وغربت الشمس . .
لم أكد أغفو بعد صلاة فجر اليوم: الأحد، سابع رمضان المعظم، حتى أيقظني رنين الهاتف، ولم أكد أتناول السماعة حتى بادرني المتحدث قائلًا: «أحسن الله عزائك في العلامة السمنودي، والجنازة بعد العصر». كانت الساعة السابعة أو تكاد، فاتصلت بأحد أصحابي واتفقنا على السفر، وحتى حان موعده أخذ فكري يجول في حياة هذا العلَم الفرد، الذي فارق الدنيا بعد عمر مديد، وفي نفس الشهر الذي ولد فيه!وُلد العلامة الفاضل، والإمام المقرئ المتقن: إبراهيم بن شحاذة بن علي بن علي بن محمد بن العشري بن العيسوي بن شحاذة، السمنودي، الشافعي، الخليلي، المصري رحمه الله تعالى، في يوم الأحد: 18 من شهر رمضان المعظم، سنة 1336 هـ ، الموافق: 5 من شهر يوليو، سنة 1915م، بمدينة سـمنُّود، من محافظة الغربية، بالوجه البحري لمصر المحروسة.
حفظ القرآن الكريم برواية حفص عن عاصم وتعلَّم الكتابة والخط بكتَّاب الشيخ علي قانون. ثم انتقل إلى الشيخ محمد أبو حلاوة، فقرأ عليه القرآن خمس مرات برواية حفص عن عاصم، وأخذ عليه التجويد في الختمة السادسة، ثم قرأ عليه القراءات السبع من طريق الشاطبية. ثم أكمل العشر على الشيخ السيد عبد العزيز بن عبد الجواد، فقرأ عليه الدرة المضيئة في القراءات الثلاث، ومنحة مُولي البِـر للإبياري، وتحريرات الشيخ الطباخ على طيِّبة النشر، ثم قرأ عليه ختمة كاملة بالقراءات العشر.
كما حضر دروس العلامة الشيخ محمد أبو رزق في الفقه الشافعي، والتوحيد والتفسير. ودرس علم النحو على الشيخين: السيد متولي القِط، والشيخ محمد الحسني. وقرأ كتاب «الكافي في علم العروض والقوافي» على الشيخ عبد الرحيم الحيدري المدرِّس بكلية اللغة العربية آنذاك. وأخذ ورد السادة الخليلية عن الشيخ عبد الرحمن المنياوي.
تقدَّم بعد ذلك بطلب رسمي لشيخ المقارئ المصرية، ليتم اعتماده كمتصدِّر بإحدى المقارئ، فقبل طلبه على أن يتقدَّم للاختبار أمام اللجنة المنعقدة برئاسة شيخ القراء الإمام الضـبَّاع، فقدم إلى القاهرة، وامتحن على يد الشيخ، وكان كلما سأله في الطيِّبة أجابه بما في تحريرات الشيخ الطـبَّاخ، فأعجب به جدًّا، وأوصاه بتحريرات العلامة المتولى المسماة: الروض النضير؛ فعكف على دراستها على العلامة حنفي السَّقا، ثم قرأ عليه القراءات الأربع الزائدة على العشر.
كما تتلمذ على يد الشيخ رحمه الله كثير من الفضلاء من أهل مصر والشام والديار الإسلامية، منهم: الشيخ رزق خليل حبة، شيخ عموم المقارئ المصرية رحمه الله. والعلامة عبد الحكيم عبد اللطيف، شيخ قراء الجامع الأزهر حفظه الله. والشيخ عبد الفتاح المرصفي، صاحب هداية القاري رحمه الله. والشيخ محمود حافظ برانق، رئيس لجنة مراجعة المصحف رحمه الله. والشيخ محمود أمين طنطاوي، وكيل مشيخة المقارئ حفظه الله. والشيخ عطية قابل نصر، عميد معهد القراءات سابقًا. والشيخ محمد عبد الدايم خميس، شيخ قراء المسجد الأحمدي رحمه الله. والشيخ محمد تميم الزعبي حفظه الله. والدكتور أيمن رشدي سويد حفظه الله. والشيخ عبدالعظيم الخياط. وغيرهم ممن غمرهم شعاع علمه فأضاءت قلوبهم.
وكذلك كان رحمه الله نعالى بارعًا في التصنيف مجوِّدًا مع الإكثار، فما تكاد تُذكر مسألة من مسائل القراءات إلا تجد له فيها بيانًا شافيًا بمؤلَّف خاص أو تحرير في كتاب، فمن مؤلَّفاته المطبوعة: «أمنية الولهان في سكت حفص بن سليمان»، «بهجة اللحاظ بما لحفص من روضة الحفاظ»، «تتمـة في تحرير طرق بن كثير وشعبة»، «التحفة السمنودية في تجويد الكلمات القرآنية»، «تلخيص لآلئ البيان في تجويد القرآن»، «حل العسير من أوجه التكبير»، «رياضة اللسان شرح تلخيص لآلئ البيان في تجويد القرآن»، «الموجـز المفيـد في علم التجويد». وأما المخطوط من مؤلَّفاته رحمه الله فأكثر من ذلك بكثير.
ولقد ظل رحمه الله تعالى حتى آخر لحظة من عمره حاد الذهن حاضر البديهة قوي الذاكرة، لم يختلط على الكِبَر، وإن أقعده المرض في فراشه، حتى جاءه داعي ربه في السادسة من صباح اليوم: الأحد 7 من رمضان المعظم سنة 1429 هـ ، الموافق: 7 من سبتمبر سنة 2008م. فرحمه الله تعالى وأعلى في جنان الخلد منزلته، وألحقنا به وأهل القرآن على خير.. آمين.[/SIZE]
تعليق