قال الجويني :
[مسألة : في رواية المستور (وقد عرفه بأنه) الذي لم يظهر منه نقيض عدالته ، ولم يتفق البحث الباطن عن عدالته] .
(قلت : المختار عندي أن المجهول قسمان ، الأول : مجهول العين والحال ، والثاني : مجهول الحال ، وإن كان معروف العين ، وهو الذي أطلق عليه بعضهم اسم المستور .
وسيأتي أن الجويني لا يقبل رواية المستور ، فإن كان يقصد بالمستور مجهول الحال ، فهذا يدل على أنه لا يقبل رواية مجهول العين من باب أولى) .
قال الجويني :
[تردد المحدثون في روايته .
والذي صار إليه المعتبرون من الأصوليين أنه لا تقبل روايته ، وهو المقطوع به عندنا .
والمعتمد فيه : الرجوع إلى إجماع الصحابة ، فإنا نعلم منهم بمسلك الاستفاضة والتواتر : أنهم كانوا لا يقبلون روايات المجان والفسقة ، وأصحاب الخلاعة ، ولو ناداهم إنسان برواية لم يبتدروا العمل بروايته ، ما لم يبحثوا عن حالته ، ويطلعوا على باطن عدالته .
ومن ظن أنهم كانوا يعملون برواية كل مجهول الحال ، فقد ظن محالا .
وظهور ذلك مغن عن تقريره .
وإذا كنا نتعلق في العمل بالرواية بإجماعهم ، فلو لم نتحقق إجماعهم على التوقف في العمل برواية المستور ، لما وجدنا متعلقا نتمسك به في قبول روايته (يعني لو لم يدل إجماع الصحابة على عدم قبول المستور لما وجدنا دليلا يدل على قبول روايته) فكيف ، وقد استمر لنا قطعا منهم التوقف في المجهول المستور الحال] .
ثم قال الجويني :
[والذي أوثره في هذه المسألة : ألا نطلق رد رواية المستور ولا قبولها ، بل يقال :
رواية العدل : مقبولة .
ورواية الفاسق : مردودة .
ورواية المستور : موقوفة إلى استبانة حالته .
فلو كنا على اعتقاد في حل شيء ، فروى لنا مستور تحريمه ، فالذي أراه وجوب الانكفاف عما كنا نستحله إلى استتمام البحث عن حال الراوي .
وهذا هو المعلوم من عاداتهم وشيمهم .
وليس ذلك حكما منهم بالحظر المترتب على الرواية ، وإنما هو توقف في الأمر .
فالتوقف عن الإباحة يتضمن الانحجاز ، وهو في معنى الحظر ، فهو إذا حظر مأخوذ من قاعدة في الشريعة ممهدة ، وهي : التوقف عند بدء ظواهر الأمور إلى استبانتها .
فإذا ثبتت العدالة فالحكم بالرواية إذ ذاك .
ولو فرض فارض التباس حال الراوي ، واليأس من البحث عنها ، بأن يروي مجهول ، ثم يدخل في غمار الناس ، ويعسر العثور عليه ، فهذه مسألة اجتهادية عندي ، والظاهر أن الأمر إذا انتهى إلى اليأس لم يلزم الانكفاف ، وانقلبت الإباحة كراهية] .
ثم قال الجويني :
[فإن قيل : أليس روي أن أعرابيا شهد عند رسول الله على رؤية الهلال ، فأمر النبي بالصيام ، ولم يبحث عن حال الأعرابي ؟
قلنا : لعله علمه ، وأحاط به علما ، فلا يصح التمسك بمثل هذا مع تعارض الاحتمالات فيه ، والمطلوب القطع] .
ثم قال الجويني :
[فإن قالوا : الأصل نقيض الفسق (أي : أن الأصل في المسلم العدالة وعدم الفسق) ، فلنطرد قبول الرواية إلى تحقق الفسق ؟
قلنا : هذه (يعني أن الأصل نقيض الفسق) دعوى عرية عن البرهان ، وهو في التحقيق اقتصار على ترجمة المذهب ، فإنا نقول : الرواية قبولها موقوف على ظهور العدالة ، ومن يخالف يزعم أن الرد منوط بظهور الفسق .
وعلى الجملة : لسنا نرتضي التمسك بالتخييلات في مسالك القطعيات ، وفي كل أصل من الأصول قاعدة كلية معتبرة ، فكل تفصيل رجع إلى الأصل ، فهو جار على السبيل المطلوب ، وكل ما لم تجد مستندا فيه ، ومتعلقه تخييل ظن ، فهو مطرح ، والأصل في العمل بالأخبار إجماع الصحابة ، وقد قررنا سبيله ، فمات ذكروه ليس قادحا فيه ، فلا يحتفل به] .
ثم قال الجويني :
[فإن قيل : ثبت في الشرع الأمر بتحسين الظن بآحاد المسلمين إلى أن يظهر ما يناقض ذلك ، وإذا رددنا رواية المستور ، كان ذلك منافيا لتحسين الظن به ؟
قلنا : هذا من الطراز الأول ، فلا احتفال به .
على أنا أمرنا بتحسين الظن حتى لا تطلق الألسنة بالمطاعن ، فهذا فائدة تحسين الظن ، فأما أن يقال : نبتدر إلى إراقة الدماء وتحليل الفروج برواية كل هاجم على الرواية ، بناء على تحسين الظن ، فهذا لا يتخيله إلا خلو من التحصيل ، والله الموفق] ، انتهى كلام الجويني في هذه المسألة من البرهان 2/فقرة رقم 553 فما بعدها .
وفيه من الفوائد ما فيه .
أهمها أن الأصل عند الجويني أن المجهول مردود الرواية .
ومنها : أن الأصل في قبول الرواية هو ظهور العدالة ، لا عدم ظهور الفسق كما ذهب إليه بعض الفقهاء وبعض المحدثين .
وهكذا أقول : إنه إذا تفرد راو مجهول بخبر ، فخبره ضعيف في نفسه ، إلا أن يكون له متابعا معتبرا ، أو شاهدا معتبرا ، وليس كل متابع أو شاهد ينفع تقوية الخبر به ، وراجع في ذلك رابطا بعنوان : ليس كل ضعيف يتقوى بمجيئه من طرق أخرى .
تعليق