جهود علماء دمشق في الحديث في القرن الرابع عشر الهجري ـــ د.بديع السيد اللحام(*)
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فلقد كانت السنة النبوية المرآة الصافية التي انعكست فيها آيات القرآن الكريم، فأبرزت معانيه ومكوناته وفق مراد الله تعالى، ثم تمثلت تلك الآيات في حياة النبي ( واقعاً علمياً (كان خلقه القرآن)(1)،
وقد أدرك الصحابة الكرام ذلك فتمثلوا حياته ( في نفوسهم حباً وفي حياتهم عملاً وتطبيقاً (وكَذَلِكَ أوحَيْنَا إليْكَ رُوحاً مِّنْ أمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بهِ مَنْ نَشِاء مِنْ عِبَادِنَا وإنَّكَ لتَهْدِي إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقيمٍ* صِرَاطِ الله الذَّي لهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ ومَا فِي الأرْض ألا إلى الله تَصِيرُ الأمُورُ) (الشورى: 52- 53) ولذلك فإن أي عناية بالسنة النبوية هي في حقيقتها عناية بالقرآن الكريم، وكل جهد يبذل في سبيل تنقيتها وتجليتها وتقديمها للدارسين والعاملين هو في الواقع جهد مبذول للعناية بكتاب الله تعالى، ومن أجل هذا ولإبراز دور علماء دمشق في خدمة الحديث الشريف والعناية به وتقديراً لجهود العلماء واستنهاضاً للهمم وشحذاً للملكات رأيت أن أوجه عنايتي لهذا البحث الذي أسأل الله تعالى أن يجعله في حرز القبول، وأن يكون هذا العمل باعثاً ودافعاً لأبناء هذا البلد أن يتابعوا السير وينهضوا بعبء الدفاع عن حديث النبي ( وسنته المطهرة في وجه الحملات المسعورة للتقليل من شأنها وصرف الناس عن ا لعمل بها، وليعملوا على بعث الكنوز المدفوعة والذخائر الموروثة من بعد طول رقاد، لأن في إحيائها تجديداً للدين على وجه الحقيقة، وهذا التجديد في عزة الإسلام وتقدم المسلمين إذا أصبحت السنة قولاً وعملاً في حياتنا ونفوسنا، وقد عنونته بـ:
جهود علماء دمشق في الحديث في القرن الرابع عشر الهجري
ولم أتوقف عند حدود القرن الرابع عشر بل تجاوزته إلى أيامنا هذه، ولم أحاول استيعاب واستقراء كلَّ ما قدَّمه علماء دمشق من جهود بل انتقيت واخترت، وأما الاستقراء التام فإنَّني أكاد أجزم انَّه من الصعوبة بمكان، ولكنني قدَّمت شيئاً من جهدٍ أرجو من الله تعالى أن يوفقني لمتابعته في قادمات الأيام إنه على كل شيء قدير.
وقد افتتحت بحثي هذا بتمهيد موجز أشرت فيه إلى فضيلة دمشق بين البلدان.
ثم أتبعته مباشرة بترجمةِ وجوه العلماء المشتغلين بالحديث في القرن الماضي بدمشق، حاولت أن أركز اهتمامي على بعض المعتنين بالحديث رواية وتدريساً بشكل رئيس.
وبعد ذلك ذكرت وجوه عناية الدمشقيين بالحديث، فعدَّدت هذه الوجوه، ثمَّ سردت شذرة منوعة من مصنفاتهم في الحديث النبوي وعلومه.
أسأل الله أن يجعل هذا العمل في حرز القبول وأن يثيبني عليه ويوفقني لخدمة دينه الحنيف وسنة نبيه وخليله سيدنا محمد (.
تمهيد:
من المعروف لدى المطلعين على ما ورد في باب الفضائل من الحديث النبوي أنَّ من أصح ما ورد في فضائل المدن بعد مكة المكرمة والمدينة المنورة هو ما ورد في فضائل الشام بعامة ودمشق بخاصة، من ذلك قول النبيُّ (: [الشَّام صفوةُ الله مِنْ بلادِهِ إليْها يَجْتبي صَفْوَتَه مِنْ عِبادِهِ فَمَنْ خَرجَ مِنَ الشَّامِ إلى غيرها فبسخْطَةٍ، ومَنْ دَخَلَها مِنْ غيرِها فَبرَحمَةٍ](2). وإذا كانت الشام هي الصفّوة فإنَّ دمشقَ هي صفوة الصَّفوةِ من بين مدائن الشَّام، وذلك بإخبار من لاينطق عن الهوى (إنْ هُوَ إلاَّ وَحْيٌ يُوْحَى( (النجم:4) إذ يقول (: [إنَّ فُسْطَاطَ المُسْلِمين يَوْمَ المَلْحَمَةِ بالغوُطَةِ إلى جانب مَدْينَةٍ يُقَالُ لهَا دِمَشْقُ مِنْ خَيْرِ مدَائِن الشَّام] وفي رواية الحاكم: "خير منازِلِ المُسْلمين"(3). قال العلقمي: هذا الحديث يدل على فضيلة دمشق وعلى فضيلة سكانها في آخر الزمان، وأنَّها حصنُ من الفتن(4).
ومن ثمَّ فقد أصبحت هذه المدينة محطَّ رحال الفضلاء ومحجَّة العلماء وطلاب العلم منذ عصر الصحابة حتى يوم الناس هذا، وقد ذكر المؤرخون أنه دخل دمشق عشرة آلاف عين رأت النبي (، وقد كان لهذه المدينة الحظ الأوفر من ميراث النبوة على مر العصور، وكانت من أكبر مراكز رواية الحديث والعناية به ولعل تاريخ ابن عساكر- الذي هو بحق أكبر وأوسع تاريخ لمدينة من المدن الإسلامية- أصدق شاهد على ما ذكرت، حيث ضم تراجم حوالي عشرة آلاف عَلَمِ من الذين نسبوا إلى دمشق حتى عصره، ومعظم المُترجمين من المُسندين والمحدثين وحفاظ السنن، كما يشهد لذلك قول ولي الله الدهلوي(5): إن الإنسان لو أراد أن يُسنِد حديثاً في عصرنا هذا لا يمكنه أن يجد إسناداً لا يمر بالدمشقيين.
ولم يكنُ القرن الرابع عشر الهجري أقلّ حظاً من القرون المتقدمة في العناية بالحديث النبوي وعلومه، فقد عرفت دمشق في هذا القرن نوابغ من المشتغلين بالسنة وعلومها والدفاع عنها منهم:
أعلام المشتغلين بالحديث النبوي وعلومه في القرن الرابع عشر الهجري بدمشق:
1 ـ الشيخ بكري العطار: بكري بن حامد بن أحمد بن عبيد أبو بكر العطار الدمشقي، ولد عام (1251هـ) وآل العطار أسرة علمية عريقة بدمشق، وكان والد المترجم من العلماء العاملين، فنشأ الشيخ بكري نشأة علمية ساعدت على إبراز مواهبه الكامنة في وقت مبكر، تلقى الأربعين العجلونية والأربعين النووية على والده، وعلى الشيخ المحدث عبد الرحمن الكزبري، وأجازاه إجازة عامة ولم يتجاوز الثانية عشرة، ثم لازم ابن أخيه الشيخ سليم في الحديث وغيره من الفنون، وروى مسلسلات ابن عقيلة عن شيخ الشافعية عمر الغزي، كما أجازه الشيخ داود البغدادي. تمكَّن في الحديث النبوي وعلومه حتى أصبح من كبار رجالات المحدثين في عصره ومصره، إذ حفظ المئات من الأحاديث الشريفة وآثار الصحابة والتابعين وتابعيهم، وأتقن أصول الحديث والفرق بين الأحاديث الصحيحة وغيرها، وحضر المسانيد على شيوخه رواية ودراية، وأجازوه، كما حدَّث بها رواته كذلك، وأجازهم، وقد تولى تدريس البخاري في تكية السلطان سليمان العثماني في أيام الخميس من شهري رجب وشعبان(6) وكانت طريقته في الدَّرس أنَّه يسرد الحديث بسنده من صحيح البخاري، ثم يُبيِّن وجه مطابقة الترجمة للحديث، ناقلاً أقوال الشراح ومناقشاً لها، ثم يتكلَّم على ألفاظ الحديث من الناحية اللغوية والبلاغية، وما يستمد من الحديث من أحكام فقهية، أو مسائل أصولية أو عقدية، ثم يختمه بما يناسب المقام من وعظ وترغيب وترهيب، وقد تصدى لنفع العام والخاص وكان اشتغاله بالتدريس غالب أوقاته، حتى أصبح شيخ الشام بلا منازع، فقل أن تجد طالب علم أو عالماً في دمشق وجهاتها إلا وهو من تلاميذه، أو تلاميذهم، ونبه صيته حتى أصبح رحلة الفضلاء من أصقاع العالم الإسلامي، وقد شغله ذلك عن التأليف، ومن أشهر تلاميذه: الشيخ محمد الباني الذي لازمه حتى وفاته، والشيخ جميل الشطي، والشيخ تقي الدين الحصني، والشيخ جمال الدين القاسمي، وغيرهم من أعلام الدمشقيين، توفي سنة (1320هـ)(7).
2 ـ الشيخ عبدالله القدومي: عبدالله صوفان بن عودة بن عبد الله بن عيسى بن سلامة القدومي النابلسي الأثري الحنبلي، ولد عام (1247هـ) في قرية كفر القدوم من أعمال نابلس وبها نشأ وشب على العلم والعمل به، ثم رحل إلى دمشق واشتغل على علمائها وجدَّ حتى امتلأ علماً ونبغ، وكان عمدة شيوخه فيها رواية ودراية الشيخ حسن بن عمر الشطي الدمشقي إمام الحنابلة في بلاد الشام، والشيخ عبد الرحمن الكزبري، والشيخ فالح الظاهري المهنوي المدني، ثم عاد إلى نابلس وانقطع فيها لبث العلم وتعليمه، وهاجر إلى المدينة المنورة عام (1318هـ) وأقام بها وانتفع به كثيرون، وأخذ العلم عنه الراحلون إليها والمجاورون فيها، ثم رجع إلى بلده سنة (1321هـ) وتوفي وهو ساجد، وصفه صاحب فهرس الفهارس بقوله: "الإمام المعمر الفقه المحدث الصالح الناسك العابد الخاشع، أعلم من لقيناه من الحنابلة وأشدهم تمسكاً بتعاليم السلف والاعتناء بحفظ الحديث واستحضارها بألفاظها، مع الانقطاع إلى الله والإنكباب على العلم" ومن أشهر من روى عنه الشيخ عبد الرحمن الطيبي الدمشقي، وغنام الزبيري، والشيخ عبد الله بن محمد غازي الهندي المكي، وعبد الحي الكتاني(8).
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فلقد كانت السنة النبوية المرآة الصافية التي انعكست فيها آيات القرآن الكريم، فأبرزت معانيه ومكوناته وفق مراد الله تعالى، ثم تمثلت تلك الآيات في حياة النبي ( واقعاً علمياً (كان خلقه القرآن)(1)،
وقد أدرك الصحابة الكرام ذلك فتمثلوا حياته ( في نفوسهم حباً وفي حياتهم عملاً وتطبيقاً (وكَذَلِكَ أوحَيْنَا إليْكَ رُوحاً مِّنْ أمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بهِ مَنْ نَشِاء مِنْ عِبَادِنَا وإنَّكَ لتَهْدِي إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقيمٍ* صِرَاطِ الله الذَّي لهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ ومَا فِي الأرْض ألا إلى الله تَصِيرُ الأمُورُ) (الشورى: 52- 53) ولذلك فإن أي عناية بالسنة النبوية هي في حقيقتها عناية بالقرآن الكريم، وكل جهد يبذل في سبيل تنقيتها وتجليتها وتقديمها للدارسين والعاملين هو في الواقع جهد مبذول للعناية بكتاب الله تعالى، ومن أجل هذا ولإبراز دور علماء دمشق في خدمة الحديث الشريف والعناية به وتقديراً لجهود العلماء واستنهاضاً للهمم وشحذاً للملكات رأيت أن أوجه عنايتي لهذا البحث الذي أسأل الله تعالى أن يجعله في حرز القبول، وأن يكون هذا العمل باعثاً ودافعاً لأبناء هذا البلد أن يتابعوا السير وينهضوا بعبء الدفاع عن حديث النبي ( وسنته المطهرة في وجه الحملات المسعورة للتقليل من شأنها وصرف الناس عن ا لعمل بها، وليعملوا على بعث الكنوز المدفوعة والذخائر الموروثة من بعد طول رقاد، لأن في إحيائها تجديداً للدين على وجه الحقيقة، وهذا التجديد في عزة الإسلام وتقدم المسلمين إذا أصبحت السنة قولاً وعملاً في حياتنا ونفوسنا، وقد عنونته بـ:
جهود علماء دمشق في الحديث في القرن الرابع عشر الهجري
ولم أتوقف عند حدود القرن الرابع عشر بل تجاوزته إلى أيامنا هذه، ولم أحاول استيعاب واستقراء كلَّ ما قدَّمه علماء دمشق من جهود بل انتقيت واخترت، وأما الاستقراء التام فإنَّني أكاد أجزم انَّه من الصعوبة بمكان، ولكنني قدَّمت شيئاً من جهدٍ أرجو من الله تعالى أن يوفقني لمتابعته في قادمات الأيام إنه على كل شيء قدير.
وقد افتتحت بحثي هذا بتمهيد موجز أشرت فيه إلى فضيلة دمشق بين البلدان.
ثم أتبعته مباشرة بترجمةِ وجوه العلماء المشتغلين بالحديث في القرن الماضي بدمشق، حاولت أن أركز اهتمامي على بعض المعتنين بالحديث رواية وتدريساً بشكل رئيس.
وبعد ذلك ذكرت وجوه عناية الدمشقيين بالحديث، فعدَّدت هذه الوجوه، ثمَّ سردت شذرة منوعة من مصنفاتهم في الحديث النبوي وعلومه.
أسأل الله أن يجعل هذا العمل في حرز القبول وأن يثيبني عليه ويوفقني لخدمة دينه الحنيف وسنة نبيه وخليله سيدنا محمد (.
تمهيد:
من المعروف لدى المطلعين على ما ورد في باب الفضائل من الحديث النبوي أنَّ من أصح ما ورد في فضائل المدن بعد مكة المكرمة والمدينة المنورة هو ما ورد في فضائل الشام بعامة ودمشق بخاصة، من ذلك قول النبيُّ (: [الشَّام صفوةُ الله مِنْ بلادِهِ إليْها يَجْتبي صَفْوَتَه مِنْ عِبادِهِ فَمَنْ خَرجَ مِنَ الشَّامِ إلى غيرها فبسخْطَةٍ، ومَنْ دَخَلَها مِنْ غيرِها فَبرَحمَةٍ](2). وإذا كانت الشام هي الصفّوة فإنَّ دمشقَ هي صفوة الصَّفوةِ من بين مدائن الشَّام، وذلك بإخبار من لاينطق عن الهوى (إنْ هُوَ إلاَّ وَحْيٌ يُوْحَى( (النجم:4) إذ يقول (: [إنَّ فُسْطَاطَ المُسْلِمين يَوْمَ المَلْحَمَةِ بالغوُطَةِ إلى جانب مَدْينَةٍ يُقَالُ لهَا دِمَشْقُ مِنْ خَيْرِ مدَائِن الشَّام] وفي رواية الحاكم: "خير منازِلِ المُسْلمين"(3). قال العلقمي: هذا الحديث يدل على فضيلة دمشق وعلى فضيلة سكانها في آخر الزمان، وأنَّها حصنُ من الفتن(4).
ومن ثمَّ فقد أصبحت هذه المدينة محطَّ رحال الفضلاء ومحجَّة العلماء وطلاب العلم منذ عصر الصحابة حتى يوم الناس هذا، وقد ذكر المؤرخون أنه دخل دمشق عشرة آلاف عين رأت النبي (، وقد كان لهذه المدينة الحظ الأوفر من ميراث النبوة على مر العصور، وكانت من أكبر مراكز رواية الحديث والعناية به ولعل تاريخ ابن عساكر- الذي هو بحق أكبر وأوسع تاريخ لمدينة من المدن الإسلامية- أصدق شاهد على ما ذكرت، حيث ضم تراجم حوالي عشرة آلاف عَلَمِ من الذين نسبوا إلى دمشق حتى عصره، ومعظم المُترجمين من المُسندين والمحدثين وحفاظ السنن، كما يشهد لذلك قول ولي الله الدهلوي(5): إن الإنسان لو أراد أن يُسنِد حديثاً في عصرنا هذا لا يمكنه أن يجد إسناداً لا يمر بالدمشقيين.
ولم يكنُ القرن الرابع عشر الهجري أقلّ حظاً من القرون المتقدمة في العناية بالحديث النبوي وعلومه، فقد عرفت دمشق في هذا القرن نوابغ من المشتغلين بالسنة وعلومها والدفاع عنها منهم:
أعلام المشتغلين بالحديث النبوي وعلومه في القرن الرابع عشر الهجري بدمشق:
1 ـ الشيخ بكري العطار: بكري بن حامد بن أحمد بن عبيد أبو بكر العطار الدمشقي، ولد عام (1251هـ) وآل العطار أسرة علمية عريقة بدمشق، وكان والد المترجم من العلماء العاملين، فنشأ الشيخ بكري نشأة علمية ساعدت على إبراز مواهبه الكامنة في وقت مبكر، تلقى الأربعين العجلونية والأربعين النووية على والده، وعلى الشيخ المحدث عبد الرحمن الكزبري، وأجازاه إجازة عامة ولم يتجاوز الثانية عشرة، ثم لازم ابن أخيه الشيخ سليم في الحديث وغيره من الفنون، وروى مسلسلات ابن عقيلة عن شيخ الشافعية عمر الغزي، كما أجازه الشيخ داود البغدادي. تمكَّن في الحديث النبوي وعلومه حتى أصبح من كبار رجالات المحدثين في عصره ومصره، إذ حفظ المئات من الأحاديث الشريفة وآثار الصحابة والتابعين وتابعيهم، وأتقن أصول الحديث والفرق بين الأحاديث الصحيحة وغيرها، وحضر المسانيد على شيوخه رواية ودراية، وأجازوه، كما حدَّث بها رواته كذلك، وأجازهم، وقد تولى تدريس البخاري في تكية السلطان سليمان العثماني في أيام الخميس من شهري رجب وشعبان(6) وكانت طريقته في الدَّرس أنَّه يسرد الحديث بسنده من صحيح البخاري، ثم يُبيِّن وجه مطابقة الترجمة للحديث، ناقلاً أقوال الشراح ومناقشاً لها، ثم يتكلَّم على ألفاظ الحديث من الناحية اللغوية والبلاغية، وما يستمد من الحديث من أحكام فقهية، أو مسائل أصولية أو عقدية، ثم يختمه بما يناسب المقام من وعظ وترغيب وترهيب، وقد تصدى لنفع العام والخاص وكان اشتغاله بالتدريس غالب أوقاته، حتى أصبح شيخ الشام بلا منازع، فقل أن تجد طالب علم أو عالماً في دمشق وجهاتها إلا وهو من تلاميذه، أو تلاميذهم، ونبه صيته حتى أصبح رحلة الفضلاء من أصقاع العالم الإسلامي، وقد شغله ذلك عن التأليف، ومن أشهر تلاميذه: الشيخ محمد الباني الذي لازمه حتى وفاته، والشيخ جميل الشطي، والشيخ تقي الدين الحصني، والشيخ جمال الدين القاسمي، وغيرهم من أعلام الدمشقيين، توفي سنة (1320هـ)(7).
2 ـ الشيخ عبدالله القدومي: عبدالله صوفان بن عودة بن عبد الله بن عيسى بن سلامة القدومي النابلسي الأثري الحنبلي، ولد عام (1247هـ) في قرية كفر القدوم من أعمال نابلس وبها نشأ وشب على العلم والعمل به، ثم رحل إلى دمشق واشتغل على علمائها وجدَّ حتى امتلأ علماً ونبغ، وكان عمدة شيوخه فيها رواية ودراية الشيخ حسن بن عمر الشطي الدمشقي إمام الحنابلة في بلاد الشام، والشيخ عبد الرحمن الكزبري، والشيخ فالح الظاهري المهنوي المدني، ثم عاد إلى نابلس وانقطع فيها لبث العلم وتعليمه، وهاجر إلى المدينة المنورة عام (1318هـ) وأقام بها وانتفع به كثيرون، وأخذ العلم عنه الراحلون إليها والمجاورون فيها، ثم رجع إلى بلده سنة (1321هـ) وتوفي وهو ساجد، وصفه صاحب فهرس الفهارس بقوله: "الإمام المعمر الفقه المحدث الصالح الناسك العابد الخاشع، أعلم من لقيناه من الحنابلة وأشدهم تمسكاً بتعاليم السلف والاعتناء بحفظ الحديث واستحضارها بألفاظها، مع الانقطاع إلى الله والإنكباب على العلم" ومن أشهر من روى عنه الشيخ عبد الرحمن الطيبي الدمشقي، وغنام الزبيري، والشيخ عبد الله بن محمد غازي الهندي المكي، وعبد الحي الكتاني(8).
تعليق