الجوهرة الخامسة عشر
{ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ ٱلأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي ٱلْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لاَّ شِيَةَ فِيهَا قَالُواْ ٱلآنَ جِئْتَ بِٱلْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ }
قال السمين
قوله: { تُثِيرُ ٱلأَرْضَ } في هذه الجملةِ أقوالٌ كثيرٌ، أظهرهُا أنها في محلِّ نَصْبٍ على الحالِ من الضمير المستكنِّ في " ذلول " تقديرُه: لا تُذَلُّ حالَ إثارتِها [الأرضَ]. وقال ابن عطية: " وهي عند قومٍ جملةً في موضعِ الصفةِ لبقرة، [أي]: لا ذلولٌ مثيرةٌ، وقالَ أيضاً: ولا يجوز أن تكونَ هذه الجملةُ في موضعِ الحالِ لأنها من نكرةٍ " ، أمَّا قولُه: " في موضع الصفةِ " فإنه يلزم منه أنَّ البقرةَ كانت مثيرةً للأرض، وهذا لم يَقُلْ به الجمهور، بل قال به بعضُهم، وسيأتي بيانُه قريباً. وأمَّا قولُه: " لا يجوز أن تكونَ حالاً يعني من " بقرة " لأنها نكرةٌ. فالجوابُ: أنَّا لا نُسَلِّم أنها حالٌ من بقرة، بل من الضميرِ في " ذلولٌ " كما تقدَّم شرحه، أو نقولُ: بل هي حالٌ من النكرة قد وُصِفَتْ وتخصَّصَتْ بقوله { لاَّ ذَلُولٌ } وإذا وُصِفَت النكرةُ ساغَ إتيانُ الحالِ منها اتفاقاً. وقيل: إنها مستأنفةً، واستئنافُها على وجهين، أحدُهما: أنها خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ أي: هي تثير، والثاني: أنها مستأنفةٌ بنفسِها من غير تقديرِ مبتدأ، بل تكونُ جملةً فعليةً ابتُدئ بها لمجرد الإِخبار بذلك.
وقد مَنَعَ من القول باستئنافها جماعةٌ، منهم الأخفش علي بن سليمان، وعلَّل ذلك بوجهين، أحدُهما: أنَّ بعدَه: { وَلاَ تَسْقِي ٱلْحَرْثَ } فلو كان مستأنفاً لما صَحَّ دخولُ " لا " بينه وبين الواوِ. الثاني: أنها لو كانت تثير الأرضَ لكانَتِ الإِثارةُ قد ذَلَّلَتْها، واللهُ تعالى نفى عنها ذلك بقولِه: لا ذلولٌ. انتهى. وهذا المعنى هو الذي منعتُ به أن يكون " تثيرُ " صفةً لبقرة لأن اللازمَ مشتركٌ، ولذلك قال أبو البقاء: " ويجوزُ على قَوْلِ مَنْ أَثْبَتَ هذا الوجهَ ـ يعني كونها تثيرُ ولا تَسْقي ـ أن تكونَ تُثير في موضعِ رفعٍ صفةً لبقرة ". وقد أجابَ بعضُهم عن الوجه الثاني بأن إثارةَ الأرض عبارةٌ عن مَرَحِها ونشاطِها كما قال امرؤ القيس:545ـ يُهيلُ ويُذْري تُرْبَهُ ويُثيرُه إثارةَ نَبَّاثِ الهَواجِرِ مُخْمِسِ
أي: تثيرُ الأرضَ مَرَحاً ونشاطاً لا حَرْثاً وعَمَلاً، وقال أبو البقاء: " وقيل هو مستأنفٌ، ثم قال: " وهو بعيدٌ عن الصحة، لوجهينِ، أحدُهما: أنه عَطَفَ عليه قوله: { وَلاَ تَسْقِي ٱلْحَرْثَ } فنفى المعطوفَ، فيجب أن يكونَ المعطوفُ عليه كذلك لأنه في المعنى واحدٌ، ألا ترى أنك لا تقول: مررتُ برجلٍ قائمٍ ولا قاعدٍ، بل تقول: لا قاعدٍ بغير واو، كذلك يجب أن يكون هنا، وذَكر الوجه الثاني كما تقدَّم، وأجاز أيضاً أن يكون " تُثير " في محلِّ رفعٍ صفةً لذَلول وقد تقدَّم لك خلافٌ: هل يُوصف الوصفُ أو لا؟ فهذه ستةُ أوجهٍ، تلخيصها: أنها حالٌ من الضميرِ في " ذَلولٌ " أو من " بقرة " أو صفةٌ لبقرة أو لذلولٌ أو مستأنفةٌ بإِضمارِ مبتدأ أو دونَه.
قوله: { وَلاَ تَسْقِي ٱلْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لاَّ شِيَةَ فِيهَا } الكلام في هذه كما تقدم فيما قبلها من كونِها صفةً لبقرة أو خبراً لمبتدأ محذوفٍ. وقال الزمخشري: ولا الأولى للنفي ـ يعني الداخلةَ على " ذلولٌ " ـ والثانيةُ مزيدة/ لتوكيدِ الأولى، لأن المعنى: لا ذلولٌ تثيرُ وتَسْقي، على أن الفعلينِ صفتانِ لذَلول، كأنه قيل: لا ذلولٌ مثيرةٌ وساقيةٌ ".
وقال ابن الجوزى:
تثير الأرض }: تقلبها للزراعة، ويقال للبقرة: المثيرة. قال الفراء: لا تقفن على ذلول، لأن المعنى: ليست بذلول فتثير الأرض، وحكى ابن القاسم أن أبا حاتم السجستاني أجاز الوقف على ذلول، ثم أنكره عليه جداً، وعلل بأن التي تثير الأرض لا يعدم منها سقي الحرث؛ ومتى أثارت الأرض كانت ذلولاً. ومعنى: ولا تسقي الحرث: لا يستقى عليها الماء لسقي الزرع....
وقال القرطبي
قوله تعالى: { قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ } قرأ الجمهور «لا ذلولٌ» بالرفع على الصفة لبقرة. قال الأخفش: { لاَّ ذَلُولٌ } نعته ولا يجوز نصبه. وقرأ أبو عبد الرحمن السُّلَمِي «لاَّ ذَلُولَ» بالنصب على النفي والخبر مضمر. ويجوز لا هي ذلول، لا هي تسقي الحرث، هي مُسَلّمة. ومعنى { لاَّ ذَلُولٌ } لم يذلّلها العمل يقال: بقرة مذلَّلة بيّنة الذِّل بكسر الذال. ورجل ذليل بيّن الذُّلّ بضم الذال. أي هي بقرة صعبة غير رَيّضة لم تذلَّل بالعمل. قوله تعالى: { تُثِيرُ ٱلأَرْضَ } «تُثير» في موضع رفع على الصفة للبقرة أي هي بقرة لا ذَلُولٌ مُثيرة. قال الحسن: وكانت تلك البقرة وحْشِيّة، ولهذا وصفها الله تعالى بأنها لا تثير الأرض ولا تسقي الحرث، أي لا يُسْنَى بها لَسقْي الزرع ولا يُسقى عليها.
والوقف ها هنا حسن. وقال قوم: «تثير» فعل مستأنف، والمعنى إيجاب الحرث لها، وأنها كانت تحرث ولا تسقي. والوقف على هذا التأويل «لا ذلول». والقول الأوّل أصح لوجهين: أحدهما: ما ذكره النحاس عن عليّ بن سليمان أنه قال: لا يجوز أن يكون «تثير» مستأنفاً لأن بعده «ولا تسقي الحرث»، فلو كان مستأنفاً لما جمع بين الواو و «لا». الثاني: أنها لو كانت تثير الأرض لكانت الإثارة قد ذلّلتها، والله تعالى قد نفى عنها الذّل بقوله: «لا ذلول». قلت: ويحتمل أن تكون «تثير الأَرْضَ» في غير العمل مرحاً ونشاطاً كما قال ٱمرؤ القيس:
يُهِيل ويُذرِي تُرْبَه ويُثيره إثارةَ نَبّاث الهواجرِ مُخْمِسِ
فعلى هذا يكون «تثير» مستأنفاً، «ولا تسقي» معطوف عليه فتأمله. وإثارة الأرض: تحريكها وبحثها ومنه الحديث: " أثِيروا القرآن فإنه عِلْم الأوّلين والآخرين " وفي رواية أخرى: " من أراد العلم فَلْيُثَوِّر القرآن " وقد تقدّم. وفي التنزيل:{ وَأَثَارُواْ ٱلأَرْضَ } [الروم: 9] أي قَلبوها للزراعة. والحرث: ما حُرِث وزُرِع.....
{ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ ٱلأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي ٱلْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لاَّ شِيَةَ فِيهَا قَالُواْ ٱلآنَ جِئْتَ بِٱلْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ }
قال السمين
قوله: { تُثِيرُ ٱلأَرْضَ } في هذه الجملةِ أقوالٌ كثيرٌ، أظهرهُا أنها في محلِّ نَصْبٍ على الحالِ من الضمير المستكنِّ في " ذلول " تقديرُه: لا تُذَلُّ حالَ إثارتِها [الأرضَ]. وقال ابن عطية: " وهي عند قومٍ جملةً في موضعِ الصفةِ لبقرة، [أي]: لا ذلولٌ مثيرةٌ، وقالَ أيضاً: ولا يجوز أن تكونَ هذه الجملةُ في موضعِ الحالِ لأنها من نكرةٍ " ، أمَّا قولُه: " في موضع الصفةِ " فإنه يلزم منه أنَّ البقرةَ كانت مثيرةً للأرض، وهذا لم يَقُلْ به الجمهور، بل قال به بعضُهم، وسيأتي بيانُه قريباً. وأمَّا قولُه: " لا يجوز أن تكونَ حالاً يعني من " بقرة " لأنها نكرةٌ. فالجوابُ: أنَّا لا نُسَلِّم أنها حالٌ من بقرة، بل من الضميرِ في " ذلولٌ " كما تقدَّم شرحه، أو نقولُ: بل هي حالٌ من النكرة قد وُصِفَتْ وتخصَّصَتْ بقوله { لاَّ ذَلُولٌ } وإذا وُصِفَت النكرةُ ساغَ إتيانُ الحالِ منها اتفاقاً. وقيل: إنها مستأنفةً، واستئنافُها على وجهين، أحدُهما: أنها خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ أي: هي تثير، والثاني: أنها مستأنفةٌ بنفسِها من غير تقديرِ مبتدأ، بل تكونُ جملةً فعليةً ابتُدئ بها لمجرد الإِخبار بذلك.
وقد مَنَعَ من القول باستئنافها جماعةٌ، منهم الأخفش علي بن سليمان، وعلَّل ذلك بوجهين، أحدُهما: أنَّ بعدَه: { وَلاَ تَسْقِي ٱلْحَرْثَ } فلو كان مستأنفاً لما صَحَّ دخولُ " لا " بينه وبين الواوِ. الثاني: أنها لو كانت تثير الأرضَ لكانَتِ الإِثارةُ قد ذَلَّلَتْها، واللهُ تعالى نفى عنها ذلك بقولِه: لا ذلولٌ. انتهى. وهذا المعنى هو الذي منعتُ به أن يكون " تثيرُ " صفةً لبقرة لأن اللازمَ مشتركٌ، ولذلك قال أبو البقاء: " ويجوزُ على قَوْلِ مَنْ أَثْبَتَ هذا الوجهَ ـ يعني كونها تثيرُ ولا تَسْقي ـ أن تكونَ تُثير في موضعِ رفعٍ صفةً لبقرة ". وقد أجابَ بعضُهم عن الوجه الثاني بأن إثارةَ الأرض عبارةٌ عن مَرَحِها ونشاطِها كما قال امرؤ القيس:545ـ يُهيلُ ويُذْري تُرْبَهُ ويُثيرُه إثارةَ نَبَّاثِ الهَواجِرِ مُخْمِسِ
أي: تثيرُ الأرضَ مَرَحاً ونشاطاً لا حَرْثاً وعَمَلاً، وقال أبو البقاء: " وقيل هو مستأنفٌ، ثم قال: " وهو بعيدٌ عن الصحة، لوجهينِ، أحدُهما: أنه عَطَفَ عليه قوله: { وَلاَ تَسْقِي ٱلْحَرْثَ } فنفى المعطوفَ، فيجب أن يكونَ المعطوفُ عليه كذلك لأنه في المعنى واحدٌ، ألا ترى أنك لا تقول: مررتُ برجلٍ قائمٍ ولا قاعدٍ، بل تقول: لا قاعدٍ بغير واو، كذلك يجب أن يكون هنا، وذَكر الوجه الثاني كما تقدَّم، وأجاز أيضاً أن يكون " تُثير " في محلِّ رفعٍ صفةً لذَلول وقد تقدَّم لك خلافٌ: هل يُوصف الوصفُ أو لا؟ فهذه ستةُ أوجهٍ، تلخيصها: أنها حالٌ من الضميرِ في " ذَلولٌ " أو من " بقرة " أو صفةٌ لبقرة أو لذلولٌ أو مستأنفةٌ بإِضمارِ مبتدأ أو دونَه.
قوله: { وَلاَ تَسْقِي ٱلْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لاَّ شِيَةَ فِيهَا } الكلام في هذه كما تقدم فيما قبلها من كونِها صفةً لبقرة أو خبراً لمبتدأ محذوفٍ. وقال الزمخشري: ولا الأولى للنفي ـ يعني الداخلةَ على " ذلولٌ " ـ والثانيةُ مزيدة/ لتوكيدِ الأولى، لأن المعنى: لا ذلولٌ تثيرُ وتَسْقي، على أن الفعلينِ صفتانِ لذَلول، كأنه قيل: لا ذلولٌ مثيرةٌ وساقيةٌ ".
وقال ابن الجوزى:
تثير الأرض }: تقلبها للزراعة، ويقال للبقرة: المثيرة. قال الفراء: لا تقفن على ذلول، لأن المعنى: ليست بذلول فتثير الأرض، وحكى ابن القاسم أن أبا حاتم السجستاني أجاز الوقف على ذلول، ثم أنكره عليه جداً، وعلل بأن التي تثير الأرض لا يعدم منها سقي الحرث؛ ومتى أثارت الأرض كانت ذلولاً. ومعنى: ولا تسقي الحرث: لا يستقى عليها الماء لسقي الزرع....
وقال القرطبي
قوله تعالى: { قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ } قرأ الجمهور «لا ذلولٌ» بالرفع على الصفة لبقرة. قال الأخفش: { لاَّ ذَلُولٌ } نعته ولا يجوز نصبه. وقرأ أبو عبد الرحمن السُّلَمِي «لاَّ ذَلُولَ» بالنصب على النفي والخبر مضمر. ويجوز لا هي ذلول، لا هي تسقي الحرث، هي مُسَلّمة. ومعنى { لاَّ ذَلُولٌ } لم يذلّلها العمل يقال: بقرة مذلَّلة بيّنة الذِّل بكسر الذال. ورجل ذليل بيّن الذُّلّ بضم الذال. أي هي بقرة صعبة غير رَيّضة لم تذلَّل بالعمل. قوله تعالى: { تُثِيرُ ٱلأَرْضَ } «تُثير» في موضع رفع على الصفة للبقرة أي هي بقرة لا ذَلُولٌ مُثيرة. قال الحسن: وكانت تلك البقرة وحْشِيّة، ولهذا وصفها الله تعالى بأنها لا تثير الأرض ولا تسقي الحرث، أي لا يُسْنَى بها لَسقْي الزرع ولا يُسقى عليها.
والوقف ها هنا حسن. وقال قوم: «تثير» فعل مستأنف، والمعنى إيجاب الحرث لها، وأنها كانت تحرث ولا تسقي. والوقف على هذا التأويل «لا ذلول». والقول الأوّل أصح لوجهين: أحدهما: ما ذكره النحاس عن عليّ بن سليمان أنه قال: لا يجوز أن يكون «تثير» مستأنفاً لأن بعده «ولا تسقي الحرث»، فلو كان مستأنفاً لما جمع بين الواو و «لا». الثاني: أنها لو كانت تثير الأرض لكانت الإثارة قد ذلّلتها، والله تعالى قد نفى عنها الذّل بقوله: «لا ذلول». قلت: ويحتمل أن تكون «تثير الأَرْضَ» في غير العمل مرحاً ونشاطاً كما قال ٱمرؤ القيس:
يُهِيل ويُذرِي تُرْبَه ويُثيره إثارةَ نَبّاث الهواجرِ مُخْمِسِ
فعلى هذا يكون «تثير» مستأنفاً، «ولا تسقي» معطوف عليه فتأمله. وإثارة الأرض: تحريكها وبحثها ومنه الحديث: " أثِيروا القرآن فإنه عِلْم الأوّلين والآخرين " وفي رواية أخرى: " من أراد العلم فَلْيُثَوِّر القرآن " وقد تقدّم. وفي التنزيل:{ وَأَثَارُواْ ٱلأَرْضَ } [الروم: 9] أي قَلبوها للزراعة. والحرث: ما حُرِث وزُرِع.....
تعليق