بسم الله الرحمن الرحيم ، والصلاة والسلام على سيدي محمد وآله وصحبه أجمعين ، أما بعد ،،،
هذا الحديث أخرجه : أبو داود ( السنن 4/18-19 ) ، والترمذي ( الجامع : 3/616 ) .
وأخرجه أيضا : الدارمي ( السنن : 1/60 ) ، وابن أبي شيبة ( المصنف : 5/359 ) ، والبيهيق ( السنن الكبرى : 10/114 ) .
وأخرجه أيضا : الخطيب ( الفقيه والمتفقه : 1/154 ، 155 ، 189 ) وابن عبدالبر ( جامع بيان العلم : 2/844-846 ) ، وابن حجر ( موافقة الخبر الخبر : 1/118 ) .
وأخرجه أيضا : أحمد ( المسند : 5/230 ، 236 ، 242 ) ، والطيالسي ( المسند : 76 ) ، والطبراني ( المعجم الكبير : 20/170 ) .
وأخرجه : العقيلي ( الضعفاء الكبير : 1/215 ) ، وابن عدي ( ؟ ) ، وابن سعد ( ؟ ) .
وأخرجه أيضا : ابن الجوزي ( العلل المتناهية : 1/758 ) .
كلهم من طريق : شعبة ، عن أبي عون محمد بن عبيدالله الثقفي ، عن الحارث بن عمرو بن أخي المغيرة بن شعبة ، عن ناس من أصحاب معاذ من أهل حمص ، بعضهم يرسله دون ذكر معاذ ، وبعضهم يقول (عن معاذ) ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن : كيف تقضي إن عرض لك القضاء ؟ قال : أقضي بما في كتاب الله ، قال : فإن لم يكن في كتاب الله ؟ قال : بسنة رسول الله ، قال : فإن لم يكن في سنة رسول الله ؟ قال : أجتهد رأيي ، ولا آلو ، فضرب بصدري ، وقال : الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله ، هذا لفظ الخطيب .
قلت : هذا حديث ضعيف ، ولو قلت : هذا حديث ضعيف جدا ، لما كنت متشددا ، وذلك للأسباب التالية :
السبب الأول : جهالة الحارث بن عمرو .
فهو أولا : لم يرو عنه إلا واحد ، وهو أبو عون محمد بن عبيدالله الثقفي ، كما أشار المزي .
وهو ثانيا : لم يرو إلا هذا الحديث ، قال المزي : لا يعرف إلا بهذا الحديث ( تهذيب الكمال : 5/266 ) .
وهو ثالثا : لم يذكره أحد بجرح ولا بتعديلا .
فإن قيل : الحارث بن عمرو ليس بمجهول العين ، لأن شعبة بن الحجاج يقول عنه : إنه ابن أخي المغيرة بن شعبة ، ولا بمجهول الوصف لأنه من كبار التابعين في طبقة شيوخ أبي عون الثقفي المتوفي سنة 116 هـ .
ففيه ملاحظات :
الأولى : أسلم أن وصفه بأنه ابن أخي المغيرة بن شعبة ييرفع جهالة العين ، لكن هل قوله (ابن أخي المغيرة بن شعبة) من قول شعبة أم من قول أبي عون محمد بن عبيدالله الثقفي الراوي عنه ؟1
ومع ذلك فرفع جهالة العين غير كافية في قبول الحديث .
الثانية : لا أسلم أنه ليس بمجهول الوصف والحال ، بل هو مجهول الحال ، لأنه لم يذكر فيه جرح ولا تعديل ، وهذا أحد أسباب ضعف الحديث .
وأما كونه من كبار التابعين ، فهذا غير مسلم أيضا ، فإن رواية أبي عون الثقفي عنه لا تعني أنه من كبار التابعين ، فقد يكون من أواسطهم وقد يكون من صغارهم ، ولما لم يكن له إلا هذه الرواية في الدنيا ، ولا يعرف إلا بها ، ولا يعرف من تاريخه شيء يساعدنا على التعرف على طبقته ، فلن نستطيع التمييز ، هل هو من طبقة أواسطهم أو من صغارهم .
ثم إن المغيرة بن شعبة توفي سنة 50 هـ ، فابن أخيه يحتمل أن يكون توفي سنة 80هـ أو 90 هـ أو 100 هـ .
أما أبو الحارث : عمرو بن شعبة ، فلم أجد له تاريخ وفاة ، بل لم أجد له ترجمة لا في التاريخ الكبير للبخاري ، ولا في طبقات ابن سعد ، ولا في ثقات ابن حبان ، ولا في الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ، فلعل أباه غير معروف العين ولا الحال ، فإذا كان أباه أيضا غير معروف ، فكيف بابنه ؟؟
على كل حال كبار النقاد وصفوا الحارث بن عمرو بالجهالة ، منهم : البخاري ، فقد قال في التاريخ الكبير 2/20 : لا يعرف إلا بهذا .
السبب الثاني : إبهام شيوخ الحارث بن عمرو الذي قال أنهم "ناس من أصحاب معاذ من أهل حمص" ، ولا ينفعهم وصفه بأنهم من أصحاب معاذ ولا وصفهم بأنهم من أهل حمص ، لأن الإبهام إنما كان سببا لرد الحديث لأنه يورث الجهالة بحال الراوي ، والوصفين السابقين ، أعني كونهم من أصحاب معاذ ، وكونهم من أهل حمص لا يفيد في معرفة حال الراوي من حيث الجرح أو العدالة ، كما سأبينه بعد أسطر .
أقول : لو كان الراوي عن هؤلاء الناس معروفا بثقته ، كثير الرواية وصحيحها ، لما دل ذلك على صحة الحديث ، فكيف والراوي عنه الحارث بن عمرو ، المجهول ؟؟ أعني : أن الذي قال "عن ناس من أصاحب معاذ من أهل حمص" رجل مجهول ، فهل تثق بهذا السند الذي نقله راو مجهول ؟؟؟
أضف إلى ذلك أن معاذ بن جبل توفي سنة 18 هـ ، فهو متقدم الوفاة جدا ، وقد روى عنه بعضهم وكانت روايته عنه مرسلة ، مثل : عروة بن النزال الكوفي ، ومثل ميمون بن أبي شبيب ، بل إن الثاني هذا مختلف فيه ، بعضهم قال : صالح الحديث ، وبعضهم قال ضعيف الحديث .
وهل يضمن أحد أن يكون الحارث بن عمرو المجهول قد قال "ناس من أصحاب معاذ" وقصد بذلك : الثقات من أصحاب معاذ ممن أخذوا عنه مباشرة ، أم تراه يجوز قصد بذلك ناسا ممن رووا عن معاذ ، وقد يكونوا واحدا ، وليسوا جماعة ، وقد يكونوا ضعفاء ، وقد يكونوا ممن لم يروا معاذا لكنهم معروفين بالرواية عن معاذ ، وقد يكونوا ، وقد يكونوا ، فهل تقوي الحديث بهذه الاحتمالات من مثل الحارث بن عمرو ؟؟؟
وبعد ما سبق تعلم مدى ضعف قول من قال : "والشيوخ الذين روى عنهم الحارث بن عمرو هم من أصحاب معاذ ، ولا أحد من أصحاب معاذ مجهول" ، فلو سلمنا أنه ليس في أصحاب معاذ مجهول ، وهذا محل نظر وبحث ، فلا نسلم أن كل أصحاب معاذ ضابطين في حفظهم .
أما قول من قال "ويجوز أن يكون في الخبر إسقاط الأسماء عن جماعة ، ولا يدخله ذلك في حيز الجهالة ، وإنما يدخل في المجهولات إذا كان واحدا ، فيقال : حدثني رجل أو إنسان ".
أقول : فهذا ـ ولا ريب ـ من ركيك الحجج وضعيف الكلام ، فإنه إذا كان قول الراوي (حدثني رجل) موجبا ضعف الخبر ، فقوله (حدثني رجال) يوجب ضعفه ، لأن العلة في رد الأول هي نفسها العلة في رد الثاني ، وهي : عدم العلم بعين الراوي ولا بحاله ، وكثرة عدد المبهمين عندئذ لا تفيد شيئا !!
وقول من قال "وشهرة أصحاب معاذ بالعلم والدين والفضل والصدق بالمحل الذي لا يخفى" :
أقول : هذا غير مسلم ، فلتنظر إلى الرواة عن معاذ ، ففيهم الثقة وفيهم الضعيف وفيهم من أرسل عنه ، الذي أقوله : إنه لا بد من تسمية الراوي في السند ، ولا بد بعد ذلك من معرفة حاله لأجل قبوله ، ولتراجع في ذلك كتب الأصول .
وقول من قال : "رواية الحديث عن أصحاب معاذ تدل على شهرة الحديث ، وأن الذي حدث به الحارث بن عمرو : جماعة من أصحاب معاذ ، لا واحد منهم ، وهذا أبلغ في الشهرة من أن يكون عن واحد منهم لو سمي" :
فأقول : إن هؤلاء الجماعة ما زالوا غير مسمين ، فلعلهم اثنان أو ثلاثة غير ضابطين ! فالأمر محتمل ، ناهيك عن أن الراوي عنهم مجهول .
ثم إن كثرة العدد مع اتحاد المخرج لا تنفع ، فلو كان الرواة عن معاذ كلهم مبهمين غير مسمين ، لكن رواه عن كل واحد منهم ثقة ، كأن رواه عن معاذ ثلاثة مبهمين ، ورواه عن كل مبهم راو ثقة بإسناد صحيح المخرج ، لقوينا الحديث بهذه الأسانيد وقبلناه ، لكن مخرج الحديث عن أصحاب معاذ هو رجل واحد ، وهو : الحارث بن عمرو ، فلا تفيدنا كثرة شيوخه في الحديث .
وقول من قوى الحديث برواية شعبة له قائلا : "كيف ، وشعبة حامل لواء هذا الحديث ؟ وقد قال بعض أئمة الحديث : إذا رأيت شعبة في إسناد فاشدد به يدك" فإن الراجح عندنا أن رواية الراوي للحديث ليس فيها تقوية للحديث ، يدل على ذلك أن شعبة قد روى أحاديث ضعفا أخرى ، ونقلت عنه ، فلما ثبت ذلك ثبت أن مجرد رواية شعبة له لا تقويه بحال .
ثم إنه لم ينقل لنا : أرواه شعبة في معرض الاحتجاج ، أم رواه في معرض مجرد الرواية والتحديث والنقل فقط ، فلا يصح بعد ذلك أن يقال شعبة قبل الحديث ، بل غاية ما يقال شعبة رواه ، ولعله رواه وما قبله .
وفي ختام هذا السبب أقول : لو كان أصحاب معاذ هؤلاء ثقات ، يبقى عندنا سببين لرد هذا الحديث ، هما الأول والثالث ، فتنبه .
السبب الثالث : أنه اختلف في إسناد الحديث :
بعضهم رواه من طريق أصحاب معاذ من أهل حمص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مرسلا من غير أن يذكروا معاذ في السند .
وبعضهم رواه من طريق أصحاب معاذ من أهل حمص عن معاذ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم متصلا .
وقد رجح علمين من أعلام الحديث المرسل ، وهم :
1 = البخاري ، فقد قال في تاريخه 2/20 عن هذا الخبر : "مرسل" .
2 = الدارقطني ، فقد قال في كتابه العلل 6/89 عن هذا الخبر : "والمرسل أصح" .
نقاد ضعفوا الحديث
وممن رد الحديث :
1 / الترمذي ، فقد أخرج الحديث في جامعه ولم يصححه ولم يحسنه ، بل قال : "حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، وليس إسناده عندي بمتصل" .
أقول: قوله (وليس إسناده عندي بمتصل) قد يعني الرواة المبهمين عن معاذ ، فيكون كأنه نفى الاتصال باعتبار الإبهام الذي في بعض رواته ، كما فسره ابن حجر في موافقة الخبر الخبر 1/118 ، أو قد يعني الانقطاع بين أصحاب معاذ ورسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأي المعنيين أراد الترمذي فكلاهما صحيح .
2 / ابن الجوزي ، فقد قال : حديث لا يصح ، وإن كان الفقهاء كلهم يذكرونه في كتبهم ويعتمدون عليه ، ولعمري إن كان معناه صحيحا ، إنما ثبوته لا يعرف ، لأن الحارث بن عمرو مجهول ، وأصحاب معاذ من أهل حمص لا يعرفون ، وما هذا طريقه فلا وجه لثبوته ، ( العلل المتناهية : 1/758 ) .
3 / عبدالحق الإشبيلي ، فقد قال : لا يسند ، ولا يوجد من وجه صحيح .
4 / ابن القطان الفاسي ، فقد أقر عبدالحق ، ثم قال : كذا قال من غير مزيد ، ولم يبين حال الحارث بن عمرو هذا ، ولا تقدم له ذكر عنده ، والحارث المذكور هو ابن أخي المغيرة بن شعبة ، ولا تعرف له حال ، ولا يدرى روى عنه غير أبي عون محمد بن عبيدالله الثقفي ، ( بيان الوهم والإيهام : 2/68 ) رقم 736 .
5 / ابن طاهر المقدسي ، فقد ضعفه في جزء له مفرد ، وقد يكون لمذهبه أثر في ذلك ، فإنه ظاهري المذهب ، لكن مع ذلك ننظر في كلامه فإن كان موافقا للدليل أخذنا بكلامه لموافقته للدليل ، لا تقليدا له ، فإن العبرة بالدليل والبرهان .
غريبة
وأكثر ما أستغربه في هذا المقام استشهاد بعضهم بأن الخطيب علق رواية موصولة السند لهذا الحديث ، فقد قال : "وقد قيل : إن عبادة بن نسي رواه عن عبدالرحمن بن غنم عن معاذ ، وهذا إسناد متصل ورجاله معروفة بالثقة" ( الفقيه والمتفقه : 1/189 ) .
أقول : إن الخطيب لم يخرج هذه الرواية ، ولكنه علقها على عبادة بن نسي ، وقد أخرج هذه الرواية بالسند المتصل : ابن ماجة ( السنن : 1/21 ) من طريق : يحيى بن سعيد الأموي ، عن محمد بن سعيد بن حسان ، عن عباد بن نسي ، عن عبدالرحمن بن غنم ، عن معاذ بن جبل ، قال : لما بعثني رسول الله إلى اليمن ، قال : لا تقضين ولا تفصلن إلا بما تعلم ، وإن أشكل عليك أمر ، فقف حتى تبينه أو تكتب إلي فيه .
ويكفي هاهنا أن تعلم أن في سند هذا الخبر : محمد بن سعيد بن حسان المصلوب ، وهو كذاب ، ( تهذيب الكمال : 25/264 ) ، ولهذا أستغرب استشهاد بعضهم بهذه الرواية !!!
ثم يا جماعة ألم تلاحظوا أن المتن غير المتن ، والحديث غير الحديث .
دفاع عن الجويني
يبقى هنا مسألة اتهام الجويني بعدم معرفته بعلم الحديث بناء على قوله في البرهان "مدون في الصحاح ، وهو متفق على صحته" :
أما قوله "مدون في الصحاح" ، فلا يريد به الاصطلاح المشهور أن الصحاح هم الصحيحين أو صحاح البخاري ومسلم وابن خزيمة وابن حبان والمستدرك ، فإن إطلاق الصحاح على الكتب الستة مصطلح معروف لبعضهم ، أعني : البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة وأبي داود ، وقد أراد الجويني وهو مدون في بعض الصحاح ، وهذا مقصد صحيح ، وإن كنا نخالف في إطلاق الاصطلاح السابق على الكتب الستة جميعها ، لما عرف في موضعه ، وقد بين ذلك ابن الصلاح في علومه .
وأما قوله "وهو متفق على صحته" فلا يريد به الاصطلاح المشهور ، أعني : اتفاق البخاري ومسلم ، لكنه لعله يريد أن الأئمة تلقوه بالقبول .
وهذا ادعاء لم ينفرد به الجويني ، فقد سبقه الخطيب ، وهو أحد من قبل الحديث ، فقد قال : "على أن أهل العلم قد تقبلوه واحتجوا به ، فوقفنا بذلك على صحته عندهم ، كما وقفنا على صحة قول رسول الله (لا وصية لوارث) ، وقوله (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) ، وقوله (إذا اختلف المتبايعان في الثمن والسلعة قائمة تحالفا وترادا البيع) ، وحديث (الدية على العاقلة) ، وإن كانت هذه الأحاديث لا تثبت من جهة الإسناد لكن لما تلقتها الكافة عن الكافة ، غنوا بصحتها عندهم عن طلب الإسناد لها ، فكذلك حدي ثمعاذ ، لما احتجوا به جميعا غنوا عن طلب الإسناد له ، ( الفقيه والمتفقه : 1/189 ) .
فإذا استدل بعضهم على عدم معرفة الجويني بعلم الحديث بسبب أنه ادعى أنه متفق على صحته ، فليتهم الخطيب أيضا بأنه لا علم له بالحديث .
وكثيرون احتجوا بمثل ما احتج به الخطيب والجويني ، ومنهم : أبو العباس ابن القاص ، فقد استند في صحته إلى تلقي أئمة الفقه والاجتهاد له بالقبول ، قال : وهذا القدر مغن عن مجرد الرواية ، وهو نظري احتجاجهم بحديث لا وصية لوارث ، مع كون راويه إسماعيل بن عياش ، نقل ذلك ابن حجر ( موافقة الخبر الخبر : 1/119 ) .
قال ابن حجر : وقد أطلق صحته جماعة من الفقهاء ، كالباقلاني ، وأبي الطيب الطبري ، وإمام الحرمين الجويني ، لشهرته وتلقي العلماء له بالقبول .
نخرج بما سبق أن ما قاله الجويني هو قول ، له فيه سلف ، وله فيه خلف ، فلا يصح بعد ذلك ما ادعاه الذهبي رحمه الله تعالى قائلا في وصف الجويني : "كان هذا الإمام مع فرط ذكائه وإمامته في الفروع وأصول المذهب وقوة مناظرته لا يدري الحديث ، لا متنا ولا إسنادا ، ذكر في كتاب البرهان حديث معاذ في القياس ، فقال : هو مدون في الصحاح ، متفق على صحته ، قال الذهبي : بل مداره على الحارث بن عمرو ، وفيه جهالة ، وعن رجال من أهل حمص عن معاذ ، فإسناده صالح" يعني الذهبي أن سنده صالح وليس بصحيح .
قلت : قول الذهبي عن الجويني "لا يدري الحديث لا متنا ولا إسنادا ، اعتمادا على كلامه في حديث معاذ ونحوه ، فيه إجحاف وظلم ومجازفة .
ومع أني أرى أن الذهبي نفسه لم يضعف حديث معاذ كما ينبغي ، بل كان متساهلا إذ حكم على سنده بأنه صالح ، فهو كذلك كان متشددا في حق الجويني إذا حكم عليه بأنه لا يعرف في الحديث شيئا .
على كل حال يبقى أن الطريقة التي استدل بها الجويني والخطيب وابن القاص وغيرهم على صحة الحديث غير مرضية عندي ، فإن هؤلاء كلهم متأخرون ، وقد وجدنا بعضا من متقدمي النقاد المحدثين كالبخاري والترمذي والدارقطني وغيرهم الذين جاءوا قبل الباقلاني والخطيب والجويني لم يصححوا الحديث ، فكيف يزعم زاعم بعد ذلك أن الأمة تلقت هذا الحديث بالقبول ؟؟!!
بل أكثر ما يقال في حق الحديث أن الأمة اختلفت فيه : بعضهم قبله ، وبعضهم رده .
فإذا علمت أن الذين قبلوه لم يستندوا على إسناده ، وإنما استندوا على تلقي الأمة بالقبول ، وقد أبطلنا هذا المستند ، فلم يعد للذين قبلوه حجة مقنعة في تصحيح الخبر وقبوله ، لا من حيث السند ولا من حيث التلقي بالقبول .
فضلا عن أن مسألة التلقي بالقبول بحاجة إلى درس ونظر ، فإن الخبر لا يتصور معرفة صحته إلا بطريق النقل ، وتلقي الأمة بالقبول إذا لم يكن مستندا على أن كل واحد من الأمة ممن تلقاه نظر في إسناده فوجده قد توفرت فيه شروط القبول ، إذ لم يكن كذلك ، لم يكن تلقي الأمة بالقبول معتبرا ، إذ لا بد في التلقي بالقبول من مستند ، ومستند تلقي الأخبار بالقبول ليس إلا الأسانيد ، فإذا لم يكن للحديث سند صحيح من أصل الأمر ، فدعوى التلقي بالقبول لا بد أن تكون مخدوشة ، لأنه لا بد أن بعض الأمة نظر في الأسانيد فوجدها ضعيفة ، فرد الخبر .
هذا ما ظهر ليس بشأن هذا الحديث ، وبشأن الإمام الجويني رحمه الله تعالى وأجزل مثوبته على ما قدم لهذا العلم من خدمات تنوء عنها في هذه الأيام مؤسسات فضلا عن الأفراد .
وأسأل الله تعالى المغفرة والرحمة والرضوان .
والحمد لله رب العالمين .
هذا الحديث أخرجه : أبو داود ( السنن 4/18-19 ) ، والترمذي ( الجامع : 3/616 ) .
وأخرجه أيضا : الدارمي ( السنن : 1/60 ) ، وابن أبي شيبة ( المصنف : 5/359 ) ، والبيهيق ( السنن الكبرى : 10/114 ) .
وأخرجه أيضا : الخطيب ( الفقيه والمتفقه : 1/154 ، 155 ، 189 ) وابن عبدالبر ( جامع بيان العلم : 2/844-846 ) ، وابن حجر ( موافقة الخبر الخبر : 1/118 ) .
وأخرجه أيضا : أحمد ( المسند : 5/230 ، 236 ، 242 ) ، والطيالسي ( المسند : 76 ) ، والطبراني ( المعجم الكبير : 20/170 ) .
وأخرجه : العقيلي ( الضعفاء الكبير : 1/215 ) ، وابن عدي ( ؟ ) ، وابن سعد ( ؟ ) .
وأخرجه أيضا : ابن الجوزي ( العلل المتناهية : 1/758 ) .
كلهم من طريق : شعبة ، عن أبي عون محمد بن عبيدالله الثقفي ، عن الحارث بن عمرو بن أخي المغيرة بن شعبة ، عن ناس من أصحاب معاذ من أهل حمص ، بعضهم يرسله دون ذكر معاذ ، وبعضهم يقول (عن معاذ) ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن : كيف تقضي إن عرض لك القضاء ؟ قال : أقضي بما في كتاب الله ، قال : فإن لم يكن في كتاب الله ؟ قال : بسنة رسول الله ، قال : فإن لم يكن في سنة رسول الله ؟ قال : أجتهد رأيي ، ولا آلو ، فضرب بصدري ، وقال : الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله ، هذا لفظ الخطيب .
قلت : هذا حديث ضعيف ، ولو قلت : هذا حديث ضعيف جدا ، لما كنت متشددا ، وذلك للأسباب التالية :
السبب الأول : جهالة الحارث بن عمرو .
فهو أولا : لم يرو عنه إلا واحد ، وهو أبو عون محمد بن عبيدالله الثقفي ، كما أشار المزي .
وهو ثانيا : لم يرو إلا هذا الحديث ، قال المزي : لا يعرف إلا بهذا الحديث ( تهذيب الكمال : 5/266 ) .
وهو ثالثا : لم يذكره أحد بجرح ولا بتعديلا .
فإن قيل : الحارث بن عمرو ليس بمجهول العين ، لأن شعبة بن الحجاج يقول عنه : إنه ابن أخي المغيرة بن شعبة ، ولا بمجهول الوصف لأنه من كبار التابعين في طبقة شيوخ أبي عون الثقفي المتوفي سنة 116 هـ .
ففيه ملاحظات :
الأولى : أسلم أن وصفه بأنه ابن أخي المغيرة بن شعبة ييرفع جهالة العين ، لكن هل قوله (ابن أخي المغيرة بن شعبة) من قول شعبة أم من قول أبي عون محمد بن عبيدالله الثقفي الراوي عنه ؟1
ومع ذلك فرفع جهالة العين غير كافية في قبول الحديث .
الثانية : لا أسلم أنه ليس بمجهول الوصف والحال ، بل هو مجهول الحال ، لأنه لم يذكر فيه جرح ولا تعديل ، وهذا أحد أسباب ضعف الحديث .
وأما كونه من كبار التابعين ، فهذا غير مسلم أيضا ، فإن رواية أبي عون الثقفي عنه لا تعني أنه من كبار التابعين ، فقد يكون من أواسطهم وقد يكون من صغارهم ، ولما لم يكن له إلا هذه الرواية في الدنيا ، ولا يعرف إلا بها ، ولا يعرف من تاريخه شيء يساعدنا على التعرف على طبقته ، فلن نستطيع التمييز ، هل هو من طبقة أواسطهم أو من صغارهم .
ثم إن المغيرة بن شعبة توفي سنة 50 هـ ، فابن أخيه يحتمل أن يكون توفي سنة 80هـ أو 90 هـ أو 100 هـ .
أما أبو الحارث : عمرو بن شعبة ، فلم أجد له تاريخ وفاة ، بل لم أجد له ترجمة لا في التاريخ الكبير للبخاري ، ولا في طبقات ابن سعد ، ولا في ثقات ابن حبان ، ولا في الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ، فلعل أباه غير معروف العين ولا الحال ، فإذا كان أباه أيضا غير معروف ، فكيف بابنه ؟؟
على كل حال كبار النقاد وصفوا الحارث بن عمرو بالجهالة ، منهم : البخاري ، فقد قال في التاريخ الكبير 2/20 : لا يعرف إلا بهذا .
السبب الثاني : إبهام شيوخ الحارث بن عمرو الذي قال أنهم "ناس من أصحاب معاذ من أهل حمص" ، ولا ينفعهم وصفه بأنهم من أصحاب معاذ ولا وصفهم بأنهم من أهل حمص ، لأن الإبهام إنما كان سببا لرد الحديث لأنه يورث الجهالة بحال الراوي ، والوصفين السابقين ، أعني كونهم من أصحاب معاذ ، وكونهم من أهل حمص لا يفيد في معرفة حال الراوي من حيث الجرح أو العدالة ، كما سأبينه بعد أسطر .
أقول : لو كان الراوي عن هؤلاء الناس معروفا بثقته ، كثير الرواية وصحيحها ، لما دل ذلك على صحة الحديث ، فكيف والراوي عنه الحارث بن عمرو ، المجهول ؟؟ أعني : أن الذي قال "عن ناس من أصاحب معاذ من أهل حمص" رجل مجهول ، فهل تثق بهذا السند الذي نقله راو مجهول ؟؟؟
أضف إلى ذلك أن معاذ بن جبل توفي سنة 18 هـ ، فهو متقدم الوفاة جدا ، وقد روى عنه بعضهم وكانت روايته عنه مرسلة ، مثل : عروة بن النزال الكوفي ، ومثل ميمون بن أبي شبيب ، بل إن الثاني هذا مختلف فيه ، بعضهم قال : صالح الحديث ، وبعضهم قال ضعيف الحديث .
وهل يضمن أحد أن يكون الحارث بن عمرو المجهول قد قال "ناس من أصحاب معاذ" وقصد بذلك : الثقات من أصحاب معاذ ممن أخذوا عنه مباشرة ، أم تراه يجوز قصد بذلك ناسا ممن رووا عن معاذ ، وقد يكونوا واحدا ، وليسوا جماعة ، وقد يكونوا ضعفاء ، وقد يكونوا ممن لم يروا معاذا لكنهم معروفين بالرواية عن معاذ ، وقد يكونوا ، وقد يكونوا ، فهل تقوي الحديث بهذه الاحتمالات من مثل الحارث بن عمرو ؟؟؟
وبعد ما سبق تعلم مدى ضعف قول من قال : "والشيوخ الذين روى عنهم الحارث بن عمرو هم من أصحاب معاذ ، ولا أحد من أصحاب معاذ مجهول" ، فلو سلمنا أنه ليس في أصحاب معاذ مجهول ، وهذا محل نظر وبحث ، فلا نسلم أن كل أصحاب معاذ ضابطين في حفظهم .
أما قول من قال "ويجوز أن يكون في الخبر إسقاط الأسماء عن جماعة ، ولا يدخله ذلك في حيز الجهالة ، وإنما يدخل في المجهولات إذا كان واحدا ، فيقال : حدثني رجل أو إنسان ".
أقول : فهذا ـ ولا ريب ـ من ركيك الحجج وضعيف الكلام ، فإنه إذا كان قول الراوي (حدثني رجل) موجبا ضعف الخبر ، فقوله (حدثني رجال) يوجب ضعفه ، لأن العلة في رد الأول هي نفسها العلة في رد الثاني ، وهي : عدم العلم بعين الراوي ولا بحاله ، وكثرة عدد المبهمين عندئذ لا تفيد شيئا !!
وقول من قال "وشهرة أصحاب معاذ بالعلم والدين والفضل والصدق بالمحل الذي لا يخفى" :
أقول : هذا غير مسلم ، فلتنظر إلى الرواة عن معاذ ، ففيهم الثقة وفيهم الضعيف وفيهم من أرسل عنه ، الذي أقوله : إنه لا بد من تسمية الراوي في السند ، ولا بد بعد ذلك من معرفة حاله لأجل قبوله ، ولتراجع في ذلك كتب الأصول .
وقول من قال : "رواية الحديث عن أصحاب معاذ تدل على شهرة الحديث ، وأن الذي حدث به الحارث بن عمرو : جماعة من أصحاب معاذ ، لا واحد منهم ، وهذا أبلغ في الشهرة من أن يكون عن واحد منهم لو سمي" :
فأقول : إن هؤلاء الجماعة ما زالوا غير مسمين ، فلعلهم اثنان أو ثلاثة غير ضابطين ! فالأمر محتمل ، ناهيك عن أن الراوي عنهم مجهول .
ثم إن كثرة العدد مع اتحاد المخرج لا تنفع ، فلو كان الرواة عن معاذ كلهم مبهمين غير مسمين ، لكن رواه عن كل واحد منهم ثقة ، كأن رواه عن معاذ ثلاثة مبهمين ، ورواه عن كل مبهم راو ثقة بإسناد صحيح المخرج ، لقوينا الحديث بهذه الأسانيد وقبلناه ، لكن مخرج الحديث عن أصحاب معاذ هو رجل واحد ، وهو : الحارث بن عمرو ، فلا تفيدنا كثرة شيوخه في الحديث .
وقول من قوى الحديث برواية شعبة له قائلا : "كيف ، وشعبة حامل لواء هذا الحديث ؟ وقد قال بعض أئمة الحديث : إذا رأيت شعبة في إسناد فاشدد به يدك" فإن الراجح عندنا أن رواية الراوي للحديث ليس فيها تقوية للحديث ، يدل على ذلك أن شعبة قد روى أحاديث ضعفا أخرى ، ونقلت عنه ، فلما ثبت ذلك ثبت أن مجرد رواية شعبة له لا تقويه بحال .
ثم إنه لم ينقل لنا : أرواه شعبة في معرض الاحتجاج ، أم رواه في معرض مجرد الرواية والتحديث والنقل فقط ، فلا يصح بعد ذلك أن يقال شعبة قبل الحديث ، بل غاية ما يقال شعبة رواه ، ولعله رواه وما قبله .
وفي ختام هذا السبب أقول : لو كان أصحاب معاذ هؤلاء ثقات ، يبقى عندنا سببين لرد هذا الحديث ، هما الأول والثالث ، فتنبه .
السبب الثالث : أنه اختلف في إسناد الحديث :
بعضهم رواه من طريق أصحاب معاذ من أهل حمص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مرسلا من غير أن يذكروا معاذ في السند .
وبعضهم رواه من طريق أصحاب معاذ من أهل حمص عن معاذ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم متصلا .
وقد رجح علمين من أعلام الحديث المرسل ، وهم :
1 = البخاري ، فقد قال في تاريخه 2/20 عن هذا الخبر : "مرسل" .
2 = الدارقطني ، فقد قال في كتابه العلل 6/89 عن هذا الخبر : "والمرسل أصح" .
نقاد ضعفوا الحديث
وممن رد الحديث :
1 / الترمذي ، فقد أخرج الحديث في جامعه ولم يصححه ولم يحسنه ، بل قال : "حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، وليس إسناده عندي بمتصل" .
أقول: قوله (وليس إسناده عندي بمتصل) قد يعني الرواة المبهمين عن معاذ ، فيكون كأنه نفى الاتصال باعتبار الإبهام الذي في بعض رواته ، كما فسره ابن حجر في موافقة الخبر الخبر 1/118 ، أو قد يعني الانقطاع بين أصحاب معاذ ورسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأي المعنيين أراد الترمذي فكلاهما صحيح .
2 / ابن الجوزي ، فقد قال : حديث لا يصح ، وإن كان الفقهاء كلهم يذكرونه في كتبهم ويعتمدون عليه ، ولعمري إن كان معناه صحيحا ، إنما ثبوته لا يعرف ، لأن الحارث بن عمرو مجهول ، وأصحاب معاذ من أهل حمص لا يعرفون ، وما هذا طريقه فلا وجه لثبوته ، ( العلل المتناهية : 1/758 ) .
3 / عبدالحق الإشبيلي ، فقد قال : لا يسند ، ولا يوجد من وجه صحيح .
4 / ابن القطان الفاسي ، فقد أقر عبدالحق ، ثم قال : كذا قال من غير مزيد ، ولم يبين حال الحارث بن عمرو هذا ، ولا تقدم له ذكر عنده ، والحارث المذكور هو ابن أخي المغيرة بن شعبة ، ولا تعرف له حال ، ولا يدرى روى عنه غير أبي عون محمد بن عبيدالله الثقفي ، ( بيان الوهم والإيهام : 2/68 ) رقم 736 .
5 / ابن طاهر المقدسي ، فقد ضعفه في جزء له مفرد ، وقد يكون لمذهبه أثر في ذلك ، فإنه ظاهري المذهب ، لكن مع ذلك ننظر في كلامه فإن كان موافقا للدليل أخذنا بكلامه لموافقته للدليل ، لا تقليدا له ، فإن العبرة بالدليل والبرهان .
غريبة
وأكثر ما أستغربه في هذا المقام استشهاد بعضهم بأن الخطيب علق رواية موصولة السند لهذا الحديث ، فقد قال : "وقد قيل : إن عبادة بن نسي رواه عن عبدالرحمن بن غنم عن معاذ ، وهذا إسناد متصل ورجاله معروفة بالثقة" ( الفقيه والمتفقه : 1/189 ) .
أقول : إن الخطيب لم يخرج هذه الرواية ، ولكنه علقها على عبادة بن نسي ، وقد أخرج هذه الرواية بالسند المتصل : ابن ماجة ( السنن : 1/21 ) من طريق : يحيى بن سعيد الأموي ، عن محمد بن سعيد بن حسان ، عن عباد بن نسي ، عن عبدالرحمن بن غنم ، عن معاذ بن جبل ، قال : لما بعثني رسول الله إلى اليمن ، قال : لا تقضين ولا تفصلن إلا بما تعلم ، وإن أشكل عليك أمر ، فقف حتى تبينه أو تكتب إلي فيه .
ويكفي هاهنا أن تعلم أن في سند هذا الخبر : محمد بن سعيد بن حسان المصلوب ، وهو كذاب ، ( تهذيب الكمال : 25/264 ) ، ولهذا أستغرب استشهاد بعضهم بهذه الرواية !!!
ثم يا جماعة ألم تلاحظوا أن المتن غير المتن ، والحديث غير الحديث .
دفاع عن الجويني
يبقى هنا مسألة اتهام الجويني بعدم معرفته بعلم الحديث بناء على قوله في البرهان "مدون في الصحاح ، وهو متفق على صحته" :
أما قوله "مدون في الصحاح" ، فلا يريد به الاصطلاح المشهور أن الصحاح هم الصحيحين أو صحاح البخاري ومسلم وابن خزيمة وابن حبان والمستدرك ، فإن إطلاق الصحاح على الكتب الستة مصطلح معروف لبعضهم ، أعني : البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة وأبي داود ، وقد أراد الجويني وهو مدون في بعض الصحاح ، وهذا مقصد صحيح ، وإن كنا نخالف في إطلاق الاصطلاح السابق على الكتب الستة جميعها ، لما عرف في موضعه ، وقد بين ذلك ابن الصلاح في علومه .
وأما قوله "وهو متفق على صحته" فلا يريد به الاصطلاح المشهور ، أعني : اتفاق البخاري ومسلم ، لكنه لعله يريد أن الأئمة تلقوه بالقبول .
وهذا ادعاء لم ينفرد به الجويني ، فقد سبقه الخطيب ، وهو أحد من قبل الحديث ، فقد قال : "على أن أهل العلم قد تقبلوه واحتجوا به ، فوقفنا بذلك على صحته عندهم ، كما وقفنا على صحة قول رسول الله (لا وصية لوارث) ، وقوله (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) ، وقوله (إذا اختلف المتبايعان في الثمن والسلعة قائمة تحالفا وترادا البيع) ، وحديث (الدية على العاقلة) ، وإن كانت هذه الأحاديث لا تثبت من جهة الإسناد لكن لما تلقتها الكافة عن الكافة ، غنوا بصحتها عندهم عن طلب الإسناد لها ، فكذلك حدي ثمعاذ ، لما احتجوا به جميعا غنوا عن طلب الإسناد له ، ( الفقيه والمتفقه : 1/189 ) .
فإذا استدل بعضهم على عدم معرفة الجويني بعلم الحديث بسبب أنه ادعى أنه متفق على صحته ، فليتهم الخطيب أيضا بأنه لا علم له بالحديث .
وكثيرون احتجوا بمثل ما احتج به الخطيب والجويني ، ومنهم : أبو العباس ابن القاص ، فقد استند في صحته إلى تلقي أئمة الفقه والاجتهاد له بالقبول ، قال : وهذا القدر مغن عن مجرد الرواية ، وهو نظري احتجاجهم بحديث لا وصية لوارث ، مع كون راويه إسماعيل بن عياش ، نقل ذلك ابن حجر ( موافقة الخبر الخبر : 1/119 ) .
قال ابن حجر : وقد أطلق صحته جماعة من الفقهاء ، كالباقلاني ، وأبي الطيب الطبري ، وإمام الحرمين الجويني ، لشهرته وتلقي العلماء له بالقبول .
نخرج بما سبق أن ما قاله الجويني هو قول ، له فيه سلف ، وله فيه خلف ، فلا يصح بعد ذلك ما ادعاه الذهبي رحمه الله تعالى قائلا في وصف الجويني : "كان هذا الإمام مع فرط ذكائه وإمامته في الفروع وأصول المذهب وقوة مناظرته لا يدري الحديث ، لا متنا ولا إسنادا ، ذكر في كتاب البرهان حديث معاذ في القياس ، فقال : هو مدون في الصحاح ، متفق على صحته ، قال الذهبي : بل مداره على الحارث بن عمرو ، وفيه جهالة ، وعن رجال من أهل حمص عن معاذ ، فإسناده صالح" يعني الذهبي أن سنده صالح وليس بصحيح .
قلت : قول الذهبي عن الجويني "لا يدري الحديث لا متنا ولا إسنادا ، اعتمادا على كلامه في حديث معاذ ونحوه ، فيه إجحاف وظلم ومجازفة .
ومع أني أرى أن الذهبي نفسه لم يضعف حديث معاذ كما ينبغي ، بل كان متساهلا إذ حكم على سنده بأنه صالح ، فهو كذلك كان متشددا في حق الجويني إذا حكم عليه بأنه لا يعرف في الحديث شيئا .
على كل حال يبقى أن الطريقة التي استدل بها الجويني والخطيب وابن القاص وغيرهم على صحة الحديث غير مرضية عندي ، فإن هؤلاء كلهم متأخرون ، وقد وجدنا بعضا من متقدمي النقاد المحدثين كالبخاري والترمذي والدارقطني وغيرهم الذين جاءوا قبل الباقلاني والخطيب والجويني لم يصححوا الحديث ، فكيف يزعم زاعم بعد ذلك أن الأمة تلقت هذا الحديث بالقبول ؟؟!!
بل أكثر ما يقال في حق الحديث أن الأمة اختلفت فيه : بعضهم قبله ، وبعضهم رده .
فإذا علمت أن الذين قبلوه لم يستندوا على إسناده ، وإنما استندوا على تلقي الأمة بالقبول ، وقد أبطلنا هذا المستند ، فلم يعد للذين قبلوه حجة مقنعة في تصحيح الخبر وقبوله ، لا من حيث السند ولا من حيث التلقي بالقبول .
فضلا عن أن مسألة التلقي بالقبول بحاجة إلى درس ونظر ، فإن الخبر لا يتصور معرفة صحته إلا بطريق النقل ، وتلقي الأمة بالقبول إذا لم يكن مستندا على أن كل واحد من الأمة ممن تلقاه نظر في إسناده فوجده قد توفرت فيه شروط القبول ، إذ لم يكن كذلك ، لم يكن تلقي الأمة بالقبول معتبرا ، إذ لا بد في التلقي بالقبول من مستند ، ومستند تلقي الأخبار بالقبول ليس إلا الأسانيد ، فإذا لم يكن للحديث سند صحيح من أصل الأمر ، فدعوى التلقي بالقبول لا بد أن تكون مخدوشة ، لأنه لا بد أن بعض الأمة نظر في الأسانيد فوجدها ضعيفة ، فرد الخبر .
هذا ما ظهر ليس بشأن هذا الحديث ، وبشأن الإمام الجويني رحمه الله تعالى وأجزل مثوبته على ما قدم لهذا العلم من خدمات تنوء عنها في هذه الأيام مؤسسات فضلا عن الأفراد .
وأسأل الله تعالى المغفرة والرحمة والرضوان .
والحمد لله رب العالمين .
تعليق