مذهب علماء ديوبند ليس مذهباً نظرياً فقط ..

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • موسى البلوشي
    • Mar 2026

    #1

    مذهب علماء ديوبند ليس مذهباً نظرياً فقط ..

    فمذهب علماء ديوبند ليس مذهباً نظرياًّ فقط، وإنّما هو مذهب عملي حركي دعوي دُعِيَ له منذ أكثر من قرن و ربع قرن من الزمان ، ولا يزال قائماً بعد هذه المدة المديدة ؛ لأنه لا يزال نافعاً كما كان بالأمس؛ لكنّ صبغته تعليمية ؛ وانتشاره تبليغي؛ وثباته اجتماعي ؛ وصيانته أفتائية ورقيّه مرهون بالرياضة والفروسية، وبالتربية وضبط النفس، وبالجهاد والعمل؛ ودعوتُه عالمية. إن شمولية هذا المذهي هي التي شكّلت مزاج جماعة ديوبند، وهي التي زينته بالتوازن إلى جانب الشمول.

    فالأخذ بمسائل محدودة والإصرار على نواحي العمل الخاصة المعدودة، وحصر الإسلام فيها أو جعلها كل الإسلام ، ليس من مذهب علماء ديوبند.

    على كل فعلماء ديوبند، من أجل مذهبهم الشامل المظهر والمخبر، ليسوا مستغنين عن المنقولات والأحكام الظاهرة ، وكذلك ليسوا متحررين من التقيد بمقتضياتها الباطنة ومتطلباتها العامة، مدفوعين بالنفسية المذهبية أو القومية أو متطلبات العصر أو ضيق الأفق.

    إنهم توارثوا هذا المذهب المعتدل المتبع لدى أهل السنة والجماعة من مورثهم الأعلى العلمي في العهد الأخير الإمام الشاه ولي الله أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي فمن الإمام محمد قاسم النانوتوي مؤسس جامعة ديوبند فمن المشرف الأكبر عليها الشيخ الكبير المحدث الفقيه رشيد أحمد الكنكوهي ، فمن رئيس هيئة تدريسها الأول الشيخ محمد يعقوب النانوتوي [المتوفى 1302هـ / 1884م] قدس الله تعالى أسرارهم، ولا زال علماء ديوبند متقيدين بهذا المذهب ويقيدون به جميع المستفيدين منهم.

    مذهبهم مذهبٌ جامعٌ:

    وهذا المذهب جامع بين العقل والحب، والعلم والمعرفة ، والعمل والأخلاق، والجهاد مع النفس، والجهاد مع العدو، والدين والسياسة، والرواية والدراية ، والخلوة والجلوة، والعبادة والفروسية، والحكم والحكمة، والظاهر والباطن ، والحال والقال.

    إن طَرْحَ النقل في إطار العقل، قد تَعَلَّمهُ المذهب من حكمة الإمام ولي الله الدهلوي، وعرضَ أصول الدين بحيث تصبح محسوسة ، تَعَلّمه من حكمة الإمام محمد قاسم النانوتوي، وروح الرسوخ والإتقان لفروع الدين وأحكامه ، تشربها من الشيخ الكنكوهي ، والتفاني في العبادة والتملأ من عواطف الحب الجيّاشة للرسول s ، قد تلقاه من الحاج إمداد الله المهاجر المكي [المتوفى والمدفون بمكة المكرمة عام 1317هـ / 1899م]، والجمع بين التزكية والتقيد الكامل بالشريعة ، تعلمه من الشيخ أحمد بن عبد الأحد المعروف بمجدد الألف الثاني والإمام السيد أحمد بن عرفان الشهيد الرائي بريلوي [المتوفى مستشهداً في 1246هـ / 1831م].

    فعلماء ديوبند متشربون لمعاني الكتاب والسنة وحقائقهما الدقيقة ومطالبهما العميقة وأسرارها الباطنة. وقد تلقوا هذا الذوق من ملازمة شيوخ العلم الذي كانوا متعمقين في ظواهر النص وبواطنه، وانتقل ذلك إليهم ؛ فهم يقدرون على الاستدلال بظواهر النص وبواطنه في وقت واحد؛ فهم ليسوا من أصحاب الظواهر الذين يقفون عند الألفاظ وحدها، ولا يتجاوزونها إلى بواطن النص وحقائقه ؛ وكذلك لسيوا من الباطنية الذين يصفون ظاهر النص، بأنه مجرد رسم و كتابة؛ فلا حاجة إلى الاعتناء به ؛ أو من الذين يجعلون اختلاف التعابير الشرعية لا قيمة له لديهم ،وإنما يهيمون في المتاهات الذهنية .

    مذهب علماء ديوبند يأخذ بظاهر النص وباطنه معاً:

    فمذهب علماء ديوبند يقرّر أن التعبيرات الشرعية بصرف النظر عن معانيها ومدلولاتها ، منبع بالنسبة إلى نظمها وعبارتها لآلاف من العلوم والأحكام؛ وأن كلاً من عبارتها ودلالتها وإشارتها واقتضائها قد ولّد آلافاً من المسائل التي أثـْرَتِ الدين وجعلته ربيعاً مخضراً ، وفي جانب آخر إن معاني هذه التعبيرات ليست حاملة للعلوم بالنسبة إلى مدلولها اللفظي والمعنوي فقط، وإنما هناك آلاف من المعاني والحقائق ، مستورة في تلك المعاني ، تنكشف للقلوب في ضوء القواعد الشرعية وقواعد اللغة العربية ، إذا صاحبَها العملُ الصالح، وملازمةُ الصلحاء ، والجهادُ، والرياضةُ في العبادة.

    فعلماء ديوبند يرون أنه من الواجب لدى الاستدلال بنص من النصوص الشرعية الجمعُ بين ظاهر النص وباطنه، وتوفية كل منهما كالظاهرية أو الباطنية ، وهذا المذهب الجامع ظل يُخرّج العلماء الذين كانوا علماءَ بالله وعلماء بأمر الله في وقت واحد.

    مذهبهم يؤكد على الاستفادة القصوى من المرونة الموجودة في الشريعة

    إلى جانب الإصرار والثبات على الثوابت والمسلمات في الدين:

    وكذلك هذا المذهب يقرر أن بينما كان الواجب تبليغَ المنصوصات من القرآن والحديثن والفقه بصحة مدلولها ومعناها إلى الأمة لازماً؛ لأنه لا يمكن أن يظل الدين قائماً بدون ذلك، ولا سيما إن الشريعة مدارها على ظاهر الأحكام ؛ حيث جعلتها معياراً للمؤاخذة والعقاب.. إذاً كان الواجب إفادة القوم بحقائق تلك المعاني المنصوص عليها وأسرارها وعللها وحكمها ؛ لأن مرونتها وسعتها وسماحتها هي التي جعلت الأحكام الشرعية تفي بأغراض كلّ عصر ومقتضيات كلّ قوم؛ فبهذه السماحة والمرونة استطاع قادة الدين أن يقنعوا الناس أن الإسلام دين كل زمان و مكان، وأنه يلبي حاجة كل عصر ومصر، وأن فيه شفاءً لكل الأمراض، وحلاًّ لجميع المشكلات. ولولا هذه المرونةُ والسماحة لقال السفهاء وقاصرو النظر: إن الإسلام دين قد تقادم عهده كما يقول المتغربون .

    وبهذه المرونة سيظل القادة والعلماء والمؤهلون يعرضون أحكام الإسلام عرضاً يتفق وكلَّ عصر، مهما تقدم ، ومهما تنوّر، ومهما تكاثرت مقتضياته، وتعقّدت مشكلاته، وتراكمت قضاياه.

    فبينما يقرر مذهب علماء ديوبند التقيد بكل جزئي ، فقهياً كان أو حديثاً أو قرآنياً؛ إذاً يقرر الاستفادة من المرونة والسعة اللتين توجدان في الشريعة الإسلامية ، وقرر أنه لا بد من تجنيب الأمة من مواقف التشدد والبطش ؛ لأن هذه المواقف من شأنها أن تقضي على هذه المرونة وهذه السعة اللتين إنما تتعلقان لحد كبير بالجانب الباطن من الدين.
يعمل...