روى حماد بن سلمة ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إذا سمع أحدكم النداء ، والإناء على يده ، فلا يضعه حتى يقضي حاجته منـه )) أخرجه : أبو داود ( السنن : 2/761 ) حديث 2350 .
استدل بعضهم بهذا الحديث على إباحة أن يشرب من يريد الصيام وإن كان المؤذن يؤذن للفجر .
ولا يصح استدلالهم بهذا الحديث ، لأن فيه : علة متن ، وعلة سند .
[ 1 ] أما علة المتن : فهي أن راوي هذا الحديث قد تفرد بما هو مخالف للقرآن الكريم ، وأيضا بما هو مخالف لأحاديث أخرى أكثر عددا وأصح سندا منه .
1 = أما مخالفة الحديث المروي عن أبي هريرة للقرآن الكريم ، فقد قال تعالى {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر} البقرة/187 .
إن الآية تدل على إباحة الأكل والشرب لمن يريد الصيام حتى يتبين له الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ، وهو أول شعاع ضوء الشمس ، وهذا يعني أنه إذا تبين له هذا الخيط الأبيض حرم عليه الأكل والشرب .
ولا يستطيع الشخص في المدينة أن يتبين الخيط الأبيض بسبب أضواء المدينة ، فإنها تمنعه من رؤيته أول ظهوره ، ولا يمكن رؤية أول شعاع ضوء الفجر إلا في الصحراء ، أو إذا كانت أضواء المدينة مطفأة ، ثم لا بد أن يكون الشخص خبيرا بهذا الخيط الأبيض ، وكثير من أهل المدينة ليسوا خبراء بمواقيت الصلاة .
فلا بد أن نعتمد في هذه الحالة على أذان المؤذن للفجر ، لا سيما وأن الأصل أن يكون أذان المؤذن للفجر عند تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر .
وبناء عليه : فإن الشخص إذا سمع لفظة (الله أكبر) في أول أذان الفجر حرم عليه الأكل وشرب ، هذا ما يستفاد من الآية ، فإذا جاء حديث بعد ذلك يدل على جواز الأكل أو الشرب وإن تبين للشخص الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ، فلا بد أن يكون راوي الحديث قد أخطأ فيه ، ولا بد من رده لمخالفته للآية الكريمة .
ولذلك ذكر كثير من الفقهاء أنه لا يجوز الأكل أو الشرب أثناء أذان الفجر .
[وأذان الفجر هو الأذان الثاني عندنا في الأردن ، أما الأذان الأول فليس هو بأذان الفجر ، فيجوز الأكل والشرب أثناءه وبعده ، فإذا ابتدأ الأذان الثاني وجب على المتسحر التوقف عن الأكل والشرب ، فإن كان ثمة طعام في فمه وجب عليه لفظه ، وإن كان ثمة ماء في فمه وجب عليه مجه ، وضابط ذلك : أن ما كان من الطعام والماء بعد موضع مخرج حرف الخاء إلى جهة الفم وجب لفظه ومجه ، وما كان من الطعام والماء قبل مخرج الخاء إلى جهة البلعوم جاز بلعه ، فإن موضع مخرج الخاء هو الحد الفاصل بين الفم والجوف]
2 = وأما مخالفة الحديث المروي عن أبي هريرة للأحاديث الشريفة ، فقد رويت أحاديث صحيحة متعددة في الموضوع نفسه مخالفة له .
منها ما أخرجه البخاري بسنده عن القاسم بن محمد ، عن عائشة : أن بلالا كان يؤذن بليل ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( كلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم، فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر ) ، قال القاسم بن محمد : ولم يكن بين أذانـهما إلا أن يرقى ذا وينـزل ذا .
ومنها أيضا : حديث عبدالله بن عمر ، وحديث عبدالله بن مسعود ، وحديث سمرة بن جندب ، وحديث أنيسة بنت خبيب ، ومرسل محمد بن عبدالرحمن بن ثوبان ، وموقوف عبدالله بن عباس ، وأحاديث وجوب النية قبل الفجر .
ووجه مخالفة حديث أبي هريرة لحديث عائشة :
× أن في حديث عائشة : إباحة الأكل والشرب أثناء وبعد الأذان الأول الذي يرفعه (بلال) لأجل إيقاظ النائم ، وفيه أيضا : إباحة الأكل والشرب حتى يؤذن (ابن أم مكتوم) الأذان الثاني ، وابن أم مكتوم لا يؤذن الأذان الثاني حتى يطلع الفجر ، وفيه أيضا : تحريم الأكل والشرب عند أذان (ابن أم مكتوم) الأذان الثاني ، أي : عند طلوع الفجر ، فإذا سمع الشخص لفظة (الله أكبر) التي في أول أذان ابن أم مكتوم حرم عليه الأكل والشرب بنص حديث عائشة .
× بينما في حديث أبي هريرة : إباحة الشرب أثناء الأذان ، والظاهر أن المقصود الأذان الثاني .
فإذا علمنا أن حديث عائشة أقوى رجالا وأصح إسنادا من حديث أبي هريرة ، وأنه موافق لآية البقرة ، وهو موافق لأحاديث أخرى صحيحة متعددة ، وجب بعد ذلك ترجيح حديث عائشة ، والحكم على حديث أبي هريرة بأنه لا بد أن يكون ثمة غلط وقع فيه أحد رواته .
[ 2 ] أما علة السند : فهي أن الحديث في الأصل موقوف على أبي هريرة ، وقد أخطأ من رواه مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد بين هذه العلة : أبو حاتم الرازي ، وهو إمام ناقد .
فقد قال ابن أبي حاتم : سألت أبي عن حديث رواه : روح بن عبادة، عن حماد، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا سمع أحدكم النداء، والإناء على يده، فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه ) .
ورواه روح أيضا عن حماد ، عن عمار بن أبي عمار ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، مثله ، وزاد فيه : وكان المؤذن يؤذن إذا بزغ الفجر ؟
فقال أبو حاتم : هذان الحديثان ليسا بصحيحين ، أما حديث عمار فعن أبي هريرة موقوف ، وعمار ثقة ، والحديث الآخر ليس بصحيح ، انظر : ابن أبي حاتم الرازي ( العلل : 1/123-124 ) رقم 340 ، و ( العلل : 1/256-257 ) رقم 759 مكررا ..
1 = فهذا أبو حاتم الرازي يحكم على حديث أبي هريرة الذي رواه : [ حماد ، عن عمار بن أبي عمار ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ] بأنه معلول بالوقف ، أي : أن الراوي رواه مرفوعا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذا خطأ من الراوي ، والصواب أنه موقوف على أبي هريرة ، أي أنه من كلامه ، وليس من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم .
2 = ويحكم أبو حاتم الرازي على حديث أبي هريرة الذي رواه : [ حماد ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم] أنه ليس بصحيح .
فإن قيل : قد صحح الحديث : الحاكم في المستدرك 1/426 ، والسيوطي في الجامع الصغير ، والألباني في السلسلة الصحيحة برقم 1394 ؟
فنقول : الحاكم والسيوطي معروفان بتساهلهما في تصحيح الأحاديث .
أما الألباني فواضح أنه لم يطلع على ما اطلع عليه أبو حاتم الرازي من طرق الحديث، فلم يكتشف العلة التي اكتشفها أبو حاتم الرازي ، وهي أنه موقوف من كلام أبي هريرة، كما لم يكتشف الأمر الذي لأجله ضعف أبو حاتم الرواية الثانية .
ولا يملك الباحث الذي يعلم منـزلة أبي حاتم الرازي في علم الحديث إلا أن يرجح قوله في تضعيف وتعليل الحديث ، فإنه إمام ناقد ، وهو أعلم من هؤلاء بالحديث وطرقه ورجاله .
ويتأكد جميع ما سبق بأن حماد بن سلمة نفسه قد تفرد بهاتين الروايتين ، ولم يتابعه عليهما أحد ، وحماد بن سلمة وإن لم يكن ضعيفا بين الضعف ، لكنه أيضا ليس بذاك القوي المتقن ، وهو معروف بوقوع الخطأ في رواياته من جهة رفع الموقوفات ، ومن يراجع ترجمته يعرف منـزلته ، المزي ( تهذيب الكمال : 7/253 ) .
أرجو من الإخوة النصح والإرشاد إن كان ثمة خطأ .
وبوركتم .
استدل بعضهم بهذا الحديث على إباحة أن يشرب من يريد الصيام وإن كان المؤذن يؤذن للفجر .
ولا يصح استدلالهم بهذا الحديث ، لأن فيه : علة متن ، وعلة سند .
[ 1 ] أما علة المتن : فهي أن راوي هذا الحديث قد تفرد بما هو مخالف للقرآن الكريم ، وأيضا بما هو مخالف لأحاديث أخرى أكثر عددا وأصح سندا منه .
1 = أما مخالفة الحديث المروي عن أبي هريرة للقرآن الكريم ، فقد قال تعالى {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر} البقرة/187 .
إن الآية تدل على إباحة الأكل والشرب لمن يريد الصيام حتى يتبين له الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ، وهو أول شعاع ضوء الشمس ، وهذا يعني أنه إذا تبين له هذا الخيط الأبيض حرم عليه الأكل والشرب .
ولا يستطيع الشخص في المدينة أن يتبين الخيط الأبيض بسبب أضواء المدينة ، فإنها تمنعه من رؤيته أول ظهوره ، ولا يمكن رؤية أول شعاع ضوء الفجر إلا في الصحراء ، أو إذا كانت أضواء المدينة مطفأة ، ثم لا بد أن يكون الشخص خبيرا بهذا الخيط الأبيض ، وكثير من أهل المدينة ليسوا خبراء بمواقيت الصلاة .
فلا بد أن نعتمد في هذه الحالة على أذان المؤذن للفجر ، لا سيما وأن الأصل أن يكون أذان المؤذن للفجر عند تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر .
وبناء عليه : فإن الشخص إذا سمع لفظة (الله أكبر) في أول أذان الفجر حرم عليه الأكل وشرب ، هذا ما يستفاد من الآية ، فإذا جاء حديث بعد ذلك يدل على جواز الأكل أو الشرب وإن تبين للشخص الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ، فلا بد أن يكون راوي الحديث قد أخطأ فيه ، ولا بد من رده لمخالفته للآية الكريمة .
ولذلك ذكر كثير من الفقهاء أنه لا يجوز الأكل أو الشرب أثناء أذان الفجر .
[وأذان الفجر هو الأذان الثاني عندنا في الأردن ، أما الأذان الأول فليس هو بأذان الفجر ، فيجوز الأكل والشرب أثناءه وبعده ، فإذا ابتدأ الأذان الثاني وجب على المتسحر التوقف عن الأكل والشرب ، فإن كان ثمة طعام في فمه وجب عليه لفظه ، وإن كان ثمة ماء في فمه وجب عليه مجه ، وضابط ذلك : أن ما كان من الطعام والماء بعد موضع مخرج حرف الخاء إلى جهة الفم وجب لفظه ومجه ، وما كان من الطعام والماء قبل مخرج الخاء إلى جهة البلعوم جاز بلعه ، فإن موضع مخرج الخاء هو الحد الفاصل بين الفم والجوف]
2 = وأما مخالفة الحديث المروي عن أبي هريرة للأحاديث الشريفة ، فقد رويت أحاديث صحيحة متعددة في الموضوع نفسه مخالفة له .
منها ما أخرجه البخاري بسنده عن القاسم بن محمد ، عن عائشة : أن بلالا كان يؤذن بليل ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( كلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم، فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر ) ، قال القاسم بن محمد : ولم يكن بين أذانـهما إلا أن يرقى ذا وينـزل ذا .
ومنها أيضا : حديث عبدالله بن عمر ، وحديث عبدالله بن مسعود ، وحديث سمرة بن جندب ، وحديث أنيسة بنت خبيب ، ومرسل محمد بن عبدالرحمن بن ثوبان ، وموقوف عبدالله بن عباس ، وأحاديث وجوب النية قبل الفجر .
ووجه مخالفة حديث أبي هريرة لحديث عائشة :
× أن في حديث عائشة : إباحة الأكل والشرب أثناء وبعد الأذان الأول الذي يرفعه (بلال) لأجل إيقاظ النائم ، وفيه أيضا : إباحة الأكل والشرب حتى يؤذن (ابن أم مكتوم) الأذان الثاني ، وابن أم مكتوم لا يؤذن الأذان الثاني حتى يطلع الفجر ، وفيه أيضا : تحريم الأكل والشرب عند أذان (ابن أم مكتوم) الأذان الثاني ، أي : عند طلوع الفجر ، فإذا سمع الشخص لفظة (الله أكبر) التي في أول أذان ابن أم مكتوم حرم عليه الأكل والشرب بنص حديث عائشة .
× بينما في حديث أبي هريرة : إباحة الشرب أثناء الأذان ، والظاهر أن المقصود الأذان الثاني .
فإذا علمنا أن حديث عائشة أقوى رجالا وأصح إسنادا من حديث أبي هريرة ، وأنه موافق لآية البقرة ، وهو موافق لأحاديث أخرى صحيحة متعددة ، وجب بعد ذلك ترجيح حديث عائشة ، والحكم على حديث أبي هريرة بأنه لا بد أن يكون ثمة غلط وقع فيه أحد رواته .
[ 2 ] أما علة السند : فهي أن الحديث في الأصل موقوف على أبي هريرة ، وقد أخطأ من رواه مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد بين هذه العلة : أبو حاتم الرازي ، وهو إمام ناقد .
فقد قال ابن أبي حاتم : سألت أبي عن حديث رواه : روح بن عبادة، عن حماد، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا سمع أحدكم النداء، والإناء على يده، فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه ) .
ورواه روح أيضا عن حماد ، عن عمار بن أبي عمار ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، مثله ، وزاد فيه : وكان المؤذن يؤذن إذا بزغ الفجر ؟
فقال أبو حاتم : هذان الحديثان ليسا بصحيحين ، أما حديث عمار فعن أبي هريرة موقوف ، وعمار ثقة ، والحديث الآخر ليس بصحيح ، انظر : ابن أبي حاتم الرازي ( العلل : 1/123-124 ) رقم 340 ، و ( العلل : 1/256-257 ) رقم 759 مكررا ..
1 = فهذا أبو حاتم الرازي يحكم على حديث أبي هريرة الذي رواه : [ حماد ، عن عمار بن أبي عمار ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ] بأنه معلول بالوقف ، أي : أن الراوي رواه مرفوعا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذا خطأ من الراوي ، والصواب أنه موقوف على أبي هريرة ، أي أنه من كلامه ، وليس من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم .
2 = ويحكم أبو حاتم الرازي على حديث أبي هريرة الذي رواه : [ حماد ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم] أنه ليس بصحيح .
فإن قيل : قد صحح الحديث : الحاكم في المستدرك 1/426 ، والسيوطي في الجامع الصغير ، والألباني في السلسلة الصحيحة برقم 1394 ؟
فنقول : الحاكم والسيوطي معروفان بتساهلهما في تصحيح الأحاديث .
أما الألباني فواضح أنه لم يطلع على ما اطلع عليه أبو حاتم الرازي من طرق الحديث، فلم يكتشف العلة التي اكتشفها أبو حاتم الرازي ، وهي أنه موقوف من كلام أبي هريرة، كما لم يكتشف الأمر الذي لأجله ضعف أبو حاتم الرواية الثانية .
ولا يملك الباحث الذي يعلم منـزلة أبي حاتم الرازي في علم الحديث إلا أن يرجح قوله في تضعيف وتعليل الحديث ، فإنه إمام ناقد ، وهو أعلم من هؤلاء بالحديث وطرقه ورجاله .
ويتأكد جميع ما سبق بأن حماد بن سلمة نفسه قد تفرد بهاتين الروايتين ، ولم يتابعه عليهما أحد ، وحماد بن سلمة وإن لم يكن ضعيفا بين الضعف ، لكنه أيضا ليس بذاك القوي المتقن ، وهو معروف بوقوع الخطأ في رواياته من جهة رفع الموقوفات ، ومن يراجع ترجمته يعرف منـزلته ، المزي ( تهذيب الكمال : 7/253 ) .
أرجو من الإخوة النصح والإرشاد إن كان ثمة خطأ .
وبوركتم .
تعليق