[ALIGN=CENTER]د. أحمد صبحي منصور[/ALIGN]
فى عصر الخليفة المأمون كان الشاعر العتابى يسير فى شوارع بغداد، فدخل السوق وهو يأكل الطعام ،وكان ذلك يخالف المروءة أو" الاتيكيت"لدى ارباب الطبقة العليا،ولذلك احتج عليه صديقه قائلا "أتأكل الطعام فى السوق ويراك الناس؟" فقال له العتابى ساخرا:"وهل اولئك ناس؟انهم بقر" ، فاحتج صديق العتابى وزمجر،فقال له العتابى:"سأريك ان كانوا ناسا أم بقرا" ثم صعد الى الربوة ونادى فى الناس"ياقوم هلموا أحدثكم عن رسول الله(صلى الله عليه وسلم )،فتدافع اليه الناس واجتمعوا حوله،واقبل يحدثهم يقول:روى فلان عن فلان عن فلان ان رسول الله.(صلى الله عليه وسلم)قال.وظل يخرج من حديث الى أخر وقد تعلقت به العقول والقلوب والعيون،وسيطر على المستمعين ،اذا حرك يده يمينا تحركت رؤوسهم يمينا،واذا أومأ برأسه يسارا التفتوا يسارا ،الى أن قال لهم ...وروى غير واحد(اى أكثر من واحد)أنه صلى الله عليه وسلم قال :اذا بلغ لسان احدكم ارنبة انفه دخل الجنة))وسكت...فاذا بكل واحد من المستمعين يخرج لسانه يحاول ان يصل به الى ٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍانفه،واصبح منظرهم جميعا مضحكا،فالتفت العتابى الى صديقه ساخرا وقال:ألم اقل لك انهم بقر؟
ما الذى جعل عقول أولئك الناس تغيب حتى تتدلى السنتهم وهم سكارى غائبون عن الوعى؟انه التصديق،التصديق والايمان بأن مايقوله العتابى قد قاله النبى(صلى الله عليه وسلم)فعلا.وما الذى جعلهم يؤمنون ويصدقون بأن النبى (صلى الله عليه وسلم)قد قال ذلك الكلام...انه الاسناد اى اسندأو نسب ذلك الكلام للنبى(صلى الله عليه وسلم)عبر العنعنة،اى قال حدثنى فلان عن فلان عن فلان...الخ..ان النبى (صلى الله عليه وسلم)قال.وهذا معنى الاسناد ،وهذه هى خطورته على العقل.
تغييب العقل
حسنا...دعنا نتخيل أن العتابى يسير الان فى الشوارع القاهرة ويركب المواصلات.ويرى شيخا يصعد الاتوبيس يدعو المسلمين للتبرع لانشاء المسجد الفلانى ويستشهد بحديث ((من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة بنى الله له قصرا فى الجنة))ويرى العتابى كيف يسارع الناس الطيبون بالتبرع حتى يضمن كل منهم لنفسه قصرا فى الجنة!هل تريد أن تتوقع تعليق العتابى؟اذن استحضر عقلك ولا تعطه اجازة، وتفكر فى معنى ذلك الحديث المنسوب كذبا للنبى عليه الصلاة والسلام..انه يؤكد على ان كل من بنى لله مسجدا بنى الله تعالى له قصرا فى الجنة،مهما كان الشخص مؤمنا او كافرا،ومهما كان مصدر المال طيبا او خبيثا، يعنى ان السيد هتلر من حقه ان يكون له قصورفى الجنة اذا بنى بضعة مساجد،ويعنى أيضا ان كل مختلس وظالم وناهب لأموال الناس يستطيع اذا بنى ببعض أمواله الحرام مسجدا ان يدخل الجنة.هل يتفق ذلك مع تشريع الاسلام؟
ثم ان الحديث الذى يبيع قصور الجنة لكل من يتبرع ببناء مسجد يحدد لنا منذ البداية اقل مساحة مقبولة للمسجد،يقول ((من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة))اى يكون مساحة المسجد كقدر ما تتحرك به ساق القطاة حين تفحص بساقيها الارض.والقطاة هى طائر صغيرة الحجم اقل من العصفور الصغير ..انها فى الحدود5سم2 ،اى من بنى لله مسجدا ولو كانت مساحته5 سم2 بنى الله له قصرا فى الجنة حتى لو كان من مال حرام،مهما كانت شخصية ذلك المتبرع ،وحتى اذا كان ذلك المسجد5 سم2 لايستطيع دخوله الا النمل والصراصير الوليدة....هل يعقل ان يتكلم النبى (صلى الله عليه وسلم) بهذا الكلام؟!!
ولكن ذلك الحديث تم اسناده او تمت نسبته للنبى عليه الصلاة والسلام، ورواه ابن ماجه فى "مسنده" عن فلان عن فلان.وآمن الناس بصحة ذلك الاسناد .ومن هنا فان ذلك الحديث الكاذب هو المسئول عن اقامة38 الف مسجد وزاوية فى القاهرة الكبرى فى العشرين سنة الماضية،وكلها تنشر ثقافة التطرف عبر احاديث مسندة او منسوبة للنبى(صلى الله عليه وسلم) زورا،وهى تخالف القرآن والسنة الصحيحة للنبى عليه الصلاة والسلام،وبدلا ان تتوجه لبناء مساكن للشباب والعائلات التى تسكن المقابر،فأنها توجهت لبناء مساجد ايديولوجية ،تزيد عن حاجة المسلمين الذين يستطيعون الصلاة فى كل مكان،ومع العلم بأن حق ابن السبيل فى تشريع الاسلام ثابت فى الزكاة الرسمية والصدقة التطوعيةوالفئ والغنيمة،ولا يصح الالتفات لرعاية ابناء السبيل من الاغراب الا بعد ضمان المسكن والطعام لابناء البلد،فكيف اذا كان ابناء البلد انفسهم لايجدون السكن بحيث ضاعت احلام الشباب فى الزواج واصبحت العنوسة ازمة مستفحلة ..ومع ذلك تفاقمت تلك المشكلة لان أموال الصدقات استنفذها ارباب الصحوة السلفية فى بناء عشرات الالوف من المنابر التى تؤسس لدولتهم القادمة!ومن دعائم تلك الدولة ثقافة التراث للعصور الوسطى،تلك الثقافة التى أصبحت مقدسة عبر الاسناد ،او عن طريق نسبتها زورا للنبى عليه الصلاة والسلام ...مهما خالفت العقل والاسلام .
ان الاسلام الصحيح هو دين العقل ،بل أن"التعقل"أو استعمال العقل هو سبب انزال القرآن ( يوسف 2،الزخرف3 )ولكن الاسناد اوجد خصومة مستحكمة بين المسلمين والتعقل،بحيث يكفى ان يصعد اى محتال ليقول((قال رسول الله)) فيسارع الناس بتصديقه ويمتثلون لما يقول دون اى تفكير،لافارق فى ذلك بين مثقف او عامى،وسواء كان ذلك فى المسجد او فى وسائل الاعلام او وسائل المواصلات...اى فى كل زمان ومكان انت محاصر بالاسناد.
الاسناد قضية علمية
ومنذ عشر سنوات تقريبا جائنى صديق منزعج ،قال أنه فوجئ ببلدته بالصعيد وقد سيطر عليها الشباب السلفى واعادوها لما كان عليه السلف،ومن ذلك انهم اوجبوا على العريس ليلة الدخلة ان يحمل عروسه الى بيته وهى داخل زكيبة او شوال،لان ذلك ماجاء فى السنة والاحاديث.فقلت لهم انهم قرءوا خطأ ذلك الحديث القائل بأنهم كانوا يدخلون بالنساء فى شهر شوال ،وكانت نكتة هائلة،وعاد صديقى الى اهل بلدته وقرأ لهم الحديث بالتشكيل الصحيح، وانقذ بذلك بنات القرية من تجربة التعبئة فى الاشوال والزكائب....الا ان مشكلته معى لم تنته.
لان صديقى اصبح يعتقد بوجوب ان يتم الزفاف فى شهر شوال،دون غيره من الاشهر،طالما ان اسناد الحديث صحيح للنبى (صلى الله عليه وسلم) حسب اعتقاده.وسئمت من النقاش معه فى موضوع الاسناد ،فقلت له اخيرا:اذن انت تؤمن بأن النبى(صلى الله عليه وسلم)قال ذلك الحديث فعلا ؟ فقال فى ثبات:نعم ،قلت له:وهل تقسم بالطلاق من زوجتك أن النبى قال ذلك؟عندها بهت وسكت ولم يرفع رأسه...قلت له:هل لو قرأت عليك سورة((قل هو الله احد))وطلبت منك ان تقسم بالطلاق ان الله تعالى قال ذلك وانها من القرآن،هل ستفعل ؟قال نعم ..قلت هذا هو الفرق بين القرآن وأحاديث التراث .
اذا جاء احد بآية قٌرآنية فلن تطالبه ببرهان او اسناد ،طالما تؤمن بالقرآن،اما اذا قيل لك حديث منسوب للنبى(صلى الله عليه وسلم )فات من حقك ـ بل من واجبك ـ ان تسأل عن اسناده او عن دليل نسبته للنبى (صلى الله عليه وسلم)،فالقرآن قائم على اساس الايمان ،اما الحديث المنسوب للنبى فهو قائم على الشك .ولعلاج هذا الشك اخترعوا الاسناد،اى ان ذلك الحديث رواه فلان عن فلان...الخ حتى النبى لإثبات أن النبي قال ذلك الحديث ، اذ كان الاسناد صحيحا ، أو لم يقله اذا كان الإسناد ضعيفا ،وفى عصرنا لم يعد أحد يهتم اذا كان الاسناد صحيحا او ضعيفا ، فيكفى أن يقال قال رسول الله (ليصدق الناس فورا أن النبي قال فعلا هذا الكلام) . ونرجع للإسناد الذى يؤكد أن الحديث مثل جدار يريد ان ينقض ويقع فيقوم ((الاسناد)) باسناده حتى لايسقط ولا ينهار...فالقرآن قضية ايمانية اما الحديث فليس قضية ايمانية ،وانما هو قضية علمية عندهم ،تدخل فى باب البحث والاجتهاد وليس فى قضايا العقيدة واليقين،ولذلك اختلف علماء الجرح والتعديل فى مدح راو او تجريحه، وفى اثبات حديث ما او نفيه،فالامام مسلم فى صحيحه لم يكتف بما قاله البخارى استاذه ولم يأخذ بكل أحاديثه ولم يترك ما تركه البخارى من احاديث ،فجاء صحيح مسلم مختلفا عن صحيح البخارى ، ثم جاء الحاكم فأستدرك على البخارى ومسلم ،وقبلهم جميعا كان احمد بن حنبل مختلفا فى مسنده ثم جاء المتأخرون اكثر اختلافا.ولانها قضية علمية عندهم تقوم على الاختلاف فى وجهات النظر فان احدا لم يحكم بتكفير أحد...اذ هى امور ظنية بحثية انسانية وليست امور العقيدة والدين ....اما القرآن فهو محل الايمان والتصديق لكل مسلم،ولذلك فان الله تعالى يؤكد فى آيتين ان الحديث الوحيد الذى ينبغى ان نؤمن به وحده هو حديث الله تعالى فى القرآن الكريم((فبأى حديث بعده يؤمنون: الاعراف185 ،المرسلات50 )) بل أكثر من ذلك يجعل الله تعالى الايمان به وحده الها لاشريك له قرينا بالايمان بحديث فى القرآن وحده، يقول تعالى ((تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق فبأى حديث بعد الله واياته يؤمنون ،ويل لكل افاك اثيم ،يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كان لم يسمعها فبشره بعذاب اليم:الجاثية 8:6 ))
وفى الوصية الاخيرة من الوصايا العشر فى القرآن الكريم يقول تعالى عن القرآن((وأن هذا صراطى مستقيما فاتبعوه ،ولا تتبعوا السبيل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون :الانعام153 )) فالقرآن اتى من الله تعالى طريقا مستقيما لنتبعه وحده ،ولا نتبع الطريق والسبل الاخرى حتى لا نقع فى الاختلاف ،وفى هذه الاية الكريمة تأكيد على أن القرآن هو المصدر الوحيد للاسلام،فالطريق المستقيم لايكون الا واحدا وحيدا، وحيث أن الخط المستقيم لا يتعدد فهو أقصر الطرق التى توصل بين نقطتين .
اما الطرق الاخرى فتقوم على الاختلاف والظن والريب ،ومن المعلوم ان الروايات والاسانيد لها طرق وسبل متفرقة .ويؤكد علماء الحديث أنها كلها ظنية ،او كما يقول الله تعالى عن القرآن وغيره من الطرق والسبل((وان تطع أكثر من فى الارض يضلوك عن سبيل الله أن يتبعون الا الظن وان هم الا يخرصون:الانعام 116 ))وهذا خطاب للنبى (صلى الله عليه وسلم )نفسه أنه اذا اطاع أكثرية البشر اضلوه عن القرآن وابعدوه عنه حيث يتبعون الظن والاوهام .وهكذا فان النبى (صلى الله عليه وسلم)يتبع القرآن وحده.وبذلك تتابعت الاوامر للنبى عليه السلام ولنا عن القرآن((كتاب انزل اليك فلا يكن فى صدرك حرج منه لتنذر به،وذكرى للمؤمنين ،اتبعوا ما انزل اليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه اولياء:الاعراف 2 : 3 )فهناك امر ونهى ،امر باتباع القرآن ونهى عن اتباع غيره.حيث انه وحده الذى لايأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه،وحيث كان النبى متبعا للقرآن وحده،وحيث كان خلقه القرآن... وحيث سيتم حساب البشر جميعا يوم القيامة ـومنهم الانبياء ـ على اساس الكتب السماوية وحدها.والكتاب السماوى واحد فى اساسياته،مهما اختلفت اللغات والظروف .وليس فى اى كتاب سماوى ماكان يعرف بالاسناد،وانما هو كلام الحق تعالى،ان شئت آمنت به وان شئت لم تؤمن ،وحسابك عند ربك يوم القيامة.
الاسناد يناقض المنهج العلمى
ان الاسناد قضية علمية تتراوح بين الشك والاثبات وليست قضية ايمانية ،ومع ذلك فان الاسناد يناقض المنهج العلمى والتعقل المنطقى .
ان البخارى مثلا عاش فى القرن الثالث عشر الهجرى ومات سنة 256 هـ .اى بينه وبين النبى عليه السلام قرنان ونصف قرن من الزمان.واذا اعتبرنا الجيل اربعين عاما فان بينه وبين البخارى ستة اجيال .( لاحظ ان بينناوبين عصر محمد على اربعة اجيال فقط).فكيف يستقيم فى المنهج العلمى أن تتداول ستة اجيال كلمة ما منسوبة للنبى عبر الروايات الشفهية حتى يأتى من يسجلها بعد النبى بمائتين وخمسين عاما؟ ولنأخذ على ذلك مثلا من أحاديث البخارى ...ونناقشه من حيث الاسناد ومن حيث المتن والموضوع.
فى عصر الخليفة المأمون كان الشاعر العتابى يسير فى شوارع بغداد، فدخل السوق وهو يأكل الطعام ،وكان ذلك يخالف المروءة أو" الاتيكيت"لدى ارباب الطبقة العليا،ولذلك احتج عليه صديقه قائلا "أتأكل الطعام فى السوق ويراك الناس؟" فقال له العتابى ساخرا:"وهل اولئك ناس؟انهم بقر" ، فاحتج صديق العتابى وزمجر،فقال له العتابى:"سأريك ان كانوا ناسا أم بقرا" ثم صعد الى الربوة ونادى فى الناس"ياقوم هلموا أحدثكم عن رسول الله(صلى الله عليه وسلم )،فتدافع اليه الناس واجتمعوا حوله،واقبل يحدثهم يقول:روى فلان عن فلان عن فلان ان رسول الله.(صلى الله عليه وسلم)قال.وظل يخرج من حديث الى أخر وقد تعلقت به العقول والقلوب والعيون،وسيطر على المستمعين ،اذا حرك يده يمينا تحركت رؤوسهم يمينا،واذا أومأ برأسه يسارا التفتوا يسارا ،الى أن قال لهم ...وروى غير واحد(اى أكثر من واحد)أنه صلى الله عليه وسلم قال :اذا بلغ لسان احدكم ارنبة انفه دخل الجنة))وسكت...فاذا بكل واحد من المستمعين يخرج لسانه يحاول ان يصل به الى ٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍانفه،واصبح منظرهم جميعا مضحكا،فالتفت العتابى الى صديقه ساخرا وقال:ألم اقل لك انهم بقر؟
ما الذى جعل عقول أولئك الناس تغيب حتى تتدلى السنتهم وهم سكارى غائبون عن الوعى؟انه التصديق،التصديق والايمان بأن مايقوله العتابى قد قاله النبى(صلى الله عليه وسلم)فعلا.وما الذى جعلهم يؤمنون ويصدقون بأن النبى (صلى الله عليه وسلم)قد قال ذلك الكلام...انه الاسناد اى اسندأو نسب ذلك الكلام للنبى(صلى الله عليه وسلم)عبر العنعنة،اى قال حدثنى فلان عن فلان عن فلان...الخ..ان النبى (صلى الله عليه وسلم)قال.وهذا معنى الاسناد ،وهذه هى خطورته على العقل.
تغييب العقل
حسنا...دعنا نتخيل أن العتابى يسير الان فى الشوارع القاهرة ويركب المواصلات.ويرى شيخا يصعد الاتوبيس يدعو المسلمين للتبرع لانشاء المسجد الفلانى ويستشهد بحديث ((من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة بنى الله له قصرا فى الجنة))ويرى العتابى كيف يسارع الناس الطيبون بالتبرع حتى يضمن كل منهم لنفسه قصرا فى الجنة!هل تريد أن تتوقع تعليق العتابى؟اذن استحضر عقلك ولا تعطه اجازة، وتفكر فى معنى ذلك الحديث المنسوب كذبا للنبى عليه الصلاة والسلام..انه يؤكد على ان كل من بنى لله مسجدا بنى الله تعالى له قصرا فى الجنة،مهما كان الشخص مؤمنا او كافرا،ومهما كان مصدر المال طيبا او خبيثا، يعنى ان السيد هتلر من حقه ان يكون له قصورفى الجنة اذا بنى بضعة مساجد،ويعنى أيضا ان كل مختلس وظالم وناهب لأموال الناس يستطيع اذا بنى ببعض أمواله الحرام مسجدا ان يدخل الجنة.هل يتفق ذلك مع تشريع الاسلام؟
ثم ان الحديث الذى يبيع قصور الجنة لكل من يتبرع ببناء مسجد يحدد لنا منذ البداية اقل مساحة مقبولة للمسجد،يقول ((من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة))اى يكون مساحة المسجد كقدر ما تتحرك به ساق القطاة حين تفحص بساقيها الارض.والقطاة هى طائر صغيرة الحجم اقل من العصفور الصغير ..انها فى الحدود5سم2 ،اى من بنى لله مسجدا ولو كانت مساحته5 سم2 بنى الله له قصرا فى الجنة حتى لو كان من مال حرام،مهما كانت شخصية ذلك المتبرع ،وحتى اذا كان ذلك المسجد5 سم2 لايستطيع دخوله الا النمل والصراصير الوليدة....هل يعقل ان يتكلم النبى (صلى الله عليه وسلم) بهذا الكلام؟!!
ولكن ذلك الحديث تم اسناده او تمت نسبته للنبى عليه الصلاة والسلام، ورواه ابن ماجه فى "مسنده" عن فلان عن فلان.وآمن الناس بصحة ذلك الاسناد .ومن هنا فان ذلك الحديث الكاذب هو المسئول عن اقامة38 الف مسجد وزاوية فى القاهرة الكبرى فى العشرين سنة الماضية،وكلها تنشر ثقافة التطرف عبر احاديث مسندة او منسوبة للنبى(صلى الله عليه وسلم) زورا،وهى تخالف القرآن والسنة الصحيحة للنبى عليه الصلاة والسلام،وبدلا ان تتوجه لبناء مساكن للشباب والعائلات التى تسكن المقابر،فأنها توجهت لبناء مساجد ايديولوجية ،تزيد عن حاجة المسلمين الذين يستطيعون الصلاة فى كل مكان،ومع العلم بأن حق ابن السبيل فى تشريع الاسلام ثابت فى الزكاة الرسمية والصدقة التطوعيةوالفئ والغنيمة،ولا يصح الالتفات لرعاية ابناء السبيل من الاغراب الا بعد ضمان المسكن والطعام لابناء البلد،فكيف اذا كان ابناء البلد انفسهم لايجدون السكن بحيث ضاعت احلام الشباب فى الزواج واصبحت العنوسة ازمة مستفحلة ..ومع ذلك تفاقمت تلك المشكلة لان أموال الصدقات استنفذها ارباب الصحوة السلفية فى بناء عشرات الالوف من المنابر التى تؤسس لدولتهم القادمة!ومن دعائم تلك الدولة ثقافة التراث للعصور الوسطى،تلك الثقافة التى أصبحت مقدسة عبر الاسناد ،او عن طريق نسبتها زورا للنبى عليه الصلاة والسلام ...مهما خالفت العقل والاسلام .
ان الاسلام الصحيح هو دين العقل ،بل أن"التعقل"أو استعمال العقل هو سبب انزال القرآن ( يوسف 2،الزخرف3 )ولكن الاسناد اوجد خصومة مستحكمة بين المسلمين والتعقل،بحيث يكفى ان يصعد اى محتال ليقول((قال رسول الله)) فيسارع الناس بتصديقه ويمتثلون لما يقول دون اى تفكير،لافارق فى ذلك بين مثقف او عامى،وسواء كان ذلك فى المسجد او فى وسائل الاعلام او وسائل المواصلات...اى فى كل زمان ومكان انت محاصر بالاسناد.
الاسناد قضية علمية
ومنذ عشر سنوات تقريبا جائنى صديق منزعج ،قال أنه فوجئ ببلدته بالصعيد وقد سيطر عليها الشباب السلفى واعادوها لما كان عليه السلف،ومن ذلك انهم اوجبوا على العريس ليلة الدخلة ان يحمل عروسه الى بيته وهى داخل زكيبة او شوال،لان ذلك ماجاء فى السنة والاحاديث.فقلت لهم انهم قرءوا خطأ ذلك الحديث القائل بأنهم كانوا يدخلون بالنساء فى شهر شوال ،وكانت نكتة هائلة،وعاد صديقى الى اهل بلدته وقرأ لهم الحديث بالتشكيل الصحيح، وانقذ بذلك بنات القرية من تجربة التعبئة فى الاشوال والزكائب....الا ان مشكلته معى لم تنته.
لان صديقى اصبح يعتقد بوجوب ان يتم الزفاف فى شهر شوال،دون غيره من الاشهر،طالما ان اسناد الحديث صحيح للنبى (صلى الله عليه وسلم) حسب اعتقاده.وسئمت من النقاش معه فى موضوع الاسناد ،فقلت له اخيرا:اذن انت تؤمن بأن النبى(صلى الله عليه وسلم)قال ذلك الحديث فعلا ؟ فقال فى ثبات:نعم ،قلت له:وهل تقسم بالطلاق من زوجتك أن النبى قال ذلك؟عندها بهت وسكت ولم يرفع رأسه...قلت له:هل لو قرأت عليك سورة((قل هو الله احد))وطلبت منك ان تقسم بالطلاق ان الله تعالى قال ذلك وانها من القرآن،هل ستفعل ؟قال نعم ..قلت هذا هو الفرق بين القرآن وأحاديث التراث .
اذا جاء احد بآية قٌرآنية فلن تطالبه ببرهان او اسناد ،طالما تؤمن بالقرآن،اما اذا قيل لك حديث منسوب للنبى(صلى الله عليه وسلم )فات من حقك ـ بل من واجبك ـ ان تسأل عن اسناده او عن دليل نسبته للنبى (صلى الله عليه وسلم)،فالقرآن قائم على اساس الايمان ،اما الحديث المنسوب للنبى فهو قائم على الشك .ولعلاج هذا الشك اخترعوا الاسناد،اى ان ذلك الحديث رواه فلان عن فلان...الخ حتى النبى لإثبات أن النبي قال ذلك الحديث ، اذ كان الاسناد صحيحا ، أو لم يقله اذا كان الإسناد ضعيفا ،وفى عصرنا لم يعد أحد يهتم اذا كان الاسناد صحيحا او ضعيفا ، فيكفى أن يقال قال رسول الله (ليصدق الناس فورا أن النبي قال فعلا هذا الكلام) . ونرجع للإسناد الذى يؤكد أن الحديث مثل جدار يريد ان ينقض ويقع فيقوم ((الاسناد)) باسناده حتى لايسقط ولا ينهار...فالقرآن قضية ايمانية اما الحديث فليس قضية ايمانية ،وانما هو قضية علمية عندهم ،تدخل فى باب البحث والاجتهاد وليس فى قضايا العقيدة واليقين،ولذلك اختلف علماء الجرح والتعديل فى مدح راو او تجريحه، وفى اثبات حديث ما او نفيه،فالامام مسلم فى صحيحه لم يكتف بما قاله البخارى استاذه ولم يأخذ بكل أحاديثه ولم يترك ما تركه البخارى من احاديث ،فجاء صحيح مسلم مختلفا عن صحيح البخارى ، ثم جاء الحاكم فأستدرك على البخارى ومسلم ،وقبلهم جميعا كان احمد بن حنبل مختلفا فى مسنده ثم جاء المتأخرون اكثر اختلافا.ولانها قضية علمية عندهم تقوم على الاختلاف فى وجهات النظر فان احدا لم يحكم بتكفير أحد...اذ هى امور ظنية بحثية انسانية وليست امور العقيدة والدين ....اما القرآن فهو محل الايمان والتصديق لكل مسلم،ولذلك فان الله تعالى يؤكد فى آيتين ان الحديث الوحيد الذى ينبغى ان نؤمن به وحده هو حديث الله تعالى فى القرآن الكريم((فبأى حديث بعده يؤمنون: الاعراف185 ،المرسلات50 )) بل أكثر من ذلك يجعل الله تعالى الايمان به وحده الها لاشريك له قرينا بالايمان بحديث فى القرآن وحده، يقول تعالى ((تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق فبأى حديث بعد الله واياته يؤمنون ،ويل لكل افاك اثيم ،يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كان لم يسمعها فبشره بعذاب اليم:الجاثية 8:6 ))
وفى الوصية الاخيرة من الوصايا العشر فى القرآن الكريم يقول تعالى عن القرآن((وأن هذا صراطى مستقيما فاتبعوه ،ولا تتبعوا السبيل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون :الانعام153 )) فالقرآن اتى من الله تعالى طريقا مستقيما لنتبعه وحده ،ولا نتبع الطريق والسبل الاخرى حتى لا نقع فى الاختلاف ،وفى هذه الاية الكريمة تأكيد على أن القرآن هو المصدر الوحيد للاسلام،فالطريق المستقيم لايكون الا واحدا وحيدا، وحيث أن الخط المستقيم لا يتعدد فهو أقصر الطرق التى توصل بين نقطتين .
اما الطرق الاخرى فتقوم على الاختلاف والظن والريب ،ومن المعلوم ان الروايات والاسانيد لها طرق وسبل متفرقة .ويؤكد علماء الحديث أنها كلها ظنية ،او كما يقول الله تعالى عن القرآن وغيره من الطرق والسبل((وان تطع أكثر من فى الارض يضلوك عن سبيل الله أن يتبعون الا الظن وان هم الا يخرصون:الانعام 116 ))وهذا خطاب للنبى (صلى الله عليه وسلم )نفسه أنه اذا اطاع أكثرية البشر اضلوه عن القرآن وابعدوه عنه حيث يتبعون الظن والاوهام .وهكذا فان النبى (صلى الله عليه وسلم)يتبع القرآن وحده.وبذلك تتابعت الاوامر للنبى عليه السلام ولنا عن القرآن((كتاب انزل اليك فلا يكن فى صدرك حرج منه لتنذر به،وذكرى للمؤمنين ،اتبعوا ما انزل اليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه اولياء:الاعراف 2 : 3 )فهناك امر ونهى ،امر باتباع القرآن ونهى عن اتباع غيره.حيث انه وحده الذى لايأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه،وحيث كان النبى متبعا للقرآن وحده،وحيث كان خلقه القرآن... وحيث سيتم حساب البشر جميعا يوم القيامة ـومنهم الانبياء ـ على اساس الكتب السماوية وحدها.والكتاب السماوى واحد فى اساسياته،مهما اختلفت اللغات والظروف .وليس فى اى كتاب سماوى ماكان يعرف بالاسناد،وانما هو كلام الحق تعالى،ان شئت آمنت به وان شئت لم تؤمن ،وحسابك عند ربك يوم القيامة.
الاسناد يناقض المنهج العلمى
ان الاسناد قضية علمية تتراوح بين الشك والاثبات وليست قضية ايمانية ،ومع ذلك فان الاسناد يناقض المنهج العلمى والتعقل المنطقى .
ان البخارى مثلا عاش فى القرن الثالث عشر الهجرى ومات سنة 256 هـ .اى بينه وبين النبى عليه السلام قرنان ونصف قرن من الزمان.واذا اعتبرنا الجيل اربعين عاما فان بينه وبين البخارى ستة اجيال .( لاحظ ان بينناوبين عصر محمد على اربعة اجيال فقط).فكيف يستقيم فى المنهج العلمى أن تتداول ستة اجيال كلمة ما منسوبة للنبى عبر الروايات الشفهية حتى يأتى من يسجلها بعد النبى بمائتين وخمسين عاما؟ ولنأخذ على ذلك مثلا من أحاديث البخارى ...ونناقشه من حيث الاسناد ومن حيث المتن والموضوع.
فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً ( ( النساء 65) .
(سمعتُ أبي يقولُ: بَقِيتُ بالبصرةِ في سنةِ أربعَ عشرةَ ومائتين ثمانيةَ أشهرٍ، وَكَانَ في نفسِي أنْ أُقيمَ سنةً فانقطعَ نَفَقَتي، فَجَعلتُ أبيعُ ثيابَ بَدَني شيئاً بعدَ شيء حَتى بقيتُ بلا نفقةٍ، ومضيتُ أطوفُ مَعَ صديقٍ لي إلى المشيخةِ وأسمعُ منهمْ إلى المساءِ فانصرفَ رفيقي ورجعتُ إلى بيت خالٍ، فَجَعلتُ أشربُ الماءَ من الجوع.
تعليق