الملم المغيث في علم الحديث [الجزء الأول]
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة:
هذا البحث بعون الله سوف يكون فريد في بيانه مع الإيجاز ما أمكن، وأن يكون شامل في مرماه، الغاية منه تبسيط وتوضيح الجانب التقعيدي في علم الحديث بصورة مبسطة تحقق مرام الصورة المعقدة ..
وسوف يكون مدخل مفيد جدا للجانب التطبيقي لعلوم الحديث، والغاية من هذا البحث الذي تحت عنوان "الملم المغيث في علم الحديث"، والذي سوف يكون بعون الله تعالى على شكل أجزاء، ليكون بمثابة إلغاء الإدعاء الباطل عند الوهابية بتفوقهم وتخصصهم في علم الحديث وأنهم ورثة المحدثين الأوائل ..
ومن باب آخر هو تثقيف وتوعية للقارئ الصوفي الأشعري والماتريدي، في هذا العلم الهام الذي يعتني بالسنة النبوية الشريفة التي هي شرح الكتاب الكريم، فمن ضل عنها ضل عن كتاب الله عز وجل والذي هو بدوره حبل الله المتين ونوره المبين وعصمة من تمسك به، ونجاة من تبعه ..
أخوكم بالله .العبد الفقير لمولاه المستغني عمن سواه،: حسام الدين الأيوبي النقشبندي الشاذلي [حجة الإسلام] ..
بسم الله الرحمن الرحيم
ينقسم الحديث إلى أربعة أقسام ثلاثة معمول بها، والرابع متروك والمعمول به هو: الصحيح والحسن والضعيف، والمردود المتروك هو: الموضوع ..
أولا: الحديث الصحيح:
وهو الذي اتصل سنده بنقل العدل الضابط إلى منتهاه، ولا يكون معتل ولا شاذ ..
1. اتصال السند: معناه أن يكون كل من رجال الحديث تلقاه عن شيخه من أول السند إلى منتهاه، أي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ..
ومن شروط صحة الحديث أن يكون ليس فيه عله أو شذوذ ولكن قبل النظر في سلامة الحديث الصحيح من الجرح، سوف ننظر في شروط الرواة الذين يجب أن يكونوا ثقاة والثقة هو من يتمتع بالعدالة والضبط بالنقل، أي الضابط العدل كما أسلفنا في تعريف الحديث الصحيح ..
2. العدالة: وهي سلامة الناقل من الفسق وما يعرف بخوارم المروة ..
فالراوي العدل هو المسلم البالغ العاقل المستقيم أو السالم من الفسق أو خرق الاستقامة..
والعدالة ركن هام في قبول الرواية لأنها الملكة التي تحمل صاحبها على تقبل رواية الكافر والصبي والمجنون والفاسق والسفيه، دون الأخذ بها مع الإنصات من باب التواضع وحسن الإذعان، وعدم التسفيه للراوي أيا كانت صفته، وهو جانب هام من الناحية الخلقي عند الراوي العدل ..
أي يسمع من الجميع، ولا يأخذ إلا ممن يعلم أنه يفوقه بالعدالة، أو يساويه بها على أقل تقدير ..
والفاسق أو الفسق، هو من ارتكب أو هو ارتكاب كبيرة من الكبائر كالقتل عمدا بغير نفس، والزنا وشرب الخمر، وشهادة الزور، وعقوق الوالدين, وقذف المحصنات، وأكل مال اليتيم، والربا إلى غير ذلك مما بينه الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم ..
أي ما ورد في الحديث المتفق على صحته:
عن أنس بن مالك رضي الله، قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الكبائر، أو سئل عن الكبائر، فقال : ( الشرك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين، فقال: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قال: قول الزور، أو قال: شهادة الزور )، قال شعبة: وأكثر ظني أنه قال : ( شهادة الزور )، رواه الشيخان البخاري في "صحيحة" [ج5/ص: 2230]، ومسلم في "صحيحة" [ج2/ص: 271/ر:257]، ورواه أبو داود في "سننه" [ج2/ص: 329/ر:3599]، ورواه الترمذي في "سننه" [ج4/ص: 475/ر:2301]، ورواه ابن ماجه في "سننه" [ج2/ص: 343/ر:2372]، ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج3/ص: 587/ر:11927]، وصححه الحاكم في "المستدرك" [ج4/ص: 110/ر:7043]، على شرط الشيخين، وصححه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:1195]، وخلاصة حكمه: [متفق عليه] ..
والفاسق أيضا هو من أصر على صغيرة أفضت إلى كبيرة، كالنظر إلى المحارم عمدا ودون استحياء، بحيث تصبح هذه الصغيرة مقدمة لكبيرة كفاحشة الزنا مثلا ..
ومنه نعرف أن الفاسق ليس بعدل فلا تقبل روايته ..
فالإصرار على الصغيرة إن تكرر، يؤدي لتدهور الورع، وعدم الاكتراث، بأوامر الله، وخرق الاستقامة، بأمور الدين أو الشريعة على أقل تقدير والتهاون في العبادات ..
ومما يخل بالعدالة أيضا أفعال الدناءة وخوارم المروءة : كالأكل في الطرقات ... واللعب بالطيور .. والضرب على الطنبور .. واللعب بالنرد .. وركوب البرزون بسرعة طائشة بين الناس مما يخلق الفزع وربما الضرر، فلا عدالة لمن ركب برزونا أو ما شابهه كالدراجة النارية والسيارة الرياضية، وتخبط بهم بين الناس، ومن خوارم المروءة قياسا أكل الطعام من معروض البائع دون سابق إذن أو الإكثار منه من باب التذوق وفحص السلعة، ويقاس على هذا المقاس الكثير من خوارم المروءة التي شاعت كعادات اجتماعية سيئة اعتادها العامة ..
وقد ورد بالأثر: ( ملعون من يلعب بالنرد ) ..
و ومن خوارم المروءة استراق النظر إلى العورات كما ورد بالأثر: ( لعن الله الناظر والمنظور إليه ) ..
ومما يخل بالعدالة أيضا، أن ينشغل المرء عن ذكر الله باللهو، أو أن يفوت صلاته باللعب كاللعب بالشطرنج، وكذلك عدم الوفاء بالوعد وعدم الثبات على العهد، وان يمشي بالسروال ليس عليه غيره [أي دون لباس داخلي، أو خارجي يستر ما يمكن أن يجسم العورة] .. وكذلك التبول في الطرقات، والتبول واقفا، والغناء على الملأ ..
ومن أعظم ما يخل ويسقط العدالة: سب السلف الصالح، والتابعين والأئمة رضوان الله عليهم أجمعين، إضافة لحملة القرآن من أهل العلم وحفاظ الحديث الشريف من أهل الدراية و الرواية ..
فقد ورد في شأن السلف في الصحيح التام:
عَنْ أبي سعيد الخدري رضِيَ اللَّهُ عَنْهُ, قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ : ( لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ )، رواه الشيخان في الصحيح، البخاري [3421و3673], ومسلم [2540]، ورواه أبو داود في "سننه" [4042و4658]، وصححه الألباني في "صحيح أبي داود" [4658]، ورواه الترمذي في "سننه" [3826]، وصححه الألباني في "صحيح الترمذي" [3861]، ورواه ابن ماجه في "سننه" [157]، وصححه الألباني في "صحيح ابن ماجه" [157]، وصححه الألباني في "صحيح ابن ماجه" [132]، ورواه النسائي في "السنن الكبرى" [7997]، ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [10870]، وصححه الألباني في "صحيح الجامع" [7310]، وخلاصة حكمه : [متفق عليه] ..
وفي شأن حملة القرآن من أهل العلم، في المتفق على صحته والمتواتر:
عن ذي النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال : ( خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ [وَفَضْلُ الْقُرْآنِ عَلَى سَائِرِ الْكَلامِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ مِنْهُ] )، رواه البخاري في "صحيحة" [ج4/ص: 1919/ر:4739]، ورواه أبو داود في "سننه" [ج1/ص: 460/ر:1452]، وصححه الألباني في "صحيح أبي داود" [ر:1452]، ورواه الترمذي في "سننه" [ج5/ص: 159/ر:2907]، وصححه الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:2907]، ورواه الدارمي في "سننه" [ج2/ص: 894/ر:3216]، ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج1/ص: 111/ر:502]، وصححه الشيخ شاكر في "مسند أحمد" [ج1/ص: 204]، صححه ابن حبان في "الثقات" [ج1/ص: 324/ر:118]، وصححه السيوطي في "الجامع الصغير" [ر:4111]، وصححه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:3319]، وقال أبو نعيم في "الحلية" [ج8/ص: 430] : صحيح ثابت متفق عليه [أي : بين العلماء]، وخلاصة حكمه : [متفق عليه] ..
عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة، ريحها طيب وطعمها طيب . ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كثل التمرة، لا ريح لها وطعمها حلو، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة، ريحها طيب وطعمها مر . ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة، ليس لها ريح وطعمها مر )، رواه الشيخان في الصحيح، البخاري [ج5/ص: 2070/ر:5111]، ومسلم [ج6/ص: 324/ر:1857]، ورواه أبو داود في "سننه" [ج2/ص: 674/ر:4829]، وصححه الألباني في "صحيح أبي داود" [ر:4829]، ورواه الترمذي في "سننه" [ج5/ص:138/ر:2865]، وصححه الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:2865]، ورواه النسائي في "سننه المجتبى" [ج8/ص: 499/ر:5053]، وصححه الألباني في "صحيح النسائي" [ر:5053]، ورواه ابن ماجه في "سننه" [ج1/ص: 121/ر:214]، وصححه الألباني في "صحيح ابن ماجه" [ر:178]، ورواه الدارمي في "سننه" [ج2/ص: 900/ر:3240]، ورواه الإمام احمد في "مسنده" [ج5/ص: 551/ر:19117]، وصححه ابن حبان في "صحيحة" [ج3/ص: 47/ر:770]، وصححه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:5839]، وخلاصة حكمه بإجماع أئمة الصحيح: [متفق عليه] ..
وورد في شأن المحدثين مثله ..
وقد تشدد بعضهم فأوقف الأخذ بالرواية عمن يرتكب بعض المباحات، كالتنزه بالطرقات والتبسط بالمداعبة والمزاح ..
وقد استشهد علماء الحديث بذلك على الأثر الموقوف على الإمام علي ابن أبي طالب كرم الله وجهه، وسبطه أبي عبد الله الحسين رضي الله عنه: ( مَنْ عَامَلَ النَّاسَ فَلَمْ يَظْلِمْهُمْ، وَحَدَّثَهُمْ فَلَمْ يَكْذِبْهُمْ، وَوَعَدَهُمْ فَلَمْ يُخْلِفْهُمْ، فَهُوَ مَنْ كَمُلَتْ مُرُوءَتُهُ، وَظَهَرَتْ عَدَالَتُهُ، وَوَجَبَتْ أُخُوَّتُهُ، وَحُرِّمَتْ غَيْبَتُهُ )، رواه أبو نعيم في "أخبار أصفهان" [ج2/ص: 271/ر:2231]، ورواه الخطيب البغدادي في "الكفاية" [ص: 208/ر:84]، وقد ضعفه مرفوعا الألباني في "السلسلة الضعيفة" [ر:3228] ..
وتثبت عدالة الراوي بالشهرة بين العدول من الناس واستفاضة الثناء عليه بالعدالة، أما أصحاب الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم، فكلهم رضي الله عنهم وأرضاهم، عدول ثقاة، فقد كانوا نبراس الهدى كهاديهم المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، وقدوة وأسوة حسنة ومثل أعلى للجميع، لمن جاء بعدهم، يكفيهم شهادة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لهم .. فيما وثقته أفعالهم على وجه الإشتهار، بإجماع الأمة: ( علماء حكماء، كادوا من فقههم، أن يكونوا أنبياء ) ..
ونجد أن ما يزكي الخبر المروي، هو تزكية الراوي فقد شهد رجل عند سيدنا عمر الفاروق رضي الله عنه بشهادة..
- فقال له الفاروق الأشهب: ( لست أعرفك ولا يضرك أن لا أعرفك، ائت بمن يعرفك ) ..
- فقال رجل من القوم: أنا أعرفه ..
- فقال الفاروق: ( فبأي شيء تعرفه ) ..
- قال: بالأمانة والعدل ..
- فقال: ( هو جارك الأدنى الذي تعرف ليله ونهاره، ومدخله ومخرجه ) ..
- فقال الرجل: لا ..
- فقال الفاروق: ( فعاملك بالدرهم والدينار، الذي بهما يستدل الورع ) ..
- قال: لا ..
- فقال الفاروق: ( فرفقك في السفر، الذي يستدل به على مكارم الأخلاق ) ..
- قال: لا ..
- فقال الفاروق: ( فلست تعرفه )، ثم قال للرجل : ( ائتني بمن يعرفك )، ورواه البيهقي في "سننه الكبرى" [ج15/ص: 116/ر:20982]، وصححه الألباني في "إرواء الغليل" [ر:2637]، وخلاصة حكمه: [صحيح] ..
ورواه ابن أبي الدنيا في "الصمت" [ج1/ص: 274]، بلفظ: أن عمر رأى رجلا يثني على رجل فقال: أسافرت معه ؟ قال : لا . قال: أخالطته قال: لا. قال : والله الذي لا إله إلا هو ما تعرفه . .
وروى الدينوري في "المجالسة" [ص: 708/ر:719]، عن عبد الله العمري قال : قال رجل لعمر إن فلانا رجل صدق فقال له هل سافرت معه ؟ قال : لا . قال : فهل كانت بينك وبينه معاملة ؟ قال : لا . قال فهل ائتمنتَه على شيء ؟
قال : لا . قال : فأنت الذي لا علم لك به أُراك رأيتَه يرفع رأسه ويخفضه في المسجد انتهى .. اهـ
ومن خوارم المروءة عدم الوفاء بالوعد والغبن في البيع والشراء والنزاع في الطرقات والمشاجرات، وإزعاج الجار ليلا، أو نهارا، وعدم حفظ الجوارح من المحرمات، والاختلاط مع غير المحارم مع إطلاق النظر وخرق حواجز الآدب، والمماطلة بالدين أو عدم الوفاء، وصرف المال بإسراف دون حساب في غير جانب الله، والاستهزاء بالناس وتتبع عيوبهم، أو ذكرها في غيبة أو على ملأ ..
وقد ميز العلماء المروءة بإعطاء المدح ما يستحسن وتجنب ما يسترذل، أي تجنب كل ما يحط من قدر الإنسان في العرف الاجتماعي المسلم المثالي ..
وقد عرف العلماء خوارم المروءة على أنها : ( صون النفس عن الأدناس، ورفعها عما يشين عند الناس ) ..
وقال آخرون فيها : ( هي سير المرء بسيرة أمثاله في زمانه ) ..
وقالوا أيضا في خوارم المروءة: ( آداب نفسانية تحمل مراعاتها الإنسان على الوقوف عند محاسن الأخلاق وجميل العادات ) ..
هذا والمقياس في تعديل الرواة عند المحدثين، أن من كان فضله أكثر من نقصه، وهب نقصه لفضله، فرجحت عنده كفة الفضل، وذلك بأن يكون صاحب علم شرعي معروف بالدقة وحسن العناية فيه، لكنه يغضب مع الندرة، فهو عدل محمول آخره أبدا على العدالة، ما لم يتبين جرحه بما قد يسترذل عنه ..
وشاهد ذلك بالعلم : قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ( يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُه،ُ يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الغاليين، وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ )، رواه البيهقي في "سننه الكبرى" [ج15/ص: 296/ر:21513]، ورواه القرطبي في "التمهيد" [ج1/ص: 59/ر:19]، ورواه الإمام أحمد في "لسان الميزان" [ج1/ص: 312]، وفي "تاريخ دمشق" [ج7/ص: 39]، بإسناد صحيح ..
وشاهد ذلك بالأخلاق :
عن جابر بن عبد الله الأنصاري، وأبو ثعلبة الخشني رضي الله عنهما، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا، وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ "، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عَلِمْنَا الثَّرْثَارُونَ، وَالْمُتَشَدِّقُونَ، فَمَا الْمُتَفَيْهِقُونَ ؟ قَالَ : "الْمُتَكَبِّرُونَ" )، رواه الترمذي في "سننه" [ج4/ص: 325/ر:2018]، وصححه الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:2017]، ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج5/ص: 215/ر:17278]، وصححه ابن حبان في "صحيحة" [ج12/ص: 368/ر:5557]، وصححه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:1535]، وقال في "صحيح الترغيب" [ر:2897]: صحيح لغيره، وحسنه في "الصحيحة" [ر:791]، وخلاصة حكمه: [حسن صحيح] ..
وفي الحديث الجامع:
عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: ( خَيْرُكُمْ إِسْلَامًا أَحَاسِنُكُمْ أَخْلَاقًا، إِذَا فَقِهُوا)، رواه البخاري في "الأدب المفرد" [ج1/ص: 93/ر:288]، بإسناد صحيح، وصححه الألباني في "صحيح الأدب" [ص: 218/ر:285]، ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج3/ص: 236/ر:9720]، بإسناد البخاري، وصححه الوادعي في "الصحيح المسند" [ر:1394]، وقال: رجاله رجال الصحيح، وصححه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:3312]، وقال في حكمه في "الصحيحة" [ر:1846]: إسناده صحيح، ورجاله رجال مسلم، وخلاصة حكمه: [صحيح] ..
فمن اشتهرت عدالته بين أهل العلم من المحدثين، أو غيرهم وشاع الثناء عليه بالعدالة وحسن الخلق، فلا يحتاج إلى تعديل المزكين، وهكذا فالعدالة ركن هام في قبول الرواية لأنها الملكة التي تحث صاحبها على التقوى، وتحجزه عن المعاصي ..
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة:
هذا البحث بعون الله سوف يكون فريد في بيانه مع الإيجاز ما أمكن، وأن يكون شامل في مرماه، الغاية منه تبسيط وتوضيح الجانب التقعيدي في علم الحديث بصورة مبسطة تحقق مرام الصورة المعقدة ..
وسوف يكون مدخل مفيد جدا للجانب التطبيقي لعلوم الحديث، والغاية من هذا البحث الذي تحت عنوان "الملم المغيث في علم الحديث"، والذي سوف يكون بعون الله تعالى على شكل أجزاء، ليكون بمثابة إلغاء الإدعاء الباطل عند الوهابية بتفوقهم وتخصصهم في علم الحديث وأنهم ورثة المحدثين الأوائل ..
ومن باب آخر هو تثقيف وتوعية للقارئ الصوفي الأشعري والماتريدي، في هذا العلم الهام الذي يعتني بالسنة النبوية الشريفة التي هي شرح الكتاب الكريم، فمن ضل عنها ضل عن كتاب الله عز وجل والذي هو بدوره حبل الله المتين ونوره المبين وعصمة من تمسك به، ونجاة من تبعه ..
أخوكم بالله .العبد الفقير لمولاه المستغني عمن سواه،: حسام الدين الأيوبي النقشبندي الشاذلي [حجة الإسلام] ..
بسم الله الرحمن الرحيم
ينقسم الحديث إلى أربعة أقسام ثلاثة معمول بها، والرابع متروك والمعمول به هو: الصحيح والحسن والضعيف، والمردود المتروك هو: الموضوع ..
أولا: الحديث الصحيح:
وهو الذي اتصل سنده بنقل العدل الضابط إلى منتهاه، ولا يكون معتل ولا شاذ ..
1. اتصال السند: معناه أن يكون كل من رجال الحديث تلقاه عن شيخه من أول السند إلى منتهاه، أي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ..
ومن شروط صحة الحديث أن يكون ليس فيه عله أو شذوذ ولكن قبل النظر في سلامة الحديث الصحيح من الجرح، سوف ننظر في شروط الرواة الذين يجب أن يكونوا ثقاة والثقة هو من يتمتع بالعدالة والضبط بالنقل، أي الضابط العدل كما أسلفنا في تعريف الحديث الصحيح ..
2. العدالة: وهي سلامة الناقل من الفسق وما يعرف بخوارم المروة ..
فالراوي العدل هو المسلم البالغ العاقل المستقيم أو السالم من الفسق أو خرق الاستقامة..
والعدالة ركن هام في قبول الرواية لأنها الملكة التي تحمل صاحبها على تقبل رواية الكافر والصبي والمجنون والفاسق والسفيه، دون الأخذ بها مع الإنصات من باب التواضع وحسن الإذعان، وعدم التسفيه للراوي أيا كانت صفته، وهو جانب هام من الناحية الخلقي عند الراوي العدل ..
أي يسمع من الجميع، ولا يأخذ إلا ممن يعلم أنه يفوقه بالعدالة، أو يساويه بها على أقل تقدير ..
والفاسق أو الفسق، هو من ارتكب أو هو ارتكاب كبيرة من الكبائر كالقتل عمدا بغير نفس، والزنا وشرب الخمر، وشهادة الزور، وعقوق الوالدين, وقذف المحصنات، وأكل مال اليتيم، والربا إلى غير ذلك مما بينه الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم ..
أي ما ورد في الحديث المتفق على صحته:
عن أنس بن مالك رضي الله، قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الكبائر، أو سئل عن الكبائر، فقال : ( الشرك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين، فقال: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قال: قول الزور، أو قال: شهادة الزور )، قال شعبة: وأكثر ظني أنه قال : ( شهادة الزور )، رواه الشيخان البخاري في "صحيحة" [ج5/ص: 2230]، ومسلم في "صحيحة" [ج2/ص: 271/ر:257]، ورواه أبو داود في "سننه" [ج2/ص: 329/ر:3599]، ورواه الترمذي في "سننه" [ج4/ص: 475/ر:2301]، ورواه ابن ماجه في "سننه" [ج2/ص: 343/ر:2372]، ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج3/ص: 587/ر:11927]، وصححه الحاكم في "المستدرك" [ج4/ص: 110/ر:7043]، على شرط الشيخين، وصححه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:1195]، وخلاصة حكمه: [متفق عليه] ..
والفاسق أيضا هو من أصر على صغيرة أفضت إلى كبيرة، كالنظر إلى المحارم عمدا ودون استحياء، بحيث تصبح هذه الصغيرة مقدمة لكبيرة كفاحشة الزنا مثلا ..
ومنه نعرف أن الفاسق ليس بعدل فلا تقبل روايته ..
فالإصرار على الصغيرة إن تكرر، يؤدي لتدهور الورع، وعدم الاكتراث، بأوامر الله، وخرق الاستقامة، بأمور الدين أو الشريعة على أقل تقدير والتهاون في العبادات ..
ومما يخل بالعدالة أيضا أفعال الدناءة وخوارم المروءة : كالأكل في الطرقات ... واللعب بالطيور .. والضرب على الطنبور .. واللعب بالنرد .. وركوب البرزون بسرعة طائشة بين الناس مما يخلق الفزع وربما الضرر، فلا عدالة لمن ركب برزونا أو ما شابهه كالدراجة النارية والسيارة الرياضية، وتخبط بهم بين الناس، ومن خوارم المروءة قياسا أكل الطعام من معروض البائع دون سابق إذن أو الإكثار منه من باب التذوق وفحص السلعة، ويقاس على هذا المقاس الكثير من خوارم المروءة التي شاعت كعادات اجتماعية سيئة اعتادها العامة ..
وقد ورد بالأثر: ( ملعون من يلعب بالنرد ) ..
و ومن خوارم المروءة استراق النظر إلى العورات كما ورد بالأثر: ( لعن الله الناظر والمنظور إليه ) ..
ومما يخل بالعدالة أيضا، أن ينشغل المرء عن ذكر الله باللهو، أو أن يفوت صلاته باللعب كاللعب بالشطرنج، وكذلك عدم الوفاء بالوعد وعدم الثبات على العهد، وان يمشي بالسروال ليس عليه غيره [أي دون لباس داخلي، أو خارجي يستر ما يمكن أن يجسم العورة] .. وكذلك التبول في الطرقات، والتبول واقفا، والغناء على الملأ ..
ومن أعظم ما يخل ويسقط العدالة: سب السلف الصالح، والتابعين والأئمة رضوان الله عليهم أجمعين، إضافة لحملة القرآن من أهل العلم وحفاظ الحديث الشريف من أهل الدراية و الرواية ..
فقد ورد في شأن السلف في الصحيح التام:
عَنْ أبي سعيد الخدري رضِيَ اللَّهُ عَنْهُ, قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ : ( لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ )، رواه الشيخان في الصحيح، البخاري [3421و3673], ومسلم [2540]، ورواه أبو داود في "سننه" [4042و4658]، وصححه الألباني في "صحيح أبي داود" [4658]، ورواه الترمذي في "سننه" [3826]، وصححه الألباني في "صحيح الترمذي" [3861]، ورواه ابن ماجه في "سننه" [157]، وصححه الألباني في "صحيح ابن ماجه" [157]، وصححه الألباني في "صحيح ابن ماجه" [132]، ورواه النسائي في "السنن الكبرى" [7997]، ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [10870]، وصححه الألباني في "صحيح الجامع" [7310]، وخلاصة حكمه : [متفق عليه] ..
وفي شأن حملة القرآن من أهل العلم، في المتفق على صحته والمتواتر:
عن ذي النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال : ( خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ [وَفَضْلُ الْقُرْآنِ عَلَى سَائِرِ الْكَلامِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ مِنْهُ] )، رواه البخاري في "صحيحة" [ج4/ص: 1919/ر:4739]، ورواه أبو داود في "سننه" [ج1/ص: 460/ر:1452]، وصححه الألباني في "صحيح أبي داود" [ر:1452]، ورواه الترمذي في "سننه" [ج5/ص: 159/ر:2907]، وصححه الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:2907]، ورواه الدارمي في "سننه" [ج2/ص: 894/ر:3216]، ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج1/ص: 111/ر:502]، وصححه الشيخ شاكر في "مسند أحمد" [ج1/ص: 204]، صححه ابن حبان في "الثقات" [ج1/ص: 324/ر:118]، وصححه السيوطي في "الجامع الصغير" [ر:4111]، وصححه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:3319]، وقال أبو نعيم في "الحلية" [ج8/ص: 430] : صحيح ثابت متفق عليه [أي : بين العلماء]، وخلاصة حكمه : [متفق عليه] ..
عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة، ريحها طيب وطعمها طيب . ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كثل التمرة، لا ريح لها وطعمها حلو، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة، ريحها طيب وطعمها مر . ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة، ليس لها ريح وطعمها مر )، رواه الشيخان في الصحيح، البخاري [ج5/ص: 2070/ر:5111]، ومسلم [ج6/ص: 324/ر:1857]، ورواه أبو داود في "سننه" [ج2/ص: 674/ر:4829]، وصححه الألباني في "صحيح أبي داود" [ر:4829]، ورواه الترمذي في "سننه" [ج5/ص:138/ر:2865]، وصححه الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:2865]، ورواه النسائي في "سننه المجتبى" [ج8/ص: 499/ر:5053]، وصححه الألباني في "صحيح النسائي" [ر:5053]، ورواه ابن ماجه في "سننه" [ج1/ص: 121/ر:214]، وصححه الألباني في "صحيح ابن ماجه" [ر:178]، ورواه الدارمي في "سننه" [ج2/ص: 900/ر:3240]، ورواه الإمام احمد في "مسنده" [ج5/ص: 551/ر:19117]، وصححه ابن حبان في "صحيحة" [ج3/ص: 47/ر:770]، وصححه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:5839]، وخلاصة حكمه بإجماع أئمة الصحيح: [متفق عليه] ..
وورد في شأن المحدثين مثله ..
وقد تشدد بعضهم فأوقف الأخذ بالرواية عمن يرتكب بعض المباحات، كالتنزه بالطرقات والتبسط بالمداعبة والمزاح ..
وقد استشهد علماء الحديث بذلك على الأثر الموقوف على الإمام علي ابن أبي طالب كرم الله وجهه، وسبطه أبي عبد الله الحسين رضي الله عنه: ( مَنْ عَامَلَ النَّاسَ فَلَمْ يَظْلِمْهُمْ، وَحَدَّثَهُمْ فَلَمْ يَكْذِبْهُمْ، وَوَعَدَهُمْ فَلَمْ يُخْلِفْهُمْ، فَهُوَ مَنْ كَمُلَتْ مُرُوءَتُهُ، وَظَهَرَتْ عَدَالَتُهُ، وَوَجَبَتْ أُخُوَّتُهُ، وَحُرِّمَتْ غَيْبَتُهُ )، رواه أبو نعيم في "أخبار أصفهان" [ج2/ص: 271/ر:2231]، ورواه الخطيب البغدادي في "الكفاية" [ص: 208/ر:84]، وقد ضعفه مرفوعا الألباني في "السلسلة الضعيفة" [ر:3228] ..
وتثبت عدالة الراوي بالشهرة بين العدول من الناس واستفاضة الثناء عليه بالعدالة، أما أصحاب الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم، فكلهم رضي الله عنهم وأرضاهم، عدول ثقاة، فقد كانوا نبراس الهدى كهاديهم المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، وقدوة وأسوة حسنة ومثل أعلى للجميع، لمن جاء بعدهم، يكفيهم شهادة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لهم .. فيما وثقته أفعالهم على وجه الإشتهار، بإجماع الأمة: ( علماء حكماء، كادوا من فقههم، أن يكونوا أنبياء ) ..
ونجد أن ما يزكي الخبر المروي، هو تزكية الراوي فقد شهد رجل عند سيدنا عمر الفاروق رضي الله عنه بشهادة..
- فقال له الفاروق الأشهب: ( لست أعرفك ولا يضرك أن لا أعرفك، ائت بمن يعرفك ) ..
- فقال رجل من القوم: أنا أعرفه ..
- فقال الفاروق: ( فبأي شيء تعرفه ) ..
- قال: بالأمانة والعدل ..
- فقال: ( هو جارك الأدنى الذي تعرف ليله ونهاره، ومدخله ومخرجه ) ..
- فقال الرجل: لا ..
- فقال الفاروق: ( فعاملك بالدرهم والدينار، الذي بهما يستدل الورع ) ..
- قال: لا ..
- فقال الفاروق: ( فرفقك في السفر، الذي يستدل به على مكارم الأخلاق ) ..
- قال: لا ..
- فقال الفاروق: ( فلست تعرفه )، ثم قال للرجل : ( ائتني بمن يعرفك )، ورواه البيهقي في "سننه الكبرى" [ج15/ص: 116/ر:20982]، وصححه الألباني في "إرواء الغليل" [ر:2637]، وخلاصة حكمه: [صحيح] ..
ورواه ابن أبي الدنيا في "الصمت" [ج1/ص: 274]، بلفظ: أن عمر رأى رجلا يثني على رجل فقال: أسافرت معه ؟ قال : لا . قال: أخالطته قال: لا. قال : والله الذي لا إله إلا هو ما تعرفه . .
وروى الدينوري في "المجالسة" [ص: 708/ر:719]، عن عبد الله العمري قال : قال رجل لعمر إن فلانا رجل صدق فقال له هل سافرت معه ؟ قال : لا . قال : فهل كانت بينك وبينه معاملة ؟ قال : لا . قال فهل ائتمنتَه على شيء ؟
قال : لا . قال : فأنت الذي لا علم لك به أُراك رأيتَه يرفع رأسه ويخفضه في المسجد انتهى .. اهـ
ومن خوارم المروءة عدم الوفاء بالوعد والغبن في البيع والشراء والنزاع في الطرقات والمشاجرات، وإزعاج الجار ليلا، أو نهارا، وعدم حفظ الجوارح من المحرمات، والاختلاط مع غير المحارم مع إطلاق النظر وخرق حواجز الآدب، والمماطلة بالدين أو عدم الوفاء، وصرف المال بإسراف دون حساب في غير جانب الله، والاستهزاء بالناس وتتبع عيوبهم، أو ذكرها في غيبة أو على ملأ ..
وقد ميز العلماء المروءة بإعطاء المدح ما يستحسن وتجنب ما يسترذل، أي تجنب كل ما يحط من قدر الإنسان في العرف الاجتماعي المسلم المثالي ..
وقد عرف العلماء خوارم المروءة على أنها : ( صون النفس عن الأدناس، ورفعها عما يشين عند الناس ) ..
وقال آخرون فيها : ( هي سير المرء بسيرة أمثاله في زمانه ) ..
وقالوا أيضا في خوارم المروءة: ( آداب نفسانية تحمل مراعاتها الإنسان على الوقوف عند محاسن الأخلاق وجميل العادات ) ..
هذا والمقياس في تعديل الرواة عند المحدثين، أن من كان فضله أكثر من نقصه، وهب نقصه لفضله، فرجحت عنده كفة الفضل، وذلك بأن يكون صاحب علم شرعي معروف بالدقة وحسن العناية فيه، لكنه يغضب مع الندرة، فهو عدل محمول آخره أبدا على العدالة، ما لم يتبين جرحه بما قد يسترذل عنه ..
وشاهد ذلك بالعلم : قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ( يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُه،ُ يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الغاليين، وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ )، رواه البيهقي في "سننه الكبرى" [ج15/ص: 296/ر:21513]، ورواه القرطبي في "التمهيد" [ج1/ص: 59/ر:19]، ورواه الإمام أحمد في "لسان الميزان" [ج1/ص: 312]، وفي "تاريخ دمشق" [ج7/ص: 39]، بإسناد صحيح ..
وشاهد ذلك بالأخلاق :
عن جابر بن عبد الله الأنصاري، وأبو ثعلبة الخشني رضي الله عنهما، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا، وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ "، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عَلِمْنَا الثَّرْثَارُونَ، وَالْمُتَشَدِّقُونَ، فَمَا الْمُتَفَيْهِقُونَ ؟ قَالَ : "الْمُتَكَبِّرُونَ" )، رواه الترمذي في "سننه" [ج4/ص: 325/ر:2018]، وصححه الألباني في "صحيح الترمذي" [ر:2017]، ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج5/ص: 215/ر:17278]، وصححه ابن حبان في "صحيحة" [ج12/ص: 368/ر:5557]، وصححه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:1535]، وقال في "صحيح الترغيب" [ر:2897]: صحيح لغيره، وحسنه في "الصحيحة" [ر:791]، وخلاصة حكمه: [حسن صحيح] ..
وفي الحديث الجامع:
عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: ( خَيْرُكُمْ إِسْلَامًا أَحَاسِنُكُمْ أَخْلَاقًا، إِذَا فَقِهُوا)، رواه البخاري في "الأدب المفرد" [ج1/ص: 93/ر:288]، بإسناد صحيح، وصححه الألباني في "صحيح الأدب" [ص: 218/ر:285]، ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج3/ص: 236/ر:9720]، بإسناد البخاري، وصححه الوادعي في "الصحيح المسند" [ر:1394]، وقال: رجاله رجال الصحيح، وصححه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:3312]، وقال في حكمه في "الصحيحة" [ر:1846]: إسناده صحيح، ورجاله رجال مسلم، وخلاصة حكمه: [صحيح] ..
فمن اشتهرت عدالته بين أهل العلم من المحدثين، أو غيرهم وشاع الثناء عليه بالعدالة وحسن الخلق، فلا يحتاج إلى تعديل المزكين، وهكذا فالعدالة ركن هام في قبول الرواية لأنها الملكة التي تحث صاحبها على التقوى، وتحجزه عن المعاصي ..
تعليق