مذهب علماء ديوبند فيما يتعلق بالحديث والمحدثين أيضا واضح ؛ فهو يتسم في هذا الشأن كذلك بالشمول والاعتدال ، اللذين يتسم بهما في أغراض الدين الأخرى. والأساسُ في هذا الخصوص أنهم بما أنهم يعتبرون الحديثَ بياناً للقرآن الكريم ، ويعتبرونه مصدراً من مصادر الشريعة ؛ فلا يرفضون حديثاً ما، مادام حرياً بأن يُسْتَدَلَّ به، حتى إنهم فيما يتصل بالروايات المتعارضة كذلك يعمدون أولاً إلى الجمع والتوفيق بينها، بدلاً من تركها أو اختيار بعض منها. وذلك بغيةَ العمل بكل حديث من الأحاديث بشكل من الأشكال، والأخذ بجميعها دون الاحتياج إلى ترك أحد منها؛ فهم يؤمنون في خصوص الروايات بالعناية بالإعمال مقابل الإهمال. ويرجع إلى جامعية هذا المذهب أن علماء ديوبند يأخذون من حين لآخر بجميع الأشكال المبدئية ، التي يمارسها أئمة الاجتهاد لرفع التعارض عن الروايات المتعارضة ، في إطار المناهج والمبادئ الحنفية .
مذهب الأئمة الأربعة لدى التعارض بين الروايات:
فعند التعارض بين الروايات يتركّز الاهتمام لدى الإمام الشافعي رحمه الله تعالى على صحّة الروايات وقوة السند؛ فهو يأخذ بأصحّ ما في الباب من الروايات ، ويترك الروايات الضعيفة لديه ، أو يجعلها تابعةً للرواية القوية عن طريق التأويل.
وعند الإمام مالك رحمه الله تعالى تتوجه العناية في هذه الحالة إلى الأخذ بعمل أهل المدينة أو بعمل أهل الحرمين ؛ فهو يأخذ بالرواية التي تتفق وعملَهم ، ويردّ ما سواها أو يؤوّلها.
أما الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، فهو عند تعارض الروايات يبحث عن كثرة فتاوى الصحابة رضي الله عنهم؛ فالرواية التي تحظى بهذه الكثرة يأخذ بها، ويترك ما سواها، أو يؤوّلها تأويلاً لائقاً.
ولكن الإمام أبا حنيفة رحمه الله تعالى يركّز الاهتمام على الجمع بين الروايات. وذلك يتأتّى من وجوه: فقد يُحْمَلُ كل حديث على محمل لائق، وقد تُجْمَعُ الروايات في الباب كلها، ويُنْظَرُ:
ما هو الغرض النبوي الذي يدل عليه جوهر الروايات ؟ وما هو القاسم المشترك بينها الذي تتحدث عن شتى نواحيه شتى هذه الروايات؟ فالإمام أبو حنيفة قبل أن يَنْظَرَ إلى قوة السند أو عمل أهل الحرمين أو فتاوى الصحابة يستخرج من النصوص مناط الحكم ، ثم يتناوله بالتنقيح والنقاش فبالتحقيق، ثم يجعل الرواية التي يتجلى فيها غرض الشارع عليه اسلام بشكل أقوى وتنطوي على سبب الحكم أو على الحكم صراحة أو دلالة أساساً من أسس مذهبه ، ويعمد إلى باقي الروايات فيصلها بتلك الرواية على أساس مناط الحكم وغرضه عليه السلام؛ وعلى ذلك فتأتي كل رواية معمولاً بها في موقعها، وتنضم على أساس مناط الحكم أجزاءُ الحكم التي كانت مُبَعْثَرَةً في مختلف الروايات ، بعضُها إلى بعض ، في أوقاتها المناسبة ، وتشكل علماً كبيراً في الباب ، يسع جميعَ نواحي العمل ، التي كانت منثورة في عدد من الروايات. والسبب الجلي في ذلك أن كل حديث من الأحاديث منبعٌ مستقل للعلم والحكمة؛ وبالجمع بين الروايات الذي يجعلها جميعاً معمولاً بها، يعود ما فيها من العلوم والحِكَم مُحافَظًا عليه . وهذه العلوم والحكم كلّها تتصل بمعيار فتعود رصيداً كبيراً من أرصدة العلم المضبوط؛ الأمر الذي لم يكن ليتحقق لدى ترك حديث من الأحاديث. ثم إنه بهذا الشكل لا يتكوّن هذاالرصيد العلمي وحده، بل يتجمع مجموعُ علوم الأحاديث كلها، فيفتح من أبواب العلوم الجديدة ما لا يحصى. وإذا انضمت إلى هذه الروايات مؤيداتها من فتاوى الصحابة وعمل أهل الحرمين ، فهناك يجتمع إلى هذا العلم علم كبير آخر، فيضحي البحر العلمي، محيطاً لا ساحل له ، وتكون النقطة الأساسية هي مناط الحكم الذي يتخذه الأحناف أساساً، ويستخدمون أصولهم الاجتهادية إلى جانب الاستئناس بأصول أئمة الاجتهاد كلهم ؛ مما يرفع التعارض في جانب، ويجمع بين الأصول كلها في مواقعها في جانب آخر، ولا يحتاجون بذلك إلى إعمال أسباب ترك الحديث إلا نادراً . غير أنهم يضطرون لترجيح حديث على آخر عندما لا تتأتى صورة لرفع التعارض بين الحديثين أو الأحاديث. وهناك يفتي المذهب الحنفي بالأخذ بصحة السند أولاً ، ثم ترجيح حديث على آخر في ضوء تفقه الراوي ودراسته ؛ فلا يقتصرون على مجرد قوة السند ، بل يرجحون الرواية التي تنطوي على الفقه ويكون راويها فقيهاً ويتجلّى فيه وجه التفقه.
ملخص مذهب الإمام أبي حنيفة لدى تعارض الروايات :
فمناطُ الحكم في صورة الجمع بين الروايات ، والتفقهُ في صورة ترجيح رواية على غيرها من الروايات الواردة في الباب ؛ هما الأصل لدى علماء ديوبند، وليس الأصل لديهم مجرد قوة السند أو كون رواية أصح ما في الباب؛ لأن قوة السند إن دلت على شيء فإنما تدلّ على قوة ثبوت الحديث؛ ولكنه ليس من اللازم أن الحديث الأقوى ثبوتاً هو الذي يكون متضمناً للفقه الأساسي في الباب.
فلو أُخِذَ بأصح ما في الباب من الحديث الذي إنما يُوْجَدُ فيه مجرد الحكم وتُرِكَ ما هو دونه في ذلك الباب ، رغم كونه جديراً بالاستدلال ، وكونه متضمناً لعلة الحكم ومناطه؛ فإنه يبقى الحكم بلا علة، على حين إن العلة هي التي تؤدي بالحكم إلى الأمثال والنظائر، الأمر الذي هو السبب في كون الحكم ذا مرونة وسعة وامتداد، وإنما تُرِكَتْ هذه العلة لأن مصدرها لم يكن أصحّ ما في الباب، وإنما كان بروايته ضعيفَ السند بالقياس إلى غيره. وبذلك فينتهي كون الحكم جامعاً و مصدراً للنظائر، وبالتالي فتنتهي شمولية الفقة وكذلك سعة نظر المتبعين للفقة. ومن ثم يركز الإمام أبوحنيفة رحمه الله تعالى إلى جانب قوة السند على استخراج مناط الحكم وتحقيقه وتنقيحه والنظر إلى تفقه الرواة ، الأمر الذي تتجلّى به قوة الحكم وسعته معاً. ومن الواضح أن اجتماع الدراية إلى الرواية هو الأحسن؛ فإن الحديث الواحد الذي يكون مشتملاً على مناط الحكم تَثبتُ به كثير من الأحكام في الباب وتنحلّ به كثير من المسائل راجعةً إلى مصدرها . وهنا لا تفوت الروايات الضعيفة إذا كانت جديرة بالاحتجاج ، فضلاً عن الروايات القوية التي لا غبار عليها. فالجمع بين الروايات والتوفيق بينها أصل مُهِمٌّ من أصول الأحناف ، يركزون عليه كثيراً حتى لا تفوتهم رواية.
ليس من العصبية أن يُوْصَفَ الأحناف بالقيّاسيّة؟:
ورغم ذلك كله تفعل العصبية فعلها فتتهمهم الأحنافَ بترك الحديث، وتصفهم بأنهم mقيّاسونl على حين إنهم بالنظر إلى أصولهم الجامعة ليسوا فقهاء فقط؛ ولكنهم كذلك جامعون بين أنواع من الفقه لدى شتى المذاهب ، ومحافظون عليها . ومن هنا كان الإمام الشافعي رحمه الله تعالى قد قال في الإمام أبي حنيفة رحمه الله:
Mالناس في الفقه عيال على أبي حنيفةl (سير أعلام النبلاء، 6/403، ط: بيروت عام 1996م)
كثرة التأويلات والتعليلات ليست تخمينا وإنما هي مُمَدَّةٌ بالنصوص:
ولاشك أن الجمع بين الروايات وعمليةالتحقيق وتنقيح المناط، أدّيا إلى كثرة التأويلات والتعليلات لدى الأحناف؛ لأنه لم تكن الروايات بدونها ليتّصل بعضها ببعض وتُشَكِّلَ إطاراً شاملاً للحكم. لكن هذه التأويلات والتعليلات ليست ظناً أو تخميناً، وإنما هي مُمَدَّةٌ بالأصول والنصوص ؛ فهي بمنزلة تفسير للحديث الشريف. وملخص القول أن مذهب علماء ديوبند في الحديث هو الجامعيّة والاعتدال دون التساهل والتشدد، وإنما هم يأخذون لحدّ مستطاع بأصول جميع الأئمة في خصوص الروايات.
مذهبهم فيما يتعلق بالكلام والمتكلمين
وهذا الموقف المعتدل هو الذي يختاره علماء ديوبند في شأن الكلام والمتكلمين . إن العقائد الثابتة بالنصوص الصريحة مُجْمعٌ عليها لدى الجميع؛ فهي مُعَضَّدَةٌ بالإجماع بالإضافة إلى تلك النصوص: نصوص الكتاب والسنة . أما العقائد المُسْتَنْبِطَةُ أو العقائد الفرعية ، وكذلك تفسيرات العقائد القطعية المشار إليها أي الثابتة بنصوص الكتاب والسنة، فقد يختلف فيها العلماء المتكلمون . فمن أجل أن يكون المرأ على ثقة وطمأنينة لابدّ له أن يلوذ بأحد من أئمة الكلام ذوي البصيرة ، كما كان لابدّ له أن يتقيد بفقه مُعيّن فيما يتصل بالفقهيات والخلافات الاجتهاديّة.
وقد ظل ذوقُ ومذهبُ علماء ديوبند في شأن علماء الكلام ، أنهم لا يتخذون من أنفسهم خصماً لأحد منهم لدى وقوع الخلاف فيما بينهم ؛ وإنما يعمدون إلى التوفيق والتواصل بينهم ، انطلاقاً من الاعتراف بمكانة كل منهم.
الإمام النانوتوي:
ورغم أنهم تقيدوا في هذا الباب أيضاً بـ mكلام معينl كما تقيدوا في الفقهيات بفقة معين؛ ولكنهم لم يَفُتْهُمْ التمسك بجانب التحقيق والدراسة والبحث. وقد غلبت عليهم في هذا الشأن mالصبغة القاسميةl التي هي مستقاة من الأفكار الحكيمة للإمام مولانا محمد قاسم النانوتوي (المتوفى 1297هـ / 1880م) قدس الله سره مؤسس الجامعة الإسلامية دار العلوم ، ديوبند ، الهند.
كان من أبرز خصائص الإمام النانوتوي رحمه الله لدى تناوله لهذه المسائل ، أنه لم يسلك طريق الطعن والتجريح في خصوص الخلافات بين الأشاعرة والماتريدية ، وإنما سلك طريق التوفيق ورفع الخلاف فيما يتعلق بالمسائل المهمة الأساسية؛ الأمر الذي جعل أكبر الخلافات الكلامية يبدو مجرد نزاع لفظي صوريّ، وجعل المتكلمين جميعاً تَعْظُمُ مكانتهم في القلوب بشكل مُوَحَّد، وجعل معظم المسائل الكلامية لا ينشأ في شأنها الشعورُ بالخلاف بين الأشعرية والماتريدية .
بين العقل والنقل:
والأمر الذي يجب أن نضعه في الاعتبار بهذه المناسبة أن المحاربين للدين بينما استخدموا أسلحة كثيرة لمقاومته ، إذاً وظّفوا في المسائل الكلامية بصفة خاصة، العقلَ الذي قدّموه على كل شيء. فالشكوك والشبهات ذات القائمة الطويلة التي يثيرها أعداء الدين ضده ، إنما كان مصدرها في الأغلب هوالعقل القاصر المحدود. ومن ثم احتاج العلماء لتنفيدها إلى الاستعانة بالعقل لحد كبير ؛ حتى وُجِدَ هذا الفن المستقل المعروف بعلم الكلام ،الذي امتاز بأسلوب خاص مزيج من العقل والنقل. وهنا ثار سؤال بشكل طبيعي ما هو نسبة العقل من النقل في شأن الدين ؟ هل هما سيّان بالقياس إلى الدين ؟ أم يختلفان ويقلّ أحدهما مكانةً عن الآخر؟ ونشأت هناك طائفتان إحداهما ردُّ فعل للآخر بما تتّسمان به من الإفراط والتفريط. والطائفة التي كانت مُعْجَبَةً بالفلسفة قدّمت العقل على النقل، وجعلت الأول أصلاً مقابل الآخر ، كالمعتزلة الذين لا يثقون بالأحكام الدينية ما لم يُفْتِ العقلُ بكونها جديرةً بالقبول؛ مما يعني بشكل واضح أن الوحي الإلهي خاضع للعقل الإنساني لدى هذه الطائفة . وقدخان المعتزلةَ التوفيقُ ههنا، وأعلنوا صريحاً بكون العقل مسيطراً على الوحي ،وتجرأت الطوائف القائلة بالاعتزال على المحاولة لجعل صفات الله تعالى المتعلقة بالعلم والخبر والهداية والحاكمية خاضعةً لعقولهم المحدودة القاصرة .
أما الفلاسفة القدامي فقد خَطَوْا مرحلةَ الإعجاب بالعقل إلى تقديس العقل والخضوع له، وكأنهم أشركوا العقل في صفة الخلق الإلهية ، فافترضوا mالعقول العشرةl التي وصلوا بها مرحلياً إلى مكانة الخالق للكون ، وإن لم يقولوا بكونها mخالقةl فإنهم جعلوها بمنزلة mالخالقl دونما شكّ ؛ حيث قالوا : بالعقل الأول الذي خلق العقل الثاني الذي وُجِدَتْ بفضله العقول الثمانية المتبقية التي تحكّمت في وجود الكون وقيامه ودوارنه!!.
المادّيّون المعاصرون:
أما فلاسفةالعصر، أي المادّيون ؛ فقد تقدموا أربع خطوات أخرى ، فوثقوا بالعقل الضعيف لحدّ أن جحدوا بوجود الله تعالى. والأمورُ كلها لديهم وليس الدين فقط إنما يسير بهذا الشكل المحكم الدقيق بفضل العقل وحده الذي يسيطر على جميع الأمور : دقيقها وجليلها.وجملة القول إن القاسم المشترك بين هذه الفرق كلها هو تفضيل العقل على الوحي . وظلت أشكالها تختلف حَسَبَ العصور وإيحاءاتها واقتضاءاتها.
وكرد فعل لهذه الطوائف وُجِدَت في الإسلام بعض الطوائف التي منعت العقل من الدخول في حدود الدين منعاً باتاً، واعتبرته بالقياس إلى الدين مُهْمَلاً ضعيفاً تافهاً، وأعلنت إعلاناً صارخاً أن الدين لا صلة له بالعقل والعقلانية ، وأنه لم تُرَاعَ في حكم من أحكامه أيةُ مصلحة عقلية ؛ لأن الدين إنما هو مِحَكُّ اختبار قُصِدَ به العلمُ بطاعة العباد وعصيانهم. ومثل ذلك مثل المولى يأمر عبده بحمل حَجَرَةٍ أو بمسّ شجرةٍ لاختبار مجرد طاعته من عصيانه ؛ حيث لا يقصد من ذلك إلى غير الاختبار. وإذاً فالأعمال الدينية لا تشتمل لدى هذه الطوائف على أيّ حسن أو قبح عقليّ، وإن اشتملت عليه فإن معنى ذلك لا يكون إلا استحقاق العبد للثواب أوالعقاب، ولن يعني ذلك كونَ عمل من الأعمال الدينية مشتملاً على معقولية أو على ما يعين الإنسان على التقدم والتمدن!!.
خصيصة علماء ديوبند فيما يتعلق بالعقل:
لكنّ علماء ديوبند يأخذون في هذا الباب أيضاً بالاعتدال والشمول ؛ فهم لا يعتبرون العقل في باب الدين مهملاً عاطلاً لا غناء فيه ولا فائدة ، على حين إن النصوص الشرعية زاخرة بما تشتمل عليه الأحكام من المصالح العقلية والعلل الكلية والحقائق الجامعة، ويتجلى تأثير تلك الأمور العقلية في مواضع شتى فيما يتعلّق بإثبات المسائل واستخراج الأحكام واستنباط الحقائق؛ فالحاجة إلى العقل لا تقبل الإنكار. غير أنّهم لا يعدّونه شيئاً مستقلاً حتى يجعلوه أصلاً مقابل الوحي ، ويعتبروه مُنْشِئًا للأعمال ، وخالقاً للأفعال، أو حكماً فيما يتعلق باستحقاق العبد للثواب أو العقاب.
فعلماء ديوبند يرون العقل نافعاً في الدين ، ولكنهم لا يرونه حكماً أو موجداً للأحكام أومؤدّيا إلى ثمرات للأحكام.إنهم يرون العقل آلة في إثبات العقائد والمسائل، ولا يرونه مصدراً لها ومؤثراً فيها، حتى يروحوا يستقون منه العقائد والأحكام . إنهم لا ينتقدون النقل بمقياس العقل ، وإنما يرون النقل الصحيح معياراً لنقد صحة العقل من سقمه . إنهم يرون العقل ميزاناً لتقدير المحسوسات ، ولا يرون له دخلاً في إدراك المغيبات. فأصل الدين عندهم هو الوحي الإلهي وحده، والعقل خادم كالحواس الخمس التي تُوَظَّفُ لإثبات الوحي الإلهي. ومهما كان العقل أشرف هؤلاء الخَدَمَة؛ ولكنه ليس حاكماً أو حكماً.
إن علماء ديوبند ليسوا إذاً فلاسفة ولا معتزلة ولا أشاعرة متصلبين ، وإنما هم يعتبرون العقل آلة نافعةعلى شاكلة أهل السنة والجماعة، تُسْتَخْدَمُ للتوصّل إلى الحِكَم والحقائق الخفية؛ لكنها لا تُوَظَّفُ لإيجاد الحِكَم والحقائق ؛ فهي ليست واضعة للأحكام، وإنما هي تابعة لها، أي إنها موضحة للأحكام وليست موجدة للأحكام. ثم إن الحكمة المُسْتَخْرَجَةَ من الأحكام عن طريق العقل، لا تكون مُؤَسَّسَةً عليه العقل وإنما تكون مبنية على الأحكام.
فالأحكام الإلهية هي مصدر الحِكَم والأمور العقلية ، وليس العكس، أي ليست الحكم والعقليات هي مصدر الأحكام؛ فالعقل مُسْتَدَلٌّ للأحكام ، وليس واضعاً لها؛ مدرك للأحكام وليس مُنْشِئًا لها؛ مفهم للأحكام وليس مُلهِمًا لها. إن العقل تتضح به المصالح الشرعية ولا تتحق به .
العقل الفاعل ههنا:
ومن الواضح أن العقل الفاعل ههنا إنما هو العقل المتمتع بمعرفة الله تعالى، والغارق في التفكير في العاقبة، والمنهمك في ذكر الله تعالى وعبادته. إن العقل الغافل عن ذكر الله والتفكير في الآخرة ، لا يتأهّل أن يكون خادماً للدين. وقد سمّى القرآن الكريم ذلك العقل المطلوب السعيد بذكر الله بـ mاللّبِl الذي لا يبقى متورطًا في مجرد زينة الأشكال وجمال الصور ، وإنما ينفد في باطنها ويستخرج منها الحق الأبلج.
فقد أشاد القرآن بصفتي الذكر والفكر اللتين يتسم بهما أولو mالألبابl الذين يستخرجون آيات القدرة الإلهية من خلال التفكير في خلق السماوات والأرض.
Pالَّذِيْنَ يَذْكُرُوْنَ اللهَ قِيَامًا وَّ قُعُوْدًا وَّ عَلَى جُنُوْبِهِمْ وَ يَتَفَكَّرُوْنَ فِيْ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِq (آل عمران / 191)
مما يدلّ على أن مجرد العقل الذي لا يتّصف بالذكر والفكر ، لا يجوز أن يكون خادماً للدين ، فضلاً عن أن يكون متقدماً على الدين. فالحديث كلّه إنما يدور حول mاللّبّl الذي هو العقل الشرعي ، وليس يعنينا جنسُ العقل الذي يُعْرَف لدى عامة الناس بـ mالعقل الطبيعيl أو mالعقل المعاشيl الذي يعين فقط على صنع السكين والشوكة والمحرك والماكينة والآلات ؛ فهو ليس خادماً للدين على الإطلاق. ويمكن بذلك تقدير الموقف المعتدل الذي يقفه علماء ديوبند فيما يخص الأسس والمبادئ الكلاميّة وعلماء الكلام.
علماء ديوبند ليسوا أشعرية أو ماتريدية وإنما هم يأخذون بالاعتدال:
أما القضايا الكلامية فقد وقف منها أيضاً علماءُ ديوبند موقف الاعتدال والشمول هذا ؛ فهم سلكوا في المسائل المختلف فيها مسلكَ التوفيق ورفع الخلافات، مكان التجريح والطعن أو الرفض والترك. وهنا ينشأ السؤال أولاً : هل علماء ديوبند يتبعون الإمام أبا الحسن علي الأشعري [المتوفى 324هـ / 936م] ((1)) أوالإمام محمداً أبا منصور الماتريدي [المتوفى 333هـ / 944م] ((2)) ؟ والجواب: أنهم في عُرْفِ علماء ديوبند أنفسهم يُعْرَفون بأنهم ما تريديون، ولكن جماعةً منهم ترى أنهم أشعريون. وذلك أولاً لأن مورثهم الأعلى العلمي هو الإمام الشاه ولي الله أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي ((3)) الذي تشف أقواله عن أنه أشعري فهم يرون أنهم أشعريّون؛ وثانيا لأن علماء ديوبند يراعون المسائل الأشعرية في دروسهم ومحاضراتهم وكتاباتهم و خطاباتهم ؛ إلا أن الأحسن نظراً إلى موقفهم المعتدل المزيج من المذهبين أن يُوْصَفُوْا بأنهم ما تريديون مائلون إلى الأشعرية ؛ فهم جامعون بين الأشعرية والماتريدة . بل إن دراسة أبحاثهم الجامعة تدلّ على أن الخلافات بين الأشعرية والماتريدية إنما تعود أخيراً خلافات صوريّة . فالمسائل المنصوص عليها لا يمكن أن يحدث فيها خلاف، إنها جميعاً متفق عليها، اللهم إلا الخلاف الذي يقع في عرضها وشرحها وتفسيرها ، والذي لا يجوز أن يُسَمّى اختلافاً أساسياً؛ حيث يؤدي ذلك إلى الاتفاق على الغرض. وتبقى هناك قضايا اجتهادية معدودة يوجد بينها تضادّ في ظاهر الأمر ، وهي اثنتا عشرة قضية فيما يقول المحقق الكبير العلامة ابن كما باشا((4))، وقد عدّدها في رسالة له موجزة، وقد يجوز أن تكون هناك قضايا أخرى عند بعض السادة غير هذه القضايا.
========
((1)) هو علي بن إسماعيل بن أسحاق أبو الحسن من سلالة الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري. هو مؤسس مذهب الأشاعرة . ولد عا 260هـ الموافق عام 874م بـ mالبصرةl ، وتوفي ببغداد عام 324هـ الموافق سنة 936م.
كان عالماً حنفيا، مجتهداً من أئمة المتكلمين ، وكان في بداية أمره معتزليا ، ثم تاب من القول بالعدل، وخلق القرآن ، وتخلى عن آراء المعتزلة تماماً، وردَّ عليهم، وفضح معائبهم،وقام برد مفحم على الملاحدة ، والرافضة ، والجهميّة ، والخوارج، وسائر أصناف المبتدعة.
بلغت مؤلفاته ثلاث مائة كتاب. (وفيات الأعيان 1/326؛ الجواهر المضيئة 1353؛ البداية والنهاية 11/187)
((2)) هو محمد بن محمد بن محمود أبو منصور الماتريدي الحنفي من أئمة علماءالكلام . نبسته إلى mماتريدl محلة بسمرقند . تفقه على أبي بكر أحمد الجوزجاني وتفقه عليه خلق كثير ، منهم الحكيم القاضي إسحاق بن محمد السمرقندي، وعبد الكريم بن موسى البزدوي. وله تصانيف نفيسة ، منها mكتاب التوحيدl ، و mبيان أوهام المعتزلةl و mتأويلات القرآنl ، وهو كتاب لا يوازيه فيه كتاب، بل لا يدانيه شيء من تصانيف من سبقه في هذا الفن . مات سنة 323هـ الموافق عام 944م ودفن بسمرقند. وإليه تنسب mالطائفة الماتريديةl. (الفوائد البهية 195؛ الجواهر المضيئة 2/130؛ كشف الظنون 335)
((3)) قد مضت ترجمته ضمن عنوان mماهي الديوبندية؟l
((4)) هو أحمد بن سليمان بن كمال باشا شمس الدين الحنفي من علماء الحديث والتفسير ، تركي الأصل. وُلِدَ في mطوقاتl من نواحي mسيواسl . تعلم على المولى القسطلاني والمولى خطيب زاده، والمولى معروف زاده بمدينة mأدرنةl ، ودرَّس بمدرسة سلطان بايزيد ، ومدرسة علي بك فيها، ثم وُلّي القضاء، ثم الإفتاء بـ mالآستانةl إلى أن توفي عام 940هـ الموافق عام 1534م.
قال محمد بن عبد الرحمان التاجي : قلما يوجد فن من الفنون ، وليس لابن كمال باشا مصنف فيه . فقيل : تبلغ مؤلفاته مائة كتاب، معظمها في المباحث المهمة الغامضة. (شذرات الذهب ج:4، ص238؛ الفوائد البهية ص21؛ الأعلام للزركلي 1/133: معجم المؤلفين 2/238)
========
فالقضايا المختلف فيها بين الأشعرية والماتريدية قليلة جداً، وأبرزها قضية الحسن والقبح. أي إن الحسن والقبح اللذين يوجدان في الأعمال هما شرعيان أو عقليان. وهذا الاختلاف أدّى إلى الاختلاف في مسائل كلامية أخرى؛ فلو وُجِدَ التوفيق بشكل ما في هذه المسألة ، لارتفع الخلاف عن المسائل المذكورة لحد كبير، ولاجتمع المذهبان على قاسم مشترك، أو قلَّ الخلاف، وأصبح في مكان اللااختلاف.
مذهب الأشعرية في حسن الأفعال وقبحها:
فمذهب الأشعرية فيما يتعلق بحسن الأعمال وقبحها أن هذا الحسن والقبح شرعيان، أي الحسن والقبح يُوْجَدَان في الأعمال بالأمر والنهي الصادرين عن الشريعة ، وإلا فإنها في ذاتها خالية عن كل من الحسن والقبح. إن الشريعة إذا أمرت بشيء فإن المأمور به يعود حسناً من ساعته، وإذا نهت عن شيء فإنه يعود قبيحاً من ساعته، حتى في صورة التغيير في الأحكام إذا نهت الشريعة عن فعل كان حسناً لوقت النهي ، تغيّر حسنه قبحاً، وعاد هذا الفعل الحسن قبيحاً من ساعته؛ وإذا أمرت بفعل كان قبيحاً لوقت الأمر، أصبح حسناً من ساعته. فحسنُ الأعمال و قبحُها إنما يترتبان على إيجاب الشريعة لها أو تحريمها إياها، ولا يترتبان على استحسان العقل لها أو استهجانها لها؛ فهما ليسا عقليين لدى الأشعرية.
مذهب الماتريدية في ذلك:
على العكس من ذلك يقول الماتريدية : إن الحسن والقبح يُوْجَدَانِ في ذات الأعمال كخاصية لها مُوْدَعَة إيّاها، ولا تنشئهما الشريعةُ فيها، وإنما تَرِدُ الشريعة على الموجود في الأعمال من الحسن والقبح من قبل، فتكشف اللثام عنهما. بل إن الأمر والنهي الشرعيين إنما يتوجّهان إلى الأعمال لما يُوْجَدَ فيها من الحسن والقبح ، باستثناء بعض الأشياء الفرعية المباحة أصلاً. فالأمور الحسنة بذاتها، إنّ حسنها هو الذي اقتضى أن يُؤْمَرَ بها. والأمور القبيحة بذاتها ، إن قبحها هو الذي اقتضى أن يُنْهَى عنها؛ تماماً كفن الطبّ الذي إذا منع عن استعمال السم أو أمر باستخدام الترياق؛ فإن الأمر والنهي هذين لا يكونان قد أنشآ في الأول قبحَ الممات وفي الثاني حسنَ الحياة، وإنما يعنيان أنّهما إنما توجَها إليهما للحسن والقبح اللذين يوجدان فيهما من قبل.
وتلك هي صورة الطبّ الروحاني والشريعة؛ فالحسن والقبح لا يحدثان بأمرهما ونهيهما، وإنما يرد أمرهما ونهيهما على الحسن والخبث الموجودين في ذات الأفعال بشكل طبيعي؛ إلا أنهما لا يتضحان بشكل كامل إلا بنزول الشرائع، لا بمجرد العقل .
فاتضح أن انكشاف الحسن والقبح شيء، وإحداث الحسن والقبح شيء آخر؛ فهما عقليان وليسا شرعيين.ومن ثم فإن الأفعال التي نهت عنها الشريعة، قد قدّمتْ خبثَها الذاتي الموجود فيها من قبل توجه النهي إليها علّةً للحكم ؛ فقد نهت عن الزنا قائلة pإنَّهُ كَانَ فَاحِشَةًq ((الإسراء /32)) أي كونه فاحشة مؤدية إلى الوقاحة الزائدة هو الذي دعا إلى النهي عنه، ولم يكن النهي الشرعي هو الموجد للخبث فيه. وكذلك نهت الشريعة الخمر قائلة ومشيرة إلى علة النهي: Pرِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِq ((المائدة / 90)) أي كونه رجساً شيطانيّاً هو الذي حمل على النهي عنه. وكذلك أمرت الشريعة بالصلاة قائلة : Pإِنَّ الصَّلوةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَ الْمُنْكَرِq ((العنكبوت /45)) وإنها تُكسِبُ صاحبَها التقرّبَ إلى الله. وأمر بالصيام مصرحة بأنه يزود صاحبه بالتقوى. وأمرت بالزكاة والصدقات مشيرة إلى أنّها تُكْسِب القائمَ بها السخاء، وتعين على مواساة الفقراء والبر بالمحتاجين ، وتحول دون ارتكاز الثروة في أيد متلاعبة بها.
فاتضح من ذلك أن الأعمال المأمور بها كانت حسنة بذاتها، فورد الأمرالشرعي بالإتيان بها. وإن الأعمال المنهي عنها كانت قد عُجِنَتْ بالخبث من قبل، فورد النهي الشرعي عنها.
والعقل أيضاً يقتضي أن تسبق العلةُ الحكمَ ، حتى يترتب عليها الحكم بالإيجاب أو التحريم ، ولا يسيغ العقلُ أن يسبق الحكمُ العلةَ وتتولد منه.
مذهب الأئمة الأربعة لدى التعارض بين الروايات:
فعند التعارض بين الروايات يتركّز الاهتمام لدى الإمام الشافعي رحمه الله تعالى على صحّة الروايات وقوة السند؛ فهو يأخذ بأصحّ ما في الباب من الروايات ، ويترك الروايات الضعيفة لديه ، أو يجعلها تابعةً للرواية القوية عن طريق التأويل.
وعند الإمام مالك رحمه الله تعالى تتوجه العناية في هذه الحالة إلى الأخذ بعمل أهل المدينة أو بعمل أهل الحرمين ؛ فهو يأخذ بالرواية التي تتفق وعملَهم ، ويردّ ما سواها أو يؤوّلها.
أما الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، فهو عند تعارض الروايات يبحث عن كثرة فتاوى الصحابة رضي الله عنهم؛ فالرواية التي تحظى بهذه الكثرة يأخذ بها، ويترك ما سواها، أو يؤوّلها تأويلاً لائقاً.
ولكن الإمام أبا حنيفة رحمه الله تعالى يركّز الاهتمام على الجمع بين الروايات. وذلك يتأتّى من وجوه: فقد يُحْمَلُ كل حديث على محمل لائق، وقد تُجْمَعُ الروايات في الباب كلها، ويُنْظَرُ:
ما هو الغرض النبوي الذي يدل عليه جوهر الروايات ؟ وما هو القاسم المشترك بينها الذي تتحدث عن شتى نواحيه شتى هذه الروايات؟ فالإمام أبو حنيفة قبل أن يَنْظَرَ إلى قوة السند أو عمل أهل الحرمين أو فتاوى الصحابة يستخرج من النصوص مناط الحكم ، ثم يتناوله بالتنقيح والنقاش فبالتحقيق، ثم يجعل الرواية التي يتجلى فيها غرض الشارع عليه اسلام بشكل أقوى وتنطوي على سبب الحكم أو على الحكم صراحة أو دلالة أساساً من أسس مذهبه ، ويعمد إلى باقي الروايات فيصلها بتلك الرواية على أساس مناط الحكم وغرضه عليه السلام؛ وعلى ذلك فتأتي كل رواية معمولاً بها في موقعها، وتنضم على أساس مناط الحكم أجزاءُ الحكم التي كانت مُبَعْثَرَةً في مختلف الروايات ، بعضُها إلى بعض ، في أوقاتها المناسبة ، وتشكل علماً كبيراً في الباب ، يسع جميعَ نواحي العمل ، التي كانت منثورة في عدد من الروايات. والسبب الجلي في ذلك أن كل حديث من الأحاديث منبعٌ مستقل للعلم والحكمة؛ وبالجمع بين الروايات الذي يجعلها جميعاً معمولاً بها، يعود ما فيها من العلوم والحِكَم مُحافَظًا عليه . وهذه العلوم والحكم كلّها تتصل بمعيار فتعود رصيداً كبيراً من أرصدة العلم المضبوط؛ الأمر الذي لم يكن ليتحقق لدى ترك حديث من الأحاديث. ثم إنه بهذا الشكل لا يتكوّن هذاالرصيد العلمي وحده، بل يتجمع مجموعُ علوم الأحاديث كلها، فيفتح من أبواب العلوم الجديدة ما لا يحصى. وإذا انضمت إلى هذه الروايات مؤيداتها من فتاوى الصحابة وعمل أهل الحرمين ، فهناك يجتمع إلى هذا العلم علم كبير آخر، فيضحي البحر العلمي، محيطاً لا ساحل له ، وتكون النقطة الأساسية هي مناط الحكم الذي يتخذه الأحناف أساساً، ويستخدمون أصولهم الاجتهادية إلى جانب الاستئناس بأصول أئمة الاجتهاد كلهم ؛ مما يرفع التعارض في جانب، ويجمع بين الأصول كلها في مواقعها في جانب آخر، ولا يحتاجون بذلك إلى إعمال أسباب ترك الحديث إلا نادراً . غير أنهم يضطرون لترجيح حديث على آخر عندما لا تتأتى صورة لرفع التعارض بين الحديثين أو الأحاديث. وهناك يفتي المذهب الحنفي بالأخذ بصحة السند أولاً ، ثم ترجيح حديث على آخر في ضوء تفقه الراوي ودراسته ؛ فلا يقتصرون على مجرد قوة السند ، بل يرجحون الرواية التي تنطوي على الفقه ويكون راويها فقيهاً ويتجلّى فيه وجه التفقه.
ملخص مذهب الإمام أبي حنيفة لدى تعارض الروايات :
فمناطُ الحكم في صورة الجمع بين الروايات ، والتفقهُ في صورة ترجيح رواية على غيرها من الروايات الواردة في الباب ؛ هما الأصل لدى علماء ديوبند، وليس الأصل لديهم مجرد قوة السند أو كون رواية أصح ما في الباب؛ لأن قوة السند إن دلت على شيء فإنما تدلّ على قوة ثبوت الحديث؛ ولكنه ليس من اللازم أن الحديث الأقوى ثبوتاً هو الذي يكون متضمناً للفقه الأساسي في الباب.
فلو أُخِذَ بأصح ما في الباب من الحديث الذي إنما يُوْجَدُ فيه مجرد الحكم وتُرِكَ ما هو دونه في ذلك الباب ، رغم كونه جديراً بالاستدلال ، وكونه متضمناً لعلة الحكم ومناطه؛ فإنه يبقى الحكم بلا علة، على حين إن العلة هي التي تؤدي بالحكم إلى الأمثال والنظائر، الأمر الذي هو السبب في كون الحكم ذا مرونة وسعة وامتداد، وإنما تُرِكَتْ هذه العلة لأن مصدرها لم يكن أصحّ ما في الباب، وإنما كان بروايته ضعيفَ السند بالقياس إلى غيره. وبذلك فينتهي كون الحكم جامعاً و مصدراً للنظائر، وبالتالي فتنتهي شمولية الفقة وكذلك سعة نظر المتبعين للفقة. ومن ثم يركز الإمام أبوحنيفة رحمه الله تعالى إلى جانب قوة السند على استخراج مناط الحكم وتحقيقه وتنقيحه والنظر إلى تفقه الرواة ، الأمر الذي تتجلّى به قوة الحكم وسعته معاً. ومن الواضح أن اجتماع الدراية إلى الرواية هو الأحسن؛ فإن الحديث الواحد الذي يكون مشتملاً على مناط الحكم تَثبتُ به كثير من الأحكام في الباب وتنحلّ به كثير من المسائل راجعةً إلى مصدرها . وهنا لا تفوت الروايات الضعيفة إذا كانت جديرة بالاحتجاج ، فضلاً عن الروايات القوية التي لا غبار عليها. فالجمع بين الروايات والتوفيق بينها أصل مُهِمٌّ من أصول الأحناف ، يركزون عليه كثيراً حتى لا تفوتهم رواية.
ليس من العصبية أن يُوْصَفَ الأحناف بالقيّاسيّة؟:
ورغم ذلك كله تفعل العصبية فعلها فتتهمهم الأحنافَ بترك الحديث، وتصفهم بأنهم mقيّاسونl على حين إنهم بالنظر إلى أصولهم الجامعة ليسوا فقهاء فقط؛ ولكنهم كذلك جامعون بين أنواع من الفقه لدى شتى المذاهب ، ومحافظون عليها . ومن هنا كان الإمام الشافعي رحمه الله تعالى قد قال في الإمام أبي حنيفة رحمه الله:
Mالناس في الفقه عيال على أبي حنيفةl (سير أعلام النبلاء، 6/403، ط: بيروت عام 1996م)
كثرة التأويلات والتعليلات ليست تخمينا وإنما هي مُمَدَّةٌ بالنصوص:
ولاشك أن الجمع بين الروايات وعمليةالتحقيق وتنقيح المناط، أدّيا إلى كثرة التأويلات والتعليلات لدى الأحناف؛ لأنه لم تكن الروايات بدونها ليتّصل بعضها ببعض وتُشَكِّلَ إطاراً شاملاً للحكم. لكن هذه التأويلات والتعليلات ليست ظناً أو تخميناً، وإنما هي مُمَدَّةٌ بالأصول والنصوص ؛ فهي بمنزلة تفسير للحديث الشريف. وملخص القول أن مذهب علماء ديوبند في الحديث هو الجامعيّة والاعتدال دون التساهل والتشدد، وإنما هم يأخذون لحدّ مستطاع بأصول جميع الأئمة في خصوص الروايات.
مذهبهم فيما يتعلق بالكلام والمتكلمين
وهذا الموقف المعتدل هو الذي يختاره علماء ديوبند في شأن الكلام والمتكلمين . إن العقائد الثابتة بالنصوص الصريحة مُجْمعٌ عليها لدى الجميع؛ فهي مُعَضَّدَةٌ بالإجماع بالإضافة إلى تلك النصوص: نصوص الكتاب والسنة . أما العقائد المُسْتَنْبِطَةُ أو العقائد الفرعية ، وكذلك تفسيرات العقائد القطعية المشار إليها أي الثابتة بنصوص الكتاب والسنة، فقد يختلف فيها العلماء المتكلمون . فمن أجل أن يكون المرأ على ثقة وطمأنينة لابدّ له أن يلوذ بأحد من أئمة الكلام ذوي البصيرة ، كما كان لابدّ له أن يتقيد بفقه مُعيّن فيما يتصل بالفقهيات والخلافات الاجتهاديّة.
وقد ظل ذوقُ ومذهبُ علماء ديوبند في شأن علماء الكلام ، أنهم لا يتخذون من أنفسهم خصماً لأحد منهم لدى وقوع الخلاف فيما بينهم ؛ وإنما يعمدون إلى التوفيق والتواصل بينهم ، انطلاقاً من الاعتراف بمكانة كل منهم.
الإمام النانوتوي:
ورغم أنهم تقيدوا في هذا الباب أيضاً بـ mكلام معينl كما تقيدوا في الفقهيات بفقة معين؛ ولكنهم لم يَفُتْهُمْ التمسك بجانب التحقيق والدراسة والبحث. وقد غلبت عليهم في هذا الشأن mالصبغة القاسميةl التي هي مستقاة من الأفكار الحكيمة للإمام مولانا محمد قاسم النانوتوي (المتوفى 1297هـ / 1880م) قدس الله سره مؤسس الجامعة الإسلامية دار العلوم ، ديوبند ، الهند.
كان من أبرز خصائص الإمام النانوتوي رحمه الله لدى تناوله لهذه المسائل ، أنه لم يسلك طريق الطعن والتجريح في خصوص الخلافات بين الأشاعرة والماتريدية ، وإنما سلك طريق التوفيق ورفع الخلاف فيما يتعلق بالمسائل المهمة الأساسية؛ الأمر الذي جعل أكبر الخلافات الكلامية يبدو مجرد نزاع لفظي صوريّ، وجعل المتكلمين جميعاً تَعْظُمُ مكانتهم في القلوب بشكل مُوَحَّد، وجعل معظم المسائل الكلامية لا ينشأ في شأنها الشعورُ بالخلاف بين الأشعرية والماتريدية .
بين العقل والنقل:
والأمر الذي يجب أن نضعه في الاعتبار بهذه المناسبة أن المحاربين للدين بينما استخدموا أسلحة كثيرة لمقاومته ، إذاً وظّفوا في المسائل الكلامية بصفة خاصة، العقلَ الذي قدّموه على كل شيء. فالشكوك والشبهات ذات القائمة الطويلة التي يثيرها أعداء الدين ضده ، إنما كان مصدرها في الأغلب هوالعقل القاصر المحدود. ومن ثم احتاج العلماء لتنفيدها إلى الاستعانة بالعقل لحد كبير ؛ حتى وُجِدَ هذا الفن المستقل المعروف بعلم الكلام ،الذي امتاز بأسلوب خاص مزيج من العقل والنقل. وهنا ثار سؤال بشكل طبيعي ما هو نسبة العقل من النقل في شأن الدين ؟ هل هما سيّان بالقياس إلى الدين ؟ أم يختلفان ويقلّ أحدهما مكانةً عن الآخر؟ ونشأت هناك طائفتان إحداهما ردُّ فعل للآخر بما تتّسمان به من الإفراط والتفريط. والطائفة التي كانت مُعْجَبَةً بالفلسفة قدّمت العقل على النقل، وجعلت الأول أصلاً مقابل الآخر ، كالمعتزلة الذين لا يثقون بالأحكام الدينية ما لم يُفْتِ العقلُ بكونها جديرةً بالقبول؛ مما يعني بشكل واضح أن الوحي الإلهي خاضع للعقل الإنساني لدى هذه الطائفة . وقدخان المعتزلةَ التوفيقُ ههنا، وأعلنوا صريحاً بكون العقل مسيطراً على الوحي ،وتجرأت الطوائف القائلة بالاعتزال على المحاولة لجعل صفات الله تعالى المتعلقة بالعلم والخبر والهداية والحاكمية خاضعةً لعقولهم المحدودة القاصرة .
أما الفلاسفة القدامي فقد خَطَوْا مرحلةَ الإعجاب بالعقل إلى تقديس العقل والخضوع له، وكأنهم أشركوا العقل في صفة الخلق الإلهية ، فافترضوا mالعقول العشرةl التي وصلوا بها مرحلياً إلى مكانة الخالق للكون ، وإن لم يقولوا بكونها mخالقةl فإنهم جعلوها بمنزلة mالخالقl دونما شكّ ؛ حيث قالوا : بالعقل الأول الذي خلق العقل الثاني الذي وُجِدَتْ بفضله العقول الثمانية المتبقية التي تحكّمت في وجود الكون وقيامه ودوارنه!!.
المادّيّون المعاصرون:
أما فلاسفةالعصر، أي المادّيون ؛ فقد تقدموا أربع خطوات أخرى ، فوثقوا بالعقل الضعيف لحدّ أن جحدوا بوجود الله تعالى. والأمورُ كلها لديهم وليس الدين فقط إنما يسير بهذا الشكل المحكم الدقيق بفضل العقل وحده الذي يسيطر على جميع الأمور : دقيقها وجليلها.وجملة القول إن القاسم المشترك بين هذه الفرق كلها هو تفضيل العقل على الوحي . وظلت أشكالها تختلف حَسَبَ العصور وإيحاءاتها واقتضاءاتها.
وكرد فعل لهذه الطوائف وُجِدَت في الإسلام بعض الطوائف التي منعت العقل من الدخول في حدود الدين منعاً باتاً، واعتبرته بالقياس إلى الدين مُهْمَلاً ضعيفاً تافهاً، وأعلنت إعلاناً صارخاً أن الدين لا صلة له بالعقل والعقلانية ، وأنه لم تُرَاعَ في حكم من أحكامه أيةُ مصلحة عقلية ؛ لأن الدين إنما هو مِحَكُّ اختبار قُصِدَ به العلمُ بطاعة العباد وعصيانهم. ومثل ذلك مثل المولى يأمر عبده بحمل حَجَرَةٍ أو بمسّ شجرةٍ لاختبار مجرد طاعته من عصيانه ؛ حيث لا يقصد من ذلك إلى غير الاختبار. وإذاً فالأعمال الدينية لا تشتمل لدى هذه الطوائف على أيّ حسن أو قبح عقليّ، وإن اشتملت عليه فإن معنى ذلك لا يكون إلا استحقاق العبد للثواب أوالعقاب، ولن يعني ذلك كونَ عمل من الأعمال الدينية مشتملاً على معقولية أو على ما يعين الإنسان على التقدم والتمدن!!.
خصيصة علماء ديوبند فيما يتعلق بالعقل:
لكنّ علماء ديوبند يأخذون في هذا الباب أيضاً بالاعتدال والشمول ؛ فهم لا يعتبرون العقل في باب الدين مهملاً عاطلاً لا غناء فيه ولا فائدة ، على حين إن النصوص الشرعية زاخرة بما تشتمل عليه الأحكام من المصالح العقلية والعلل الكلية والحقائق الجامعة، ويتجلى تأثير تلك الأمور العقلية في مواضع شتى فيما يتعلّق بإثبات المسائل واستخراج الأحكام واستنباط الحقائق؛ فالحاجة إلى العقل لا تقبل الإنكار. غير أنّهم لا يعدّونه شيئاً مستقلاً حتى يجعلوه أصلاً مقابل الوحي ، ويعتبروه مُنْشِئًا للأعمال ، وخالقاً للأفعال، أو حكماً فيما يتعلق باستحقاق العبد للثواب أو العقاب.
فعلماء ديوبند يرون العقل نافعاً في الدين ، ولكنهم لا يرونه حكماً أو موجداً للأحكام أومؤدّيا إلى ثمرات للأحكام.إنهم يرون العقل آلة في إثبات العقائد والمسائل، ولا يرونه مصدراً لها ومؤثراً فيها، حتى يروحوا يستقون منه العقائد والأحكام . إنهم لا ينتقدون النقل بمقياس العقل ، وإنما يرون النقل الصحيح معياراً لنقد صحة العقل من سقمه . إنهم يرون العقل ميزاناً لتقدير المحسوسات ، ولا يرون له دخلاً في إدراك المغيبات. فأصل الدين عندهم هو الوحي الإلهي وحده، والعقل خادم كالحواس الخمس التي تُوَظَّفُ لإثبات الوحي الإلهي. ومهما كان العقل أشرف هؤلاء الخَدَمَة؛ ولكنه ليس حاكماً أو حكماً.
إن علماء ديوبند ليسوا إذاً فلاسفة ولا معتزلة ولا أشاعرة متصلبين ، وإنما هم يعتبرون العقل آلة نافعةعلى شاكلة أهل السنة والجماعة، تُسْتَخْدَمُ للتوصّل إلى الحِكَم والحقائق الخفية؛ لكنها لا تُوَظَّفُ لإيجاد الحِكَم والحقائق ؛ فهي ليست واضعة للأحكام، وإنما هي تابعة لها، أي إنها موضحة للأحكام وليست موجدة للأحكام. ثم إن الحكمة المُسْتَخْرَجَةَ من الأحكام عن طريق العقل، لا تكون مُؤَسَّسَةً عليه العقل وإنما تكون مبنية على الأحكام.
فالأحكام الإلهية هي مصدر الحِكَم والأمور العقلية ، وليس العكس، أي ليست الحكم والعقليات هي مصدر الأحكام؛ فالعقل مُسْتَدَلٌّ للأحكام ، وليس واضعاً لها؛ مدرك للأحكام وليس مُنْشِئًا لها؛ مفهم للأحكام وليس مُلهِمًا لها. إن العقل تتضح به المصالح الشرعية ولا تتحق به .
العقل الفاعل ههنا:
ومن الواضح أن العقل الفاعل ههنا إنما هو العقل المتمتع بمعرفة الله تعالى، والغارق في التفكير في العاقبة، والمنهمك في ذكر الله تعالى وعبادته. إن العقل الغافل عن ذكر الله والتفكير في الآخرة ، لا يتأهّل أن يكون خادماً للدين. وقد سمّى القرآن الكريم ذلك العقل المطلوب السعيد بذكر الله بـ mاللّبِl الذي لا يبقى متورطًا في مجرد زينة الأشكال وجمال الصور ، وإنما ينفد في باطنها ويستخرج منها الحق الأبلج.
فقد أشاد القرآن بصفتي الذكر والفكر اللتين يتسم بهما أولو mالألبابl الذين يستخرجون آيات القدرة الإلهية من خلال التفكير في خلق السماوات والأرض.
Pالَّذِيْنَ يَذْكُرُوْنَ اللهَ قِيَامًا وَّ قُعُوْدًا وَّ عَلَى جُنُوْبِهِمْ وَ يَتَفَكَّرُوْنَ فِيْ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِq (آل عمران / 191)
مما يدلّ على أن مجرد العقل الذي لا يتّصف بالذكر والفكر ، لا يجوز أن يكون خادماً للدين ، فضلاً عن أن يكون متقدماً على الدين. فالحديث كلّه إنما يدور حول mاللّبّl الذي هو العقل الشرعي ، وليس يعنينا جنسُ العقل الذي يُعْرَف لدى عامة الناس بـ mالعقل الطبيعيl أو mالعقل المعاشيl الذي يعين فقط على صنع السكين والشوكة والمحرك والماكينة والآلات ؛ فهو ليس خادماً للدين على الإطلاق. ويمكن بذلك تقدير الموقف المعتدل الذي يقفه علماء ديوبند فيما يخص الأسس والمبادئ الكلاميّة وعلماء الكلام.
علماء ديوبند ليسوا أشعرية أو ماتريدية وإنما هم يأخذون بالاعتدال:
أما القضايا الكلامية فقد وقف منها أيضاً علماءُ ديوبند موقف الاعتدال والشمول هذا ؛ فهم سلكوا في المسائل المختلف فيها مسلكَ التوفيق ورفع الخلافات، مكان التجريح والطعن أو الرفض والترك. وهنا ينشأ السؤال أولاً : هل علماء ديوبند يتبعون الإمام أبا الحسن علي الأشعري [المتوفى 324هـ / 936م] ((1)) أوالإمام محمداً أبا منصور الماتريدي [المتوفى 333هـ / 944م] ((2)) ؟ والجواب: أنهم في عُرْفِ علماء ديوبند أنفسهم يُعْرَفون بأنهم ما تريديون، ولكن جماعةً منهم ترى أنهم أشعريون. وذلك أولاً لأن مورثهم الأعلى العلمي هو الإمام الشاه ولي الله أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي ((3)) الذي تشف أقواله عن أنه أشعري فهم يرون أنهم أشعريّون؛ وثانيا لأن علماء ديوبند يراعون المسائل الأشعرية في دروسهم ومحاضراتهم وكتاباتهم و خطاباتهم ؛ إلا أن الأحسن نظراً إلى موقفهم المعتدل المزيج من المذهبين أن يُوْصَفُوْا بأنهم ما تريديون مائلون إلى الأشعرية ؛ فهم جامعون بين الأشعرية والماتريدة . بل إن دراسة أبحاثهم الجامعة تدلّ على أن الخلافات بين الأشعرية والماتريدية إنما تعود أخيراً خلافات صوريّة . فالمسائل المنصوص عليها لا يمكن أن يحدث فيها خلاف، إنها جميعاً متفق عليها، اللهم إلا الخلاف الذي يقع في عرضها وشرحها وتفسيرها ، والذي لا يجوز أن يُسَمّى اختلافاً أساسياً؛ حيث يؤدي ذلك إلى الاتفاق على الغرض. وتبقى هناك قضايا اجتهادية معدودة يوجد بينها تضادّ في ظاهر الأمر ، وهي اثنتا عشرة قضية فيما يقول المحقق الكبير العلامة ابن كما باشا((4))، وقد عدّدها في رسالة له موجزة، وقد يجوز أن تكون هناك قضايا أخرى عند بعض السادة غير هذه القضايا.
========
((1)) هو علي بن إسماعيل بن أسحاق أبو الحسن من سلالة الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري. هو مؤسس مذهب الأشاعرة . ولد عا 260هـ الموافق عام 874م بـ mالبصرةl ، وتوفي ببغداد عام 324هـ الموافق سنة 936م.
كان عالماً حنفيا، مجتهداً من أئمة المتكلمين ، وكان في بداية أمره معتزليا ، ثم تاب من القول بالعدل، وخلق القرآن ، وتخلى عن آراء المعتزلة تماماً، وردَّ عليهم، وفضح معائبهم،وقام برد مفحم على الملاحدة ، والرافضة ، والجهميّة ، والخوارج، وسائر أصناف المبتدعة.
بلغت مؤلفاته ثلاث مائة كتاب. (وفيات الأعيان 1/326؛ الجواهر المضيئة 1353؛ البداية والنهاية 11/187)
((2)) هو محمد بن محمد بن محمود أبو منصور الماتريدي الحنفي من أئمة علماءالكلام . نبسته إلى mماتريدl محلة بسمرقند . تفقه على أبي بكر أحمد الجوزجاني وتفقه عليه خلق كثير ، منهم الحكيم القاضي إسحاق بن محمد السمرقندي، وعبد الكريم بن موسى البزدوي. وله تصانيف نفيسة ، منها mكتاب التوحيدl ، و mبيان أوهام المعتزلةl و mتأويلات القرآنl ، وهو كتاب لا يوازيه فيه كتاب، بل لا يدانيه شيء من تصانيف من سبقه في هذا الفن . مات سنة 323هـ الموافق عام 944م ودفن بسمرقند. وإليه تنسب mالطائفة الماتريديةl. (الفوائد البهية 195؛ الجواهر المضيئة 2/130؛ كشف الظنون 335)
((3)) قد مضت ترجمته ضمن عنوان mماهي الديوبندية؟l
((4)) هو أحمد بن سليمان بن كمال باشا شمس الدين الحنفي من علماء الحديث والتفسير ، تركي الأصل. وُلِدَ في mطوقاتl من نواحي mسيواسl . تعلم على المولى القسطلاني والمولى خطيب زاده، والمولى معروف زاده بمدينة mأدرنةl ، ودرَّس بمدرسة سلطان بايزيد ، ومدرسة علي بك فيها، ثم وُلّي القضاء، ثم الإفتاء بـ mالآستانةl إلى أن توفي عام 940هـ الموافق عام 1534م.
قال محمد بن عبد الرحمان التاجي : قلما يوجد فن من الفنون ، وليس لابن كمال باشا مصنف فيه . فقيل : تبلغ مؤلفاته مائة كتاب، معظمها في المباحث المهمة الغامضة. (شذرات الذهب ج:4، ص238؛ الفوائد البهية ص21؛ الأعلام للزركلي 1/133: معجم المؤلفين 2/238)
========
فالقضايا المختلف فيها بين الأشعرية والماتريدية قليلة جداً، وأبرزها قضية الحسن والقبح. أي إن الحسن والقبح اللذين يوجدان في الأعمال هما شرعيان أو عقليان. وهذا الاختلاف أدّى إلى الاختلاف في مسائل كلامية أخرى؛ فلو وُجِدَ التوفيق بشكل ما في هذه المسألة ، لارتفع الخلاف عن المسائل المذكورة لحد كبير، ولاجتمع المذهبان على قاسم مشترك، أو قلَّ الخلاف، وأصبح في مكان اللااختلاف.
مذهب الأشعرية في حسن الأفعال وقبحها:
فمذهب الأشعرية فيما يتعلق بحسن الأعمال وقبحها أن هذا الحسن والقبح شرعيان، أي الحسن والقبح يُوْجَدَان في الأعمال بالأمر والنهي الصادرين عن الشريعة ، وإلا فإنها في ذاتها خالية عن كل من الحسن والقبح. إن الشريعة إذا أمرت بشيء فإن المأمور به يعود حسناً من ساعته، وإذا نهت عن شيء فإنه يعود قبيحاً من ساعته، حتى في صورة التغيير في الأحكام إذا نهت الشريعة عن فعل كان حسناً لوقت النهي ، تغيّر حسنه قبحاً، وعاد هذا الفعل الحسن قبيحاً من ساعته؛ وإذا أمرت بفعل كان قبيحاً لوقت الأمر، أصبح حسناً من ساعته. فحسنُ الأعمال و قبحُها إنما يترتبان على إيجاب الشريعة لها أو تحريمها إياها، ولا يترتبان على استحسان العقل لها أو استهجانها لها؛ فهما ليسا عقليين لدى الأشعرية.
مذهب الماتريدية في ذلك:
على العكس من ذلك يقول الماتريدية : إن الحسن والقبح يُوْجَدَانِ في ذات الأعمال كخاصية لها مُوْدَعَة إيّاها، ولا تنشئهما الشريعةُ فيها، وإنما تَرِدُ الشريعة على الموجود في الأعمال من الحسن والقبح من قبل، فتكشف اللثام عنهما. بل إن الأمر والنهي الشرعيين إنما يتوجّهان إلى الأعمال لما يُوْجَدَ فيها من الحسن والقبح ، باستثناء بعض الأشياء الفرعية المباحة أصلاً. فالأمور الحسنة بذاتها، إنّ حسنها هو الذي اقتضى أن يُؤْمَرَ بها. والأمور القبيحة بذاتها ، إن قبحها هو الذي اقتضى أن يُنْهَى عنها؛ تماماً كفن الطبّ الذي إذا منع عن استعمال السم أو أمر باستخدام الترياق؛ فإن الأمر والنهي هذين لا يكونان قد أنشآ في الأول قبحَ الممات وفي الثاني حسنَ الحياة، وإنما يعنيان أنّهما إنما توجَها إليهما للحسن والقبح اللذين يوجدان فيهما من قبل.
وتلك هي صورة الطبّ الروحاني والشريعة؛ فالحسن والقبح لا يحدثان بأمرهما ونهيهما، وإنما يرد أمرهما ونهيهما على الحسن والخبث الموجودين في ذات الأفعال بشكل طبيعي؛ إلا أنهما لا يتضحان بشكل كامل إلا بنزول الشرائع، لا بمجرد العقل .
فاتضح أن انكشاف الحسن والقبح شيء، وإحداث الحسن والقبح شيء آخر؛ فهما عقليان وليسا شرعيين.ومن ثم فإن الأفعال التي نهت عنها الشريعة، قد قدّمتْ خبثَها الذاتي الموجود فيها من قبل توجه النهي إليها علّةً للحكم ؛ فقد نهت عن الزنا قائلة pإنَّهُ كَانَ فَاحِشَةًq ((الإسراء /32)) أي كونه فاحشة مؤدية إلى الوقاحة الزائدة هو الذي دعا إلى النهي عنه، ولم يكن النهي الشرعي هو الموجد للخبث فيه. وكذلك نهت الشريعة الخمر قائلة ومشيرة إلى علة النهي: Pرِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِq ((المائدة / 90)) أي كونه رجساً شيطانيّاً هو الذي حمل على النهي عنه. وكذلك أمرت الشريعة بالصلاة قائلة : Pإِنَّ الصَّلوةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَ الْمُنْكَرِq ((العنكبوت /45)) وإنها تُكسِبُ صاحبَها التقرّبَ إلى الله. وأمر بالصيام مصرحة بأنه يزود صاحبه بالتقوى. وأمرت بالزكاة والصدقات مشيرة إلى أنّها تُكْسِب القائمَ بها السخاء، وتعين على مواساة الفقراء والبر بالمحتاجين ، وتحول دون ارتكاز الثروة في أيد متلاعبة بها.
فاتضح من ذلك أن الأعمال المأمور بها كانت حسنة بذاتها، فورد الأمرالشرعي بالإتيان بها. وإن الأعمال المنهي عنها كانت قد عُجِنَتْ بالخبث من قبل، فورد النهي الشرعي عنها.
والعقل أيضاً يقتضي أن تسبق العلةُ الحكمَ ، حتى يترتب عليها الحكم بالإيجاب أو التحريم ، ولا يسيغ العقلُ أن يسبق الحكمُ العلةَ وتتولد منه.
تعليق