[ALIGN=JUSTIFY][ALIGN=JUSTIFY]المشروع الإعتصامي للشاطبي
أن شاطبي المائة الثامنة مثله مثل شافعي المائة الثانية ، صاحب
مشروع ، وهذا المشروع لا يقبل انفصالا عن تاريخيته ، ولا عن جغرافيته
فالشاطبي الحقيقي هو ابن زمانه ومكانه : زمان اندثار الزمان ومكان
اندثار المكان . فغرناطة بني الأحمر هي البقية الباقية المحاصرة والمتقلصة ، كقطعة الجلد المتكرمش ، من اسبانيا المسلمة . وبرغم ان أننا لا نستطيع في حالة الشاطبي أن نتحدث عن وعي تاريخي فظهور مثل هذا الوعي يقتضي التحول من حضارة مركزية الى حضارة طردية وبتعبير اشبنغلر: من حضارة الدائرة الى حضارة السهم فإن وعيه الديني ما كان له أن يحلق في سماء المجرد منفصلا عن كل أرضية تاريخية . وليس من قبيل الصدفة أن يسمي الشاطبي كتابه (( الإعتصام )) ، وأن يكون استهله بتذكير مخاطبه ب (( مقدمة ينبغي تقديمها قبل الشروع في المقصود ، وهي معنى قول رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : بدأ الاسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ ، فطوبى للغرباء )) . فتجربة (( الغربة )) بمعنى فساد الناس وانحلال الزمان ، هي التجربة المشتركة بين العديد من فقهاء القرن الثامن . وبالفعل فإننا نجد ابن خلدون قد رزح تحت وطأة الإحساس بأغلال الزمان ، ولكن بدلا من أن تتمثل له ((رؤيا انحلال العالم )) بحرب الاسترداد الاسبانية ، كما في حالة الشاطبي ، فقد تمثلت له ب (( الطاعون الجارف )) الذي نزل ((بالعمران شرقا وغربا في منتصف هذه المائة الثامنة )) .
لنقل اذا أن تجربة الغربة التي جعلها الشاطبي مدخله للاعتصام من مفاسد الزمان وبدعه هي تعبير ذاتي عن الانسداد الموضوعي للافق التاريخي ، لكنه تعبير مبطن دوما بالوعي الديني اللاشخصي فالتصور التراجعي للزمن هو التصور الذي فرض نفسه في الوعي الاسلامي العام طردا مع اشتداد الحاجة الى أمـْثـَلـَة العصر النبوي والصحابي ليكون مرجعا للمقارنة ولنقد فساد العصر في كل عصر .
وقد حشد الشاطبي في (( الإعتصام )) طائفة من الاثار التي تشهد تكاثر الشر طرداً مع تقدم الزمان مبتئا بحديث سيدنا رسول الله ثلى الله عليه واله وسلم (( خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم )) ثم يذكر بعض الاثار المنسوبة للسلف كقول سيدنا أنس بن مالك - رضي الله عنه - : (( لو أن رجلا أدرك السلف الأول ثم بعث اليوم ما عرف من الاسلام شيئا )) وقول غيره (( لا يأتي زمان على الناس الا والذي بعده شر من الذي قبله )) ويعلق على هذه الاثار بقوله ( ص26) : (( ولا يكون هذا الا مع قلة الخير وتكاثر الشر شيئا بعد شيئ ويندرج ما نحن فيه على الاطلاق ))
هذا الشعور بتدهور الزمان استحدث لدى الشاطبي عقلية المركب الغريق لانقاذ مايمكنه انقاذه ، وبالمقارنة مع الامام الشافعي مجدد المائة الثامنة ، الذي كان يجهز سفينة ضخمة لتمخر في عباب البحر أمام انفتاح كبير في الافق التاريخي ، فان الشاطبي قد بدأ وكأنه واحد من القلة الذين فروا من هذه السفينة الكبيرة الغارقة الى قارب نجاة صغير وكان عليه أن يتخفف قدر الامكان من كل حمولة زائدة وأن يستمسك بما هو أساسي في الشريعة تمسكه بطوق النجاة .
يتبع ... [/ALIGN][/ALIGN]
أن شاطبي المائة الثامنة مثله مثل شافعي المائة الثانية ، صاحب
مشروع ، وهذا المشروع لا يقبل انفصالا عن تاريخيته ، ولا عن جغرافيته
فالشاطبي الحقيقي هو ابن زمانه ومكانه : زمان اندثار الزمان ومكان
اندثار المكان . فغرناطة بني الأحمر هي البقية الباقية المحاصرة والمتقلصة ، كقطعة الجلد المتكرمش ، من اسبانيا المسلمة . وبرغم ان أننا لا نستطيع في حالة الشاطبي أن نتحدث عن وعي تاريخي فظهور مثل هذا الوعي يقتضي التحول من حضارة مركزية الى حضارة طردية وبتعبير اشبنغلر: من حضارة الدائرة الى حضارة السهم فإن وعيه الديني ما كان له أن يحلق في سماء المجرد منفصلا عن كل أرضية تاريخية . وليس من قبيل الصدفة أن يسمي الشاطبي كتابه (( الإعتصام )) ، وأن يكون استهله بتذكير مخاطبه ب (( مقدمة ينبغي تقديمها قبل الشروع في المقصود ، وهي معنى قول رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : بدأ الاسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ ، فطوبى للغرباء )) . فتجربة (( الغربة )) بمعنى فساد الناس وانحلال الزمان ، هي التجربة المشتركة بين العديد من فقهاء القرن الثامن . وبالفعل فإننا نجد ابن خلدون قد رزح تحت وطأة الإحساس بأغلال الزمان ، ولكن بدلا من أن تتمثل له ((رؤيا انحلال العالم )) بحرب الاسترداد الاسبانية ، كما في حالة الشاطبي ، فقد تمثلت له ب (( الطاعون الجارف )) الذي نزل ((بالعمران شرقا وغربا في منتصف هذه المائة الثامنة )) .
لنقل اذا أن تجربة الغربة التي جعلها الشاطبي مدخله للاعتصام من مفاسد الزمان وبدعه هي تعبير ذاتي عن الانسداد الموضوعي للافق التاريخي ، لكنه تعبير مبطن دوما بالوعي الديني اللاشخصي فالتصور التراجعي للزمن هو التصور الذي فرض نفسه في الوعي الاسلامي العام طردا مع اشتداد الحاجة الى أمـْثـَلـَة العصر النبوي والصحابي ليكون مرجعا للمقارنة ولنقد فساد العصر في كل عصر .
وقد حشد الشاطبي في (( الإعتصام )) طائفة من الاثار التي تشهد تكاثر الشر طرداً مع تقدم الزمان مبتئا بحديث سيدنا رسول الله ثلى الله عليه واله وسلم (( خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم )) ثم يذكر بعض الاثار المنسوبة للسلف كقول سيدنا أنس بن مالك - رضي الله عنه - : (( لو أن رجلا أدرك السلف الأول ثم بعث اليوم ما عرف من الاسلام شيئا )) وقول غيره (( لا يأتي زمان على الناس الا والذي بعده شر من الذي قبله )) ويعلق على هذه الاثار بقوله ( ص26) : (( ولا يكون هذا الا مع قلة الخير وتكاثر الشر شيئا بعد شيئ ويندرج ما نحن فيه على الاطلاق ))
هذا الشعور بتدهور الزمان استحدث لدى الشاطبي عقلية المركب الغريق لانقاذ مايمكنه انقاذه ، وبالمقارنة مع الامام الشافعي مجدد المائة الثامنة ، الذي كان يجهز سفينة ضخمة لتمخر في عباب البحر أمام انفتاح كبير في الافق التاريخي ، فان الشاطبي قد بدأ وكأنه واحد من القلة الذين فروا من هذه السفينة الكبيرة الغارقة الى قارب نجاة صغير وكان عليه أن يتخفف قدر الامكان من كل حمولة زائدة وأن يستمسك بما هو أساسي في الشريعة تمسكه بطوق النجاة .
يتبع ... [/ALIGN][/ALIGN]
تعليق