علم أصول الفقه وعلاقته بالفلسفة الإسلاميةد. علي جمعة
أصول الفقه والمنهج:
أصول الفقه من العلوم التي أنشأها العقل المسلم على غير مثال غير مقلد لأي أمة سبقته في هذا المضمار، شأنه في ذلك شأن مصطلح الحديث وعلومه، ويعد كل واحد منهما منهجا بالمعنى الدقيق.
فأصول الفقه منهج للتعامل مع النص الشرعي، وفي تعريفه عند مدرسة الرازي مثلا تذكر أركان المنهج العلمي حيث عرفه الرازي في المحصول بأنه مجموع طرق الفقه على سبيل الإجمال، وكيفية الاستدلال بها، وكيفية حال المستدل بها،
وعرفه البيضاوي في قوله " معرفة دلائل الفقه إجمالا وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد"
ومن هذه التعريفات يمكن استخلاص أركان ذلك المنهج، إنه يحرص على معرفة:
أ- مصادر البحث ب طرق البحث جـ - شروط الباحث
وهي الأركان المنطقية لأي منهج في البحث العلمي الذي يبعد عن الخرافة ويبتعد عن الذاتية ويقرب من الموضوعية.
وعلوم الحديث بما دوّن في علم مصطلح الحديث، أو علم الجرح والتعديل أو علوم الحديث رواية أو دراية إنما تعد منهجا في التعامل مع النص ثبوتا وتوثيقا بالمعنى الأعم حيث تشتمل هذه العلوم على نقد السند ونقد المتن معا، حتى يتم الحكم على المنقول بالقبول أو الرد سندا ومتنا، وهذا المنهج بديع للمسلمين دون من سواهم من الأمم.
ويبدو أن اليهود حاولوا ذلك من قبل ففشلوا، حيث أن الأسانيد التي تحت أيدينا الآن تزيد على مائة ألف في حين أن أسانيد اليهود على قلتها لا تصل إلى موسى بل بين منتهاها وبين موسى ألف وخمسمائة سنة أو أكثر من ثلاثين عصرا أو جيلا.
يقول ابن حزم في كتابه الفصل في الملل والأهواء والنحل " ومن هذا النوع كثير من نقل اليهود بل هو أعلى ما عندهم إلا أنهم لا يقربون فيه من موسى كقربنا فيه من محمد صلى الله عليه وسلم بل يقفون ولا بد حيث بينهم وبين موسى عليه السلام أزيد من ثلاثين عصرا في أزيد من ألف وخمسمائة عام وإنما يبلغون بالنقل إلى هلال وشماني وشمعون وكرعقبيا وأمثالهم وأظن أن لهم مسألة واحد فقط يروونها عن حبر من أحبارهم عن نبي من متأخري أنبيائهم أخذها عنه مشافهة في نكاح الرجل ابنته إذا مات عنها أخوه وأما النصارى فليس عندهم من صفة هذا النقل إلا تحريم الطلاق وحده فقط على أن مخرجه من كذاب قد صح كذبه"
ن التفكير المنطقي لمريد الحق هو التأكد أولا مما تقوم به الحجة حيث ثبت لدى المسلم أن ذلك هو القرآن والسنة فلابد من طريق للتثبت والتوثيق لهذه المصادر فإن ثبتت فكيف نفهمها، فكان ذلك المنهج هو المنهج الدقيق لأداء ذلك الهدف، والوصول إليه.
2ـ الإجراءات والفلسفة تكشفان عن المنهج:
وإذا ما سرنا على أن المنهج إنما هو فلسفة تنبثق عنها إجراءات وهو تعريف المنهج عندي ـــ : تبين مدى العلاقة بين أصول الفقه وبين الفلسفة الإسلامية.
فأصول الفقه يشتمل بدون شك على بيان الإجراءات اللازمة للتعامل مع النص لفهمه، والوصول إلى أوصاف الفعل البشري، وهي الأوضاع التي تدور في نطاق ما يسميه الأصوليون بالحكم.
فالحكم عندهم: " هو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع"
وله أقسام هي: الوجوب والحرمة والندب والكراهة والإباحة وهي أوصاف للفعل البشري الذي يكون مبتدأ في جملة مفيدة والحكم خبر له فتتكون بذلك مسائل الفقه.
فموضوع علم الفقه: فعل الإنسان وموضوع علم أصول الفقه هو : الأدلة الإجمالية من حيث استنباط الأحكام منها.
وبدون شك فإن هذه الإجراءات التي يشتمل عليها أصول الفقه تخرج وتنبثق من رؤية تمثل مباحث الفلسفة الإسلامية وعلم الكلام.
يقول الإمام الزركشي في كتابه الجامع البحر المحيط مؤكدا عنصر الإجرائية في أصول الفقه والذي دعي بعضهم إلى ادعاء أن ذلك العلم من العلوم البينية التي لا تستقل بنفسها ويرد عليهم:
" فإن قيل : هل أصول الفقه إلا نبذ جمعت من علوم متفرقة ؟ نبذة من النحو كالكلام على معاني الحروف التي يحتاج الفقيه إليها ، والكلام في الاستثناء ، وعود الضمير للبعض ، وعطف الخاص على العام ونحوه ، ونبذة من علم الكلام كالكلام في الحسن والقبح ، وكون الحكم قديما ، والكلام على إثبات النسخ ، وعلى الأفعال ونحوه ، ونبذة من اللغة ، كالكلام في موضوع الأمر والنهي وصيغ العموم ، والمجمل والمبين ، والمطلق والمقيد ، ونبذة من علم الحديث كالكلام في الأخبار ، فالعارف بهذه العلوم لا يحتاج إلى أصول الفقه في شيء من ذلك ، وغير العارف بها لا يغنيه أصول الفقه في الإحاطة بها ، فلم يبق من أصول الفقه إلا الكلام في الإجماع ، والقياس ، والتعارض ، والاجتهاد ، وبعض الكلام في الإجماع من أصول الدين أيضا ، وبعض الكلام في القياس والتعارض مما يستقل به الفقيه ، ففائدة أصول الفقه بالذات حينئذ قليلة . فالجواب منع ذلك ، فإن الأصوليين دققوا النظر في فهم أشياء من كلام العرب لم تصل إليها النحاة ولا اللغويون ، فإن كلام العرب متسع ، والنظر فيه متشعب ، فكتب اللغة تضبط الألفاظ ومعانيها الظاهرة دون المعاني الدقيقة التي تحتاج إلى نظر الأصولي باستقراء زائد على استقراء اللغوي . مثاله : دلالة صيغة " افعل " على الوجوب ، و " لا تفعل " على التحريم ، وكون " كل " وأخواتها للعموم ، ونحوه مما نص هذا السؤال على كونه من اللغة لو فتشت لم تجد فيها شيئا من ذلك غالبا وكذلك في كتب النحاة في الاستثناء من أن الإخراج قبل الحكم أو بعده ، وغير ذلك من الدقائق التي تعرض لها الأصوليون وأخذوها من كلام العرب باستقراء خاص ، وأدلة خاصة لا تقتضيها صناعة النحو ، وسيمر بك منه في هذا الكتاب العجب العجاب .
ويؤكد ذلك المعنى قبله السبكي في كتابه الإبهاج شرح المنهاج حيث يقول:
" هذه تعريفات للأصل بحسب اللغة، وأن كان أهل اللغة لم يذكروها في كتبهم، وهو ما ينبهنا على أن الأصوليين يتعرضون لأشياء لم يتعرض لها أهل اللغة"
فمن هذه النصوص نبين وجود الأدوات والإجراءات واتصالها وامتزاجها بالرؤية الكلية.
3 ـ موضوعات الفلسفة بين نقاط التلاقي :
وإذا ما سرنا أيضا في تعريف الفلسفة من حيث موضوعها بأنها تشتمل على ثلاثة مباحث رئيسة هي الله -الكون الانسان والمعرفة (المنطق) والقيم (الأخلاق والجمال) فإننا سنرى بوضوح نقط التلاقي والعلاقة الموجودة بين أصول الفقه والفلسفة الإسلامية، حيث تعد تلك الفلسفة الخلفية الأساس لمجموعة الإجراءات المتمثلة في معرفة مصادر البحث وكيفية التعامل معها وشروط الباحث ما سبق، وهذا يتم على مستويات ثلاثة، وهي:
أولا أدراك العلاقة:
ثانيا تشغيل تلك العلاقة والاستفادة منها
ثالثا تطوير العلاقة بين الأصول والفقه.
يتبع،،،
أصول الفقه والمنهج:
أصول الفقه من العلوم التي أنشأها العقل المسلم على غير مثال غير مقلد لأي أمة سبقته في هذا المضمار، شأنه في ذلك شأن مصطلح الحديث وعلومه، ويعد كل واحد منهما منهجا بالمعنى الدقيق.
فأصول الفقه منهج للتعامل مع النص الشرعي، وفي تعريفه عند مدرسة الرازي مثلا تذكر أركان المنهج العلمي حيث عرفه الرازي في المحصول بأنه مجموع طرق الفقه على سبيل الإجمال، وكيفية الاستدلال بها، وكيفية حال المستدل بها،
وعرفه البيضاوي في قوله " معرفة دلائل الفقه إجمالا وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد"
ومن هذه التعريفات يمكن استخلاص أركان ذلك المنهج، إنه يحرص على معرفة:
أ- مصادر البحث ب طرق البحث جـ - شروط الباحث
وهي الأركان المنطقية لأي منهج في البحث العلمي الذي يبعد عن الخرافة ويبتعد عن الذاتية ويقرب من الموضوعية.
وعلوم الحديث بما دوّن في علم مصطلح الحديث، أو علم الجرح والتعديل أو علوم الحديث رواية أو دراية إنما تعد منهجا في التعامل مع النص ثبوتا وتوثيقا بالمعنى الأعم حيث تشتمل هذه العلوم على نقد السند ونقد المتن معا، حتى يتم الحكم على المنقول بالقبول أو الرد سندا ومتنا، وهذا المنهج بديع للمسلمين دون من سواهم من الأمم.
ويبدو أن اليهود حاولوا ذلك من قبل ففشلوا، حيث أن الأسانيد التي تحت أيدينا الآن تزيد على مائة ألف في حين أن أسانيد اليهود على قلتها لا تصل إلى موسى بل بين منتهاها وبين موسى ألف وخمسمائة سنة أو أكثر من ثلاثين عصرا أو جيلا.
يقول ابن حزم في كتابه الفصل في الملل والأهواء والنحل " ومن هذا النوع كثير من نقل اليهود بل هو أعلى ما عندهم إلا أنهم لا يقربون فيه من موسى كقربنا فيه من محمد صلى الله عليه وسلم بل يقفون ولا بد حيث بينهم وبين موسى عليه السلام أزيد من ثلاثين عصرا في أزيد من ألف وخمسمائة عام وإنما يبلغون بالنقل إلى هلال وشماني وشمعون وكرعقبيا وأمثالهم وأظن أن لهم مسألة واحد فقط يروونها عن حبر من أحبارهم عن نبي من متأخري أنبيائهم أخذها عنه مشافهة في نكاح الرجل ابنته إذا مات عنها أخوه وأما النصارى فليس عندهم من صفة هذا النقل إلا تحريم الطلاق وحده فقط على أن مخرجه من كذاب قد صح كذبه"
ن التفكير المنطقي لمريد الحق هو التأكد أولا مما تقوم به الحجة حيث ثبت لدى المسلم أن ذلك هو القرآن والسنة فلابد من طريق للتثبت والتوثيق لهذه المصادر فإن ثبتت فكيف نفهمها، فكان ذلك المنهج هو المنهج الدقيق لأداء ذلك الهدف، والوصول إليه.
2ـ الإجراءات والفلسفة تكشفان عن المنهج:
وإذا ما سرنا على أن المنهج إنما هو فلسفة تنبثق عنها إجراءات وهو تعريف المنهج عندي ـــ : تبين مدى العلاقة بين أصول الفقه وبين الفلسفة الإسلامية.
فأصول الفقه يشتمل بدون شك على بيان الإجراءات اللازمة للتعامل مع النص لفهمه، والوصول إلى أوصاف الفعل البشري، وهي الأوضاع التي تدور في نطاق ما يسميه الأصوليون بالحكم.
فالحكم عندهم: " هو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع"
وله أقسام هي: الوجوب والحرمة والندب والكراهة والإباحة وهي أوصاف للفعل البشري الذي يكون مبتدأ في جملة مفيدة والحكم خبر له فتتكون بذلك مسائل الفقه.
فموضوع علم الفقه: فعل الإنسان وموضوع علم أصول الفقه هو : الأدلة الإجمالية من حيث استنباط الأحكام منها.
وبدون شك فإن هذه الإجراءات التي يشتمل عليها أصول الفقه تخرج وتنبثق من رؤية تمثل مباحث الفلسفة الإسلامية وعلم الكلام.
يقول الإمام الزركشي في كتابه الجامع البحر المحيط مؤكدا عنصر الإجرائية في أصول الفقه والذي دعي بعضهم إلى ادعاء أن ذلك العلم من العلوم البينية التي لا تستقل بنفسها ويرد عليهم:
" فإن قيل : هل أصول الفقه إلا نبذ جمعت من علوم متفرقة ؟ نبذة من النحو كالكلام على معاني الحروف التي يحتاج الفقيه إليها ، والكلام في الاستثناء ، وعود الضمير للبعض ، وعطف الخاص على العام ونحوه ، ونبذة من علم الكلام كالكلام في الحسن والقبح ، وكون الحكم قديما ، والكلام على إثبات النسخ ، وعلى الأفعال ونحوه ، ونبذة من اللغة ، كالكلام في موضوع الأمر والنهي وصيغ العموم ، والمجمل والمبين ، والمطلق والمقيد ، ونبذة من علم الحديث كالكلام في الأخبار ، فالعارف بهذه العلوم لا يحتاج إلى أصول الفقه في شيء من ذلك ، وغير العارف بها لا يغنيه أصول الفقه في الإحاطة بها ، فلم يبق من أصول الفقه إلا الكلام في الإجماع ، والقياس ، والتعارض ، والاجتهاد ، وبعض الكلام في الإجماع من أصول الدين أيضا ، وبعض الكلام في القياس والتعارض مما يستقل به الفقيه ، ففائدة أصول الفقه بالذات حينئذ قليلة . فالجواب منع ذلك ، فإن الأصوليين دققوا النظر في فهم أشياء من كلام العرب لم تصل إليها النحاة ولا اللغويون ، فإن كلام العرب متسع ، والنظر فيه متشعب ، فكتب اللغة تضبط الألفاظ ومعانيها الظاهرة دون المعاني الدقيقة التي تحتاج إلى نظر الأصولي باستقراء زائد على استقراء اللغوي . مثاله : دلالة صيغة " افعل " على الوجوب ، و " لا تفعل " على التحريم ، وكون " كل " وأخواتها للعموم ، ونحوه مما نص هذا السؤال على كونه من اللغة لو فتشت لم تجد فيها شيئا من ذلك غالبا وكذلك في كتب النحاة في الاستثناء من أن الإخراج قبل الحكم أو بعده ، وغير ذلك من الدقائق التي تعرض لها الأصوليون وأخذوها من كلام العرب باستقراء خاص ، وأدلة خاصة لا تقتضيها صناعة النحو ، وسيمر بك منه في هذا الكتاب العجب العجاب .
ويؤكد ذلك المعنى قبله السبكي في كتابه الإبهاج شرح المنهاج حيث يقول:
" هذه تعريفات للأصل بحسب اللغة، وأن كان أهل اللغة لم يذكروها في كتبهم، وهو ما ينبهنا على أن الأصوليين يتعرضون لأشياء لم يتعرض لها أهل اللغة"
فمن هذه النصوص نبين وجود الأدوات والإجراءات واتصالها وامتزاجها بالرؤية الكلية.
3 ـ موضوعات الفلسفة بين نقاط التلاقي :
وإذا ما سرنا أيضا في تعريف الفلسفة من حيث موضوعها بأنها تشتمل على ثلاثة مباحث رئيسة هي الله -الكون الانسان والمعرفة (المنطق) والقيم (الأخلاق والجمال) فإننا سنرى بوضوح نقط التلاقي والعلاقة الموجودة بين أصول الفقه والفلسفة الإسلامية، حيث تعد تلك الفلسفة الخلفية الأساس لمجموعة الإجراءات المتمثلة في معرفة مصادر البحث وكيفية التعامل معها وشروط الباحث ما سبق، وهذا يتم على مستويات ثلاثة، وهي:
أولا أدراك العلاقة:
ثانيا تشغيل تلك العلاقة والاستفادة منها
ثالثا تطوير العلاقة بين الأصول والفقه.
يتبع،،،
تعليق