِير وغُدُر. وحكى الطبري أنه جمع إنَاث كثِمَار وثُمُر. حكى هذه القراءة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أبو عَمرو الدّانِيّ؛ قال: وقرأ بها ابن عباس والحسن وأبو حَيْوَة
تعليق