موقفُ العدل والاحتياط هذا هو الذي يقفه علماء ديوبند من عباد الله الصالحين وأوليائه المتقين ؛ ولكن الفرق بين موقفهم من الأنبياء عليهم السلام والصحابة رضي الله عنهم وبين موقفهم من عباد الله والمشايخ الصالحين ، أن الأمة إنما يُمكن أن تمارس الغلو وتتجاز الحدود فيما بتعلق بالأنبياء عليهم السلام بالنسبة لحبها لهم؛ لأنه لا يُتصَوَّرُ فيما سوى لفكرة أن تُوْجَد في الأمة طائفة تعارض النبي s أوتعاديه مكانَ أن تحبه ؛ حتى يتحقق الغلوّ في الخلاف أوالعداء تجاه النبي s. وكذلك لا يُتَصَوَّرُ عداء أو خلافٌ للصحابة رضي الله عنهم لدى فرد أو جماعة من أهل السنة والجماعة ؛ حتى يُوْجَدَ الغلو في العدا أو الخلاف.
أما المشايخ الصالحون فيمكن أن يُوْجَدَ بينهم التفاوت الطبقي، حيث يمكن أن تتعلق طائفة بمشايخها وحدهم، وتستغني عن مشايخ طائفة أخرى. ومن الواضح أن هناك مظنةً للغلو في الحب لدى الملازمين المنتمين إليهم لأجل الاتحاد في الذوق والميل للحب والإعجاب، ومظنّة لقلة التقدير بل للخلاف من قبل غير المنتمين . على ذلك فيُتَصَوَّرُ أن يتجاوز الناس الحدودَ فيما يتعلق بالجماعتين كلتيهما، وقد يجوز أن يقف فريقٌ موقف الإطراء والمبالغة في المدح والثناء ، وفريقُ آخر موقف المبالغة في الإساءة والهجو ، كما يحدث عموماً في عصرنا هذا : عصر الجهل والغباء ودوس القيم.
أما علماء ديوبند فهم يبعدون كل البعد عن الموقف المُغَالِي في الحب والبغض للعباد الصالحين والمشايخ المنيبين . إن في قلوبهم للمشايخ والصلحاء الآخرين الذين لا يتعلقون بهم نفسَ الحب والتوقير اللذين يحملونهما لمشايخهم وعلمائهم ؛وإن رأوا أتباعهم ومريديهم يأتون بشيء يبدو للناظر في أول وهلة حائداً عن السنة بعضَ الشيء ، و وجدوا مشايخهم قائمين على السنة متقيدين بطريق السلف الصالحين ؛ فهم يمتنعون عن توجيه الملام إلى المشايخ وعن الطعن فيهم ، ولا يتّخذون زلات المريدين ذريعةً إلى تجريح المشايخ.
سلاسل الطريقة الإحسانية ومسائلها الفنية:
ونفس هذا الموقف وقفه علماء ديوبند من سلاسل الطريقة الإحسانية ومسائلها الفنية ؛ فهم يرون وصفَ العلاج عن طريق التدابير الموضوعة من قبل رجال التزكية والإحسان المحققين ، لإصلاح الباطن وتزكية النفس ودراسة الأمراض النفسانية ، يرون وصفَ العلاج هذا حقيقةً من الحقائق. ولو كانت هناك طريقة من طرق التزكية تبدو للعيان لأول وهلة غيرَ مربوطة بعضَ الشيء بتعامل السلف أو كانت غير مأثورة عنهم ، فإن علماء ديوبند لا يتجاسرون على نفيها نفياً قاطعاً إذا كانت مباحةً في الأصل؛ ولكنهم في الوقف نفسه لا يتبنَّون القيامَ بنشرها وتبليغها، بل إنهم يثقون بحُذّاق الفن وسالكي الطريق المجربين ، ويرونها طريقتهم اجتهاداً فنياً واستبناطاً علاجياً منهم تكون قد اقتضته نوعية المرض، ويكون مُعْتَبَرًا و مُتَصَوَّرًا من كل حاذق في فنه. وإذا كانت الطريقة المشار إليها غير مُتَّبَعَةٍ لدى السلف الأولين ، فلأن الأمراض النفسانية المنتشرة اليوم في عصرنا لم تكن معهودة في عصرهم ؛ فلم تكن الحاجة ماسة لعلاجها إلى هؤلاء المعالجين . كما لم تكن كثير من الجزئيات والمجتهدات الفقهية موجودةً في عهد السلف ؛ لأنهم لم يعايشوا الحوادث التي نعايشها اليوم ، غير أننا توارثنا الأصولَ التي وضعوها ، فاستنار بها الفقهاء اللاحقون في استنباط المسائل الجزئية للحوادث المستجدة.
أو كما يشير طبيب نطاسي بشتى الوصفات على شتى المرضى، حَسَبَ حالاتهم ونوعية أمراضهم ، وقد لا تكون هذه الوصفات منصوصاً عليها في كتب الطبّ؛ ولكنها تكون مذكورةً في أصول الفن، فيستخرجها الحاذق في الفن في ضوء براعته فيه وطول ممارسته له؛ مهما بدت غيرَ مستدة إلى أصل في نظر الجاهل بالفن .
وكذلك الشأن في العلاجات الروحانية، فكم من طريق لمعالجة النفس وتهذيبها وتزكية القلب وتطهيره عندما ظهرت أمراض نفسانية جديدة خرج بها الأطباء الروحانيون من المشايخ والعلماء الربانيين ، في ضوء قواعد الفن وأصوله الكلية مما لم يكن في الظاهر مُصَرَّحاً به في عبارة واضحة من الكتاب والسنة ؛ ولكنه كان مذكوراً ضمن الأصول والكليات ، فاستخرجه أطباء الروح والقلب من العلماء الصلحاء والمربين ، من أعماق الأصول ؛ كما يتسخرج الغواص البارع والسبَّاح المتفنن ، اللآلئ الثمنية من أعماق البحار ، ولا يقدر على استخراجها المتفرجون على الساحل، الجاهلون بفن السباحة والغياصة .
على كل فإن هناك شيئا كثيراً من دقائق تدابير تهذهب النفس ، إنما اعتُبِرت وأخِذَ بها ثقةً بالعلماء الربانيين المحققين في فن التزكية والإحسان ، واعتماداً على أئمة الزهد والعبادة ، المتذوقين للانقطاع إلى الرب الرحمن ، العارفين بفكرهم النير وبصيرتهم النفاذة بأحوال النفس ومكائد الشيطان والأدواء الروحانية تتسرب إلى القلوب دبيباً.
علماء ديوبند يقولون ويتعاطون هذه الطرق العلاجية :
وقد ظل علماء ديوبند يقولون بهذه الطرق العلاجية المُجَرَّبَةِ في معالجة أمراض النفس، شريطةَ أن تكون متوارَثَةً من أعلام هذا الفن، وأئمة الزهاد المصلحين ، والربانيين المتبتلين ، الذين لا ترتقي شبهة إلى فهمهم لروح الشريعة وأغوار طبيعة الإسلام، وتضلعهم من علوم الكتاب والسنة . لأنه إن أخِذَ بقول كل من هبّ و دبّ، لم تعد جزئيات الفقه أو المسائل الكلامية كذلك موضعَ ثقة.
انتهج علماء ديوبند وهم كانوا متعمقين في علوم الكتاب والسنة ، وعارفين معرفة كاملة بفن الإحسان والتزكية منهجَ الاعتدال والتوازن ، فلا يجيزون صرفَ النظر كلياً عن هذا الفن بوصفه mأفيوناً مخدراً للعقل والأدمغةl كما يصفه كثير من الجاهلين بالفنّ ولا يجيزون التظاهرَ بالأحوال الباطنة و وجدات القلب واتخاذها ذريعة للدعاية بالزهد والتقوى ومعرفة الله. فهم لا يعيرون التفاتاً للمتصوفين المتصنعين و mالفقراءl المزعومين الذين يرتدون أزياء خاصة ويَتَعَاطَوْنَ عرضاً خاصاً للوجد والهيام.
علماء ديوبند لا يرون الصلحاء الأحياء أو الأموات قادرين على دفع البلاء:
وخلاصة القول: إن جماعة الأولياء الكرام وسادة رجال التزكية والإحسان بموجب مذهب علماء ديوبند روحٌ وثابة في الأمة تقوم بها حياة الأمة الباطنة ؛ فيرى علماء ديوبند حبهم وإكرامهم ضروريين للحفاظ على الإيمان ؛ ولكنهم يتبرؤون ويتفادون من الغلو في حبهم والوصول بهم إلى منزلة الربوبية كما يصنع الجهال الأغبياء . يرون تقديرهم واحترامهم واجبين ؛ ولكنهم لا يجعلونهما مرادفين لعبادتهم ونعوذ بالله عز وجل من ذلك أو السجود لهم أو الطواف حول قبورهم ، أو تقديم النذور والقرابين إلى أضرحتهم أو اتخاذها مساجد. إن علماء ديوبند لا يظنونهم في حال من الأحوال قادرين على دفع البلاء والضراء ، وقضاء الحوائج ، وشفاء الأمراض ، وإعطاء الرزق ، وجلب المسرة . إنهم يجيزون زيارة القبور للاتعاظ والاستفادة الدينية ؛ ولكنهم لا يجيزون اتخاذها مساجد و مواضع للاحتفالات و أمكنةً للمهرجانات.
فهم يقولون بإثارة الروحانية ولا يقولون بإثارة الأهواء الشيطانية . إنهم يقولون بالانتماء إلى الربانيين ، وبتأثير هذا الانتماء في الصلاح والإصلاح، والترقي في الإيمان واليقين ، وفي الحرص على العمل ، وعلى التزود من الحسنات والتنحى عن السيئات ، وعلى التحلي بالفضائل، والتخلي عن الرذائل ؛ ولكنهم لا يرونه مداراً للنجاة.
إنهم يرون من اللازم في ضوء التجربة لتتميم مكارم الأخلاق وتزكية النفس أن يبايع المرأ صالحاً ربانياً ويصاحبه ويتبع إرشاداته وتعلمياته حَسَبَ طريقته في التزكية والإحسان ؛ يرونه نافعاً في التشفي من الأمراض القلبية والروحانية ؛ ولكنهم لا يرون طريقة التزكية والإحسان مستقلة عن الشريعة الإسلامية ومجرد متوارثة كابراً عن كابر وصدراً عن صدر، وإنما يرون أن شعبة تهذيب الأخلاق للشريعة هي التي تُسَمَّى mطريقة التصوفl التي هي الطريق إلى إصلاح القلب والتي سمتها الشريعة بـ mالإحسانl ؛ فهم يرون أن قواعدها الأساسية ثابتة بالكتاب والسنة ؛ ولكنهم يرفضون رفضاً كلياً تلك القواعد التي لا تمت بصلة إلى أصل من الكتاب والسنة ، وإنما تقوم على مزاعم وتقاليد موضوعة ومناهج مُحْدَثَة. يرفضون بعضها ، لأنه مخالف للسنة ، ويرفضون بعضها لأنه بدعة. إنهم لا يذهبون إلى محاكاة تقاليد الحال والقال، والتظاهر بالوُثوب القفز، والوجد والهيام، والكلمات الصادرة بغلبة الحال.
وكذلك يرى علماء ديوبند التبرك بآثار الصلحاء ومتروكاتهم جائزاً؛ ولكنهم لا يرون من الجائز أن يُسْجدَ لها أو يُعتقدَ فيها التأثير. وإن وُجِدَتْ آثار النبي عليه الصلاة السلام من الشعر أو اللباس أو النعلين أو شيء من ذلك بطريق موثوق به فإنهم يرونها أغلى من تيجان السلاطين ومن الدنيا وما فيها. وأما إذا كانت غير موثوق بها، ينصرفون عنها متفادين من سوء الأدب. وكذلك يورون أن الأمكنة التي عاشها الصلحاء جديرة بالتأدب ؛ ولكنهم لا يرونها جديرة بالتعبد.
حب الأولياء و رجال التزكية والإحسان حقيقة شرعية لدى علماء ديوبند:
وموجز القول أن حبّ ، أولياء الله تعالى قدّس الله أسرارهم والإعجاب بهم ، حقيقة شرعية لدى علماء ديوبند ، ولكن الغلو في ذلك ، والتقيد بطقوس ، أو تقاليد أوزمان و مكان ، أو اصطناع حدود و قيود في هذا الشأن ، كل ذلك يرفضه علماء ديوبند رفضاً باتاً. وقد يجوز أن تكون بعض هذه الأمور قد صدرت عن بعض العلماء العاملين ، بغلبة الحال اتفاقاً لا اطراداً، ويكون من لحقهم من الأتباع المحبين الفاقدي البصيرة والوعي قد ظنها أصولاً و قوانين مستقلة ثابتة ، ونشروها في العوامّ الجهلاء باسم الشريعة والإسلام ؛ فصارت بذلك عندهم جزءاً من الشريعة أو الشريعةَ نفسها. فلا شك أن هذه الأمور مصدرها المحبون المجردون من العلم والبصيرة ، ولا ترجع إلى المحبين الصادقين ذوي الوعي والبصيرة والعلم بالدين والشريعة ، الحريصين على التتبع لما جاء في الكتاب والسنة . والمذهبُ المتميز بالدقة والتعقل كمذهب علماء ديوبند يفرق في كل مرحلة بين الغث والسمين ، والحق والباطل ، والصافي والكدر ؛ فلا يتّبعون إلا ما يوافق الكتاب والسنة .
سنة النبي s هي أصل الدين لدى علماء ديوبند:
إذاً فإن مذهب علماء ديوبند يعتبر احترامَ أولياء الله والمشايخ الصالحين جزءاً من الدين ؛ ولكنه لا يعتبر مجاراة التقاليد والأوهام جزءاً منه. إن تقاليد رسول الله s هي أصل الدين والتقاليد الموضوعة الموازية لها ليست من الدين في شيء.
الأقوال الصادرة لدى غلبةالحال والوجد عن بعض الصلحاء والنساك الزهاد:
وهذا التوازن هو الذي يعمل به علماء ديوبند فيما يتعلق بالأقوال والأفعال الصادرة عن بعض الصالحين لدى غلبة الحال؛ فهم لا يسمحون بأدنى إساءة إليهم وتجرَإٍ عليهم من أجل هذه الأقوال والأفعال ، التي تبدو حائدة في ظاهرها عن السنة والشريعة ، فلا ينكرون صلاحهم إنكاراً باتاً، ولا يشنّعون عليهم، ولا يتناولونهم من أجلها بالسباب والشتم ، ولا يرون هذا الصنيع هو وحده الدين على شاكلة غيرهم . كما أنهم لا يقعون فريسة للغلو في حبهم حتى يعتبروا أقوالهم وأفعالهم المبهمة الغامضة الموهمة هذه هي وحدها طريقة التزكية الصحيحة ؛ حتى يدْعُوْا إليها الناس، وحتى يجعلوا من لا يحبّهم مارقاً من الدين منسلخاً من الإسلام، كما يصنع ذلك بعض السفهاء.
فلا يردونها مطلقاً فتكون في نطاق mلا يُعْبَأ بهاl على حين إنها تكون صادرة عن عباد الله المتقين ؛ ولكنهم في الوقت نفسه لا يعيرونها مكانة شرعية، حتى يروا النقاش فيها مضادًّا لطريقة التزكية والإحسان. وإنما لا يردونها رداً كاملاً؛ لأنها تكون صادرة من الصلحاء الأتقياء الذين يكونون هم متقيدين بالسنة والشريعة في حياتهم ؛ ولذلك فإن مذهب علماء ديوبند يحاول أن يحملها على ما يتفق وحياتَهم الزكية وإخلاصهم لله وحبهم الصادق لرسوله s.
وقد أفرد عددٌ من العلماء والثاقبي النظر ، الجامعين بين العلم والعمل، رسائل وكتباً أبانوا فيها مصاديق لأقوالهم و أفعالهم المبهمة هذه بشكل يتفق و الحقيقةَ، ولا تبقى بعد ذلك مجردَ تأويلات باردة. وأكّدوا أن المرحلة التي بلغوها قد يجوز أن يصدر عنهم مثلُها، ولا ينبغي لمن لم يبلغ منزلتهم ولم يرد موردهم أن يتعرض لها.
فهذه الأقوال والأفعال الاضطرارية حقٌّ صدورها، ومعذورٌ صاحبها، وممكنٌ بل واقعٌ مصداقها الصحيح، وممنوعٌ تقليدها ومحاكاتها والدعوة إليها، وغيرُ لائق إساءة الأدب مع أصحابها ، ومُسْتَحْسَنٌ كفّ اللسان عنه والسكوت فيه وعدمُ التعرض له بالطعن والتجريح.
ولذلك فمذهب علماء ديوبند لا يسمح بالموقف المتعسف الذي يعني تكثيف الجهود وتكريسَ المحاولات، لحمل قول مبهم أو موهم لشخصية صالحة على معنى باطل ، و يُوجد له معنى صحيحٌ لا غبار عليه ويمكن حمله عليه، وتقتضيه حياته العفيفة العامرة بالتبتل إلى الله تعالى وإخلاص العبادة له، ويتطلبه سياق كلامه وبدايته و نهايته ؛ ولكن تُبْذَلُ كل الجهود لحمله على معنى مغلوط باطل حتى يسهل الطعن في حياتها الشخصية النزيهة. ومن الواضح أن ذلك ليس ديناً ولا أمانةً، ولا عدلاً ولا إنصافاً، ولا عقلاً ولا نقلاً؛ وإنما هو عناد و تحامل وتعنت ، لا يمت إلى المذهبية بصلة ، وإنما هو عاطفية عمياء.
نعم: إذا لم يكن صاحبها الأقوال والأفعال المشار إليها نفسه متقيداً بالسنة والشرعية ، وكانت حياته منحرفة عن إطار الدين العام، وكانت اصطناعية تتبع منهجاً وضعياً ، لا شائبة فيها لاتّباع السلف ولا لاحترام الخلف ، وتنطق حياته بذلك كله بدورها ؛ فهذا لن يكون ممن يُعْذَرون من أصحاب الرتبة والحال الصالحة في التقوى والعبادة. وهو ليس ممن يجوز حمل كلامه على محمل صحيح ، بل إن أمثاله خارجون من موضوعنا ، وإنما يعنينا ههنا المحبون المتفانون الذين سلكوا المحجة البيضاء ، ولاحت لهم صورة من المحبوب أثناء الطريق ، فأغمِيَ عليهم، فصدرت عن لسانهم كلمة رمزية مبهمة ، فهذه تكون ذات معنى ويمكن أن تُحمل عليه. أما المنحرف عن الطريق فهو ليس بمحب صادق ، فلا يُتَاح له أن يفوز بلمحة من المحبوب، فيفقد رشده ، فتصدر عنه كلمة ؛ وإنما هو يتكلم بدهاء وفي وعي كامل وبأسلوب مهذب بما يعلي شأنه و يرفع مكانه . فذلك لا يمكن أن نسميه إلا نفعياً أنانياً مشعوذاً، لا يستحق التفاتاً وإنما يجدر بالاستنكار والرفض الكامل.
فالأقوال الرمزية الصادرة لدى غلبة الحال قد تكن جديرة بالالتفات ، ولكن الكلمات المظلمة الصادرة عن التصنع والمحاكاة لا تجدر باعتبار.
منزلة غلبة الحال ليست منزلة مغبوطة :
ثم إن مذهب علماء ديوبند عندما يرى قبول عذر عباد الله المشار إليهم ، يرى أن منزلة غلبة الحال ليست منزلة مرموقة جديرة بالتنافس والطلب، وإنما المنزلة المرموقة المغبوطة أن لا يَدَعَ المرأ التمسكَ بالسنة والشريعة مهما كانت حاله؛ لأن أصحاب المنزلة الدينية العالية في الواقع ، إنما هو من يجمع بين الاحتراق وبين التأدب. والجامعُ بينهما هو الصوفي الحق، العالي المنزلة ، الجدير بالمحاكاة، المستحق للاغتباط. وقد كان ذلك هو موقف علماء ديوبند ومشيخة الجامعة الإسلامية دارالعلوم ، ديوبند ((1)) حيث لم يُسَجّل عنهم خروج حتى عن الإطار الظاهر للسنة والشريعة وفي أشد حالات الوجد والحب والشوق والاهتزاز.
((1)) قد مضى تعريف بجامعة ديوبند . تحت العنوان الفرعي mأمور أساسيّةl [المترجم]
فالتمسك بسنة سيدنا و نبينا محمد المصطفى s هوالأصل في مذهب علماء ديوبند؛ حيث يرون الأخذ بها في كل حال واجباً أوجبَ. فالأمور التي ليس لها أصلٌ في الكتاب والسنة وتعامل الصحابة ، أو سندٌ في إطار الذوق والعمل لدى العارفين بالشريعة ؛ وكذلك العادات التي تُطرَحُ كجزء من الدين وليس لها أساس في الدين أو الذوق الديني المُتَوَارَثِ؛ فهي بأسرها جديرة بالرد والإنكار لدى علماء ديوبند. فاجتناب هذه البدع والخرافات ، واتباعُ سنن سيد الموجودات، والتأدب بآداب الصالحين والعلماء والربانيين ، ذلك هو مذهب علماء ديوبند.
أما المشايخ الصالحون فيمكن أن يُوْجَدَ بينهم التفاوت الطبقي، حيث يمكن أن تتعلق طائفة بمشايخها وحدهم، وتستغني عن مشايخ طائفة أخرى. ومن الواضح أن هناك مظنةً للغلو في الحب لدى الملازمين المنتمين إليهم لأجل الاتحاد في الذوق والميل للحب والإعجاب، ومظنّة لقلة التقدير بل للخلاف من قبل غير المنتمين . على ذلك فيُتَصَوَّرُ أن يتجاوز الناس الحدودَ فيما يتعلق بالجماعتين كلتيهما، وقد يجوز أن يقف فريقٌ موقف الإطراء والمبالغة في المدح والثناء ، وفريقُ آخر موقف المبالغة في الإساءة والهجو ، كما يحدث عموماً في عصرنا هذا : عصر الجهل والغباء ودوس القيم.
أما علماء ديوبند فهم يبعدون كل البعد عن الموقف المُغَالِي في الحب والبغض للعباد الصالحين والمشايخ المنيبين . إن في قلوبهم للمشايخ والصلحاء الآخرين الذين لا يتعلقون بهم نفسَ الحب والتوقير اللذين يحملونهما لمشايخهم وعلمائهم ؛وإن رأوا أتباعهم ومريديهم يأتون بشيء يبدو للناظر في أول وهلة حائداً عن السنة بعضَ الشيء ، و وجدوا مشايخهم قائمين على السنة متقيدين بطريق السلف الصالحين ؛ فهم يمتنعون عن توجيه الملام إلى المشايخ وعن الطعن فيهم ، ولا يتّخذون زلات المريدين ذريعةً إلى تجريح المشايخ.
سلاسل الطريقة الإحسانية ومسائلها الفنية:
ونفس هذا الموقف وقفه علماء ديوبند من سلاسل الطريقة الإحسانية ومسائلها الفنية ؛ فهم يرون وصفَ العلاج عن طريق التدابير الموضوعة من قبل رجال التزكية والإحسان المحققين ، لإصلاح الباطن وتزكية النفس ودراسة الأمراض النفسانية ، يرون وصفَ العلاج هذا حقيقةً من الحقائق. ولو كانت هناك طريقة من طرق التزكية تبدو للعيان لأول وهلة غيرَ مربوطة بعضَ الشيء بتعامل السلف أو كانت غير مأثورة عنهم ، فإن علماء ديوبند لا يتجاسرون على نفيها نفياً قاطعاً إذا كانت مباحةً في الأصل؛ ولكنهم في الوقف نفسه لا يتبنَّون القيامَ بنشرها وتبليغها، بل إنهم يثقون بحُذّاق الفن وسالكي الطريق المجربين ، ويرونها طريقتهم اجتهاداً فنياً واستبناطاً علاجياً منهم تكون قد اقتضته نوعية المرض، ويكون مُعْتَبَرًا و مُتَصَوَّرًا من كل حاذق في فنه. وإذا كانت الطريقة المشار إليها غير مُتَّبَعَةٍ لدى السلف الأولين ، فلأن الأمراض النفسانية المنتشرة اليوم في عصرنا لم تكن معهودة في عصرهم ؛ فلم تكن الحاجة ماسة لعلاجها إلى هؤلاء المعالجين . كما لم تكن كثير من الجزئيات والمجتهدات الفقهية موجودةً في عهد السلف ؛ لأنهم لم يعايشوا الحوادث التي نعايشها اليوم ، غير أننا توارثنا الأصولَ التي وضعوها ، فاستنار بها الفقهاء اللاحقون في استنباط المسائل الجزئية للحوادث المستجدة.
أو كما يشير طبيب نطاسي بشتى الوصفات على شتى المرضى، حَسَبَ حالاتهم ونوعية أمراضهم ، وقد لا تكون هذه الوصفات منصوصاً عليها في كتب الطبّ؛ ولكنها تكون مذكورةً في أصول الفن، فيستخرجها الحاذق في الفن في ضوء براعته فيه وطول ممارسته له؛ مهما بدت غيرَ مستدة إلى أصل في نظر الجاهل بالفن .
وكذلك الشأن في العلاجات الروحانية، فكم من طريق لمعالجة النفس وتهذيبها وتزكية القلب وتطهيره عندما ظهرت أمراض نفسانية جديدة خرج بها الأطباء الروحانيون من المشايخ والعلماء الربانيين ، في ضوء قواعد الفن وأصوله الكلية مما لم يكن في الظاهر مُصَرَّحاً به في عبارة واضحة من الكتاب والسنة ؛ ولكنه كان مذكوراً ضمن الأصول والكليات ، فاستخرجه أطباء الروح والقلب من العلماء الصلحاء والمربين ، من أعماق الأصول ؛ كما يتسخرج الغواص البارع والسبَّاح المتفنن ، اللآلئ الثمنية من أعماق البحار ، ولا يقدر على استخراجها المتفرجون على الساحل، الجاهلون بفن السباحة والغياصة .
على كل فإن هناك شيئا كثيراً من دقائق تدابير تهذهب النفس ، إنما اعتُبِرت وأخِذَ بها ثقةً بالعلماء الربانيين المحققين في فن التزكية والإحسان ، واعتماداً على أئمة الزهد والعبادة ، المتذوقين للانقطاع إلى الرب الرحمن ، العارفين بفكرهم النير وبصيرتهم النفاذة بأحوال النفس ومكائد الشيطان والأدواء الروحانية تتسرب إلى القلوب دبيباً.
علماء ديوبند يقولون ويتعاطون هذه الطرق العلاجية :
وقد ظل علماء ديوبند يقولون بهذه الطرق العلاجية المُجَرَّبَةِ في معالجة أمراض النفس، شريطةَ أن تكون متوارَثَةً من أعلام هذا الفن، وأئمة الزهاد المصلحين ، والربانيين المتبتلين ، الذين لا ترتقي شبهة إلى فهمهم لروح الشريعة وأغوار طبيعة الإسلام، وتضلعهم من علوم الكتاب والسنة . لأنه إن أخِذَ بقول كل من هبّ و دبّ، لم تعد جزئيات الفقه أو المسائل الكلامية كذلك موضعَ ثقة.
انتهج علماء ديوبند وهم كانوا متعمقين في علوم الكتاب والسنة ، وعارفين معرفة كاملة بفن الإحسان والتزكية منهجَ الاعتدال والتوازن ، فلا يجيزون صرفَ النظر كلياً عن هذا الفن بوصفه mأفيوناً مخدراً للعقل والأدمغةl كما يصفه كثير من الجاهلين بالفنّ ولا يجيزون التظاهرَ بالأحوال الباطنة و وجدات القلب واتخاذها ذريعة للدعاية بالزهد والتقوى ومعرفة الله. فهم لا يعيرون التفاتاً للمتصوفين المتصنعين و mالفقراءl المزعومين الذين يرتدون أزياء خاصة ويَتَعَاطَوْنَ عرضاً خاصاً للوجد والهيام.
علماء ديوبند لا يرون الصلحاء الأحياء أو الأموات قادرين على دفع البلاء:
وخلاصة القول: إن جماعة الأولياء الكرام وسادة رجال التزكية والإحسان بموجب مذهب علماء ديوبند روحٌ وثابة في الأمة تقوم بها حياة الأمة الباطنة ؛ فيرى علماء ديوبند حبهم وإكرامهم ضروريين للحفاظ على الإيمان ؛ ولكنهم يتبرؤون ويتفادون من الغلو في حبهم والوصول بهم إلى منزلة الربوبية كما يصنع الجهال الأغبياء . يرون تقديرهم واحترامهم واجبين ؛ ولكنهم لا يجعلونهما مرادفين لعبادتهم ونعوذ بالله عز وجل من ذلك أو السجود لهم أو الطواف حول قبورهم ، أو تقديم النذور والقرابين إلى أضرحتهم أو اتخاذها مساجد. إن علماء ديوبند لا يظنونهم في حال من الأحوال قادرين على دفع البلاء والضراء ، وقضاء الحوائج ، وشفاء الأمراض ، وإعطاء الرزق ، وجلب المسرة . إنهم يجيزون زيارة القبور للاتعاظ والاستفادة الدينية ؛ ولكنهم لا يجيزون اتخاذها مساجد و مواضع للاحتفالات و أمكنةً للمهرجانات.
فهم يقولون بإثارة الروحانية ولا يقولون بإثارة الأهواء الشيطانية . إنهم يقولون بالانتماء إلى الربانيين ، وبتأثير هذا الانتماء في الصلاح والإصلاح، والترقي في الإيمان واليقين ، وفي الحرص على العمل ، وعلى التزود من الحسنات والتنحى عن السيئات ، وعلى التحلي بالفضائل، والتخلي عن الرذائل ؛ ولكنهم لا يرونه مداراً للنجاة.
إنهم يرون من اللازم في ضوء التجربة لتتميم مكارم الأخلاق وتزكية النفس أن يبايع المرأ صالحاً ربانياً ويصاحبه ويتبع إرشاداته وتعلمياته حَسَبَ طريقته في التزكية والإحسان ؛ يرونه نافعاً في التشفي من الأمراض القلبية والروحانية ؛ ولكنهم لا يرون طريقة التزكية والإحسان مستقلة عن الشريعة الإسلامية ومجرد متوارثة كابراً عن كابر وصدراً عن صدر، وإنما يرون أن شعبة تهذيب الأخلاق للشريعة هي التي تُسَمَّى mطريقة التصوفl التي هي الطريق إلى إصلاح القلب والتي سمتها الشريعة بـ mالإحسانl ؛ فهم يرون أن قواعدها الأساسية ثابتة بالكتاب والسنة ؛ ولكنهم يرفضون رفضاً كلياً تلك القواعد التي لا تمت بصلة إلى أصل من الكتاب والسنة ، وإنما تقوم على مزاعم وتقاليد موضوعة ومناهج مُحْدَثَة. يرفضون بعضها ، لأنه مخالف للسنة ، ويرفضون بعضها لأنه بدعة. إنهم لا يذهبون إلى محاكاة تقاليد الحال والقال، والتظاهر بالوُثوب القفز، والوجد والهيام، والكلمات الصادرة بغلبة الحال.
وكذلك يرى علماء ديوبند التبرك بآثار الصلحاء ومتروكاتهم جائزاً؛ ولكنهم لا يرون من الجائز أن يُسْجدَ لها أو يُعتقدَ فيها التأثير. وإن وُجِدَتْ آثار النبي عليه الصلاة السلام من الشعر أو اللباس أو النعلين أو شيء من ذلك بطريق موثوق به فإنهم يرونها أغلى من تيجان السلاطين ومن الدنيا وما فيها. وأما إذا كانت غير موثوق بها، ينصرفون عنها متفادين من سوء الأدب. وكذلك يورون أن الأمكنة التي عاشها الصلحاء جديرة بالتأدب ؛ ولكنهم لا يرونها جديرة بالتعبد.
حب الأولياء و رجال التزكية والإحسان حقيقة شرعية لدى علماء ديوبند:
وموجز القول أن حبّ ، أولياء الله تعالى قدّس الله أسرارهم والإعجاب بهم ، حقيقة شرعية لدى علماء ديوبند ، ولكن الغلو في ذلك ، والتقيد بطقوس ، أو تقاليد أوزمان و مكان ، أو اصطناع حدود و قيود في هذا الشأن ، كل ذلك يرفضه علماء ديوبند رفضاً باتاً. وقد يجوز أن تكون بعض هذه الأمور قد صدرت عن بعض العلماء العاملين ، بغلبة الحال اتفاقاً لا اطراداً، ويكون من لحقهم من الأتباع المحبين الفاقدي البصيرة والوعي قد ظنها أصولاً و قوانين مستقلة ثابتة ، ونشروها في العوامّ الجهلاء باسم الشريعة والإسلام ؛ فصارت بذلك عندهم جزءاً من الشريعة أو الشريعةَ نفسها. فلا شك أن هذه الأمور مصدرها المحبون المجردون من العلم والبصيرة ، ولا ترجع إلى المحبين الصادقين ذوي الوعي والبصيرة والعلم بالدين والشريعة ، الحريصين على التتبع لما جاء في الكتاب والسنة . والمذهبُ المتميز بالدقة والتعقل كمذهب علماء ديوبند يفرق في كل مرحلة بين الغث والسمين ، والحق والباطل ، والصافي والكدر ؛ فلا يتّبعون إلا ما يوافق الكتاب والسنة .
سنة النبي s هي أصل الدين لدى علماء ديوبند:
إذاً فإن مذهب علماء ديوبند يعتبر احترامَ أولياء الله والمشايخ الصالحين جزءاً من الدين ؛ ولكنه لا يعتبر مجاراة التقاليد والأوهام جزءاً منه. إن تقاليد رسول الله s هي أصل الدين والتقاليد الموضوعة الموازية لها ليست من الدين في شيء.
الأقوال الصادرة لدى غلبةالحال والوجد عن بعض الصلحاء والنساك الزهاد:
وهذا التوازن هو الذي يعمل به علماء ديوبند فيما يتعلق بالأقوال والأفعال الصادرة عن بعض الصالحين لدى غلبة الحال؛ فهم لا يسمحون بأدنى إساءة إليهم وتجرَإٍ عليهم من أجل هذه الأقوال والأفعال ، التي تبدو حائدة في ظاهرها عن السنة والشريعة ، فلا ينكرون صلاحهم إنكاراً باتاً، ولا يشنّعون عليهم، ولا يتناولونهم من أجلها بالسباب والشتم ، ولا يرون هذا الصنيع هو وحده الدين على شاكلة غيرهم . كما أنهم لا يقعون فريسة للغلو في حبهم حتى يعتبروا أقوالهم وأفعالهم المبهمة الغامضة الموهمة هذه هي وحدها طريقة التزكية الصحيحة ؛ حتى يدْعُوْا إليها الناس، وحتى يجعلوا من لا يحبّهم مارقاً من الدين منسلخاً من الإسلام، كما يصنع ذلك بعض السفهاء.
فلا يردونها مطلقاً فتكون في نطاق mلا يُعْبَأ بهاl على حين إنها تكون صادرة عن عباد الله المتقين ؛ ولكنهم في الوقت نفسه لا يعيرونها مكانة شرعية، حتى يروا النقاش فيها مضادًّا لطريقة التزكية والإحسان. وإنما لا يردونها رداً كاملاً؛ لأنها تكون صادرة من الصلحاء الأتقياء الذين يكونون هم متقيدين بالسنة والشريعة في حياتهم ؛ ولذلك فإن مذهب علماء ديوبند يحاول أن يحملها على ما يتفق وحياتَهم الزكية وإخلاصهم لله وحبهم الصادق لرسوله s.
وقد أفرد عددٌ من العلماء والثاقبي النظر ، الجامعين بين العلم والعمل، رسائل وكتباً أبانوا فيها مصاديق لأقوالهم و أفعالهم المبهمة هذه بشكل يتفق و الحقيقةَ، ولا تبقى بعد ذلك مجردَ تأويلات باردة. وأكّدوا أن المرحلة التي بلغوها قد يجوز أن يصدر عنهم مثلُها، ولا ينبغي لمن لم يبلغ منزلتهم ولم يرد موردهم أن يتعرض لها.
فهذه الأقوال والأفعال الاضطرارية حقٌّ صدورها، ومعذورٌ صاحبها، وممكنٌ بل واقعٌ مصداقها الصحيح، وممنوعٌ تقليدها ومحاكاتها والدعوة إليها، وغيرُ لائق إساءة الأدب مع أصحابها ، ومُسْتَحْسَنٌ كفّ اللسان عنه والسكوت فيه وعدمُ التعرض له بالطعن والتجريح.
ولذلك فمذهب علماء ديوبند لا يسمح بالموقف المتعسف الذي يعني تكثيف الجهود وتكريسَ المحاولات، لحمل قول مبهم أو موهم لشخصية صالحة على معنى باطل ، و يُوجد له معنى صحيحٌ لا غبار عليه ويمكن حمله عليه، وتقتضيه حياته العفيفة العامرة بالتبتل إلى الله تعالى وإخلاص العبادة له، ويتطلبه سياق كلامه وبدايته و نهايته ؛ ولكن تُبْذَلُ كل الجهود لحمله على معنى مغلوط باطل حتى يسهل الطعن في حياتها الشخصية النزيهة. ومن الواضح أن ذلك ليس ديناً ولا أمانةً، ولا عدلاً ولا إنصافاً، ولا عقلاً ولا نقلاً؛ وإنما هو عناد و تحامل وتعنت ، لا يمت إلى المذهبية بصلة ، وإنما هو عاطفية عمياء.
نعم: إذا لم يكن صاحبها الأقوال والأفعال المشار إليها نفسه متقيداً بالسنة والشرعية ، وكانت حياته منحرفة عن إطار الدين العام، وكانت اصطناعية تتبع منهجاً وضعياً ، لا شائبة فيها لاتّباع السلف ولا لاحترام الخلف ، وتنطق حياته بذلك كله بدورها ؛ فهذا لن يكون ممن يُعْذَرون من أصحاب الرتبة والحال الصالحة في التقوى والعبادة. وهو ليس ممن يجوز حمل كلامه على محمل صحيح ، بل إن أمثاله خارجون من موضوعنا ، وإنما يعنينا ههنا المحبون المتفانون الذين سلكوا المحجة البيضاء ، ولاحت لهم صورة من المحبوب أثناء الطريق ، فأغمِيَ عليهم، فصدرت عن لسانهم كلمة رمزية مبهمة ، فهذه تكون ذات معنى ويمكن أن تُحمل عليه. أما المنحرف عن الطريق فهو ليس بمحب صادق ، فلا يُتَاح له أن يفوز بلمحة من المحبوب، فيفقد رشده ، فتصدر عنه كلمة ؛ وإنما هو يتكلم بدهاء وفي وعي كامل وبأسلوب مهذب بما يعلي شأنه و يرفع مكانه . فذلك لا يمكن أن نسميه إلا نفعياً أنانياً مشعوذاً، لا يستحق التفاتاً وإنما يجدر بالاستنكار والرفض الكامل.
فالأقوال الرمزية الصادرة لدى غلبة الحال قد تكن جديرة بالالتفات ، ولكن الكلمات المظلمة الصادرة عن التصنع والمحاكاة لا تجدر باعتبار.
منزلة غلبة الحال ليست منزلة مغبوطة :
ثم إن مذهب علماء ديوبند عندما يرى قبول عذر عباد الله المشار إليهم ، يرى أن منزلة غلبة الحال ليست منزلة مرموقة جديرة بالتنافس والطلب، وإنما المنزلة المرموقة المغبوطة أن لا يَدَعَ المرأ التمسكَ بالسنة والشريعة مهما كانت حاله؛ لأن أصحاب المنزلة الدينية العالية في الواقع ، إنما هو من يجمع بين الاحتراق وبين التأدب. والجامعُ بينهما هو الصوفي الحق، العالي المنزلة ، الجدير بالمحاكاة، المستحق للاغتباط. وقد كان ذلك هو موقف علماء ديوبند ومشيخة الجامعة الإسلامية دارالعلوم ، ديوبند ((1)) حيث لم يُسَجّل عنهم خروج حتى عن الإطار الظاهر للسنة والشريعة وفي أشد حالات الوجد والحب والشوق والاهتزاز.
((1)) قد مضى تعريف بجامعة ديوبند . تحت العنوان الفرعي mأمور أساسيّةl [المترجم]
فالتمسك بسنة سيدنا و نبينا محمد المصطفى s هوالأصل في مذهب علماء ديوبند؛ حيث يرون الأخذ بها في كل حال واجباً أوجبَ. فالأمور التي ليس لها أصلٌ في الكتاب والسنة وتعامل الصحابة ، أو سندٌ في إطار الذوق والعمل لدى العارفين بالشريعة ؛ وكذلك العادات التي تُطرَحُ كجزء من الدين وليس لها أساس في الدين أو الذوق الديني المُتَوَارَثِ؛ فهي بأسرها جديرة بالرد والإنكار لدى علماء ديوبند. فاجتناب هذه البدع والخرافات ، واتباعُ سنن سيد الموجودات، والتأدب بآداب الصالحين والعلماء والربانيين ، ذلك هو مذهب علماء ديوبند.
تعليق