[ALIGN=CENTER]بسم الله الرحمن الرحيم
عدالة الصحابة[/ALIGN]
تمهيد:
[ALIGN=JUSTIFY]إن مسألة عدالة الصحابة في غاية الأهمية، لما يتفرع عليها كثير من المسائل الجزئية والأصلية، فهذه المسألة ينبني عليها الخلاف في كثير من المسائل بين السنة والشيعة، في مسألة الإمامة، ويترتب عليها الخلاف في غير ذلك، من فروع فقهية وما يترتب على ذلك من كثير من المسائل الفرعية وفهم الأحاديث. وسوف نبين بعض الأمثلة على ذلك في محله.
وكتمهيد للبحث في هذه المسألة، لا بد أن نبين باختصار مفهوم الصحابي، ومفهوم العدالة، لكي نتمكن بعد ذلك من الحكم على الصحابة بالعدالة أن نفيها عنهم، أو التفصيل، فيكون حكمنا مترتبا على تصور صحيح.
مفهوم الصحابي:
سنذكر التعريفات التي وردت عن العلماء في تعريف الصحابي، لكي يزداد وضوح تصور المقصود بالصحابي في أذهاننا، قبل الحكم عليه ونسبة الخصائص له.
التعريف الأول:
فالمعروف عند المحدثين أنه كل مسلم رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
كذا قال ابن الصلاح ونقله عن البخاري وغيره. واعترض على هذا التعريف، بأنه يخرج منه الأعمى مع أن ابن أم مكتوم متفق على صحبته، ويدخل فيه من رآه كافرا، ثم أسلم بعد موته، كرسول قيصر، وهو ليس صحابيا. ويدخل فيه من رآه بعد موته وقبل دفنه، وقد حصل ذلك لأبي ذؤيب خويلد بن خالد الهذلي، ولكنه ليس صحابيا. وكذا يرد عليه من أسلم في عهد النبي ثم ارتدَّ.
هذا إن كان المقصود بالرائي الصحابي، وإلا فإن كان الرائي هو الرسول عليه السلام، فإنه قد رأى أمته كلها في ليلة الإسراء، ومع ذلك فلا يقال إن أمته كلها صحابته، كما لا يخفى.
التعريف الثاني:
ولما مضى عرف العلماء الصحابي بأنه: مَنْ لقي النبي صلى الله عليه وسلم مسلما ومات على إسلامه.
أمّا من ارتد بعده ثم أسلم ومات مسلما؛ فقال العراقي: في دخوله فيهم نظر؛ فقد نصَّ الشافعي وأبو حنيفة على أن الردة محبطة للعمل. قال: والظاهر أنها محبطة للصحبة السابقة كقرة بن ميسرة والأشعث بن قيس.
أمَّا مَنْ رجع إلى الإسلام في حياته كعبد الله بن أبي سرج فلا مانع من دخوله في الصحبة.
وجزم شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني في هذا والذي قبله ببقاء اسم الصحبة له.
وهل يشترط لقيه في حال النبوة أو أعم من ذلك حتى يدخل من رآه قبلها ومات على الحنيفية كزيد بن عمرو بن نفيل، وقد عدَّه ابن منده في الصحابة، وكذا لو رآه قبلها ثم أدرك البعثة وأسلم ولم يره، قال العراقي ولم أرَ مَنْ تعرَّضَ لذلك. قال: ويدلُّ على اعتبار الرؤية بعد النبوة ذكرهم في الصحابة ولده إبراهيم دون من مات قبلها كالقاسم.
وهل يشترط في الرائي التمييز؟ حتى لا يدخل من رآه وهو لا يعقل، والأطفال الذين حنكهم ولم يروه بعد التمييز أو لا يشترط لم يذكروه أيضا.
وقال ابن حجر في النكت: ظاهر كلام الأئمة ابن معين وأبي زرعة وأبي حاتم وأبي داود وغيرهم اشتراطُه، فإنَّهم لم يثبتوا الصحبة لأطفالٍ حنَّكَهُمْ النبي صلى الله عليه وسلم أو مسح وجوههم أو تفل في أفواههم كمحمد بن حاطب وعبد الرحمن بن عثمان التميمي وعبيد الله بن معمر ونحوهم.
قال: ولا يشترط البلوغ على الصحيح وإلا لخرج من أُجْمِعَ على عَدِّهِ في الصحابة كالحسن والحسين وابن الزبير ونحوهم.
واشترط ابن حبان أن يكون رآه في سن من يحفظ عنه فإن كان صغيرا لم يحفظ عنه فلا عبرة برؤيته، كخلف بن خليفة عده من أتباع التابعين وإن رأى عمرو بن حريث لكونه كان صغيرا. قال العراقي: وما اختاره ابن حبان له وجهٌ، كما اشترط في الصحابي رؤيته وهو مميز، قال: وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى الصحابة والتابعين بقوله: "طوبى لمن رآني وآمن بي وطوبى لمن رأى من رآني..." الحديث، فاكتفى فيهما لمجرد الرؤية.
التعريف الثالث:
وعن بعض أصحاب الأصول وبعض أصحاب الحديث: أنَّ الصحابي من طالت مجالسته له على طريق التبع له والأخذ عنه بخلاف من وفد عليه وانصرف بلا مصاحبة ولا متابعة.
قالوا وذلك معنى الصحابي لغة.
ورد بإجماع أهل اللغة على أنه مشتق من الصحبة، لا من قدر منها مخصوص وذلك يطلق على كل من صحب غيره قليلا كان أو كثيراً. يقال: صحبت فلانا حولا وشهرا ويوما وساعة.
وعن بعض أهل الحديث موافقة ما ذكر عن أهل الأصول لما رواه ابن سعد بسند جيد في الطبقات عن علي بن محمد عن شعبة عن موسى، قال: أتيت أنس بن مالك فقلت له: أنت آخر من بقي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: قد بقي قوم من الأعراب فأما من أصحابه فأنا آخر من بقي.
قلت: وقولهم إن هذا المعنى مأخوذ من أصل اشتقاق اللغة، غير دقيق، بل هو مأخوذ من العرف، وحينذاك فقد يكون له وجه قوي، لأن المعنى العرفي له اعتبار.
التعريف الرابع:
عن سعيد بن المسيب أنه كان لا يَعُدُّ صحابيا إلا من أقام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة أو سنتين أو غزا معه غزوة أو غزوتين.
ووجهه أن لصحبته صلى الله عليه وسلم شرفا عظيماً، فلا تُنال إلا يظهر فيه الخلق المطبوع عليه الشخص. كالغزو المشتمل على السفر الذي هو قطعة من العذاب والسنة المشتملة على الفصول الأربعة التي يختلف بها المزاج.
فإن صح هذا القول عنه، فهو ضعيف، فإن مقتضاه أن لا يُعَدَّ جرير بن عبد الله البجلي وشبهه ممن فقد ما اشترطه كوائل بن حجر صحابيا، ولا خلاف أنَّهم صحابة.
قال العراقي: ولا يصحُّ هذا عن ابن المسيِّب، ففي الإسناد إليه محمد بن عمر الواقدي وهو ضعيف في الحديث.
وقال: وقد اعترض بأن جريرا أسلم في أول البعثة، لما روى الطبراني عنه قال: لما بُعِثَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم، أتيته لأبايعه، فقال: لأي شيء جئت يا جرير. قال: جئت لأسلم على يديك. فدعاني إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله وتقيم الصلاة المكتوبة وتؤتي الزكاة المفروضة الحديث.
قال والجواب أنَّه غير صحيح، فإنه من رواية الحصين بن عمر الأحمسي، وهو منكر الحديث. ولو ثبت فلا دليل فيه لأنه يلزم الفورية في جواب لما بدليل ذكر الصلاة والزكاة وفرضهما متراخ عن البعثة.
والصواب ما ثبت عنه أنه قال ما أسلمتُ إلا بعد نزول المائدة. رواه أبو داود وغيره وفي تاريخ البخاري الكبير أنه أسلم عام توفي النبي صلى الله عليه وسلم وكذا قال الواقدي وابن حبان والخطيب وغيرهم.
قلت: والظاهر أن شرط ابن المسيب إن صح عنه، فهو من نفس جنس اشتراط طول الصحبة كالذي قَبْلَه، وعلته ما ذكره من أن الصحبة شرف عظيم ومرتبة عالية، الكل يتشوف لها، فينبغي أن لا يحكم بها إلا على من يقطع بأنه اكتسبها، ولذلك اشترطوا طول الصحبة، فبعضهم أطلق وبعضهم ضبط الطول بمدة معينة فقال سنة أو سنتين. وكما قلنا إن السابق له وجه فهذا أيضا له وجه. ولكن قد ينازع في المدة نفسها. فينبغي أن يكون الضابط العرف كما نبهنا سابقا، ولصعوبة التحديد، فَكُلُّ مَنْ يُعَدُّ صحابيا فله حالة خاصة تكون محل بحث.
التعريف الخامس:
أنه من طالت صحبته وروي عنه.
التعريف السادس:
أنه من رآه بالغا حكاه الواقدي وهو شاذ كما تقدم.
التعريف السابع:
أنه من أدرك زمنه صلى الله عليه وسلم وإن لم يره.
قاله يحيى بن عثمان بن صالح المصري، وعَدَّ مِنْ ذلك عبد الله بن مالك الجيشاني أبا تميم، ولم يرحل إلى المدينة إلا في خلافة عمر باتفاق.
وممن حَكَى هذا القولَ القرافيُّ في شرح التنقيح.
التعريف الثامن:
مَنْ حكم بإسلامه تبعا لأبويه، وعليه عمل ابن عبد البر وابن منده.
[ALIGN=JUSTIFY]تحرير مفهوم العدالة: [/ALIGN]
سنبين تعريفات العدالة وضوابطها بحسب ما ورد على ألسنة العلماء، لأن العدالة هي الحكم في مسألتنا هذه، ومن المهم أن نتصور الحكم قبل أن ننسبه إلى المحكوم عليه به.
سننقل هنا ما قاله الإمام النسفي في شرحه للمنار، فهو في غاية الأهمية ويوضح إلى حدٍّ كبير مفهوم العدالة.
قال الإمام النسفي رحمه الله تعالى في شرح المنار في أصول الفقه المسمى بكشف الأسرار (2/35:
" اعلم أن العدالة هيئة راسخة في النفس تحملها على الاجتناب عما هو محظور دريئه، وهي في الأصل الاستقامة. يقال طريق عدل للجادة، وفلان عدل إذا كان مستقيم السيرة، لا يميل عن سنن الإنصاف والحق، وضده الجور وهو الميل يقال طريق جائر إذا كان من الثنيات.
وهي نوعان:
قاصر وهو ما ثبت بظاهر الإسلام، واعتدال العقل بالبلوغ، لأنهما يحملانه على الاستقامة ويزجرانه عن غيرها ظاهرا إلا أن هذا الظاهر يعارضه ظاهر آخر يصدع عن الاستقامة، وهو هوى النفس، فإنه الأصل قبل العقل، وحين رزق النهى ما زايله الهوى، فإذا اجتمعا فيه يكون عدلا من وجه دون وجه، كالمعتوه والصبي العاقل، فلا يكون عدلا مطلقا.
وكامل: وهو ما ظهر بالتجربة رجحان جهة الدين والعقل على طريق الهوى والشهوة، فيكون ممتنعا بقوة دينه عما يعتقده محرما فيه من الشهوات، وهذا لأنه ليس لكمال الاستقامة غاية لأنها تتفاوت بتقدير الله ومشيئته، فاعتبر في ذلك ما لا يؤدي إلى الحرج، وتضييع حدود الشريعة وهو اجتناب الكبائر، وترك الإصرار على الصغائر، فقيل: من ارتكب كبيرة أو أصر على صغيرة سقطت عدالته وصار متهما بالكذب، لأن من لا يتحامى جنس الفسوق لا يتحامى الكذب الذي هو نوع منه، فأما من ابتلي بشيء من الصغائر بلا إصرار فعدل كامل العدالة، وخبره حجة في إقامة الشريعة، لأنا لو شرطنا العصمة عن الكل لتعطلت الحقوق، لأن لله تعالى في كل لحظة أمرا ونهيا يتعذر على العباد القيام بحقهما فيبتلون ببعض الصغائر.
وإنما شرطنا العدالة لأن الكلام وقع في خبر من هو غير معصوم عن الكذب، فلا يثبت جهة الصدق في خبره إلا بالاستدلال، وذلك بالعدالة، لأن الكذب محظور دينه، فيستدل بانزجاره عن محظورات دينه على انزجاره عن الكذب الذي يعتقده محظورا.
وكمالَها لأن المطلق من كل شيء يقع على كماله، فلهذا لم يجعل خبر الفاسق، والمستور وهو من لا يعرف ارتكابه الكبائر ولا احترازه عنها حجة.
وقال الشافعي رحمه الله: لما لم يكن خبر المستور حجة مع أنه اعتاد رواية الحديث، لأنه لم تعرف عدالته، فخبر المجهول وهو غير المعروف بالعدالة والرواية أولى.
وقلنا: المجهول من القرون الثلاثة عدل بتعديل النبي عليه السلام إياه، فخبره يكون حجة على الشرط الذي بينا. "اهـ
وقال الإمام الجويني رحمه الله تعالى في التلخيص (2/351):
"ومن الأوصاف المشروطة في الرواية: العدالة، فاعلم أن الفسق مهما ظهر ذلك رد الرواية إجماعا، ثم اختلف العلماء بعد ذلك فذهب أصحاب أبي حنيفة رحمه الله إلى أن من ثبت إسلامه ظاهرا ولم نعلم منه فسقا فهو في حكم الرواية عدل، قالوا كذلك في الشهادة على الأموال، وأجمعوا اشتراط ثبوت العدالة في الشهادة على الحدود وما يتعلق بالأبضاع، وسنفرد الكلام عليهم بعد الفراغ من تفصيل مذاهبهم.
وما اختاره الدهماء من العلماء القائلين بأخبار الآحاد أنا لا نكتفي بما اكتفوا به، ولكنا نشترط ثبوت أوصاف العدالة في الشهادة والعلم بها أو غلبة الظن.
فإن قيل: فما العدالة التي ذكرتموها؟
قيل قد أكثروا في ذلك ولم يحقق أحد في ذلك قولا جامعا مانعا، وأكثر ما قاله الشافعي رضي الله عنه، أن قال: ليس في الناس من يمحض الطاعة فلا يمزجها بمعصية ولا في المسلمين نمن يمحض المعصية فلا يمزجها بطاعة، ولا سبيل إلى رد الكل ولا إلى قبول الكل وإذا كان الأغلب على الرجل من أمره الطاعة والمروءة قبلت شهادته، وإذا كان الأغلب من أمره المعصية وخلاف المروءة ردت شهادته وروايته.
قال أبو بكر الصيرفي فيمن قارف كبيرة ردت شهادته، ومن قارف صغيرة لم ترد شهادته ولا روايته وتتابع الصغائر كمقارفة الكبائر وقال هو أيضا: لو ثبت كذب الراوي لردت شهادته إذا تعمده، وإن كان لا يعد الكذب فيه من الكبائر، لأنه قادح في نفس المقصود بالرواية.
وقد ذكر القاضي رضي الله عنه عبارة جامعة في العدالة فقال: العدالة اتباع أمر الله على الجملة، ومخالفة أمر الله تعالى تضاد العدالة، ثم تثبت العدالة في شيء باتباع أمر الله فيه، ولا يمنع من تحققه ثبوت المخالفة في غيره.
فإن قيل: فهذا ذكر على الجملة فما عدالة الراوي.
قلنا: لا نشترط تحقق العدالة فيه من كل وجه لما قدمناه، ولكن إجماع القول فيه أن يقال العدل المشتهر بأداء الفرائض وامتثال الأوامر وتوقي المزاجر واجتناب ما يمرض القلوب ويورث التهم فيما جلَّ وقلَّ فيخرج لنا من مضمون ذلك عبارة وحيدة وهي أنا نشترط أن لا يفدم الراوي على ما إذا أقدم عليه أورث ذلك تهمة ظاهرة في روايته، ولا فرق بين أن يكون من الصغائر أو من الكبائر.
وأما الكبائر فلا شك أن الإقدام عليها يورث التهم والصغائر علىا لالنقسام، فرب صغيرة تورث ذلك، فإنك إذا رأيت الرجل يسرق باذنجانة أو ما أشبهها أو يطفف المكيال والميزان في حبة فهذا لا يقطع أن يكون كبيرة وربما كنا بمجاري العادات نعلم أن من أقدم على مثل ذلك فيؤدي بقلة نزاهته ورقة أمانته فاضبط ذلك وايأس من ضبط أوصاف محصورة يقال أنها العدالة المشروطة وإنما عظم الاجتهاد في التعديل والجرح لخروج صفاتهما عن الضبط والحصر. "
ثم قال رحمه الله تعالى (2/373):"اعلم أن ما صار إليه الجمهور من أصحابنا أن الرواة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجررين والأنصار معدلون بنص الكتاب، وهم مقرون على العدالة إلى أن يتحقق قطعا ما يقدح في واحد منهم.
فإن قيل: فأي آية تعنون اشتمالها علىتعديلهم ؟
قلنا: هي أكثر من واحدة فمنها، قوله تعالى في مخاطبة الصحابة "كنتم خير أمة أخرجت للناس". ومنها قوله تعالى في مخاطبتهم " وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس" ومنه قولهم في أهل بيعة الرضوان " لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة". ومنها الآيات المستملة على حسن الثناء على المهاجرين والأنصار منه قوله تعالى "والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار"، إلى غير ذلك مما يطول تتبعه من الكتاب والسنة، ثم لا تظنن أنه مندرج تحت هذه الجملة كل من لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما ذلك في الذيت امتثلوا أمره وبذلوا عليه المهج وهم المعرفون المسمون. "اهـ[/ALIGN]
يتبع.......
عدالة الصحابة[/ALIGN]
تمهيد:
[ALIGN=JUSTIFY]إن مسألة عدالة الصحابة في غاية الأهمية، لما يتفرع عليها كثير من المسائل الجزئية والأصلية، فهذه المسألة ينبني عليها الخلاف في كثير من المسائل بين السنة والشيعة، في مسألة الإمامة، ويترتب عليها الخلاف في غير ذلك، من فروع فقهية وما يترتب على ذلك من كثير من المسائل الفرعية وفهم الأحاديث. وسوف نبين بعض الأمثلة على ذلك في محله.
وكتمهيد للبحث في هذه المسألة، لا بد أن نبين باختصار مفهوم الصحابي، ومفهوم العدالة، لكي نتمكن بعد ذلك من الحكم على الصحابة بالعدالة أن نفيها عنهم، أو التفصيل، فيكون حكمنا مترتبا على تصور صحيح.
مفهوم الصحابي:
سنذكر التعريفات التي وردت عن العلماء في تعريف الصحابي، لكي يزداد وضوح تصور المقصود بالصحابي في أذهاننا، قبل الحكم عليه ونسبة الخصائص له.
التعريف الأول:
فالمعروف عند المحدثين أنه كل مسلم رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
كذا قال ابن الصلاح ونقله عن البخاري وغيره. واعترض على هذا التعريف، بأنه يخرج منه الأعمى مع أن ابن أم مكتوم متفق على صحبته، ويدخل فيه من رآه كافرا، ثم أسلم بعد موته، كرسول قيصر، وهو ليس صحابيا. ويدخل فيه من رآه بعد موته وقبل دفنه، وقد حصل ذلك لأبي ذؤيب خويلد بن خالد الهذلي، ولكنه ليس صحابيا. وكذا يرد عليه من أسلم في عهد النبي ثم ارتدَّ.
هذا إن كان المقصود بالرائي الصحابي، وإلا فإن كان الرائي هو الرسول عليه السلام، فإنه قد رأى أمته كلها في ليلة الإسراء، ومع ذلك فلا يقال إن أمته كلها صحابته، كما لا يخفى.
التعريف الثاني:
ولما مضى عرف العلماء الصحابي بأنه: مَنْ لقي النبي صلى الله عليه وسلم مسلما ومات على إسلامه.
أمّا من ارتد بعده ثم أسلم ومات مسلما؛ فقال العراقي: في دخوله فيهم نظر؛ فقد نصَّ الشافعي وأبو حنيفة على أن الردة محبطة للعمل. قال: والظاهر أنها محبطة للصحبة السابقة كقرة بن ميسرة والأشعث بن قيس.
أمَّا مَنْ رجع إلى الإسلام في حياته كعبد الله بن أبي سرج فلا مانع من دخوله في الصحبة.
وجزم شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني في هذا والذي قبله ببقاء اسم الصحبة له.
وهل يشترط لقيه في حال النبوة أو أعم من ذلك حتى يدخل من رآه قبلها ومات على الحنيفية كزيد بن عمرو بن نفيل، وقد عدَّه ابن منده في الصحابة، وكذا لو رآه قبلها ثم أدرك البعثة وأسلم ولم يره، قال العراقي ولم أرَ مَنْ تعرَّضَ لذلك. قال: ويدلُّ على اعتبار الرؤية بعد النبوة ذكرهم في الصحابة ولده إبراهيم دون من مات قبلها كالقاسم.
وهل يشترط في الرائي التمييز؟ حتى لا يدخل من رآه وهو لا يعقل، والأطفال الذين حنكهم ولم يروه بعد التمييز أو لا يشترط لم يذكروه أيضا.
وقال ابن حجر في النكت: ظاهر كلام الأئمة ابن معين وأبي زرعة وأبي حاتم وأبي داود وغيرهم اشتراطُه، فإنَّهم لم يثبتوا الصحبة لأطفالٍ حنَّكَهُمْ النبي صلى الله عليه وسلم أو مسح وجوههم أو تفل في أفواههم كمحمد بن حاطب وعبد الرحمن بن عثمان التميمي وعبيد الله بن معمر ونحوهم.
قال: ولا يشترط البلوغ على الصحيح وإلا لخرج من أُجْمِعَ على عَدِّهِ في الصحابة كالحسن والحسين وابن الزبير ونحوهم.
واشترط ابن حبان أن يكون رآه في سن من يحفظ عنه فإن كان صغيرا لم يحفظ عنه فلا عبرة برؤيته، كخلف بن خليفة عده من أتباع التابعين وإن رأى عمرو بن حريث لكونه كان صغيرا. قال العراقي: وما اختاره ابن حبان له وجهٌ، كما اشترط في الصحابي رؤيته وهو مميز، قال: وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى الصحابة والتابعين بقوله: "طوبى لمن رآني وآمن بي وطوبى لمن رأى من رآني..." الحديث، فاكتفى فيهما لمجرد الرؤية.
التعريف الثالث:
وعن بعض أصحاب الأصول وبعض أصحاب الحديث: أنَّ الصحابي من طالت مجالسته له على طريق التبع له والأخذ عنه بخلاف من وفد عليه وانصرف بلا مصاحبة ولا متابعة.
قالوا وذلك معنى الصحابي لغة.
ورد بإجماع أهل اللغة على أنه مشتق من الصحبة، لا من قدر منها مخصوص وذلك يطلق على كل من صحب غيره قليلا كان أو كثيراً. يقال: صحبت فلانا حولا وشهرا ويوما وساعة.
وعن بعض أهل الحديث موافقة ما ذكر عن أهل الأصول لما رواه ابن سعد بسند جيد في الطبقات عن علي بن محمد عن شعبة عن موسى، قال: أتيت أنس بن مالك فقلت له: أنت آخر من بقي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: قد بقي قوم من الأعراب فأما من أصحابه فأنا آخر من بقي.
قلت: وقولهم إن هذا المعنى مأخوذ من أصل اشتقاق اللغة، غير دقيق، بل هو مأخوذ من العرف، وحينذاك فقد يكون له وجه قوي، لأن المعنى العرفي له اعتبار.
التعريف الرابع:
عن سعيد بن المسيب أنه كان لا يَعُدُّ صحابيا إلا من أقام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة أو سنتين أو غزا معه غزوة أو غزوتين.
ووجهه أن لصحبته صلى الله عليه وسلم شرفا عظيماً، فلا تُنال إلا يظهر فيه الخلق المطبوع عليه الشخص. كالغزو المشتمل على السفر الذي هو قطعة من العذاب والسنة المشتملة على الفصول الأربعة التي يختلف بها المزاج.
فإن صح هذا القول عنه، فهو ضعيف، فإن مقتضاه أن لا يُعَدَّ جرير بن عبد الله البجلي وشبهه ممن فقد ما اشترطه كوائل بن حجر صحابيا، ولا خلاف أنَّهم صحابة.
قال العراقي: ولا يصحُّ هذا عن ابن المسيِّب، ففي الإسناد إليه محمد بن عمر الواقدي وهو ضعيف في الحديث.
وقال: وقد اعترض بأن جريرا أسلم في أول البعثة، لما روى الطبراني عنه قال: لما بُعِثَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم، أتيته لأبايعه، فقال: لأي شيء جئت يا جرير. قال: جئت لأسلم على يديك. فدعاني إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله وتقيم الصلاة المكتوبة وتؤتي الزكاة المفروضة الحديث.
قال والجواب أنَّه غير صحيح، فإنه من رواية الحصين بن عمر الأحمسي، وهو منكر الحديث. ولو ثبت فلا دليل فيه لأنه يلزم الفورية في جواب لما بدليل ذكر الصلاة والزكاة وفرضهما متراخ عن البعثة.
والصواب ما ثبت عنه أنه قال ما أسلمتُ إلا بعد نزول المائدة. رواه أبو داود وغيره وفي تاريخ البخاري الكبير أنه أسلم عام توفي النبي صلى الله عليه وسلم وكذا قال الواقدي وابن حبان والخطيب وغيرهم.
قلت: والظاهر أن شرط ابن المسيب إن صح عنه، فهو من نفس جنس اشتراط طول الصحبة كالذي قَبْلَه، وعلته ما ذكره من أن الصحبة شرف عظيم ومرتبة عالية، الكل يتشوف لها، فينبغي أن لا يحكم بها إلا على من يقطع بأنه اكتسبها، ولذلك اشترطوا طول الصحبة، فبعضهم أطلق وبعضهم ضبط الطول بمدة معينة فقال سنة أو سنتين. وكما قلنا إن السابق له وجه فهذا أيضا له وجه. ولكن قد ينازع في المدة نفسها. فينبغي أن يكون الضابط العرف كما نبهنا سابقا، ولصعوبة التحديد، فَكُلُّ مَنْ يُعَدُّ صحابيا فله حالة خاصة تكون محل بحث.
التعريف الخامس:
أنه من طالت صحبته وروي عنه.
التعريف السادس:
أنه من رآه بالغا حكاه الواقدي وهو شاذ كما تقدم.
التعريف السابع:
أنه من أدرك زمنه صلى الله عليه وسلم وإن لم يره.
قاله يحيى بن عثمان بن صالح المصري، وعَدَّ مِنْ ذلك عبد الله بن مالك الجيشاني أبا تميم، ولم يرحل إلى المدينة إلا في خلافة عمر باتفاق.
وممن حَكَى هذا القولَ القرافيُّ في شرح التنقيح.
التعريف الثامن:
مَنْ حكم بإسلامه تبعا لأبويه، وعليه عمل ابن عبد البر وابن منده.
[ALIGN=JUSTIFY]تحرير مفهوم العدالة: [/ALIGN]
سنبين تعريفات العدالة وضوابطها بحسب ما ورد على ألسنة العلماء، لأن العدالة هي الحكم في مسألتنا هذه، ومن المهم أن نتصور الحكم قبل أن ننسبه إلى المحكوم عليه به.
سننقل هنا ما قاله الإمام النسفي في شرحه للمنار، فهو في غاية الأهمية ويوضح إلى حدٍّ كبير مفهوم العدالة.
قال الإمام النسفي رحمه الله تعالى في شرح المنار في أصول الفقه المسمى بكشف الأسرار (2/35:
" اعلم أن العدالة هيئة راسخة في النفس تحملها على الاجتناب عما هو محظور دريئه، وهي في الأصل الاستقامة. يقال طريق عدل للجادة، وفلان عدل إذا كان مستقيم السيرة، لا يميل عن سنن الإنصاف والحق، وضده الجور وهو الميل يقال طريق جائر إذا كان من الثنيات.
وهي نوعان:
قاصر وهو ما ثبت بظاهر الإسلام، واعتدال العقل بالبلوغ، لأنهما يحملانه على الاستقامة ويزجرانه عن غيرها ظاهرا إلا أن هذا الظاهر يعارضه ظاهر آخر يصدع عن الاستقامة، وهو هوى النفس، فإنه الأصل قبل العقل، وحين رزق النهى ما زايله الهوى، فإذا اجتمعا فيه يكون عدلا من وجه دون وجه، كالمعتوه والصبي العاقل، فلا يكون عدلا مطلقا.
وكامل: وهو ما ظهر بالتجربة رجحان جهة الدين والعقل على طريق الهوى والشهوة، فيكون ممتنعا بقوة دينه عما يعتقده محرما فيه من الشهوات، وهذا لأنه ليس لكمال الاستقامة غاية لأنها تتفاوت بتقدير الله ومشيئته، فاعتبر في ذلك ما لا يؤدي إلى الحرج، وتضييع حدود الشريعة وهو اجتناب الكبائر، وترك الإصرار على الصغائر، فقيل: من ارتكب كبيرة أو أصر على صغيرة سقطت عدالته وصار متهما بالكذب، لأن من لا يتحامى جنس الفسوق لا يتحامى الكذب الذي هو نوع منه، فأما من ابتلي بشيء من الصغائر بلا إصرار فعدل كامل العدالة، وخبره حجة في إقامة الشريعة، لأنا لو شرطنا العصمة عن الكل لتعطلت الحقوق، لأن لله تعالى في كل لحظة أمرا ونهيا يتعذر على العباد القيام بحقهما فيبتلون ببعض الصغائر.
وإنما شرطنا العدالة لأن الكلام وقع في خبر من هو غير معصوم عن الكذب، فلا يثبت جهة الصدق في خبره إلا بالاستدلال، وذلك بالعدالة، لأن الكذب محظور دينه، فيستدل بانزجاره عن محظورات دينه على انزجاره عن الكذب الذي يعتقده محظورا.
وكمالَها لأن المطلق من كل شيء يقع على كماله، فلهذا لم يجعل خبر الفاسق، والمستور وهو من لا يعرف ارتكابه الكبائر ولا احترازه عنها حجة.
وقال الشافعي رحمه الله: لما لم يكن خبر المستور حجة مع أنه اعتاد رواية الحديث، لأنه لم تعرف عدالته، فخبر المجهول وهو غير المعروف بالعدالة والرواية أولى.
وقلنا: المجهول من القرون الثلاثة عدل بتعديل النبي عليه السلام إياه، فخبره يكون حجة على الشرط الذي بينا. "اهـ
وقال الإمام الجويني رحمه الله تعالى في التلخيص (2/351):
"ومن الأوصاف المشروطة في الرواية: العدالة، فاعلم أن الفسق مهما ظهر ذلك رد الرواية إجماعا، ثم اختلف العلماء بعد ذلك فذهب أصحاب أبي حنيفة رحمه الله إلى أن من ثبت إسلامه ظاهرا ولم نعلم منه فسقا فهو في حكم الرواية عدل، قالوا كذلك في الشهادة على الأموال، وأجمعوا اشتراط ثبوت العدالة في الشهادة على الحدود وما يتعلق بالأبضاع، وسنفرد الكلام عليهم بعد الفراغ من تفصيل مذاهبهم.
وما اختاره الدهماء من العلماء القائلين بأخبار الآحاد أنا لا نكتفي بما اكتفوا به، ولكنا نشترط ثبوت أوصاف العدالة في الشهادة والعلم بها أو غلبة الظن.
فإن قيل: فما العدالة التي ذكرتموها؟
قيل قد أكثروا في ذلك ولم يحقق أحد في ذلك قولا جامعا مانعا، وأكثر ما قاله الشافعي رضي الله عنه، أن قال: ليس في الناس من يمحض الطاعة فلا يمزجها بمعصية ولا في المسلمين نمن يمحض المعصية فلا يمزجها بطاعة، ولا سبيل إلى رد الكل ولا إلى قبول الكل وإذا كان الأغلب على الرجل من أمره الطاعة والمروءة قبلت شهادته، وإذا كان الأغلب من أمره المعصية وخلاف المروءة ردت شهادته وروايته.
قال أبو بكر الصيرفي فيمن قارف كبيرة ردت شهادته، ومن قارف صغيرة لم ترد شهادته ولا روايته وتتابع الصغائر كمقارفة الكبائر وقال هو أيضا: لو ثبت كذب الراوي لردت شهادته إذا تعمده، وإن كان لا يعد الكذب فيه من الكبائر، لأنه قادح في نفس المقصود بالرواية.
وقد ذكر القاضي رضي الله عنه عبارة جامعة في العدالة فقال: العدالة اتباع أمر الله على الجملة، ومخالفة أمر الله تعالى تضاد العدالة، ثم تثبت العدالة في شيء باتباع أمر الله فيه، ولا يمنع من تحققه ثبوت المخالفة في غيره.
فإن قيل: فهذا ذكر على الجملة فما عدالة الراوي.
قلنا: لا نشترط تحقق العدالة فيه من كل وجه لما قدمناه، ولكن إجماع القول فيه أن يقال العدل المشتهر بأداء الفرائض وامتثال الأوامر وتوقي المزاجر واجتناب ما يمرض القلوب ويورث التهم فيما جلَّ وقلَّ فيخرج لنا من مضمون ذلك عبارة وحيدة وهي أنا نشترط أن لا يفدم الراوي على ما إذا أقدم عليه أورث ذلك تهمة ظاهرة في روايته، ولا فرق بين أن يكون من الصغائر أو من الكبائر.
وأما الكبائر فلا شك أن الإقدام عليها يورث التهم والصغائر علىا لالنقسام، فرب صغيرة تورث ذلك، فإنك إذا رأيت الرجل يسرق باذنجانة أو ما أشبهها أو يطفف المكيال والميزان في حبة فهذا لا يقطع أن يكون كبيرة وربما كنا بمجاري العادات نعلم أن من أقدم على مثل ذلك فيؤدي بقلة نزاهته ورقة أمانته فاضبط ذلك وايأس من ضبط أوصاف محصورة يقال أنها العدالة المشروطة وإنما عظم الاجتهاد في التعديل والجرح لخروج صفاتهما عن الضبط والحصر. "
ثم قال رحمه الله تعالى (2/373):"اعلم أن ما صار إليه الجمهور من أصحابنا أن الرواة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجررين والأنصار معدلون بنص الكتاب، وهم مقرون على العدالة إلى أن يتحقق قطعا ما يقدح في واحد منهم.
فإن قيل: فأي آية تعنون اشتمالها علىتعديلهم ؟
قلنا: هي أكثر من واحدة فمنها، قوله تعالى في مخاطبة الصحابة "كنتم خير أمة أخرجت للناس". ومنها قوله تعالى في مخاطبتهم " وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس" ومنه قولهم في أهل بيعة الرضوان " لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة". ومنها الآيات المستملة على حسن الثناء على المهاجرين والأنصار منه قوله تعالى "والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار"، إلى غير ذلك مما يطول تتبعه من الكتاب والسنة، ثم لا تظنن أنه مندرج تحت هذه الجملة كل من لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما ذلك في الذيت امتثلوا أمره وبذلوا عليه المهج وهم المعرفون المسمون. "اهـ[/ALIGN]
يتبع.......
تعليق