بسم الله الرحمن الرحيم
في مناهج المحدثين
(التفرد نموذجا )
دراسة تحليلية تأصيلية إجرائية
بقلم أبي المنذر عماد أحمد الزبن
( حقيقة المتقدم والمتأخر ) :
إن المتتبع للأجواء العلمية التي سادت في عصر الرواية وما بعدها ، يدرك تماما أن ثمة اختلافا منهجيا واضحا ؛ يزداد اتساعا مع جريان العصور ، أدى فيما بعد إلى ظهور منهج مغاير للمنهج الأول ، يعنى بالمسائل النظرية وتقعيد التطبيقات السالفة ، الأمر الذي يدعونا إلى ضرورة تحسس التباين المنهجي بين المتقدمين والمتأخرين ، والوقوف على الخصائص المميزة لكل مرحلة علمية .
والخلاف ههنا منهجي يتعلق بطبيعة الأجواء العلمية ، وطرائق تلقي الأحاديث ونقلها، ومعيار قبولها وردها، وليس مجرد اختلاف زمني أو اختلاف صوري، إذ الزمن في هذا التتبع يعد تأريخا لبداية الاختلاف المنهجي بين المرحلتين، وليس أساسا في هذا الاختلاف، وإن كان ثم من جعل الزمن معيارا للتفريق بين المتقدمين والمتأخرين؛ فلاعتبار آخر غير ما ذكرنا، قال الذهبي : " فالحد الفاصل بين المتقدم والمتأخر هو رأس سنة ثلاثمائة " . وجلي جدا أن الذهبي يبني تفريقه على أساس فضل القرون الأولى، قال أستاذنا حمزة المليباري :" وهذا ، كما ترى، تحديد زمني قائم على أساس الفضل والشرف للقرون الأولى، فلا يعتبر ذلك إلا في مجال التفضيل والتشريف، أما في المجالات العلمية والمنهجية ، كعلوم الحديث، فلا؛ إذ إن حفاظ القرن الرابع بل النصف الأول من القرن الخامس أيضا يشتركون مع سلفهم في الأعراف العلمية، والمناهج التعليمية، والأساليب النقدية " .
فهو بهذا الاستظهار يعتبر الأعراف العلمية، ولا يعتبر التقسيم الزمني، ولكنه مع ذلك حاول أن يؤرخ لامتداد هذه الأعراف فقال عن مرحلة الرواية : " فأما الأولى فيمكن تسميتها بمرحلة الرواية، وهي ممتدة من عصر الصحابة إلى نهاية القرن الخامس الهجري تقريبا " وهذا الشيخ ملا علي القاري، يعدّ الحاكم وأبا نعيم من المتقدمين . بمعنى أن الأساليب النقدية والمناهج العلمية المتعلقة بعلم الحديث، سيطرت على المناخ العلمي العام السائد في هذه الحقبة، ثم بدأ الانحراف عن هذه الأجواء النقدية، مارا بمرحلة انعطاف امتزجت فيها المناهج، بحيث تجد شيئا من الأساليب النقدية التي سادت مرحلة المتقدمين؛ وسط ميل واضح إلى مناهج المتأخرين وأعرافهم العلمية؛ وذك بالاعتماد على الكتب و الرواية المباشرة، وقد تلمح هذا في قول ملا القاري عن الخطيب : " فهو أول المتأخرين وآخر المتقدمين "
( ثمرة التفريق بين المتقدمين والمتأخرين ) :
من المعلوم أنه متى وجد اختلاف في السمات العلمية،وتمخض عنه تباين في الرؤى والمناهج وتعدد في الأصول، لزم التفريق بين هذه المناهج، وتحديد خصائصها وسماتها، لا سيما في مجال نقد الأحاديث، وما يبنى عليه من قبول أو رد؛ لأن الاختلاف في المناهج مع ترك التمحيص والبحث والفصل، أو مع محاولة الخروج بصيغة مشتركة من خلال خلط هذه المناهج القائمة على حدود علمية متباينة؛ يؤدي إلى خلط في آلية التثبت، وخبط فاضح في النقد؛ وهذا يوسع دائرة الخلاف، ويذكي ضرام الجدل، ويزيد من الوقوع في الزلل، بل يفتح باب علوم الحديث على مصراعيه ليلج من شاء بما شاء ، فتتعاهده عقول قاصرة من متأخرة المتأخرة، يسوّدون فيه تواليف يتمدد فيها العراء بمقدار ما يتضاءل الغطاء، ثم يسترطون جهلهم ليقعوا أفكارا ضحلة يتطاولون فيها على النقدة الحفاظ، ومن ثم يبنون لهم فقها خاصا بناء على تصحيحهم وتضعيفهم ، ولن ينسوا أن يسموه بفقه السنة، وإذا راجعتهم قالوا : لنا أصولنا التي نحكم بها على نصوص الحديث ، ولهم أصولهم .
وليس في هذا الطرح ما يحجر على العالم المتأخر، أو يمنعه من نقد الحديث، لكن مطلق المخالفة للناقد المتقدم على وفق منهج مخالف لتطبيقاته يثير حفيظتنا؛ لأنه مخالفة علمية صارخة، وسيكون تطبيق المتقدمين في التفرد ، وهو من أركان الاعتبار عندهم، موضحا لهذا الاستظهار، إن شاء الله تعالى .
( السمات العلمية للمرحلتين )
مرحلة الرواية :
تتسم مرحلة الرواية بخصائص من أبرزها : تلقي الأحاديث ونقلها بوساطة الأسانيد، فالاعتماد ههنا على الإسناد، قال الإمام عبد الله بن المبارك : " الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء "، ومن خصائص هذه المرحلة استيعاب الأحاديث ونقدها؛ الأمر الذي ما أتيح بعد للمتأخرين، قال الإمام البيهقي : " توسع من توسع في السماع من بعض محدثي زمانه الذين لا يحفظون حديثهم ولا يحسنون قراءته من كتبهم، ولا يعرفون ما يقرأ عليهم، بعد أن تكون القراءة عليهم من أصل سماعهم، ووجه ذلك أن الأحاديث التي صحت أو وقفت بين الصحة والسقم قد دونت وكتبت في الجوامع التي جمعها أئمة الحديث، ولا يجوز أن يذهب شيء منها على جميعهم، وإن جاز أن يذهب على بعضهم؛ لضمان صاحب الشريعة حفظها "
ومن سمات هذه المرحلة تجرد علوم الحديث من غيرها من العلوم التي أدلت بدلوها في صياغة قواعد التحديث في مرحلة ما بعد الرواية، كعلم المنطق مثلا، فالأصول التي تحكم النقد في هذه المرحلة واحدة لا تتباين، بخلاف ما ظهر في مرحلة ما بعد الرواية؛ فقد ساهمت العلوم المختلفة في وضع الضوابط وتقعيد القواعد ، وصوغ المصطلحات التي من مجموعها ابتني منهج المتأخرين .
مرحلة ما بعد الرواية :
أما مرحلة ما بعد الرواية، فهي مرحلة التقليد ، في الغالب، لذا تجد كتب المتأخرين تعتمد في النقل على ما جمعه المتقدمون، ويقتصر أكثر عملهم على تدقيق النسخ وتحصيل الإجازات وتثبيت السماعات، الأمر الذي أضفى على المتأخرين صفة التقليد، وجعل من المتقدمين مرحلة الثوابت والمرجعية، وقد زالت هنا بعض المظاهر العلمية التي كانت شائعة في مرحلة حفاظ الرواية، كالاعتماد على الأسانيد والرواية المباشرة .
بعد ذلك؛ فمن العجب أن تجد بعض المتأخرين يقيد أحكام المتقدمين ومسائلهم وتطبيقاتهم، بما قعده من اصطلاح أو عناصر منهجية، بناء على استقراء عمل المتقدمين، والأنكى من ذلك أن يستدرك المتأخر على المتقدم فيعترض نقده بنظرة محدودة، كاللجوء إلى نقد الرواي، أو ادعاء وجود متابعات وشواهد في ظل حكم الناقد بالتفرد، أو غير ذلك.
ومنهج المتأخرين، كما قدمنا، مزيج من علوم شتى، من فقه وأصول فقه ومنطق غيرها، كلها أسهمت في تشكيل هذا المنهج، بعد أن انفصلت هذه العلوم، واستقلّ كل منها بأصول خاصة، ثم صارت الموازنة عند هؤلاء بين الفقهاء والمحدثين فيما يقبل ويرد، فيقال: هذا يقبل بمقتضى نظر الفقهاء، ولا يقبل بمقتضى نظر المحدثين، وهذه ليست علة معتبرة عند الفقهاء، وإن كانت معتبرة عند المحدثين، قال الحافظ : " فالذي يسلكه كثير من أهل الحديث بل غالبهم، جعل ذلك علة مانعة من الحكم بصحة الحديث مطلقا،... أما أئمة الفقه والأصول فإنهم جعلوا إسناد الحديث ورفعه كالزيادة في متنه " وجاء في الكفاية " قال الجمهور من الفقهاء وأصحاب الحديث : وزيادة الثقة مقبولة إذا انفرد بها ... وقال ابن دقيق العيد في ( الاقتراح ):" فإن كثيرا من العلل التي يعلل بها المحدثون لا تجري على أصول الفقهاء" وقال في ( شرح الإلمام ) : " إن لكل من أئمة الفقه والحديث طريقا غير طريق الآخر " وقال صاحب ( التدريب ) :" فالجرح مقدم ولو زاد عدد المعدل، هذا هو الأصح عند الفقهـــاء والأصوليين " ، وجاء في ( توضيح الأفكار ) : " فزيادة ( القادحة ) في وصف العلة زيادة قادحة في صحة الرسم على أصلهم، فحذف ابن الصلاح لها هو الصواب، وإثبات الشيخ زين الدين لها صير رسمه على اصطلاح الفقهاء، وهو بصدد بيان اصطلاح المحدثين " فأنت تلمس هنا اختلافا واضحا بين المحدثين من جهة والفقهاء والأصوليين من جهة أخرى، وعليه فقد نشأ اختلاف في الاصطلاح وطرائق التثبت واعتبار القوادح وغيرها، وهذا أمر لا تلمسه عند حفاظ مرحلة الرواية، مع كونهم أئمة فقه وحفاظ حديث، إلا أن أصولهم ثابتة.
والفقيه إذا جمع علوم الحديث إلى جانب الفقه؛ سلّم لهؤلاء النقاد نقدهم، وشاركهم في قبولهم وردهم، ولم ينكر عليهم صنيعهم، فهو بحكم اطلاعه على علوم الحديث، قد عاين سبرهم، واعتاد نهجهم، قال الإمام السخاوي : " وهو كما قال غيره أمر يهجم على قلبهم، ولا يمكنهم رده، وهيئة نفسانية لا معدل لهم عنها، ولهذا ترى الجامع بين الفقه والحديث كابن خزيمة والإسماعيلي والبيهقي وابن عبد البر، لا ينكر عليهم بل يشاركهم ويحذو حذوهم، وربما يطالبهم الفقيه والأصولي العاري عن الحديث بالأدلة "، وهذا يعني أن المهمة الجلى تكمن في توضيح منهج المتقدمين وتجليته، وعدم الاسترواح إلى مجرد كتب المصطلح عند المتأخرين، في التعاطي مع أصول علم الحديث ، وهذا أمر يعوزه مقام مستقل. إذن، فليس هذا الاستظهار من باب البحث في شرعية تعدد هذه المناهج، وإنما لتأصيل هذا التعدد، والبحث في ملامح مناهج النقدة المتقدمين حسب.
مثال إجرائي على التباين المنهجي بين المرحلتين :
حديث " كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء "
أخرجه : البخاري في ( التاريخ الكبير ) 7/229 ، وأبو داود ( برقم 4841 )،وأحمد: 2/343
وابن راهويه في ( المسند ) : 1/290 ، وابن حبان : 7/36 ، وابن أبي شيبة: 5/339
وأبو نعيم في الحلية :9/43، والبيهقي في ( السنن الكبير ) 3/209 .
كلهم من طريق : عبد الواحد بن زياد، ثنا عاصم بن كليب، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعا .
ورواه الإمام الترمذي ( برقم 1106 ) من طريق أبي هشام الرفاعي، ثنا محمد بن فضيل، عن عاصم به مرفوعا .
موقف الإمام المتقدم :
أعل الإمام مسلم الحديث بتفرد عبد الواحد بن زياد عن عاصم بن كليب ، فقال : " لم يرو هذا الحديث عن عاصم بن كليب إلا عبد الواحد بن زياد " .
موقف المتأخر :
صحح بعض المتأخرين الحديث، وعمدتهم في هذا التصحيح وصف الراوي المنفرد بالثقة، وسنناقش هذا من خلال ما قاله الإمام البيهقي، وما فصله الشيخ الألباني .
قال الإمام البيهقي : " عبد الواحد بن زياد من الثقات الذين يقبل منهم ما تفردوا به " .
قال الألباني : " وهو ، أي عبد الواحد بن زياد ، ثقة . في حديثه عن الأعمش وحده مقال، وقد احتجّ به الشيخان، فليس هذا من روايته عن الأعمش؛ فهو حجة، وبقية رجال الإسناد ثقات؛ فالسند صحيح" .
تذنيب ونقاش :
أقول : فأنت ترى أن الاعتبار عند المتأخرين مرتبط بحال الراوي؛ بغض النظر عن القرائن التي تظهر الخطأ في روايته، والإمام مسلم إنما أشار إلى علة الحديث بنظرة الناقد المتفحص، وهو بذا أقعد بالحال؛ إذ لاحظ أن عبد الواحد تفرد في طبقة من شأن الحديث فيها أن ينتشر بين أصحاب عاصم بن كليب الأثبات، مثل : شعبة، وزائدة بن قدامة، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وغيرهم. والرواية عن عاصم بن كليب، معروفة مشهورة بين هؤلاء، وهم أعلم وأثبت من
عبد الواحد بن زياد بمرويات عاصم بن كليب، ومن المعلوم أن الذي يستقل بالفرائد، إنما يتصف بكثرة الملازمة وزيادة التثبت والحفظ ، وهذا ليس متحققا في عبد الواحد بن زياد من جهة روايته عن عاصم، وإن كان ثقة؛ ولمثل هذا قال الذهبي عنه :" قد يروي المناكير" فاستقلال عبد الواحد بالرواية عن عاصم دون مشاركة أصحاب عاصم الأثبات الحفاظ، المقدمين بجمع فرائده، يوجب عند الناقد المتقدم تعليل الحديث ، كما ترى ، وهذه القرائن يعتمد عليها الناقد المتقدم، ويقدمها في الاعتبار على حال الراوي، لذلك سئل شعبة : من الذي يترك حديثه، قال : الذي إذا روى عن المعروفين ما لا يعرفه المعروفون فاكثر طرح حديثه " بل إنهم يعدون هذا الأمر طريقة لسبر الرواية ومعرفة حال الراوي؛ لذلك فإنه إذا كثر هذا في حديثه ترك، جاء في ترجمة نعيم بن حماد في ( تهذيب التهذيب ) : " قال أبو علي النيسابوري : سمعت النسائي يذكر فضل نعيم بن حماد وتقدمه في العلم والمعرفة والسنن، ثم قيل له في قبول حديثه، فقال : قد كثر تفرده عن الأئمة المعروفين بأحاديث كثيرة؛ فصار في حد من لا يحتج به " اهــ .
وعليه، فإن قول البيهقي عن عبد الواحد " من الثقات الذين يقبل منهم ما تفردوا به " ، ليس على إطلاقه، ومردود بتعليل الإمام مسلم، الذي هو أعلم بحال عبد الواحد، والحق أن تفرد الثقة دائر على القرائن ، قبولا وردا .
وذكر الألباني متابعة لحديث عبد الواحد بن زياد ، وهي عند الترمذي، من حديث أبي هشام الرفاعي عن محمد بن فضيل به مرفوعا .
قال في الصحيحة : " على أن متابعة أبي هشام الرفاعي ، واسمه محمد بن يزيد بن محمد الكوفي ، لا بأس بها؛ فإن أبا هشام ، وإن ضعفه بعض الأئمة، فليس من أجل تهمة فيه، وقد أخرجه عنه الترمذي ( 1/206 ) ، وقال : حديث حسن صحيح غريب " انتهى كلام الألباني.
تذنيب ونقاش :
أقول : هذا الكلام فيه نظر من وجوه :
الأول : أن الحديث معروف من طريق عبد الواحد بن زياد، كذا رواه عنه جماعة من الأثبات مثل: مسدد والمغيرة بن سلمة و موسى بن إسماعيل و حبان بن هلال وحامد بن عمر .
وطريق أبي هشام هذه لا تعرف، ولم يتابعه في الرواية عن محمد بن فضيل أحد، وأبو هشام لا يتحمل مثل هذا التفرد، لا سيما وأن فيه مقالا معروفا؛ لذلك لم يعتبر الإمام مسلم هذه المتابعة عندما سئل عنها وقال : " إنما تكلم يحيى بن معين في أبي هشام بهذا الذي رواه عن ابن فضيل" فتأمــــل .
قلت: والذي يلوح لي الآن ، أن أبا هشام سرق هذا الحديث، ثم رواه عن ابن فضيل، قال محمد بن عبد الله الحضرمي : " ألقيت على ابن نمير حديثا فقال : ألقه على أهل الكوفة كلهم، ولا تلقه على أبي هشام فيسرقه " ، وقال الحسين بن إدريس : ثم سألت عثمان عن أبي هشـــام فقال : لا تخبــر هؤلاء أنه يســــرق حديــــث غيـــره فيرويه " ؛ فهذه المتابعة لا يلتفت إليها بمرة؛ لذلك فإن البيهقي نفسه لم يعتد بهذه المتابعة عند قوله : " عبد الواحد بن زياد من الثقات الذين يقبل منهم ما تفردوا به " ، فهو يقرر التفرد، ولا يعتبر هذه المتابعة ، ثم يسعى إلى نفي العلة الناشئة عن هذا التفرد . والله تعالى أعلم .
الثاني : قول الألباني : " و إن ضعفه بعض الأئمة فليس من أجل تهمة فيه " لا يستقيم مع قول الإمام البخاري : رأيتهم مجتمعين على ضعفه ، ثم إن الألباني يحاول أن يثبت صلوح طريق أبي هشام الرفاعي للمتابعة لكون الراوي ليس متهما، وهذا أيضا مثال للتباين المنهجي بين نظرة المتأخر وطريقة الناقد المتقدم، فقد ثبت عند الناقد المتقدم ، أن رواية أبي هشام خطأ، وإنما وقع الخطأ في نقطة المتابعة المراد الاعتضاد بها؛ لذا لم يعتد الناقد المتقدم بهذه المتابعة بغض النظر عن كون الراوي متهما أو لا ، لكن المتأخر لا يلتفت إلى هذه القرائن، إنما يقوم عمود رأيه على حال الراوي المجردة ، فهي الاعتبار عنده .
الثالث : وقع في نسخة الترمذي المطبوعة قوله : " حسن صحيح غريب " والذي ذكره الحافظ المزي في التحفة 10/299" عن الترمذي قوله " حسن غريب " ، وكذا نقله أبو الطيب في عون المعبود 13/127 عن المنذري قال : وأخرجه الترمذي وقال : حسن غريب " قلت : وهذا أشبه ؛ لأنه يجري مع تعليل الإمام مسلم للحديث ، وعدم اعتبار المتابعة .
وفي هذا القدر كفاية ، ويمكن النظر في كتب شيخنا أبي محمد حمزة المليباري، لمزيد من الأمثلة .
في مناهج المحدثين
(التفرد نموذجا )
دراسة تحليلية تأصيلية إجرائية
بقلم أبي المنذر عماد أحمد الزبن
( حقيقة المتقدم والمتأخر ) :
إن المتتبع للأجواء العلمية التي سادت في عصر الرواية وما بعدها ، يدرك تماما أن ثمة اختلافا منهجيا واضحا ؛ يزداد اتساعا مع جريان العصور ، أدى فيما بعد إلى ظهور منهج مغاير للمنهج الأول ، يعنى بالمسائل النظرية وتقعيد التطبيقات السالفة ، الأمر الذي يدعونا إلى ضرورة تحسس التباين المنهجي بين المتقدمين والمتأخرين ، والوقوف على الخصائص المميزة لكل مرحلة علمية .
والخلاف ههنا منهجي يتعلق بطبيعة الأجواء العلمية ، وطرائق تلقي الأحاديث ونقلها، ومعيار قبولها وردها، وليس مجرد اختلاف زمني أو اختلاف صوري، إذ الزمن في هذا التتبع يعد تأريخا لبداية الاختلاف المنهجي بين المرحلتين، وليس أساسا في هذا الاختلاف، وإن كان ثم من جعل الزمن معيارا للتفريق بين المتقدمين والمتأخرين؛ فلاعتبار آخر غير ما ذكرنا، قال الذهبي : " فالحد الفاصل بين المتقدم والمتأخر هو رأس سنة ثلاثمائة " . وجلي جدا أن الذهبي يبني تفريقه على أساس فضل القرون الأولى، قال أستاذنا حمزة المليباري :" وهذا ، كما ترى، تحديد زمني قائم على أساس الفضل والشرف للقرون الأولى، فلا يعتبر ذلك إلا في مجال التفضيل والتشريف، أما في المجالات العلمية والمنهجية ، كعلوم الحديث، فلا؛ إذ إن حفاظ القرن الرابع بل النصف الأول من القرن الخامس أيضا يشتركون مع سلفهم في الأعراف العلمية، والمناهج التعليمية، والأساليب النقدية " .
فهو بهذا الاستظهار يعتبر الأعراف العلمية، ولا يعتبر التقسيم الزمني، ولكنه مع ذلك حاول أن يؤرخ لامتداد هذه الأعراف فقال عن مرحلة الرواية : " فأما الأولى فيمكن تسميتها بمرحلة الرواية، وهي ممتدة من عصر الصحابة إلى نهاية القرن الخامس الهجري تقريبا " وهذا الشيخ ملا علي القاري، يعدّ الحاكم وأبا نعيم من المتقدمين . بمعنى أن الأساليب النقدية والمناهج العلمية المتعلقة بعلم الحديث، سيطرت على المناخ العلمي العام السائد في هذه الحقبة، ثم بدأ الانحراف عن هذه الأجواء النقدية، مارا بمرحلة انعطاف امتزجت فيها المناهج، بحيث تجد شيئا من الأساليب النقدية التي سادت مرحلة المتقدمين؛ وسط ميل واضح إلى مناهج المتأخرين وأعرافهم العلمية؛ وذك بالاعتماد على الكتب و الرواية المباشرة، وقد تلمح هذا في قول ملا القاري عن الخطيب : " فهو أول المتأخرين وآخر المتقدمين "
( ثمرة التفريق بين المتقدمين والمتأخرين ) :
من المعلوم أنه متى وجد اختلاف في السمات العلمية،وتمخض عنه تباين في الرؤى والمناهج وتعدد في الأصول، لزم التفريق بين هذه المناهج، وتحديد خصائصها وسماتها، لا سيما في مجال نقد الأحاديث، وما يبنى عليه من قبول أو رد؛ لأن الاختلاف في المناهج مع ترك التمحيص والبحث والفصل، أو مع محاولة الخروج بصيغة مشتركة من خلال خلط هذه المناهج القائمة على حدود علمية متباينة؛ يؤدي إلى خلط في آلية التثبت، وخبط فاضح في النقد؛ وهذا يوسع دائرة الخلاف، ويذكي ضرام الجدل، ويزيد من الوقوع في الزلل، بل يفتح باب علوم الحديث على مصراعيه ليلج من شاء بما شاء ، فتتعاهده عقول قاصرة من متأخرة المتأخرة، يسوّدون فيه تواليف يتمدد فيها العراء بمقدار ما يتضاءل الغطاء، ثم يسترطون جهلهم ليقعوا أفكارا ضحلة يتطاولون فيها على النقدة الحفاظ، ومن ثم يبنون لهم فقها خاصا بناء على تصحيحهم وتضعيفهم ، ولن ينسوا أن يسموه بفقه السنة، وإذا راجعتهم قالوا : لنا أصولنا التي نحكم بها على نصوص الحديث ، ولهم أصولهم .
وليس في هذا الطرح ما يحجر على العالم المتأخر، أو يمنعه من نقد الحديث، لكن مطلق المخالفة للناقد المتقدم على وفق منهج مخالف لتطبيقاته يثير حفيظتنا؛ لأنه مخالفة علمية صارخة، وسيكون تطبيق المتقدمين في التفرد ، وهو من أركان الاعتبار عندهم، موضحا لهذا الاستظهار، إن شاء الله تعالى .
( السمات العلمية للمرحلتين )
مرحلة الرواية :
تتسم مرحلة الرواية بخصائص من أبرزها : تلقي الأحاديث ونقلها بوساطة الأسانيد، فالاعتماد ههنا على الإسناد، قال الإمام عبد الله بن المبارك : " الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء "، ومن خصائص هذه المرحلة استيعاب الأحاديث ونقدها؛ الأمر الذي ما أتيح بعد للمتأخرين، قال الإمام البيهقي : " توسع من توسع في السماع من بعض محدثي زمانه الذين لا يحفظون حديثهم ولا يحسنون قراءته من كتبهم، ولا يعرفون ما يقرأ عليهم، بعد أن تكون القراءة عليهم من أصل سماعهم، ووجه ذلك أن الأحاديث التي صحت أو وقفت بين الصحة والسقم قد دونت وكتبت في الجوامع التي جمعها أئمة الحديث، ولا يجوز أن يذهب شيء منها على جميعهم، وإن جاز أن يذهب على بعضهم؛ لضمان صاحب الشريعة حفظها "
ومن سمات هذه المرحلة تجرد علوم الحديث من غيرها من العلوم التي أدلت بدلوها في صياغة قواعد التحديث في مرحلة ما بعد الرواية، كعلم المنطق مثلا، فالأصول التي تحكم النقد في هذه المرحلة واحدة لا تتباين، بخلاف ما ظهر في مرحلة ما بعد الرواية؛ فقد ساهمت العلوم المختلفة في وضع الضوابط وتقعيد القواعد ، وصوغ المصطلحات التي من مجموعها ابتني منهج المتأخرين .
مرحلة ما بعد الرواية :
أما مرحلة ما بعد الرواية، فهي مرحلة التقليد ، في الغالب، لذا تجد كتب المتأخرين تعتمد في النقل على ما جمعه المتقدمون، ويقتصر أكثر عملهم على تدقيق النسخ وتحصيل الإجازات وتثبيت السماعات، الأمر الذي أضفى على المتأخرين صفة التقليد، وجعل من المتقدمين مرحلة الثوابت والمرجعية، وقد زالت هنا بعض المظاهر العلمية التي كانت شائعة في مرحلة حفاظ الرواية، كالاعتماد على الأسانيد والرواية المباشرة .
بعد ذلك؛ فمن العجب أن تجد بعض المتأخرين يقيد أحكام المتقدمين ومسائلهم وتطبيقاتهم، بما قعده من اصطلاح أو عناصر منهجية، بناء على استقراء عمل المتقدمين، والأنكى من ذلك أن يستدرك المتأخر على المتقدم فيعترض نقده بنظرة محدودة، كاللجوء إلى نقد الرواي، أو ادعاء وجود متابعات وشواهد في ظل حكم الناقد بالتفرد، أو غير ذلك.
ومنهج المتأخرين، كما قدمنا، مزيج من علوم شتى، من فقه وأصول فقه ومنطق غيرها، كلها أسهمت في تشكيل هذا المنهج، بعد أن انفصلت هذه العلوم، واستقلّ كل منها بأصول خاصة، ثم صارت الموازنة عند هؤلاء بين الفقهاء والمحدثين فيما يقبل ويرد، فيقال: هذا يقبل بمقتضى نظر الفقهاء، ولا يقبل بمقتضى نظر المحدثين، وهذه ليست علة معتبرة عند الفقهاء، وإن كانت معتبرة عند المحدثين، قال الحافظ : " فالذي يسلكه كثير من أهل الحديث بل غالبهم، جعل ذلك علة مانعة من الحكم بصحة الحديث مطلقا،... أما أئمة الفقه والأصول فإنهم جعلوا إسناد الحديث ورفعه كالزيادة في متنه " وجاء في الكفاية " قال الجمهور من الفقهاء وأصحاب الحديث : وزيادة الثقة مقبولة إذا انفرد بها ... وقال ابن دقيق العيد في ( الاقتراح ):" فإن كثيرا من العلل التي يعلل بها المحدثون لا تجري على أصول الفقهاء" وقال في ( شرح الإلمام ) : " إن لكل من أئمة الفقه والحديث طريقا غير طريق الآخر " وقال صاحب ( التدريب ) :" فالجرح مقدم ولو زاد عدد المعدل، هذا هو الأصح عند الفقهـــاء والأصوليين " ، وجاء في ( توضيح الأفكار ) : " فزيادة ( القادحة ) في وصف العلة زيادة قادحة في صحة الرسم على أصلهم، فحذف ابن الصلاح لها هو الصواب، وإثبات الشيخ زين الدين لها صير رسمه على اصطلاح الفقهاء، وهو بصدد بيان اصطلاح المحدثين " فأنت تلمس هنا اختلافا واضحا بين المحدثين من جهة والفقهاء والأصوليين من جهة أخرى، وعليه فقد نشأ اختلاف في الاصطلاح وطرائق التثبت واعتبار القوادح وغيرها، وهذا أمر لا تلمسه عند حفاظ مرحلة الرواية، مع كونهم أئمة فقه وحفاظ حديث، إلا أن أصولهم ثابتة.
والفقيه إذا جمع علوم الحديث إلى جانب الفقه؛ سلّم لهؤلاء النقاد نقدهم، وشاركهم في قبولهم وردهم، ولم ينكر عليهم صنيعهم، فهو بحكم اطلاعه على علوم الحديث، قد عاين سبرهم، واعتاد نهجهم، قال الإمام السخاوي : " وهو كما قال غيره أمر يهجم على قلبهم، ولا يمكنهم رده، وهيئة نفسانية لا معدل لهم عنها، ولهذا ترى الجامع بين الفقه والحديث كابن خزيمة والإسماعيلي والبيهقي وابن عبد البر، لا ينكر عليهم بل يشاركهم ويحذو حذوهم، وربما يطالبهم الفقيه والأصولي العاري عن الحديث بالأدلة "، وهذا يعني أن المهمة الجلى تكمن في توضيح منهج المتقدمين وتجليته، وعدم الاسترواح إلى مجرد كتب المصطلح عند المتأخرين، في التعاطي مع أصول علم الحديث ، وهذا أمر يعوزه مقام مستقل. إذن، فليس هذا الاستظهار من باب البحث في شرعية تعدد هذه المناهج، وإنما لتأصيل هذا التعدد، والبحث في ملامح مناهج النقدة المتقدمين حسب.
مثال إجرائي على التباين المنهجي بين المرحلتين :
حديث " كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء "
أخرجه : البخاري في ( التاريخ الكبير ) 7/229 ، وأبو داود ( برقم 4841 )،وأحمد: 2/343
وابن راهويه في ( المسند ) : 1/290 ، وابن حبان : 7/36 ، وابن أبي شيبة: 5/339
وأبو نعيم في الحلية :9/43، والبيهقي في ( السنن الكبير ) 3/209 .
كلهم من طريق : عبد الواحد بن زياد، ثنا عاصم بن كليب، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعا .
ورواه الإمام الترمذي ( برقم 1106 ) من طريق أبي هشام الرفاعي، ثنا محمد بن فضيل، عن عاصم به مرفوعا .
موقف الإمام المتقدم :
أعل الإمام مسلم الحديث بتفرد عبد الواحد بن زياد عن عاصم بن كليب ، فقال : " لم يرو هذا الحديث عن عاصم بن كليب إلا عبد الواحد بن زياد " .
موقف المتأخر :
صحح بعض المتأخرين الحديث، وعمدتهم في هذا التصحيح وصف الراوي المنفرد بالثقة، وسنناقش هذا من خلال ما قاله الإمام البيهقي، وما فصله الشيخ الألباني .
قال الإمام البيهقي : " عبد الواحد بن زياد من الثقات الذين يقبل منهم ما تفردوا به " .
قال الألباني : " وهو ، أي عبد الواحد بن زياد ، ثقة . في حديثه عن الأعمش وحده مقال، وقد احتجّ به الشيخان، فليس هذا من روايته عن الأعمش؛ فهو حجة، وبقية رجال الإسناد ثقات؛ فالسند صحيح" .
تذنيب ونقاش :
أقول : فأنت ترى أن الاعتبار عند المتأخرين مرتبط بحال الراوي؛ بغض النظر عن القرائن التي تظهر الخطأ في روايته، والإمام مسلم إنما أشار إلى علة الحديث بنظرة الناقد المتفحص، وهو بذا أقعد بالحال؛ إذ لاحظ أن عبد الواحد تفرد في طبقة من شأن الحديث فيها أن ينتشر بين أصحاب عاصم بن كليب الأثبات، مثل : شعبة، وزائدة بن قدامة، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وغيرهم. والرواية عن عاصم بن كليب، معروفة مشهورة بين هؤلاء، وهم أعلم وأثبت من
عبد الواحد بن زياد بمرويات عاصم بن كليب، ومن المعلوم أن الذي يستقل بالفرائد، إنما يتصف بكثرة الملازمة وزيادة التثبت والحفظ ، وهذا ليس متحققا في عبد الواحد بن زياد من جهة روايته عن عاصم، وإن كان ثقة؛ ولمثل هذا قال الذهبي عنه :" قد يروي المناكير" فاستقلال عبد الواحد بالرواية عن عاصم دون مشاركة أصحاب عاصم الأثبات الحفاظ، المقدمين بجمع فرائده، يوجب عند الناقد المتقدم تعليل الحديث ، كما ترى ، وهذه القرائن يعتمد عليها الناقد المتقدم، ويقدمها في الاعتبار على حال الراوي، لذلك سئل شعبة : من الذي يترك حديثه، قال : الذي إذا روى عن المعروفين ما لا يعرفه المعروفون فاكثر طرح حديثه " بل إنهم يعدون هذا الأمر طريقة لسبر الرواية ومعرفة حال الراوي؛ لذلك فإنه إذا كثر هذا في حديثه ترك، جاء في ترجمة نعيم بن حماد في ( تهذيب التهذيب ) : " قال أبو علي النيسابوري : سمعت النسائي يذكر فضل نعيم بن حماد وتقدمه في العلم والمعرفة والسنن، ثم قيل له في قبول حديثه، فقال : قد كثر تفرده عن الأئمة المعروفين بأحاديث كثيرة؛ فصار في حد من لا يحتج به " اهــ .
وعليه، فإن قول البيهقي عن عبد الواحد " من الثقات الذين يقبل منهم ما تفردوا به " ، ليس على إطلاقه، ومردود بتعليل الإمام مسلم، الذي هو أعلم بحال عبد الواحد، والحق أن تفرد الثقة دائر على القرائن ، قبولا وردا .
وذكر الألباني متابعة لحديث عبد الواحد بن زياد ، وهي عند الترمذي، من حديث أبي هشام الرفاعي عن محمد بن فضيل به مرفوعا .
قال في الصحيحة : " على أن متابعة أبي هشام الرفاعي ، واسمه محمد بن يزيد بن محمد الكوفي ، لا بأس بها؛ فإن أبا هشام ، وإن ضعفه بعض الأئمة، فليس من أجل تهمة فيه، وقد أخرجه عنه الترمذي ( 1/206 ) ، وقال : حديث حسن صحيح غريب " انتهى كلام الألباني.
تذنيب ونقاش :
أقول : هذا الكلام فيه نظر من وجوه :
الأول : أن الحديث معروف من طريق عبد الواحد بن زياد، كذا رواه عنه جماعة من الأثبات مثل: مسدد والمغيرة بن سلمة و موسى بن إسماعيل و حبان بن هلال وحامد بن عمر .
وطريق أبي هشام هذه لا تعرف، ولم يتابعه في الرواية عن محمد بن فضيل أحد، وأبو هشام لا يتحمل مثل هذا التفرد، لا سيما وأن فيه مقالا معروفا؛ لذلك لم يعتبر الإمام مسلم هذه المتابعة عندما سئل عنها وقال : " إنما تكلم يحيى بن معين في أبي هشام بهذا الذي رواه عن ابن فضيل" فتأمــــل .
قلت: والذي يلوح لي الآن ، أن أبا هشام سرق هذا الحديث، ثم رواه عن ابن فضيل، قال محمد بن عبد الله الحضرمي : " ألقيت على ابن نمير حديثا فقال : ألقه على أهل الكوفة كلهم، ولا تلقه على أبي هشام فيسرقه " ، وقال الحسين بن إدريس : ثم سألت عثمان عن أبي هشـــام فقال : لا تخبــر هؤلاء أنه يســــرق حديــــث غيـــره فيرويه " ؛ فهذه المتابعة لا يلتفت إليها بمرة؛ لذلك فإن البيهقي نفسه لم يعتد بهذه المتابعة عند قوله : " عبد الواحد بن زياد من الثقات الذين يقبل منهم ما تفردوا به " ، فهو يقرر التفرد، ولا يعتبر هذه المتابعة ، ثم يسعى إلى نفي العلة الناشئة عن هذا التفرد . والله تعالى أعلم .
الثاني : قول الألباني : " و إن ضعفه بعض الأئمة فليس من أجل تهمة فيه " لا يستقيم مع قول الإمام البخاري : رأيتهم مجتمعين على ضعفه ، ثم إن الألباني يحاول أن يثبت صلوح طريق أبي هشام الرفاعي للمتابعة لكون الراوي ليس متهما، وهذا أيضا مثال للتباين المنهجي بين نظرة المتأخر وطريقة الناقد المتقدم، فقد ثبت عند الناقد المتقدم ، أن رواية أبي هشام خطأ، وإنما وقع الخطأ في نقطة المتابعة المراد الاعتضاد بها؛ لذا لم يعتد الناقد المتقدم بهذه المتابعة بغض النظر عن كون الراوي متهما أو لا ، لكن المتأخر لا يلتفت إلى هذه القرائن، إنما يقوم عمود رأيه على حال الراوي المجردة ، فهي الاعتبار عنده .
الثالث : وقع في نسخة الترمذي المطبوعة قوله : " حسن صحيح غريب " والذي ذكره الحافظ المزي في التحفة 10/299" عن الترمذي قوله " حسن غريب " ، وكذا نقله أبو الطيب في عون المعبود 13/127 عن المنذري قال : وأخرجه الترمذي وقال : حسن غريب " قلت : وهذا أشبه ؛ لأنه يجري مع تعليل الإمام مسلم للحديث ، وعدم اعتبار المتابعة .
وفي هذا القدر كفاية ، ويمكن النظر في كتب شيخنا أبي محمد حمزة المليباري، لمزيد من الأمثلة .
تعليق