بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على الحبيب المصطفى، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى، أما بعد:
*تنبيه قبل الإنطلاق*
ليس المراد من هذه السلسلة نقد المسائل الشرعية التي يقدمها الدكتور جاسم سلطان فقط... وإنما المراد أيضا الإجابة على أهم الأسئلة الشرعية الملحة التي يهتم لها المثقفون في العالم العربي والإسلامي... ويرون فيها قضايا ملحة تحتاج إلى مراجعة
*المقدمة*
يطرح د. جاسم سلطان في مشروع النهضة، وفي دورة "افهم دينك" على الخصوص... مجموعة من المقولات المعرفية الشرعية، ويطالب الشباب المسلم أن يعيد دراستها، وينظر في حقيقة نسبتها إلى الدين... وذلك لمقصد نبيل كما يظهر لي، ألا وهو تطهير الإسلام من الدخن الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: "فقلت: هل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم وفيه دخن... قلت: وما دخنه ؟ قال قوم يستنون بغير سنتي ويهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر..."
وهذا المقصد العظيم الذي نظن د. جاسم يسعى إليه... هو الذي دفعنا للقيام بواجب النقد والتمحيص لمقولته التأسيسية التي يقول فيها : "أصول الفقه منتج بشري"...
وذلك وفق المنهج العلمي الذي أمرنا الله تعالى به: "وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا"
وقبل الخوض في تفاصيل هذا النقد تثور في الذهن أسئلة :
ما الذي نعنيه بأصول الفقه؟
ما الذي نعنيه بالمنتج البشري؟
ما هي حدود الفعل الإنساني في أصول الفقه؟
وهل يجوز الاجتهاد أو التغيير في أصول الفقه؟
وكل هذا وغيره سنحاول الإجابة عنه في الفقرات التالية، ثم نختم ببيان موقفنا العلمي والشرعي من مقولة د. جاسم السابقة ...
فنبدأ... بسم الله
*معنى أصول الفقه ومنطلقاته*
قالوا في منهجية المعرفة : الحكم على الشيء فرع عن تصوره، فما الذي نعنيه بأصول الفقه؟
أصول الفقه هو المنهج الذي من خلاله يصل المسلم إلى مراد الله، من النص الذي أنزل الله...
فالباحث في أصول الفقه ينطلق من أصلين :
الأصل الأول: الإيمان بوجود خالق خلق الإنسان، وكلفه، وسوف يحاسبه على مدى التزامه بهذا التكليف في عالم آخر، هو يوم الحساب، وهذا الأصل يُعرف دليله العلمي من مباحث علم الكلام ومباحث العقيدة الإسلامية
الأصل الثاني: الإيمان بوجود معنى محدد لمراد الله تعالى من النص الذي أنزله.. وهذا المعنى الذي أنزله الله...هو رسالة الله للعالمين، للإيمان بما نزل أولا، ثم العمل به ثانيا، وبناء عليه يحاسب الإنسان أو يعاقب..
ولذلك قال الله تعالى: " وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" ،
وورد في الحديث النبوي الصحيح : "أَلَا لَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ أُنَادِيهِمْ: أَلَا هَلُمَّ فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ فَأَقُولُ: سُحْقًا سُحْقًا"
فإذن الله تعالى أنزل النص، والعقل البشري ينظر في النص، ليستخرج مراد الله منه، فإن كان نظره منهجيا صحيحا... فقد أصاب الصراط المستقيم، وسَلِم من الطرد عن الحوض يوم القيامة...
وإلا فقد وقع في التبديل والتحريف ولحق به ذم وطرد عن الحوض النبوي الشريف في يوم الموقف العظيم...
والسؤال المنطقي هنا : هل نظر العقل في النص المنزل يكون بلا منهج ولا ميزان ؟
الجواب : لا...وإلا لضاع مراد الله من النص الذي أنزله...وبالتالي وقع العقل في التبديل، وضاعت الفروق بين صراط الله المستقيم وغيره من السبل التي تفرق عن سبيله
فالمنهج الذي من خلاله يتعرف المسلم على مراد الله منه... هو ما يعرف بـ "أصول الفقه الإسلامي"
*تدوين أم اختراع*
وربما يقول أحدهم:
نعلم أن أول من دوّن علم أصول الفقه هو الإمام الشافعي، إذن أصول الفقه منتج بشري، وضعها الشافعي، ويمكن لأي مسلم أن يضع منهجا آخر... ومن ثم يستخرج أحكاما مختلفة عن الأحكام التي اختارها الشافعي نفسه...
والجواب البديهي: لا؛ وإلا لأضعنا الأصل الثاني الذي ينطلق منه الأصولي... وهو أن لله تعالى مرادا محددا على أساسه كلف، وعلى أساسه يحاسب... وفعل الإمام الشافعي رحمه الله في أصول الفقه... لا يخرج عن كونه فعلا كاشفا لا فعلا مؤسسا.
ونعني بهذا: نعم... أصول الفقه لم تكن في زمن النبي صلى الله عليه مدونة ومكتوبة ... ولكن كانت معلومة ومركوزة في نفس كل مجتهد في زمنه صلى الله عليه وسلم، وفي زمن الصحابة رضي الله عنهم...
وبها كان يفرق بين الاجتهاد المقبول والتحريف المرفوض
فلما جاء الإمام الشافعي... أظهر هذه للأصول، فكتبها وحققها واستدل عليها، ففعل الشافعي رحمه الله كان فعلا كاشفا، أي أن المنهج ثابت وموجود قبل الإمام، وكان دور الإمام البحث عنه، وتدوين قواعده وأصوله، ليسهل على الأمة التعامل مع هذه الأصول، وتقييم اجتهاد المجتهدين وفق هذه الأصول...
ولم يكن فعل الإمام الشافعي رحمه الله فعلا مؤسسا... أي لم يخترع الإمام هذه القواعد من عند نفسه، حتى يحق لأي أصولي أن يضع منهجا آخر... وبالتالي يتوصل إلى نتائج وأحكام مختلفة...
وقد فهم علماء الإسلام دور الإمام الشافعي الكاشف هذا... فتتابعت جهودهم من شتى المذاهب في ضبط هذه الأصول والقواعد... وفق المنهج الرباني الذي أنزله الله تعالى لفهم كتابه...
*أصول الفقه قرآنيّة*
وربما تتساءل: هل أشار الوحي الإلهي (القرآن الكريم) إلى معالم هذا المنهج في فهم النصوص؟
والجواب: نعم ... أشار ...بل للقرآن الكريم المرجعية الأولى في تفصيله...وأضرب على هذا مثلين، للتوضيح... والأمثلة كثيرة، وربما تحتاج إلى رسائل خاصة في بيان رجوع قواعد علم الأصول إلى تعاليم القرآن الكريم...
المثل الأول: قال تعالى " إنَّا أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُم تَعْقِلُونَ"
فالقرآن الكريم يفهم وفق المعاني والقواعد العربية، والتي هي لغة القرآن الكريم...فمن أراد أن يغيّر المعاني العربية، ثم يحاول أن ينسب فهمه هذا إلى القرآن فهو مخطئ ومحرف لمراد الله. ومن أراد أن يغير قواعد اللغة العربية في الفهم، فيجعل الحقيقة مجازا مثلا، أو المجاز حقيقة، ثم نسب هذا إلى القرآن، فهو مخطئ ومحرف لمراد الله...
فاللغة العربية بمعانيها ونظامها أحد مصادر علم الأصول، كما ضبط ذلك القرآن الكريم نفسه
المثل الثاني: قال الله تعالى " هوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ"، ففي القرآن آيات محكمات هن أم الكتاب، أي هن أس الكتاب وأساسه ومرجعه...وعلى المسلم إذا أراد فهم القرآن الكريم أن يفرق بين المحكم والمتشابه من آياته...فيعرف محكمه ومتشابه...ليتشبث بالمحكم ويحعله أساسا لفهمه... ثم يؤمن بالمتشابه لأنه من الكتاب...ويفهمه في ضوء فهم الأساس والأصل أي في ضوء فهم المحكم...
فمن أراد أن يجعل المتشابه محكما، والمحكم متشابه، فهو مخطئ ومحرف لمراد الله..
ولو تأملت في علم الأصول لعلمت أن كل المنهج الشرعي (القواعد الأصولية) في معرفة أحكام الله تعالى ترجع إلى القرآن الكريم، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، بدلالة ظنية أو بدلالة قطعية
ولو لم يوجد مثل هذا المنهج الرباني في فهم نصوص الكتاب لأصبحت أوامر الله تعالى وأحكامه لا ضابط لها، ولأصبح تكليف الله تعالى وعاء مفتوحا، يضع فيه من شاء ما شاء، وينسب هذا لله.. وهذا لا يجوز لأنه يُسقط دلالة الآية الكريمة "وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ"
ولأنه يُوقع في التبديل الذي أشار اليه النبي صلى الله عليه وسلم...في حديث الحوض السابق...
*قطعية الأصول عند العلماء*
فإذا ثبت ما سبق، ربما نتساءل..
هل كل أصول الفقه قطعية ؟
والجواب: لا، بل من أصول الفقه ما هو ظني. وقد حصل خلاف العلماء في كثير من المسائل الأصولية لأنها ظنية، فالاستحسان الذي قال به الحنفية، والاستصلاح الذي قال به المالكية، خالفهم فيه الشافعية، وأعادوا النظر فيه وفق المنهج العلمي المعتبر ...
إلا أن مثل هذا الخلاف الظني لا ينسينا أن هناك أصولا متفقا عليها كمرجعية القرآن والسنة... ودلالة بعض النصوص القطعية على المعنى الإلهي المراد... كما في دلالة "أقم الصلاة" على وجوب الصلاة... ودلالة "ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل" على تحريم أكل أموال الناس بالباطل...
فما كان من الأصول قطعيا بدليله فهو قطعي...
وما كان من الأصول ظنيا بدليله فهو ظني...
وهكذا تترتب الأحكام وفق هذه المعايير
*لم الخلاف إذن؟*
وإذا فهمنا ما سبق، عرفنا جواب السؤال التالي:
إذا كان المنهج موجودا قبل تدوينه فلماذا اختلف الفقهاء إذن ؟
فيمكن أن نقول في الجواب : لأنهم اختلفوا في بعض تفاصيل أصول الفقه الظنية...
-فقد يعتبر أحدهم أصلا، ثم يرتب عليه أحكاما... ولا يعتبره الآخر...
-أو يختلفوا في تنزيل هذا الأصل على هذا الدليل...ويعتبر الآخر أصلا مختلفا...
-أو يختلفوا في تقديم دلالة على دلالة... وفق الأصل الذي يعتبره كل واحد منهم
وكل هذا في مساحة الظن والاجتهاد، وفي هذا إشارة إلى أن هناك مساحة وحدا فاصلا،لا يجوز الخلاف فيه، ولا في ما ينتج عنه من أحكام وهي القطعيات الشرعية، وهناك مساحة أخرى هي أكثر سعة وفسحة، هي مساحة الظنيات
*الاجتهاد في الأصول*
وإذا فهمنا ما سبق أيضا، فهمنا جواب السؤال الآخر:
هل يجوز الاجتهاد في أصول الفقه؟
نعم يجوز، ما دام في دائرة الظنيات، والمحققون من العلماء مع الاجتهاد الأصولي المعتبر ما دام في دائرة ظنيات أصول الفقه... لضرورته وحاجته...
بل إن الأصولي قد يدقق في بعض المسائل ويضبطها بضوابط معتبرة...ولم يسبقه إلى ذلك الضبط والتدوين الأوائل؛ لأنها كانت عندهم مفهومة من ذوق الفقيه وملكته، فيهتدي إليها الأصولي المعاصر بضبط وتحقيق... لا يخدش القطعي...ويحقق ذوق الفقيه القديم المتحصَّل بممارسة أحكام الشريعة...
ومن هذا الباب نقول: إن علم الأصول لم ينضج ولم يحترق، ومساحة البحث والتأمل فيه واسعة...لمن حصّل المؤهلات العلمية لذلك
وبعد: فقول د. جاسم: "أصول الفقه منتج بشري"، يحتمل حقا وباطلا...
إن قصد أن أصول الفقه موجودة بالوضع الإلهي، والإنتاج البشري يكون في الكشف عنها وتدوينها وتحقيقها، فهو حق وصحيح...
وإن قصد أن أصول الفقه غير موجودة أصلا، والإنتاج البشري في وضعها وتأسيسها من جديد، فهو باطل وقبيح...
وحسن الظن الذي نحمله للدكتور جاسم يدفعنا إلى أن نحمل كلامه على المعنى الأول...دون الثاني
إلا أن: لنا اعتراضا على استخدام د. جاسم للفظ "منتج بشري"؛ لأنه يوهم المعنى القبيح الثاني...
ولو اختار لفظا آخر لكن أحسن وأولى....
والله تعالى وحده الهادي إلى الصواب، وهو وحده الهادي والموفق إلى كل مطلب
الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على الحبيب المصطفى، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى، أما بعد:
*تنبيه قبل الإنطلاق*
ليس المراد من هذه السلسلة نقد المسائل الشرعية التي يقدمها الدكتور جاسم سلطان فقط... وإنما المراد أيضا الإجابة على أهم الأسئلة الشرعية الملحة التي يهتم لها المثقفون في العالم العربي والإسلامي... ويرون فيها قضايا ملحة تحتاج إلى مراجعة
*المقدمة*
يطرح د. جاسم سلطان في مشروع النهضة، وفي دورة "افهم دينك" على الخصوص... مجموعة من المقولات المعرفية الشرعية، ويطالب الشباب المسلم أن يعيد دراستها، وينظر في حقيقة نسبتها إلى الدين... وذلك لمقصد نبيل كما يظهر لي، ألا وهو تطهير الإسلام من الدخن الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: "فقلت: هل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم وفيه دخن... قلت: وما دخنه ؟ قال قوم يستنون بغير سنتي ويهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر..."
وهذا المقصد العظيم الذي نظن د. جاسم يسعى إليه... هو الذي دفعنا للقيام بواجب النقد والتمحيص لمقولته التأسيسية التي يقول فيها : "أصول الفقه منتج بشري"...
وذلك وفق المنهج العلمي الذي أمرنا الله تعالى به: "وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا"
وقبل الخوض في تفاصيل هذا النقد تثور في الذهن أسئلة :
ما الذي نعنيه بأصول الفقه؟
ما الذي نعنيه بالمنتج البشري؟
ما هي حدود الفعل الإنساني في أصول الفقه؟
وهل يجوز الاجتهاد أو التغيير في أصول الفقه؟
وكل هذا وغيره سنحاول الإجابة عنه في الفقرات التالية، ثم نختم ببيان موقفنا العلمي والشرعي من مقولة د. جاسم السابقة ...
فنبدأ... بسم الله
*معنى أصول الفقه ومنطلقاته*
قالوا في منهجية المعرفة : الحكم على الشيء فرع عن تصوره، فما الذي نعنيه بأصول الفقه؟
أصول الفقه هو المنهج الذي من خلاله يصل المسلم إلى مراد الله، من النص الذي أنزل الله...
فالباحث في أصول الفقه ينطلق من أصلين :
الأصل الأول: الإيمان بوجود خالق خلق الإنسان، وكلفه، وسوف يحاسبه على مدى التزامه بهذا التكليف في عالم آخر، هو يوم الحساب، وهذا الأصل يُعرف دليله العلمي من مباحث علم الكلام ومباحث العقيدة الإسلامية
الأصل الثاني: الإيمان بوجود معنى محدد لمراد الله تعالى من النص الذي أنزله.. وهذا المعنى الذي أنزله الله...هو رسالة الله للعالمين، للإيمان بما نزل أولا، ثم العمل به ثانيا، وبناء عليه يحاسب الإنسان أو يعاقب..
ولذلك قال الله تعالى: " وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" ،
وورد في الحديث النبوي الصحيح : "أَلَا لَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ أُنَادِيهِمْ: أَلَا هَلُمَّ فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ فَأَقُولُ: سُحْقًا سُحْقًا"
فإذن الله تعالى أنزل النص، والعقل البشري ينظر في النص، ليستخرج مراد الله منه، فإن كان نظره منهجيا صحيحا... فقد أصاب الصراط المستقيم، وسَلِم من الطرد عن الحوض يوم القيامة...
وإلا فقد وقع في التبديل والتحريف ولحق به ذم وطرد عن الحوض النبوي الشريف في يوم الموقف العظيم...
والسؤال المنطقي هنا : هل نظر العقل في النص المنزل يكون بلا منهج ولا ميزان ؟
الجواب : لا...وإلا لضاع مراد الله من النص الذي أنزله...وبالتالي وقع العقل في التبديل، وضاعت الفروق بين صراط الله المستقيم وغيره من السبل التي تفرق عن سبيله
فالمنهج الذي من خلاله يتعرف المسلم على مراد الله منه... هو ما يعرف بـ "أصول الفقه الإسلامي"
*تدوين أم اختراع*
وربما يقول أحدهم:
نعلم أن أول من دوّن علم أصول الفقه هو الإمام الشافعي، إذن أصول الفقه منتج بشري، وضعها الشافعي، ويمكن لأي مسلم أن يضع منهجا آخر... ومن ثم يستخرج أحكاما مختلفة عن الأحكام التي اختارها الشافعي نفسه...
والجواب البديهي: لا؛ وإلا لأضعنا الأصل الثاني الذي ينطلق منه الأصولي... وهو أن لله تعالى مرادا محددا على أساسه كلف، وعلى أساسه يحاسب... وفعل الإمام الشافعي رحمه الله في أصول الفقه... لا يخرج عن كونه فعلا كاشفا لا فعلا مؤسسا.
ونعني بهذا: نعم... أصول الفقه لم تكن في زمن النبي صلى الله عليه مدونة ومكتوبة ... ولكن كانت معلومة ومركوزة في نفس كل مجتهد في زمنه صلى الله عليه وسلم، وفي زمن الصحابة رضي الله عنهم...
وبها كان يفرق بين الاجتهاد المقبول والتحريف المرفوض
فلما جاء الإمام الشافعي... أظهر هذه للأصول، فكتبها وحققها واستدل عليها، ففعل الشافعي رحمه الله كان فعلا كاشفا، أي أن المنهج ثابت وموجود قبل الإمام، وكان دور الإمام البحث عنه، وتدوين قواعده وأصوله، ليسهل على الأمة التعامل مع هذه الأصول، وتقييم اجتهاد المجتهدين وفق هذه الأصول...
ولم يكن فعل الإمام الشافعي رحمه الله فعلا مؤسسا... أي لم يخترع الإمام هذه القواعد من عند نفسه، حتى يحق لأي أصولي أن يضع منهجا آخر... وبالتالي يتوصل إلى نتائج وأحكام مختلفة...
وقد فهم علماء الإسلام دور الإمام الشافعي الكاشف هذا... فتتابعت جهودهم من شتى المذاهب في ضبط هذه الأصول والقواعد... وفق المنهج الرباني الذي أنزله الله تعالى لفهم كتابه...
*أصول الفقه قرآنيّة*
وربما تتساءل: هل أشار الوحي الإلهي (القرآن الكريم) إلى معالم هذا المنهج في فهم النصوص؟
والجواب: نعم ... أشار ...بل للقرآن الكريم المرجعية الأولى في تفصيله...وأضرب على هذا مثلين، للتوضيح... والأمثلة كثيرة، وربما تحتاج إلى رسائل خاصة في بيان رجوع قواعد علم الأصول إلى تعاليم القرآن الكريم...
المثل الأول: قال تعالى " إنَّا أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُم تَعْقِلُونَ"
فالقرآن الكريم يفهم وفق المعاني والقواعد العربية، والتي هي لغة القرآن الكريم...فمن أراد أن يغيّر المعاني العربية، ثم يحاول أن ينسب فهمه هذا إلى القرآن فهو مخطئ ومحرف لمراد الله. ومن أراد أن يغير قواعد اللغة العربية في الفهم، فيجعل الحقيقة مجازا مثلا، أو المجاز حقيقة، ثم نسب هذا إلى القرآن، فهو مخطئ ومحرف لمراد الله...
فاللغة العربية بمعانيها ونظامها أحد مصادر علم الأصول، كما ضبط ذلك القرآن الكريم نفسه
المثل الثاني: قال الله تعالى " هوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ"، ففي القرآن آيات محكمات هن أم الكتاب، أي هن أس الكتاب وأساسه ومرجعه...وعلى المسلم إذا أراد فهم القرآن الكريم أن يفرق بين المحكم والمتشابه من آياته...فيعرف محكمه ومتشابه...ليتشبث بالمحكم ويحعله أساسا لفهمه... ثم يؤمن بالمتشابه لأنه من الكتاب...ويفهمه في ضوء فهم الأساس والأصل أي في ضوء فهم المحكم...
فمن أراد أن يجعل المتشابه محكما، والمحكم متشابه، فهو مخطئ ومحرف لمراد الله..
ولو تأملت في علم الأصول لعلمت أن كل المنهج الشرعي (القواعد الأصولية) في معرفة أحكام الله تعالى ترجع إلى القرآن الكريم، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، بدلالة ظنية أو بدلالة قطعية
ولو لم يوجد مثل هذا المنهج الرباني في فهم نصوص الكتاب لأصبحت أوامر الله تعالى وأحكامه لا ضابط لها، ولأصبح تكليف الله تعالى وعاء مفتوحا، يضع فيه من شاء ما شاء، وينسب هذا لله.. وهذا لا يجوز لأنه يُسقط دلالة الآية الكريمة "وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ"
ولأنه يُوقع في التبديل الذي أشار اليه النبي صلى الله عليه وسلم...في حديث الحوض السابق...
*قطعية الأصول عند العلماء*
فإذا ثبت ما سبق، ربما نتساءل..
هل كل أصول الفقه قطعية ؟
والجواب: لا، بل من أصول الفقه ما هو ظني. وقد حصل خلاف العلماء في كثير من المسائل الأصولية لأنها ظنية، فالاستحسان الذي قال به الحنفية، والاستصلاح الذي قال به المالكية، خالفهم فيه الشافعية، وأعادوا النظر فيه وفق المنهج العلمي المعتبر ...
إلا أن مثل هذا الخلاف الظني لا ينسينا أن هناك أصولا متفقا عليها كمرجعية القرآن والسنة... ودلالة بعض النصوص القطعية على المعنى الإلهي المراد... كما في دلالة "أقم الصلاة" على وجوب الصلاة... ودلالة "ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل" على تحريم أكل أموال الناس بالباطل...
فما كان من الأصول قطعيا بدليله فهو قطعي...
وما كان من الأصول ظنيا بدليله فهو ظني...
وهكذا تترتب الأحكام وفق هذه المعايير
*لم الخلاف إذن؟*
وإذا فهمنا ما سبق، عرفنا جواب السؤال التالي:
إذا كان المنهج موجودا قبل تدوينه فلماذا اختلف الفقهاء إذن ؟
فيمكن أن نقول في الجواب : لأنهم اختلفوا في بعض تفاصيل أصول الفقه الظنية...
-فقد يعتبر أحدهم أصلا، ثم يرتب عليه أحكاما... ولا يعتبره الآخر...
-أو يختلفوا في تنزيل هذا الأصل على هذا الدليل...ويعتبر الآخر أصلا مختلفا...
-أو يختلفوا في تقديم دلالة على دلالة... وفق الأصل الذي يعتبره كل واحد منهم
وكل هذا في مساحة الظن والاجتهاد، وفي هذا إشارة إلى أن هناك مساحة وحدا فاصلا،لا يجوز الخلاف فيه، ولا في ما ينتج عنه من أحكام وهي القطعيات الشرعية، وهناك مساحة أخرى هي أكثر سعة وفسحة، هي مساحة الظنيات
*الاجتهاد في الأصول*
وإذا فهمنا ما سبق أيضا، فهمنا جواب السؤال الآخر:
هل يجوز الاجتهاد في أصول الفقه؟
نعم يجوز، ما دام في دائرة الظنيات، والمحققون من العلماء مع الاجتهاد الأصولي المعتبر ما دام في دائرة ظنيات أصول الفقه... لضرورته وحاجته...
بل إن الأصولي قد يدقق في بعض المسائل ويضبطها بضوابط معتبرة...ولم يسبقه إلى ذلك الضبط والتدوين الأوائل؛ لأنها كانت عندهم مفهومة من ذوق الفقيه وملكته، فيهتدي إليها الأصولي المعاصر بضبط وتحقيق... لا يخدش القطعي...ويحقق ذوق الفقيه القديم المتحصَّل بممارسة أحكام الشريعة...
ومن هذا الباب نقول: إن علم الأصول لم ينضج ولم يحترق، ومساحة البحث والتأمل فيه واسعة...لمن حصّل المؤهلات العلمية لذلك
وبعد: فقول د. جاسم: "أصول الفقه منتج بشري"، يحتمل حقا وباطلا...
إن قصد أن أصول الفقه موجودة بالوضع الإلهي، والإنتاج البشري يكون في الكشف عنها وتدوينها وتحقيقها، فهو حق وصحيح...
وإن قصد أن أصول الفقه غير موجودة أصلا، والإنتاج البشري في وضعها وتأسيسها من جديد، فهو باطل وقبيح...
وحسن الظن الذي نحمله للدكتور جاسم يدفعنا إلى أن نحمل كلامه على المعنى الأول...دون الثاني
إلا أن: لنا اعتراضا على استخدام د. جاسم للفظ "منتج بشري"؛ لأنه يوهم المعنى القبيح الثاني...
ولو اختار لفظا آخر لكن أحسن وأولى....
والله تعالى وحده الهادي إلى الصواب، وهو وحده الهادي والموفق إلى كل مطلب
تعليق