الملم المغيث في علم الحديث [الجزء الثالث]

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • حسام الدين رامي نقشبند
    طالب علم
    • Apr 2011
    • 231

    #1

    الملم المغيث في علم الحديث [الجزء الثالث]

    الملم المغيث في علم الحديث [الجزء الثالث]
    بسم الله الرحمن الرحيم

    2.الضعيف الموصول:

    كنا قد بينا بالقسم الأول من الأحاديث الضعيفة مما كان انقطاع السند فيه سببا في ضعفها، وسوف نبين بعون الله في هذا القسم أنواع الضعيف الموصول السند والتي يندرج تحتها في هذا القسم سبعة أقسام، هي:
    1. الحديث المضعف ..
    2. الحديث المضطرب ..
    3. الحديث المقلوب ..
    4. الحديث الشاذ ..
    5. الحديث المنكر ..
    6. الحديث المتروك
    7. الحديث المطروح ..
  • حسام الدين رامي نقشبند
    طالب علم
    • Apr 2011
    • 231

    #2
    .الحديث المضعف: وهو الذي لم يجمع المحدثين على ضعفه بل اختلفوا بذلك بين التقوية والتضعيف، وفق مضمون الفائدة فيه، وضرورة الحاجة لهذه الفائدة، وهو يختلف عن "الحديث المضطرب" أو المضرب الصحة، الذي سوف نتناوله بعد هذا النوع، أن هذا الأخير المرجح فيه هو الصحة، ويصح بغيره، أما المضعف فالمرجح به الضعف، ويحسن بغيره ..

    أسباب التضعيف: ويكون ذلك بأحد سببين إما بسبب السند وإما المتن ..
    والتضعيف في السند يتشكل حين يكون راوي الحديث مجروح الحالة، ولذلك ضعفه بعض العلماء وخاصة المتأخرين من علماء التقد والتجريح، على حين لم يعتد الآخرون بجرح ذلك الراوي، ووجد من قام بتقوية هذا النوع من الحديث ..

    قال الحافظ السخاوي رحمه الله في آخر بحثه بالحديث الضعيف: ( تتمة أفرد ابن الجزري عن هذا نوعا آخر سماه المضعف، وهو الذي لم يجمع على ضعفه، بل فيه إما في المتن أو في السند تضعيف لبعض أهل الحديث وتقوية لآخرين، وهو أعلى مرتبة من الضعف المجمع عليه انتهى ومحل هذا إذا كان التضعيف هو الراجح أو لم يترجح شيء وإلا فيوجد في كتب ملتزمي الصحة حتى البخاري مما يكون من هذا القبيل أشياء )؛ ورد في "الغاية" للسخاوي [ج1/ص: 155] ..
    ويقول القسطلاني وهو من أهم شراح البخاري، في الحديث المضعف: ( والمضعف ما لم يجمع على ضعفه بل في متنه أو سنده تضعيف لبعضهم، وتقوية للبعض الأخر وهو أعلى من الضعيف وفى البخاري منه )، ورد في "إرشاد الساري" للقسطلاني [ج1/ص: 14] ..
    وقد تتبع الدارقطني في "صحيح البخاري"، فوجد من المضعف والمعلل، نحو ثلاثمائة وأحد عشر حديث من هذا النوع، وما هو أضعف منه، وهو يعني أن كثير من المتأخرين غالوا بالنقد والتجريح، حتى بلغ نقدهم، حديث البخاري، الذي أستخرجه واستخلصه وانتخبه من صحيح، يعلم صحته أيضا! ..


    ومثال الحديث المضعف:

    عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلام، قَالَ: ( قِيلُوا، فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لا تَقِيلُ )؛اهـ

    ضعفه ابن حبان في "المجروحين" [ج2/ص: 158]، وقال برواية الذهبي: [فيه عباد بن كثير الكاهلي حذر منه الثوري وقال ابن معين ليس بشيء في الحديث]..
    وضعفه ابن القيسراني في "تذكرة الحفاظ" [ص: 227]، وفي "معرفة التذكرة" [ص: 171]، وقال برواية الذهبي: [فيه عباد بن كثير الكاهلي هو متروك الحديث] ..
    وضعفه ابن حجر في "فتح الباري" [ج11/ص: 72]، وقال برواية الطبراني: [في إسناده كثير بن مروان وهو متروك]..
    لذا نجد أن ثلاثة من الحفاظ أجمعوا على جرحه فيصبح بذلك حديث ضعيف وليس مضعف، أما ما يجعله مضعف، أن ثلاثة حفاظ حسنوا سنده وحالته، وهم:
    السيوطي حسنه في "الجامع الصغير" [ر:6168]، ووافقه بهذا التحسين الألباني في "صحيح الجامع" [ر:4431] ..
    وحسنه الألباني أيضا في "السلسلة الصحيحة" [ر:1647]، وقال: [إسناده حسن رجاله ثقات] ..
    وقد اعتمد الألباني بتحسينه على طريقي رواية غير رواية ابن حبان، والحافظ الذهبي، وهي لأبو نعيم عن طريق أبو داود الطيالسي:
    حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِي [ثقة حافظ غلط في أحاديث]، ثنا عِمْرَانُ الْقَطَّانُ [صدوق يهم]، عَنْ قَتَادَةَ [ثقة ثبت مشهور بالتدليس]، عَنْ أَنَسٍ بن مالك رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ : ( قِيلُوا فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لا تَقِيلُ )، رواه أبو نعيم في "أخبار أصفهان" [ج1/ص: 416/ر:1208] ..
    فنجد الطيالسي وقتادة ثقات من رجال مسلم، أما القطان فهو صدوق يهم بأن يكون ثقة، وفق رأي الحافظ ابن حجر، والإمام البخاري ووصفه بالصدوق أيضا، كل من الذهبي والحاكم، والساجي، ووثقه كل من الجيلي، والصفار، وقال فيه أبو داود السجستاني: من أصحاب الحسن، وما سمعت إلا خيرا؛اهـ
    وهناك طريق رواية للطبراني في "الأوسط" [ج1/ص: 45/ر:28]، حسنها الصعدي في "النوافح العطرة" [ص: 229] ..
    بناء على ما تقدم فإن الحديث أعلاه موضع النظر يرتقي من الحديث الضعيف إلى المضعف وهو المقبول الذي يحتج به، ما لم يكن غيره في الباب، أو خلاف متنه، متون أصح رواية ودراية، أو من فئة الضعيف المعتبر به ..
    وسبب تحسينه هو واقعية المتن، لما ثبت من فائدة عملية للقيلولة من منع للنوم بعد العصر والإعانة على الصحو حتى صلاة العشاء ومن ثم قيام الليل، بعد النوم قليلا بعد العشاء، فقيام الليل شرف المؤمن، وفق ما ورد في بعض الآثار ..

    حكم الحديث المضعف: أنه أقرب إلى الحديث المقبول أو ما قارب الصحيح، لا سيما وقد وجد من قواه من المحدثين، لذا اعتبره العلماء من أعلى مراتب الحديث الضعيف، ويرتقي إلى مرتبة الحسن لغيره، إن كان له موافقات تامة الصحة ..
    وأكثر من يقوي هذا النوع المعتبر به من الضعيف هم الفقهاء المحدثين، أمثال الإمام أحمد، والمحدثين الفقهاء، أمثال أبو داود ..

    تعليق

    • حسام الدين رامي نقشبند
      طالب علم
      • Apr 2011
      • 231

      #3
      2.الحديث المضطرب: المضطرب لغة مأخوذة من الاضطراب وهو الاختلاف والحديث المضطرب هو الذي يروى من وجوه مختلفة متساوية في القوة بحيث لا يمكن ترجيح وجه على آخر، والمضطرب الصحة، هو الذي يرجح به الصحة على الضعف ..
      يقول ابن الصلاح: ( المضطرب من الحديث؛ هو الذي تختلف الرواية فيه، فيرويه بعضهم على وجه، وبعضهم على وجه آخر مخالف له، وإنما نسميه مضطربا إذا تساوت الروايتان )، ورد في "علوم الحديث" لابن الصلاح [ص: 269] ..
      وقال أبو داود السجستاني: ( الاختلاف عندنا، ما تفرد قوم على شيء، وقوم على شيء )، ورد في "تهذيب الكمال" للمزي [ج26/ص: 431] ..
      وقال شيخ الحافظ [ابن حجر العسقلاني]، وهو الحافظ العراقي: ( إن الحديث المضطرب، إنما تتساقط الروايات، إذا تساوت وجوه الاضطراب )، ورد في "طرح التثريب" [ج2/ص: 130]، وفي "التذكرة والتبصر" [ج1/ص: 240]، وهما للحافظ العراقي ..

      ومعنى تساوي وجوه اضطراب الروايات عند المحدثين، هو أن تتعارض الوجوه المقتضية للترجيح، كما بين ذلك الحافظ العراقي في "التقييد والإيضاح" [ص: 104]، وصدقه على ذلك تلميذه الحافظ العسقلاني في "فتح الباري" [ج13/ص: 11] ..
      والترجيح هو: تقوية إحدى الروايتين على الأخرى، بمرجح معتمد، كما بين ذلك ابن النجار في "المختبر المبتكر" [ج4/ص: 282] ..
      ويكون الترجيح في الروايات التي تتعارض ولا يمكن الجمع بينها، كما يبن ذلك الباجي في "الإشارة" [ص: 303] ..
      ويزول الاختلاف بين الروايات بالجمع بينها، من خلال إيجاد رابط يزيل الاختلاف، لأن الترجيح يلجأ إليه عند تعذر الجمع بين الروايات المختلفة، براوي ثقة ثبت، يكون رابط مشترك بين الروايات ..
      وعند المحدثين الجمع أولى إذا أمكن، كما بين ذلك القرطبي في "المفهم" [ج3/ص: 280]، والحافظ ابن حجر العسقلاني في "الفتح" [ج3/ص: 100]، وفي "التلخيص" [ج3/ص: 207] ..
      لأن الجمع برابط مشترك في الروايات يزيل الاختلاف، ويستعاض به عن الترجيح، أما إن كان هناك صعوبة أو استحالة للجمع بين الروايات أصولا، فيبقى الخيار بالترجيح، عندها يعمل بالرواية المرجحة، وإلا فيغلب على الحديث الضعف، فيكون مضطرب مضعف؛ وليس مضطرب الصحة؛اهـ

      مواضع الاضطراب: قد يقع الاضطراب في السند وقد يقع في المتن، أو بالسند والمتن معا، ومن الأمثلة على الاضطراب في السند:
      حديث زبد بن الأرقم رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أنه قال: ( إن هذه الحشوش محتضرة، فإذا أتى أحدكم الخلاء فليقل: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث )، رواه أبو داود في "سننه" [ج1/ص: 49/ر:6]، صححه الألباني في "صحيح أبي داود" [ر:6]، ورواه ابن ماجه في "سننه" [ج1/ص: 154/ر:296]، صححه الألباني في "صحيح ابن ماجه" [ر:244]، ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج5/ص: 496/ر:18800]، وصححه ابن حبان في "صحيحة" [ج4/ص: 255/ر:1408]، وابن خزيمة في "صحيحة" [ج1/ص: 38/ر:69]، وصححه الحاكم في "المستدرك" [ج1/ص: 297/ر:668]، على شرط مسلم، وصححه السيوطي في "الجامع الصغير" [ر:9581]، ووافقه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:2263]، وقال في "الصحيحة" [ر:1070]: إسناده صحيح على شرط الشيخين، وقال: البزار في "البحر الزخار" [ج10/ص: 223]: [فيه اختلاف]، وقال ابن القطان في "الوهم والإيهام" [ج5/ص: 432]: اختلف في إسناده، والذي أسنده ثقة، وخلاصة حكمه: [مضطرب الصحة، يرجح قبوله بالصحاح] ..

      جرحه وأعله ابن حبان في "المجروحين" [ج1/ص: 170]، وابن عدي في "الكامل" [ج1/ص: 336]، وابن القيسراني في "التذكرة" [ج1/ص: 130]، وأجمعوا على أن أحمد بن العباس الهاشمي، لا يحل الاحتجاج به أو بروايته ..

      ثم عاد ابن حبان ورجحه في "الثقات" بوجه رواية أخرى، قام بذلك أيضا ابن خزيمة في "التوحيد"، والنووي في "الخلاصة" [ج1/ص: 149]؛ والعسقلاني في "مشكاة المصابيح" [ج1/ص: 205]؛ والحاكم في "المستدرك"، والسيوطي "الجامع" [ر:9581]، والألباني في صحاحه المذكورة في سياق التخريج المرفقة بالحديث أعلاه ..

      والوجه الثاني لاضطراب هذا السند: أنه اختلف فيه التسلسل والتفرع الوارد عن قتادة فقد رواه شعبة عن قتادة ورواه معمر عن قتادة، ورواه سعيد بن أبي عروبة عنه أيضا، فكلهم رواه عن قتادة عن النضر عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ورواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن القاسم بن عوف الشيباني عن زيد بن الأرقم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فهذا الاختلاف بالسند يشعر بعدم الضبط، فاقتضى الحكم بالاضطراب والضعف ..

      ويوجد اضطراب آخر للسند برواية الصحابة، ومثال ذلك:

      عَنْ عَمْرٍو بن أبي عمرو [صدوق يهم]، عَنْ الْمُطَّلِبِ [صدوق كثير التدليس والإرسال]، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ، يَقُولُ: ( صَيْدُ الْبَرِّ لَكُمْ حَلَالٌ مَا لَمْ تَصِيدُوهُ أَوْ يُصَدْ لَكُمْ )، رواه أبو داود في "سننه" [ج1/ص: 572/ر:1851]، ضعفه الألباني في "ضعيف أبي داود" [ر:1851]، ورواه الترمذي في "سننه" [ج3/ص: 203/ر:846]، قال أبو عيس: [لا يعرف للمطلب سماع من جابر ، وعمرو ضعيف]، ضعفه الألباني في "ضعيف الترمذي" [ر:846]، ورواه النسائي في "سننه المجتبى" [ج5/ص: 205/ر:2827]، وقال: [فيه عمرو بن أبي عمرو ليس بالقوي في الحديث]، ضعفه الألباني في "ضعيف النسائي" [ر:2827]، ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج4/ص: 335/ر:14478]، وصححه ابن خزيمة في "صحيحة" [ج4/ص: 180/ر:2641]، وصححه الحاكم في "المستدرك" [ج1/ص: 649/ر:1748]، على شرط الشيخين، وصححه السيوطي في "الجامع الصغير" [ر:7235]، وضعفه الألباني في "صحيح الجامع" [ر:4666]، وخلاصة حكمه: [مضطرب السند]..

      ورغم أن الإمام الشافعي رجح العمل به كفقيه من ناحية الصحة المتن، حيث قال رحمه الله تعالى في "شرح العمدة" [ج2/ص: 162]: (أحسن حديث في هذا الباب وأقيس)؛اهـ

      إلا أنه عند المحدثين مضطرب السند، لأن عمرو بن أبي عمرو المدني، رواه فاضطرب فيه، فرواه مرة عن المطلب عن جابر، وأخرى عن المطلب عن أبي موسى الأشعري مرفوعا، وفق تخريج الطحاوي في "المعاني" [ج2/ص: 171]، ومرة رواه عن رجل من بني سلمة عن جابر مرفوعا، وفق تخريج الإمام الشافعي في "الأم" [ج5/ص: 398/ر:6759] ..

      وقد أعله باضطراب السند من الحفاظ المحققين كل من الغماري في "الهداية" [ج5/ص: 323]، وابن التركماني في "الجواهر" [ج5/ص: 191] ..

      ومن الأمثلة على الاضطراب بالمتن ما ورد في حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها أنها قالت: سئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الزكاة، فقال: ( إن في المال لحقا سوى الزكاة )؛ رواه الترمذي في "سننه" [ج3/ص: 48/ر:659] ..
      والرواية الأخرى: (إن في المال حقا سوى الزكاة )؛ وكامل المتن:
      عن فاطمة بنت قيس قالت: سألتُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وآله وسلَّمَ أو قالت: سُئِل عن هذه الآيةِ: {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ}، قال : ( إنَّ في هذا المالِ حقًّا سِوَى الزكاة )، وتلا هذه الآية : { لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ}؛ رواه الترمذي في "سننه" [ج3/ص: 48/ر:660]؛ وأعل سنده بما أعله به القاضي البيهقي الذي قال عنه في "سننه الكبرى" [ج4/ص: 84]: فيه أبو حمزة ميمون الأعور مجروح كما قاله أحمد بن حنبل ويحيى بن معين ..

      فهذا الاختلاف الظاهر في المتن، مع علة السند أورد ضعفا في الحديث واضطرابا لا يحتمل التأويل بين الخيار الذي يحتاج البيان الذي يحدد مواطن هذا الحق، والحق الثابت ..

      ومثال آخر على اضطراب المتن:
      حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عن ابْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ بن عبد الله رضي الله عنه، قَالَ : ( حَجَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَنَا النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ، فَلَبَّيْنَا عَنِ الصِّبْيَانِ وَرَمَيْنَا عَنْهُمْ )، رواه ابن ماجه في "سننه" [ج3/ص: 67/ر:3038]، ضعفه الألباني في "ضعيف ابن ماجه" [ر:594]، ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج4/ص: 254/ر:13961]، وقال ابن الملقن في "خلاصة البدر" [ج2/ص: 29]: [مضطرب المتن وضعيف] ..

      والرواية الثانية:

      حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيل الْوَاسِطِيُّ، قَال: سَمِعْتُ ابْنَ نُمَيْرٍ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ سَوَّارٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: ( كُنَّا إِذَا حَجَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكُنَّا نُلَبِّي عَنِ النِّسَاءِ وَنَرْمِي عَنِ الصِّبْيَانِ )، رواه رواه الترمذي في "سننه" [ج3/ص: 266/ر:927]، وقال: حديث غريب، وضعفه الألباني في "ضعيف الترمذي" [ر:927]، وخلاصة حكمه: [مضطرب المتن وضعيف] ..

      إلا أن الرواية الأولى والتي فيها : (التلبية والرمي عن الصبيان )، هي الصواب بالمتن عند الحافظ الذهبي في "ميزان الاعتدال" [ج3/ص: 482]، وعند الحافظ ابن حجر العسقلاني في"تهذيب التهذيب" [ج9/ص: 57]..

      والرواية الثانية والتي تنص على: ( التلبية للنساء والرمي عن الصبيان )، هي خطأ ومغلوطة المتن، عند الحافظ العراقي شيخ الحافظ ابن حجر كما ورد في "التقييد والإيضاح" [ص: 381]، وعند الحافظ الذهبي في "تهذيب التهذيب" لابن حجر [ج9/ص: 57] ..

      لذلك ترجح الأولى بموافقة الفقهاء ..

      والمثال على الإضراب المزدوج بالسند والمتن:
      حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، حَدَّثَهُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ رضي الله عنه: ( أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّهُمْ تَمَسَّحُوا وَهُمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصَّعِيدِ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ، فَضَرَبُوا بِأَكُفِّهِمُ الصَّعِيدَ ثُمَّ مَسَحُوا وُجُوهَهُمْ مَسْحَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ عَادُوا فَضَرَبُوا بِأَكُفِّهِمُ الصَّعِيدَ مَرَّةً أُخْرَى فَمَسَحُوا بِأَيْدِيهِمْ كُلِّهَا إِلَى الْمَنَاكِبِ وَالْآبَاطِ مِنْ بُطُونِ أَيْدِيهِمْ )، رواه أبو داود في "سننه" [ج2/ص: 138/ر:318]، صححه الألباني في "صحيح أبي داود" [ر:318]، ورواه ابن ماجه في "سننه" [ج1/ص: 239/ر:571]، صححه الألباني في "صحيح ابن ماجه" [ر:469]، وقال الألباني في "تخريج المصابيح" [ر:536]: إسناده صحيح؛ وخلاصة حكمه: [صحيح] ..

      ورغم صحة إسناده وفق تحقيق المحدث الألباني، إلا أن فيه اضطراب بالسند والمتن معا ..
      ففيه انقطاع بين عبيد الله وعمار، وقد أجمع على ذلك كل من الزيلعي في "نصب الراية" [ج1/ص: 155]، والعظيم آبادي في "غاية المقصود" [ج3/ص: 161]، وابن عبد الهادي تلميذ الحافظ ابن تيمية في "تنقيح التعليق" [ج1/ص: 216]، وأضاف آبادي، عن اضطرابه أنه اختلفوا في بالزهري:
      فمرة رواه الزهري عن عبيد الله عن عمار، والثانية أضاف أبا عبيد الله وهو عبد الله بن عتبة، قبل عمار ..


      الرواية الثالثة:

      قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرَّسَ بِأُوَلَاتِ الْجَيْشِ وَمَعَهُ عَائِشَةُ زَوْجَتُهُ، فَانْقَطَعَ عِقْدٌ لَهَا مِنْ جَزْعِ ظَفَارِ، فَحُبِسَ النَّاسُ ابْتِغَاءَ عِقْدِهَا وَذَلِكَ حَتَّى أَضَاءَ الْفَجْرُ ، وَلَيْسَ مَعَ النَّاسِ مَاءٌ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُخْصَةَ التَّطَهُّرِ بِالصَّعِيدِ الطَّيِّبِ، فَقَامَ الْمُسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ( فَضَرَبُوا بِأَيْدِيهِمْ الْأَرْضَ، ثُمَّ رَفَعُوا أَيْدِيَهُمْ، وَلَمْ يَقْبِضُوا مِنَ التُّرَابِ شَيْئًا فَمَسَحُوا بِهَا وُجُوهَهُمْ وَأَيْدِيَهُمْ إِلَى الْمَنَاكِبِ، وَمِنْ بُطُونِ أَيْدِيهِمْ إِلَى الْآبَاطِ ، وَلَا يَغْتَرُّ بِهَذَا النَّاسُ )، رواه أبو داود في "سننه" [ج1/ص: 139/ر:320]، صححه الألباني في "صحيح أبي داود" [ر:320]، ورواه النسائي في "سننه المجتبى" [ج1/ص: 182/ر:313]، صححه الألباني في "صحيح النسائي" [ر:313]، ورواه الإمام أحمد في "مسنده" [ج5/ص: 327/ر:17858]، وخلاصة حكمه: [صحيح] ..

      قال أبو داود السجستاني في "سننه" [ج1/ص: 139]: اضطرب ابن عيينة فيه وفي سماعه من الزهري ولم يذكر أحد الضربتين إلا ابن إسحاق ويونس ومعمر ..

      واضطراب المتن بين الرواية الأولى والثاني بضرب الأيدي، ففي الرواية الأولى مرتين: ( فَضَرَبُوا بِأَكُفِّهِمُ الصَّعِيدَ..... ثُمَّ عَادُوا فَضَرَبُوا بِأَكُفِّهِمُ الصَّعِيدَ مَرَّةً أُخْرَى ... )؛اهـ
      وفي الرواية الثانية ضرب الأيدي مرة واحدة: ( فَضَرَبُوا بِأَيْدِيهِمْ الْأَرْضَ، ثُمَّ رَفَعُوا أَيْدِيَهُمْ.... )؛اهـ

      حكم الحديث المضطرب: الاضطراب يوجب ضعف الحديث إلا إذا ترجحت إحدى رواياته، بأن كان الراوي أحفظ وأكثر صحبة للمروي عنه، أو أمكن الجمع بين روايات المتن، بحيث أن المتكلم عبر بلفظين أو أكثر عن معنى واحد، عندها ترجح الصحة على الضعف ..
      أما إذا لم يمكن الجمع فلاضطراب واقع محقق ..
      انظر في "التلخيص الحبير" لابن حجر [ج2/216]، و"شرح الإلمام" لابن دقيق [ج1/ص: 387]، و"ميزان الاعتدال" للذهبي [ج1/ص: 534]، و"الأجوبة المرضية" للسخاوي [ج1/ص: 131]؛اهـ

      تعليق

      يعمل...