قال العلامة المناوي في فيض القدير فيمن يبعث على رأس كل مئة سنة يجدد للأمة أمر دينها :
وذلك لأنه سبحانه لما جعل المصطفى خاتمة الأنبياء والرسل وكانت حوادث الأيام خارجة عن التعداد ومعرفة أحكام الدين لازمة إلى يوم التناد ولم تف ظواهر النصوص ببيانها بل لا بد من طريق واف بشأنها اقتضت حكمة الملك العلام ظهور قرم من الأعلام في غرة كل قرن ليقوم بأعباء الحوادث إجراء لهذه الأمة مع علمائهم مجرى بني إسرائيل مع أنبيائهم
فكان في المئة الأولى : عمر بن عبد العزيز.
والثانية : الشافعي.
والثالثة : الأشعري أو ابن شريح.
والرابعة : الاسفراييني أو الصعلوكي أو الباقلاني.
والخامسة : حجة الإسلام الغزالي.
والسادسة : الإمام الرازي أو الرافعي.
والسابعة : ابن دقيق العيد ذكره السبكي
وجعل الزين العراقي في الثامنة الأسنوي بعد نقله عن بعضهم أنه جعل في الرابعة : أبا إسحاق الشيرازي.
والخامسة : السلفي.
والسادسة : النووي انتهى.
وجعل غيره في الثامنة : البلقيني.
ولا مانع من الجمع فقد يكون المجدد أكثر من واحد.
قال الذهبي : من هنا للجمع لا للمفرد
فنقول مثلا :
على رأس الثلاث مئة : ابن شريح في الفقه والأشعري في الأصول والنسائي في الحديث
وعلى الست مئة مثلا : الفخر الرازي في الكلام والحافظ عبد الغني في الحديث وهكذا.
وقال في جامع الأصول: قد تكلموا في تأويل هذا الحديث وكل أشار إلى القائم الذي هو من مذهبه وحملوا الحديث عليه.
والأولى العموم فإن من تقع على الواحد والجمع ولا يختص أيضا بالفقهاء فإن انتفاع الأمة يكون أيضا بأولي الأمر وأصحاب الحديث والقراء والوعاظ لكن المبعوث ينبغي كونه مشارا إليه في كل هذه الفنون
ففي رأس الأولى من أولي الأمر : عمر بن عبد العزيز.
ومن الفقهاء : محمد الباقر ، والقاسم ابن محمد ، وسالم بن عبد الله ، والحسن ، وابن سيرين وغيرهم من طبقتهم.
ومن القراء : ابن كثير
ومن المحدثين : الزهري.
وفي رأس الثانية من أولي الأمر : المأمون.
ومن الفقهاء : الشافعي ، واللؤلؤي من أصحاب أبي حنيفة ، وأشهب من أصحاب مالك ، ومن الإمامية علي بن موسى الرضي
ومن القراء : الحضرمي
ومن المحدثين : ابن معين
ومن الزهاد : الكرخي.
وفي الثالثة من أولي الأمر : المقتدر
ومن المحدثين : النسائي.
وفي الرابعة من أولي الأمر : القادر.
ومن الفقهاء : الاسفراييني الشافعي ، والخوارزمي الحنفي ، وعبد الوهاب المالكي ، والحسين الحنبلي
ومن المتكلمين : الباقلاني ، وابن فورك
ومن المحدثين : الحاكم
ومن الزهاد : الثوري
وهكذا يقال في بقية القرون.
وقال في الفتح: نبه بعض الأئمة على أنه لا يلزم أن يكون في رأس كل قرن واحد فقط بل الأمر فيه كما ذكره النووي في حديث: " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق " من أنه يجوز أن تكون الطائفة جماعة متعددة من أنواع المؤمنين ما بين شجاع وبصير بالحرب وفقيه ومحدث ومفسر وقائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وزاهد وعابد ولا يلزم اجتماعهم ببلد واحد بل يجوز اجتماعهم في قطر واحد وتفرقهم في الأقطار ويجوز تفرقهم في بلد وأن يكونوا في بعض دون بعض
ويجوز إخلاء الأرض كلها من بعضهم أولا فأولا إلى أن لا يبقى إلا فرقة واحدة ببلد واحد فإذا انقرضوا أتى أمر الله
قال الحافظ ابن حجر: وهذ متجه فإن اجتماع الصفات المحتاج إلى تجديدها لا تنحصر في نوع من الخير ولا يلزم أن جميع خصال الخير كلها في شخص واحد إلا أن يدعى ذلك في ابن عبد العزيز فإنه كان القائم بالأمر على رأس المئة الأولى باتصافه بجميع صفات الخير وتقدمه فيها ومن ثم ذكر أحمد أنهم كانوا يحملون عنه الحديث وأما من بعده فالشافعي وإن اتصف بالصفات الجميلة والفضائل الجمة لكنه لم يكن القائم بشأن الجهاد والحكم بالعدل فعلى هذا كل من اتصف بشيء من ذلك عند رأس المئة هو المراد تعدد أم لا. انتهى.
وأؤما المصنف هنا وصرح في عدة تآليفه بأن المجدد على رأس المئة التاسعة.
قال في بعضها: " قد أقامنا الله في منصب الاجتهاد لنبين للناس ما أدى إليه اجتهادنا تجديدا للدين " هذه عبارة.
وقال في موضع آخر: " ما جاء بعد السبكي مثلي وفي آخر الناس يدعون اجتهادا واحدا وأنا أدعي ثلاثا " إلى غير ذلك
وقد قامت عليه في ومنه بذلك القيامة ولم تسلم له في عصره هامة وطلبوا أن يناظروه فامتنع وقال:
لا أناظر إلا من هو مجتهد مثلي وليس في العصر مجتهد إلا أنا كما حكاه هو عن نفسه
وكتبوا له حيث تدعى الاجتهاد فعليك الإثبات ليكون الجواب على قدر الدعوى فتكون صاحب مذهب خامس فلم يجبهم.
قال العلامة الشهاب بن حجر الهيتمي:
لما ادعى الجلال ذلك قام عليه معاصروه ورموه عن قوس واحد وكتبوا له سؤالا فيه مسائل أطلق الأصحاب فيها وجهين وطلبوا منه إن كان عنده أدنى مراتب الاجتهاد وهو اجتهاد الفتوى فليتكلم على الراجح من تلك الأوجه بدليل على قواعد المجتهدين فرد السؤال من غير كتابة عليه واعتذر بأن له اشتغالا يمنعه في النظر في ذلك.
قال الشهاب الرملي: فتأمل صعوبة هذه المرتبة - أعني اجتهاد الفتوى - الذي هو أدنى مراتب الاجتهاد يظهر لك أن مدعيها فضلا عن مدعي الاجتهاد المطلق في حيرة من أمره فساد في فكره وأنه ممن ركب متن عمياء وخبط خبط عشواء.
قال: من تصور مرتبة الاجتهاد المطلق استحيا من الله تعالى أن ينسبها لأحد من أهل هذه الأزمنة
بل قال ابن الصلاح ومن تبعه : إنها انقطعت من نحو ثلثمئة سنة فتكون قد انقطعت من نحو ست مئة سنة
بل نقل ابن الصلاح عن بعض الأصوليين : أنه لم يوجد بعد عصر الشافعي مجتهد مستقل. إلى هنا كلام الشهاب.
ثم قال: وإذا كان بين الأئمة نزاع طويل في أن إمام الحرمين وحجة الإسلام الغزالي وناهيك بهما هل هما من أصحاب الوجوه أم لا كما هو الأصح عند جماعة
فما ظنك بغيرهما
بل قال الأئمة في الروياني صاحب البحر أنه لم يكن من أصحاب الوجوه هذا مع قوله " لو ضاعت نصوص الشافعي لأمليتها من صدري "
فإذا لم يتأهل هؤلاء الأكابر لمرتبة الاجتهاد المذهبي فكيف يسوغ لمن لم يفهم أكثر عباراتهم على وجهها أن يدعى ما هو أعلى من ذلك وهو الاجتهاد المطلق؟ سبحانك هذا بهتان عظيم انتهى إلى هنا كلام الشهاب.
وفي الأنوار عن الإمام الرافعي: " الناس اليوم كالمجمعين على أنه لا مجتهد اليوم "
وقال عالم الأقطار الشامية ابن أبي الدم بعد سرده شروط الاجتهاد المطلق: " هذه الشرائط يعز وجودها في زماننا في شخص من العلماء بل لا يوجد في البسيطة اليوم مجتهد مطلق " هذا مع تدوين العلماء كتب التفسير والسنن والأصول والفروع حتى ملأوا الأرض من المؤلفات صنفوها ومع هذا فلا يوجد في صقع من الأصقاع مجتهد مطلق بل ولا مجتهد في مذهب إمام تعبر أقواله وجوها مخرجة على مذهب إمامه ما ذاك إلا أن الله تعالى أعجز الخلائق عن هذا إعلاما لعباده بتصرم الزمان وقرب الساعة وأن ذلك من أشراطها
وقد قال شيخ الأصحاب القفال:
مجتهد الفتوى قسمان :
أحدهما : من جمع شرائط الاجتهاد وهذا لا يوجد
والثاني : من ينتحل مذهبا واحدا من الأئمة كالشافعي وعرف مذهبه وصار حاذقا فيه بحيث لا يشذ عنه شيء من أصوله فإذا سئل في حادثة فإن عرف لصاحبه نصا أجاب عليه
وإلا يجتهد فيها على مذهبه ويخرجها على أصوله
وهذا أعز من الكبريت الأحمر
فإذا كان هذا القفال مع جلالة قدره وكون تلامذته وغلمانه أصحاب وجوه كل مذهب فكيف بعلماء عصرنا؟
ومن جملة غلمانه : القاضي حسين ، والفوراني ، ووالد إمام الحرمين ، والصدلاني ، والسنجي ، وغيرهم
وبموتهم وموت أصحاب أبي حامد انقطع الاجتهاد وتخريج الوجوه من مذهب الشافعي
وإنما هم نقلة وحفظة
فأما في هذا الزمان فقد خلت الدنيا منهم وشغر الزمان عنهم. إلى هنا كلام ابن أبي الدم.
وقال فقيه العصر شيخ الإفتاء والتدريس في القرن العاشر شيخنا الشمس الرملي عن والده شيخ الإسلام أبي العباس الرملي :
أنه وقف على ثمانية عشر سؤالا فقهية سأل عنها الجلال من مسائل الخلاف المنقولة فأجاب عن نحو شطرها من كلام قوم من المتأخرين كالزركشي واعتذر عن الباقي بأن الترجيح لا يقدم عليه إلا جاهل أو فاسق
قال الشمس : فتأملت فإذا أكثرها من المنقول المفروغ منه
فقلت : سبحان الله رجل ادعى الاجتهاد وخفى عليه ذلك؟
فأجبت عن ثلاثة عشر منها في مجلس واحد بكلام متين من كلام المتقدمين وبت على عزم إكمالها فضعفت تلك الليلة فعددت ذلك كرامة للمؤلف
وليس حكايتي لذلك من قبل الغض منه ولا الطعن عليه بل حذرا أن يقلده بعض الأغبياء فيما اختاره وجعله مذهبه سيما ماخالف فيه الأئمة الأربعة اغترارا بدعواه هذا مع اعتقادي مزيد جلالته وفرض سعة إطلاعه ورسوخ قدمه وتمكنه من العلوم الشرعية وآلاتها وأما الاجتهاد فدونه خرط القتاد
وقد صرح حجة الإسلام بخلو عصره عن مجتهد حيث قال في الإحياء في تقسيمه للمناظرات ما نصه:
" أما من ليس له رتبة الاجتهاد وهو حكم كل العصر فإنما يفتي فيه ناقلا عن مذهب صاحبه فلو ظهر له ضعف مذهبه لم يتركه " انتهى
وقال في الوسيط: هذه الشروط - يعني شروط الاجتهاد المعتبرة في القاضي - قد تعذرت في عصرنا. اهـ 9/1-12
وذلك لأنه سبحانه لما جعل المصطفى خاتمة الأنبياء والرسل وكانت حوادث الأيام خارجة عن التعداد ومعرفة أحكام الدين لازمة إلى يوم التناد ولم تف ظواهر النصوص ببيانها بل لا بد من طريق واف بشأنها اقتضت حكمة الملك العلام ظهور قرم من الأعلام في غرة كل قرن ليقوم بأعباء الحوادث إجراء لهذه الأمة مع علمائهم مجرى بني إسرائيل مع أنبيائهم
فكان في المئة الأولى : عمر بن عبد العزيز.
والثانية : الشافعي.
والثالثة : الأشعري أو ابن شريح.
والرابعة : الاسفراييني أو الصعلوكي أو الباقلاني.
والخامسة : حجة الإسلام الغزالي.
والسادسة : الإمام الرازي أو الرافعي.
والسابعة : ابن دقيق العيد ذكره السبكي
وجعل الزين العراقي في الثامنة الأسنوي بعد نقله عن بعضهم أنه جعل في الرابعة : أبا إسحاق الشيرازي.
والخامسة : السلفي.
والسادسة : النووي انتهى.
وجعل غيره في الثامنة : البلقيني.
ولا مانع من الجمع فقد يكون المجدد أكثر من واحد.
قال الذهبي : من هنا للجمع لا للمفرد
فنقول مثلا :
على رأس الثلاث مئة : ابن شريح في الفقه والأشعري في الأصول والنسائي في الحديث
وعلى الست مئة مثلا : الفخر الرازي في الكلام والحافظ عبد الغني في الحديث وهكذا.
وقال في جامع الأصول: قد تكلموا في تأويل هذا الحديث وكل أشار إلى القائم الذي هو من مذهبه وحملوا الحديث عليه.
والأولى العموم فإن من تقع على الواحد والجمع ولا يختص أيضا بالفقهاء فإن انتفاع الأمة يكون أيضا بأولي الأمر وأصحاب الحديث والقراء والوعاظ لكن المبعوث ينبغي كونه مشارا إليه في كل هذه الفنون
ففي رأس الأولى من أولي الأمر : عمر بن عبد العزيز.
ومن الفقهاء : محمد الباقر ، والقاسم ابن محمد ، وسالم بن عبد الله ، والحسن ، وابن سيرين وغيرهم من طبقتهم.
ومن القراء : ابن كثير
ومن المحدثين : الزهري.
وفي رأس الثانية من أولي الأمر : المأمون.
ومن الفقهاء : الشافعي ، واللؤلؤي من أصحاب أبي حنيفة ، وأشهب من أصحاب مالك ، ومن الإمامية علي بن موسى الرضي
ومن القراء : الحضرمي
ومن المحدثين : ابن معين
ومن الزهاد : الكرخي.
وفي الثالثة من أولي الأمر : المقتدر
ومن المحدثين : النسائي.
وفي الرابعة من أولي الأمر : القادر.
ومن الفقهاء : الاسفراييني الشافعي ، والخوارزمي الحنفي ، وعبد الوهاب المالكي ، والحسين الحنبلي
ومن المتكلمين : الباقلاني ، وابن فورك
ومن المحدثين : الحاكم
ومن الزهاد : الثوري
وهكذا يقال في بقية القرون.
وقال في الفتح: نبه بعض الأئمة على أنه لا يلزم أن يكون في رأس كل قرن واحد فقط بل الأمر فيه كما ذكره النووي في حديث: " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق " من أنه يجوز أن تكون الطائفة جماعة متعددة من أنواع المؤمنين ما بين شجاع وبصير بالحرب وفقيه ومحدث ومفسر وقائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وزاهد وعابد ولا يلزم اجتماعهم ببلد واحد بل يجوز اجتماعهم في قطر واحد وتفرقهم في الأقطار ويجوز تفرقهم في بلد وأن يكونوا في بعض دون بعض
ويجوز إخلاء الأرض كلها من بعضهم أولا فأولا إلى أن لا يبقى إلا فرقة واحدة ببلد واحد فإذا انقرضوا أتى أمر الله
قال الحافظ ابن حجر: وهذ متجه فإن اجتماع الصفات المحتاج إلى تجديدها لا تنحصر في نوع من الخير ولا يلزم أن جميع خصال الخير كلها في شخص واحد إلا أن يدعى ذلك في ابن عبد العزيز فإنه كان القائم بالأمر على رأس المئة الأولى باتصافه بجميع صفات الخير وتقدمه فيها ومن ثم ذكر أحمد أنهم كانوا يحملون عنه الحديث وأما من بعده فالشافعي وإن اتصف بالصفات الجميلة والفضائل الجمة لكنه لم يكن القائم بشأن الجهاد والحكم بالعدل فعلى هذا كل من اتصف بشيء من ذلك عند رأس المئة هو المراد تعدد أم لا. انتهى.
وأؤما المصنف هنا وصرح في عدة تآليفه بأن المجدد على رأس المئة التاسعة.
قال في بعضها: " قد أقامنا الله في منصب الاجتهاد لنبين للناس ما أدى إليه اجتهادنا تجديدا للدين " هذه عبارة.
وقال في موضع آخر: " ما جاء بعد السبكي مثلي وفي آخر الناس يدعون اجتهادا واحدا وأنا أدعي ثلاثا " إلى غير ذلك
وقد قامت عليه في ومنه بذلك القيامة ولم تسلم له في عصره هامة وطلبوا أن يناظروه فامتنع وقال:
لا أناظر إلا من هو مجتهد مثلي وليس في العصر مجتهد إلا أنا كما حكاه هو عن نفسه
وكتبوا له حيث تدعى الاجتهاد فعليك الإثبات ليكون الجواب على قدر الدعوى فتكون صاحب مذهب خامس فلم يجبهم.
قال العلامة الشهاب بن حجر الهيتمي:
لما ادعى الجلال ذلك قام عليه معاصروه ورموه عن قوس واحد وكتبوا له سؤالا فيه مسائل أطلق الأصحاب فيها وجهين وطلبوا منه إن كان عنده أدنى مراتب الاجتهاد وهو اجتهاد الفتوى فليتكلم على الراجح من تلك الأوجه بدليل على قواعد المجتهدين فرد السؤال من غير كتابة عليه واعتذر بأن له اشتغالا يمنعه في النظر في ذلك.
قال الشهاب الرملي: فتأمل صعوبة هذه المرتبة - أعني اجتهاد الفتوى - الذي هو أدنى مراتب الاجتهاد يظهر لك أن مدعيها فضلا عن مدعي الاجتهاد المطلق في حيرة من أمره فساد في فكره وأنه ممن ركب متن عمياء وخبط خبط عشواء.
قال: من تصور مرتبة الاجتهاد المطلق استحيا من الله تعالى أن ينسبها لأحد من أهل هذه الأزمنة
بل قال ابن الصلاح ومن تبعه : إنها انقطعت من نحو ثلثمئة سنة فتكون قد انقطعت من نحو ست مئة سنة
بل نقل ابن الصلاح عن بعض الأصوليين : أنه لم يوجد بعد عصر الشافعي مجتهد مستقل. إلى هنا كلام الشهاب.
ثم قال: وإذا كان بين الأئمة نزاع طويل في أن إمام الحرمين وحجة الإسلام الغزالي وناهيك بهما هل هما من أصحاب الوجوه أم لا كما هو الأصح عند جماعة
فما ظنك بغيرهما
بل قال الأئمة في الروياني صاحب البحر أنه لم يكن من أصحاب الوجوه هذا مع قوله " لو ضاعت نصوص الشافعي لأمليتها من صدري "
فإذا لم يتأهل هؤلاء الأكابر لمرتبة الاجتهاد المذهبي فكيف يسوغ لمن لم يفهم أكثر عباراتهم على وجهها أن يدعى ما هو أعلى من ذلك وهو الاجتهاد المطلق؟ سبحانك هذا بهتان عظيم انتهى إلى هنا كلام الشهاب.
وفي الأنوار عن الإمام الرافعي: " الناس اليوم كالمجمعين على أنه لا مجتهد اليوم "
وقال عالم الأقطار الشامية ابن أبي الدم بعد سرده شروط الاجتهاد المطلق: " هذه الشرائط يعز وجودها في زماننا في شخص من العلماء بل لا يوجد في البسيطة اليوم مجتهد مطلق " هذا مع تدوين العلماء كتب التفسير والسنن والأصول والفروع حتى ملأوا الأرض من المؤلفات صنفوها ومع هذا فلا يوجد في صقع من الأصقاع مجتهد مطلق بل ولا مجتهد في مذهب إمام تعبر أقواله وجوها مخرجة على مذهب إمامه ما ذاك إلا أن الله تعالى أعجز الخلائق عن هذا إعلاما لعباده بتصرم الزمان وقرب الساعة وأن ذلك من أشراطها
وقد قال شيخ الأصحاب القفال:
مجتهد الفتوى قسمان :
أحدهما : من جمع شرائط الاجتهاد وهذا لا يوجد
والثاني : من ينتحل مذهبا واحدا من الأئمة كالشافعي وعرف مذهبه وصار حاذقا فيه بحيث لا يشذ عنه شيء من أصوله فإذا سئل في حادثة فإن عرف لصاحبه نصا أجاب عليه
وإلا يجتهد فيها على مذهبه ويخرجها على أصوله
وهذا أعز من الكبريت الأحمر
فإذا كان هذا القفال مع جلالة قدره وكون تلامذته وغلمانه أصحاب وجوه كل مذهب فكيف بعلماء عصرنا؟
ومن جملة غلمانه : القاضي حسين ، والفوراني ، ووالد إمام الحرمين ، والصدلاني ، والسنجي ، وغيرهم
وبموتهم وموت أصحاب أبي حامد انقطع الاجتهاد وتخريج الوجوه من مذهب الشافعي
وإنما هم نقلة وحفظة
فأما في هذا الزمان فقد خلت الدنيا منهم وشغر الزمان عنهم. إلى هنا كلام ابن أبي الدم.
وقال فقيه العصر شيخ الإفتاء والتدريس في القرن العاشر شيخنا الشمس الرملي عن والده شيخ الإسلام أبي العباس الرملي :
أنه وقف على ثمانية عشر سؤالا فقهية سأل عنها الجلال من مسائل الخلاف المنقولة فأجاب عن نحو شطرها من كلام قوم من المتأخرين كالزركشي واعتذر عن الباقي بأن الترجيح لا يقدم عليه إلا جاهل أو فاسق
قال الشمس : فتأملت فإذا أكثرها من المنقول المفروغ منه
فقلت : سبحان الله رجل ادعى الاجتهاد وخفى عليه ذلك؟
فأجبت عن ثلاثة عشر منها في مجلس واحد بكلام متين من كلام المتقدمين وبت على عزم إكمالها فضعفت تلك الليلة فعددت ذلك كرامة للمؤلف
وليس حكايتي لذلك من قبل الغض منه ولا الطعن عليه بل حذرا أن يقلده بعض الأغبياء فيما اختاره وجعله مذهبه سيما ماخالف فيه الأئمة الأربعة اغترارا بدعواه هذا مع اعتقادي مزيد جلالته وفرض سعة إطلاعه ورسوخ قدمه وتمكنه من العلوم الشرعية وآلاتها وأما الاجتهاد فدونه خرط القتاد
وقد صرح حجة الإسلام بخلو عصره عن مجتهد حيث قال في الإحياء في تقسيمه للمناظرات ما نصه:
" أما من ليس له رتبة الاجتهاد وهو حكم كل العصر فإنما يفتي فيه ناقلا عن مذهب صاحبه فلو ظهر له ضعف مذهبه لم يتركه " انتهى
وقال في الوسيط: هذه الشروط - يعني شروط الاجتهاد المعتبرة في القاضي - قد تعذرت في عصرنا. اهـ 9/1-12
تعليق