بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله ذي القدرة والجلال ، والنعم السابغة والإفضال ، الذي من علينا بمعرفته ، وهدانا إلى الإقرار بربوبيته ، وجعلنا من أمة خاتم النبيين ، السامي بفضله على سائر العالمين ، الطاهر الأعراق ، الشريف الأخلاق ، الذي قال الله الكريم مخاطبا له في الذكر الحكيم : (وإنك لعلى خلق عظيم) صلى الله عليه وسلم ، وأزلف منزلته لديه ، وعلى إخوانه وأقربيه وصحابته الأخيار وتابعيه ، وسلم عليه وعليهم أجمعين ، دائما أبدا إلى يوم الدين . أما بعد :
وقد رأيت خلقا من أهل هذا الزمان ينتسبون إلى الحديث ، ويعدون أنفسهم من أهله المتخصصين بسماعه ونقله ، وهم أبعد الناس مما يدعون ، وأقلهم معرفة بما إليه ينتسبون ، يرى الواحد منهم إذا كتب عددا قليلا من الأجزاء ، واشتغل بالسماع برهة يسيرة من الدهر ، أنه صاحب حديث على الإطلاق ، ولما يجهد نفسه ويتعبها في طلابه ، ولا لحقته مشقة الحفظ لصنوفه وأبوابه،
..أحمد بن العباس النسائي ، قال : « سألت أحمد بن حنبل عن الرجل يكون معه مائة ألف حديث ، يقال : إنه صاحب حديث ؟ قال : لا ، قلت له : عنده مائتا ألف حديث ، يقال : إنه صاحب حديث ؟ قال : لا ، قلت : له : ثلاثمائة ألف حديث ؟ فقال بيده كذا ، يروح يمنة ويسرة، وأومأ غسان بيده كذا وكذا ، يقلبها »
..أبو زرعة الرازي، قال : سمعت أبا بكر بن أبي شيبة ، يقول : « من لم يكتب عشرين ألف حديث إملاء ، لم يعد صاحب حديث »
وهم مع قلة كتبهم له ، وعدم معرفتهم به أعظم الناس كبرا ، وأشد الخلق تيها وعجبا ، لا يراعون لشيخ حرمة، ولا يوجبون لطالب ذمة ، يخرقون بالراوين ، ويعنفون على المتعلمين ، خلاف ما يقتضيه العلم الذي سمعوه ، وضد الواجب مما يلزمهم أن يفعلوه ،
والواجب أن يكون طلبة الحديث أكمل الناس أدبا ، وأشد الخلق تواضعا ، وأعظمهم نزاهة وتدينا ، وأقلهم طيشا وغضبا ، لدوام قرع أسماعهم بالأخبار المشتملة على محاسن أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم وآدابه ، وسيرة السلف الأخيار من أهل بيته وأصحابه ، وطرائق المحدثين ، ومآثر الماضين ، فيأخذوا بأجملها وأحسنها ، ويصدفوا عن أرذلها وأدونها
.. مالك بن أنس ، عن ابن شهاب ، قال : « إن هذا العلم أدب الله الذي أدب به نبيه صلى الله عليه وسلم ، وأدب النبي صلى الله عليه وسلم أمته ، أمانة الله إلى رسوله ليؤديه على ما أدي إليه، فمن سمع علما فليجعله أمامه حجة فيما بينه وبين الله عز وجل »
.. عن ابن المبارك ، قال : قال لي مخلد بن الحسين : « نحن إلى كثير من الأدب أحوج منا إلى كثير من الحديث »
.. عن ابن المبارك ، قال : قال لي مخلد بن الحسين : « نحن إلى كثير من الأدب أحوج منا إلى كثير من الحديث »
1 باب النية في طلب الحديث
- عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله ، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرض الدنيا - وقال أبو نعيم : عرضا من الدنيا - لم يجد عرف الجنة يوم القيامة
- قال حماد بن سلمة : « من طلب الحديث لغير الله ، مكر به »
- عن أنس بن مالك ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن الشيطان ليسبعكم بالعلم » ، قالوا : كيف يسبعنا به يا رسول الله ؟ قال : « لا يزال العبد للعلم طالبا ، وللعمل تاركا حتى يأمه الموت »
- عن علي بن أبي طالب ، أنه قال : « يا حملة العلم ، اعملوا به ، فإنما العالم من عمل بما علم ، ووافق عمله علمه ، وسيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم، تخالف سريرتهم علانيتهم ، ويخالف عملهم علمهم ، يجلسون حلقا ، فيباهي بعضهم بعضا ، حتى أن أحدهم ليغضب على جليسه حين يجلس إلى غيره ويدعه ، أولئك لا تصعد أعمالهم في مجالسهم تلك إلى الله عز وجل »
2 باب ذكر ما ينبغي للراوي والسامع أن يتميزا به من الأخلاق الشريفة
- عن جابر بن عبد الله ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إن الله يحب معالي الأخلاق ويكره سفسافها »
-.. نا حبيب بن حجر القيسي ، قال : « كان يقال : ما أحسن الإيمان ويزينه العلم وما أحسن العلم ويزينه العمل وما أحسن العمل ويزينه الرفق وما أضيف شيء إلى شيء مثل حلم إلى علم »
- قال أبو سعيد الخدري : قال عمر بن الخطاب : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « قال أخي موسى عليه السلام : يا رب أرني الذي كنت أرى في السفينة ، فأوحى الله إليه يا موسى إنك ستراه ، فلم يلبث موسى إلا يسيرا حتى أتاه الخضر ، وهو فتى طيب الريح ، حسن بياض الثياب ، فقال : السلام عليك يا موسى بن عمران ، إن ربك يقرأ عليك السلام ورحمة الله ، قال موسى : هو السلام ، ومنه السلام ، وإليه السلام ، والحمد لله رب العالمين الذي لا أحصي نعمه ، ولا أقدر على أداء شكره إلا بمعونته ، ثم قال موسى : أريد أن توصيني بوصية ينفعني الله بها ، فقال الخضر : يا طالب العلم ، إن القائل أقل ملالة من المستمع ، فلا تمل جلساءك إذا حدثتهم ، واعلم أن قلبك وعاء ، فانظر ماذا تحشو به وعاءك ، واعزف نفسك عن الدنيا ، وانبذها وراءك ، فإنها ليست لك بدار ولا لك فيها محل قرار ، فإنها إنما جعلت بلغة للعباد ، ليتزودوا منها للمعاد ، يا موسى وطن نفسك على الصمت تلق الحكم ، وأشعر قلبك التقوى تنل العلم ، ورض نفسك على الصبر تخلص من الإثم ، يا موسى تفرغ للعلم ، إن كنت تريده ، فإنما العلم لمن تفرغ له ، ولا تكونن مكثار المنطق مهذارا ، فإن كثرة المنطق تشين العلماء ، وتبدي مساوئ السخفاء ، ولكن عليك بالاقتصاد فإن ذلك من التوفيق والسداد ، وأعرض عن الجهال ، واحلم عن السفهاء ، فإن ذلك فعل الحكماء وزين العلماء ، إذا شتمك الجاهل فاسكت عنه حلما ، وجانبه حزما ، فإن ما بقي من جهله عليك وشتمه إياك أكثر وأعظم ، يا ابن عمران ، لا ترى أنك أوتيت من العلم إلا قليلا ، فإن التعسف من الاقتحام والتكلف ، يا ابن عمران لا تفتحن بابا لا تدري ما غلقه ، ولا تغلقن بابا لا تدري ما مفتاحه ، يا ابن عمران من لا تنتهي من الدنيا نهمته ، ولا تنقضي منها رغبته ، كيف يكون عابدا من يحقر حاله ، ويتهم الله بما قضى له ؟ كيف يكون زاهدا ؟ هل يكف عن الشهوات من قد غلب عليه هواه ، أو ينفعه طلب العلم والجهل قد حواه ؟ لأن سفرته إلى آخرته وهو مقبل على دنياه ، يا موسى تعلم ما تعلمت لتعمل به ، ولا تعلمه لتحدث به فيكون عليك بوره ، ويكون لغيرك نوره ، يا موسى بن عمران اجعل الزهد والتقوى لباسك ، والعلم والذكر كلامك ، واستكثر من الحسنات فإنك مصيب السيئات ، وزعزع بالخوف قلبك فإن ذلك يرضي ربك ، واعمل خيرا فإنك لا بد عامل شرا ، وقد وعظت إن حفظت ، ثم تولى الخضر وبقي موسى حزينا مكروبا »
3 ذكر ما يجب على طالب الحديث من الاحتراف للعيال واكتساب الحلال
- ..قال : سمعت مؤملا ، يقول : سمعت عبيد بن جناد ، يقول لأصحاب الحديث : « ينبغي للرجل أن يعرف من أين مطعمه وملبسه ومسكنه ، وكذا وكذا ثم يطلب العلم »
4 إيثار العزوبة للطالب وتركه التزويج
..عن حذيفة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « خيركم في المائتين كل خفيف الحاذ » قالوا : يا رسول الله ، وما خفيف الحاذ ؟ قال : « الذي لا أهل له ولا ولد »
.. الحسن بن علي - يعني ابن عفان العامري الكوفي - يقول : سمعت ابن نمير ، يقول : قال لي سفيان : « تزوجت ؟ قلت : لا ، قال : ما تدري ما أنت فيه من العافية »
.. نا سفيان الثوري ، عن أبيه ، عن جده ، عن زياد بن الحارث الصدائي ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « من طلب العلم تكفل الله برزقه »
.. قال : سمعت أبا الوليد ، يقول : سمعت شعبة ، يقول : « إذا كان عندي شيء من دقيق وطن من قصب ، فلا أبالي ما فاتني من الدنيا »
5 ذكر ما يجب تقديم حفظه على الحديث
ينبغي للطالب أن يبدأ بحفظ كتاب الله عز وجل ، إذ كان أجل العلوم وأولاها بالسبق والتقديم
عن أبي الأحوص ، عن عبد الله ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن هذا القرآن مأدبة (1) الله ، فتعلموا مأدبته ما استطعتم ، وإن هذا القرآن هو حبل الله ، وهو النور البين ، والشفاء النافع ، عصمة لمن تمسك به ، ونجاة لمن تبعه ، لا يعوج فيقوم ، ولا يزيغ (2) فيستعتب ، ولا تنقضي عجائبه ، ولا يخلق عن كثرة الرد »
فإذا رزقه الله تعالى حفظ كتابه ، فليحذر أن يشتغل عنه بالحديث ، أو غيره من العلوم اشتغالا يؤدي إلى نسيانه
- عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « عرضت علي أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد ، وعرضت علي ذنوب أمتي فلم أر ذنبا أعظم من آية أو سورة أوتيها رجل ثم نسيها »
- عن سعد بن عبادة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ما من امرئ يقرأ القرآن ثم ينساه إلا لقي الله تعالى يوم القيامة أجذم »
قال الشيخ أبو بكر : قول البخاري إن أصحاب السنن أقل الناس ، عنى به الحفاظ للحديث ، العالمين بطرقه ، المميزين لصحيحه من سقيمه ، وقد صدق رحمه الله في قوله ، لأنك إذا اعتبرت لم تجد بلدا من بلدان الإسلام يخلو من فقيه ، أو متفقه يرجع أهل مصره إليه ، ويعولون في فتاويهم عليه ، وتجد الأمصار الكثيرة خالية من صاحب حديث عارف به مجتهد فيه ، وما ذاك إلا لصعوبة علمه وعزته وقلة من ينجب فيه من سامعيه وكتبته ، وقد كان العلم في وقت البخاري غضا طريا ، والارتسام به محبوبا شهيا ، والدواعي إليه أكبر ، والرغبة فيه أكثر ، وقال هذا القول الذي حكيناه عنه ، فكيف نقول في هذا الزمان مع عدم الطالب ، وقلة الراغب وكان الشاعر وصف قلة المتخصصين من أهل زماننا في قوله : وقد كنا نعدهم قليلا ، فقد صاروا أقل من القليل
- عن شعيب بن حرب ، قال : « كنا نطلب الحديث أربعة آلاف ، فما أنجب منا إلا أربعة »
..يحيى بن أبي طالب ، يقول : سمعت أبا داود الطيالسي ، يقول : « كنت يوما بباب شعبة ، وكان المسجد ملآن ، قال : فخرج شعبة فاتكأ علي ، وقال : يا سليمان ، ترى هؤلاء كلهم يخرجون محدثين ؟ قلت : لا ، قال : صدقت ، ولا خمسة ؟ قلت : خمسة ؟ قال : نعم ، يكتب أحدهم في صغره ثم إذا كبر تركه ، ويكتب أحدهم في صغره ثم إذا كبر يشتغل بالفساد ، قال : فجعل يردد علي ، قال أبو داود : ثم نظرت بعد ، فما خرج منهم خمسة »
..قال لي سفيان الثوري يوما - وقد اجتمع الناس عليه - فقال لي : يا محمد ، « ترى هؤلاء ما أكثرهم ، ثلث يموتون ، وثلث يتركون هذا الذي تسمعونه ، ومن الثلث الآخر ما أقل من ينجب »
6 باب القول في الأسانيد العالية
من اجتزأ بالسماع النازل مع كون الذي حدث عنه موجودا
- عن حميد ، أن أنس بن مالك ، حدث بحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رجل : أنت سمعته من رسول الله ؟ فغضب غضبا شديدا ، وقال : « والله ما كل ما نحدثكم سمعناه من رسول الله ، ولكن كان يحدث بعضنا بعضا ولا يتهم بعضنا بعضا »
- عن حماد بن زيد ، قال : « كنا نكون في مجلس أيوب فنسمع رجلا يحدثنا عن أيوب فنسمعه منه ، ولا نسأل أيوب عنه »
- عن سعيد بن المسيب ، عن عامر بن سعد ، عن سعد بن أبي وقاص ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعلي : « أنت مني بمنزلة هارون من موسى ، إلا أنه ليس بعدي نبي » ، قال سعيد : فأحببت أن أشافه به سعدا ، فأتيته فذكرت له ما ذكر لي عامر ، فقال لي : نعم ، فقلت : أنت سمعته ؟ فأدخل يده في أذنه فقال : نعم ، وإلا اصطكتا
.. قال : سمعت أبا عبد الرحمن الطوسي ، يقول : سمعت محمد بن أسلم الطوسي ، يقول : « قرب الإسناد قربة إلى الله عز وجل »
..سمعت أحمد بن حنبل ، يقول : « طلب إسناد العلو من السنة »
- عن يحيى بن معين ، قال : « الحديث النزول عن ثبت خير من علو عن غير ذي ثبت»
- ..سمعت عبد الرحمن بن مهدي ، يقول : « لا يزال العبد في فسحة من دينه ما لم يطلب الإسناد - يعني التعالي فيه - »
- ..قال : في كتابي عن أبي بكر بن الأنباري ، أنه أنشد : علم النزول اكتبوه فهو ينفعكم وترككم كتبه ضرب من العنت إن النزول إذا ما كان عن ثبت أعلى لكم من علو غير ذي ثبت
7 باب القول في تخير الشيوخ إذا تباينت أوصافهم
درجات الرواة لا تتساوى في العلم ، فيقدم السماع ممن علا إسناده على ما ذكرنا ، فإن تكافأت أسانيد جماعة من الشيوخ في العلو ، وأراد الطالب أن يقتصر على السماع من بعضهم فينبغي أن يتخير المشهور منهم بطلب الحديث ، المشار إليه بالإتقان له والمعرفة به
- سمعت بقية ، يقول : سمعت شعبة ، يقول : « اكتبوا المشهور عن المشهور »
- عن أبي بكر بن حفص بن عمر بن سعد ، قال : قلت لسالم بن عبد الله : « في أي الشق كان ابن عمر يشعر بدنه؟ قال : في الشق الأيمن ، قال : فأتيت نافعا فقلت : في أي الشق كان ابن عمر يشعر بدنه ؟ قال : في الشق الأيسر ، فقلت : إن سالما أخبرني أنه كان يشعر في الشق الأيمن ، قال نافع : وهل سالم ، إنما أتي ببدنتين مقرونتين صعبتين، ففرق أن يدخل بينهما ، فأشعر هذه في الأيمن وهذه في الأيسر ، فرجعت إلى سالم فأخبرته بقول نافع فقال : صدق نافع ، عليكم بنافع فإنه أحفظ لحديث عبد الله ، فأقر به محمد بن مهران »
- وإذا تساووا في الإسناد والمعرفة فمن كان من الأشراف وذوي الأنساب فهو أولى بأن يسمع منه
- هذا كله بعد استقامة الطريقة وثبوت العدالة والسلامة من البدعة ، فأما من لم يكن على هذه الصفة فيجب العدول عنه واجتناب السماع منه
-.. نا أبو إسماعيل الترمذي ، قال : سمعت محمد بن عمرو ، أبا غسان الرازي الطيالسي ، لقبه زنيج يقول : « لو أن لرجل على رجل عشرة دراهم ثم جحدها ، لم تستطع أن تأخذها منه إلا بشاهدين عدلين ، فدين الله أحق أن نطلب عليه العدول ، وكان إذا مر بالحديث الصحيح الإسناد ، قال : دست بدست - يعني يدا بيد - شهادات المرضيين بعضهم على بعض ، وإذا مر بالحديث في إسناده شيء قال : هذا فيه عهدة »
- ..قال : سمعت يحيى بن معين ، يقول : « آلة الحديث الصدق ، والشهرة ، والطلب ، وترك البدع ، واجتناب الكبائر »
- ..سمعت عيسى بن صبيح أبا موسى ، يقول : « قد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : » يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ، ينفون عنه تحريف الغالين ، وتأويل الجاهلين ، وانتحال المبطلين « ، قال : فسبيل العلم أن يحمل عمن هذه سبيله ووصفه »
اتفق أهل العلم على أن السماع ممن ثبت فسقه لا يجوز ، ويثبت الفسق بأمور كثيرة لا تختص بالحديث ، فأما ما يختص بالحديث منها ، فمثل أن يضع متون الأحاديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو أسانيد المتون ، ويقال : إن الأصل في التفتيش عن حال الرواة كان لهذا السبب
قال أبو بكر الخطيب : وإذا سلم الراوي من وضع الحديث وادعاء السماع ممن لم يلقه ، وجانب الأفعال التي تسقط بها العدالة، غير أنه لم يكن له كتاب بما سمعه فحدث من حفظه ، لم يصح الاحتجاج بحديثه حتى يشهد له أهل العلم بالأثر والعارفون به أنه ممن قد طلب الحديث وعاناه وضبطه وحفظه ، ويعتبر إتقانه وضبطه بقلب الأحاديث عليه
عن حماد بن سلمة ، قال : « كنت أقلب على ثابت البناني حديثه ، وكانوا يقولون : القصاص لا يحفظون ، وكنت أقول لحديث أنس : كيف حدثك عبد الرحمن بن أبي ليلى ؟ فيقول : لا إنما حدثناه أنس ، وأقول لحديث عبد الرحمن بن أبي ليلى : كيف حدثك أنس ؟ فيقول : لا إنما حدثناه عبد الرحمن بن أبي ليلى »
وإذا كان الراوي من أهل الأهواء والمذاهب التي تخالف الحق لم يسمع منه ، وإن عرف بالطلب والحفظ
..نا عبد الله بن أبي أمية ، قال : حدثني حماد بن أبي سلمة ، حدثني شيخ ، لهم - يعني الرافضة - تاب قال : « كنا إذا اجتمعنا واستحسنا شيئا جعلناه حديثا »
..سمعت أيوب ، يقول : « إن لي لجارا بالبصرة ما أكاد أقدم عليه بالبصرة أحدا ، لو شهد عندي على فلسين أو تمرتين لم أجز شهادته »
إذا كان الراوي صحيح السماع ، غير أنه متساهل في الرواية ، ومعروف بالغفلة ، فالسماع منه جائز ، غير أنه مكروه ويضعف حاله بما ذكرنا
8 باب آداب الطلب
ينبغي لطالب الحديث أن يتميز في عامة أموره عن طرائق القوام ، باستعمال آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أمكنه ، وتوظيف السنن على نفسه ، فإن الله تعالى يقول : (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة)
.. أنا أبو أيوب سليمان بن إسحاق الجلاب ، قال : قال لي إبراهيم الحربي : « ينبغي للرجل إذا سمع شيئا من آداب النبي صلى الله عليه وسلم أن يتمسك به »
.. سمعت الثوري ، يقول : « إن استطعت ، ألا تحك رأسك إلا بأثر فافعل »
- عن الحسن ، قال : « كان الرجل يطلب العلم فلا يلبث أن يرى ذلك في تخشعه وهديه ولسانه وبصره ويده »
- سمعت عمرو بن قيس الملائي ، يقول : « إذا بلغك شيء من الخير فاعمل به ولو مرة تكن من أهله »
- سمعت أبا عثمان سعيد بن إسماعيل الزاهد يقول : « من أمر السنة على نفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة ، ومن أمر الهوى على نفسه نطق بالبدعة ، لأن الله يقول ( وإن تطيعوه تهتدوا ) »
- عن نافع ، قال : سألت ابن عمر عن قول النبي ، صلى الله عليه وسلم : « اللهم بارك لأمتي في بكورها فقال : «في طلب العلم والصف الأول»
عن أنس بن مالك ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « سرعة المشي تذهب بماء الوجه »
- عن أبي أمامة ، قال : ذكر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يوما عنده الدنيا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ألا تسمعون ؟ ألا تسمعون ؟ إن البذاذة من الإيمان»
- عن يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس ، عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إن الله يحب المتبذل الذي لا يبالي ما لبس »
..نا ابن وهب ، قال : سمعت مالكا ، يقول : « إن حقا على من طلب العلم أن يكون له وقار وسكينة وخشية، وأن يكون متبعا لأثر من مضى قبله »
.. عن علي ، قال : « إذا تعلمتم العلم فاكظموا عليه ، ولا تخلطوه بضحك وباطل ؛ فتمجه القلوب »
يجب على طالب الحديث أن يتجنب اللعب والعبث والتبذل في المجالس بالسخف ، والضحك ، والقهقهة ، وكثرة التنادر ، وإدمان المزاح والإكثار منه ، فإنما يستجاز من المزاح يسيره ونادره وطريفه الذي لا يخرج عن حد الأدب وطريقة العلم ، فأما متصله وفاحشه وسخيفه وما أوغر منه الصدور وجلب الشر ؛ فإنه مذموم وكثرة المزاح والضحك يضع من القدر ، ويزيل المروءة
- عن إسماعيل بن يحيى ، قال : رآني سفيان وأنا أمازح رجلا من بني شيبة عند البيت ، فتبسمت فالتفت إلي فقال : « تبتسم في هذا الموضع إن كان الرجل ليسمع الحديث الواحد فنرى عليه ثلاثة أيام سمته وهديه »
يتبع بإذن الله.....
> تركت التعليق على هذه النصوص، حفظا لمكانة الامام الخطيب، فإن هذه النصوص ناطقة بمحتواها، ولا ينبغي قصر هذه الآداب على طالب الحديث بل هي أعم لكل طالب علم، لكن كان طلب الحديث هو المشتهر عندهم والله أعلم..
تعليق