علماء ديوبند اتجاهمم الديني ومزاجهم المذهبي ،، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين ، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، والملائكة المقربين والمعصومين، وعلى أئمة الهدى والدين، الذين تمسكوا بالكتاب وسنة الرسول الأمين، واستنبطوا منها الشرائع الفرعية ببذل الصدق واليقين، وصدّقوا صحف الأولين ، وجعلوا الكعبة المقدسة قبلة لقرباتهم وهي مركز للعالمين؛ فرضينا بالله رباً و إلهاً، وبمحمدٍ s رسولاً ونبياً، وبالإسلام ديناً و شريعةً، وبالإيمان محبة واعتقاداً، وبالإحسان تزكية ومعرفةً، وبدفاع الفتن إعلاءً و إظهاراً، وبتداول الأيام عبرةً و نصيحةً وبالقرآن حجةً و إماماً، وبالحديث شرحاً و بياناً، وبالفقه تفريعاً و تفصيلاً ، وبالكلام تعقلاً و تدليلاً، وبالرسل تصديقاً و إقراراً، وبالكتب المنزلة إيقاناً وشهادةً، وبالملائكة عصمةً و تدبيراً، و بالشخصيات المقدسة حباً و انقياداً، وبتربيتهم سمعا و طاعةَ، وبالكلمة الطيبة جمعاً واجتماعاً، وبالكعبة المعظّمة قبلةً و جهةً، و بجميع شرائع الله تعظيماً و تبجيلاً، و بالقضاء والقدر رضاءً و تسليماً، وباليوم الآخر حشراً و نشراً، وبالبعث والوقوف صدقا و عدلاً، وبجميع هذه الأمور مسلكاً (مذهباً) و مشربًا، وكفانا هذا الرضاء سراً وعلانيةً.
وبعد فإن هذا بيان لمسلك (مذهب) أهل الحق و الإتقان، وشرح لمشرب أهل الصدق والإيقان، وإيضاح لذوق أهل المحبة والعرفان، فنسأل الله التوفيق والسداد والعدل والاقتصاد، وبه الثقة وعليه الاعتماد.
ما هي الديوبندية؟
اتجاه علماء ديوبند الديني و مزاجهم المذهبي أو منهجهم الفكري و جهة نظرهم و مشربهم وذوقهم ، شيء ظل معروفاً لدى العامة والخاصة؛ حيث ظلوا يُرَبّون عليه المسلمين منذ أكثر من قرن. وكانت دعوتهم شاملة وعالمية عمّت الشرق والغرب؛ ولكنهم لم يعتمدوا في نشرها على الدعايات والإعلانات والنشرات: وسائل الإعلام المعروفة المتبعة، وإنما اعتمدوا في ذلك ولا يزالون- على الدرس والتدريس، والتعليم والتربية، والدعوة والتوجيه ، والإصلاح و تزكية الظاهر والباطن. إن هدفهم الوحيد هو إبقاء الأمة في ضوء الكتاب والسنة على ذلك المزاج الذي أنشأه النبيs بصحبته و تربيته في الصحابة ، والصحابةُ في التابعين، والتابعون فيمن بعدهم من الأجيال المتلاحقة على اختلاف الأمكنة و مرور الأزمنة.
لكن التحرر الفكر والانطلاق العقلي في هذا العصر، قد أنشأ مدارس فكرية شتى، وظهرت دعوات متنوعة بل متضاربة، وبدأت كل جماعة تدعو الناس باسم الإسلام إلى توجّهاتها و مزاياها؛ الأمر الذي أدى طبيعياً إلى حدوث بلبلة فكرية و تقلقل نفسي لدى الجمهور ، ونشأ عن ذلك أن مذهب علماء ديوبند و مشربهم اللذين كانا لديهم مُتَوَارَثَيْنِ من السلف ومعروفَين و ممتازين، عادا لحد ما مشتبهاً فيهما لدى العامة، وصارت بعضُ الأوساط تتساءل:
ما هي mالديوبنديةl؟ وأن جماعة ديوبند أهي فرقة حديثة من فيض الساعة، أم أن لها سنداً من السلف، وأنها من أهل السنة والجماعة أم أنها شيء آخر؛ وإن كانت من أهل السنة والجماعة فما هي مركزها بين الحشد من المدعين بالانتماء إلى أهل السنة الأحناف، وما هو الخط الفاصل بينها وبينهم، وما هي النقطة المميزة في معتقداتها، التي تضع فرقاً واضحاً بينها جماعة ديوبند وبين من يختلف عنها. وما إلى ذلك من التساؤلات التي عادت تطفح اليوم.
ولذلك كله شعرتُ بالحاجة إلى تدوين اتحاههم الديني ومزاجهم المذهبي لحد مستطاع، ولهذا الغرض أقدمت على كتابة السطور الآتية. وإنها ليست قائمة كاملة بمعتقدات علماء ديوبند، كما أنها ليست دراسة للمسائل الفرعية الجزئية المتصلة بمذهبهم ، وإنما هدفتُ منها إلى الدلالة على المبادئ والكليات لمزاجهم الديني وذوقهم المذهبي، تلك التي تحتل مكانة الروح في عقائدهم و توجهاتهم العملية، التي تضع خطاً فاصلاً بينهم وبين من يخالفهم.
أمور أساسيّة :
وقبل أن ندخل في صميم الموضوع، يجب أن نضع في الاعتبار أموراً أساسيّة توطئ للتوصل إلى الغرض و لفهمه ولإدراك مبادئه الأساسية.
1- الأمر الأول أن المراد من علماء ديوبند في هذه المقالة ، ليست فقط تلك الجماعة التي تقيم في الجامعة الإسلامية دارالعلوم / ديوبند وتقوم فيها بخدمة التدريس والتعليم أو الإفتاء والقضاء، أو التبليغ والوعظ، أو التأليف والكتابة، وما إلى ذلك؛ وإنما المراد منهم جميع العلماء الذين ينبع فكرهم من فكر الشيخ مجدّد الألف الثاني أحمد بن عبد الأحد السرهندي المتوفى 1034هـ / 1624م فمن فكر الإمام الشاه ولي الله أحمد بن عبد الرحيم المتوفى 1176هـ / 1762م و يتصل بفكر مؤسس جامعة دارالعلوم ديوبند. الإمام محمد قاسم النانوتوي المتوفى 1297هـ / 1880م والشيخ الفقيه رشيد أحمد الكنكوهي المتوفى 1323هـ / 1905م والشيخ محمد يعقوب النانوتوي المتوفي 1302هـ / 1884م. وسواء كانوا من خريجي جامعة دارالعلوم ديوبند، أم من خريجي جامعة mمظاهر علومl بسهارنفور، أم خريجي mالجامعة القاسميةl و mالمدرسة الإمداديةl و mحياة العلومl و mجامعة الهدىl بمدينة mمراد آبادl أم خريجي مدرسة الجامع بأمروهه، أم خريجي mالمدرسة الأمينيةl بدهلي و mمدرسة عبد الربl و مدرسة جامع فتحبوريl و mمدرسة كاشف العلومl في منطقة mنظام الدينl بدهلي ، أم خريجي مدرسة mمفتاح العلومl بمدينة mجلال آبادl أم خريجي مدسة mنور الإسلامl و مدرسة mدارالعلومl و mالمدرسة الإمداديةl بمدينة mميروتl ، أم علماء مدارس mمئوl أم علماء mالجامعة الرحمانيةl بمدينة mمونجيرl أم علماء مدارس بيهار, أم علماء mالجامعة الأشرفيةl و mالمدرسة الحسينيّةl بمدينة mرانديرl أم علماء مدارس ولاية mغوجراتl أم علماء مدارس ولايتي mبنغالl و mآسامl أو مئات العلماء في الولايات والمديريات الهندية.
وسواء كانوا مشتغلين بالتعليم أوعمل من الأعمال المدنية والسياسية والاجتماعية، أو كانوا منتشرين في العالم يقومون بالدعوة والتبليغ، أو كانوا منصرفين إلى التأليف؛ وسواء كانوا في أوروبا و آسيا وإفريقيا و أمريكا؛ كل هؤلاء يندمجون في mعلماء ديوبندl وكلهم علماء ديوبند في الواقع.
2- انتماء علماء ديوبند إلى مدينة ديوبند، أو إسماؤهم بــ mجماعة ديوبندl ونسبتهم mالديوبنديةl أو mالقاسميةl ليست نسبة وطنيّة أو قوميّة أو طائفيّة, و إنما هي نسبة تعليمية عُرِفَتْ بمكان التعليم: Mديوبندl أو شخصية محور الرواية : الإمام محمد قاسم النانوتوي، مما يؤكد ويبين انتماء الجماعة التعليمي وثقة روايتها ودرايتها الفكرية ؛ ولذلك فهي ليست عنوان فرقة أو طائفة أو حزب؛ فلا يجوز أن يُفْهَمَ هذا الانتماء إلا في هذا الإطار، وأن يُوضعَ في الاعتبار أن جماعة ديوبند هي جماعة المشتغلين بالتدريس والتربية والتوعية والتزكية والدعوة والتبليغ، كما يُعْرَفُ خريج جامعة mعلي كرهl بــ mعليكl و خريج mالجامعة الملّية الإسلاميةl بدهلي بــ mجامعيl وخريج mمظاهر علومl بسهارنفور بــ mمظاهريl وخريج ندوة العلماء بلكناؤ بــ mندويl وخريج مدرسة الإصلاح بــ mإصلاحيl وخريج الباقيات الصالحات بــ mباقويl. وكل هؤلاء ليسوا أحزابًا أو فرقاً أو طوائف، وكلذلك فـ mالديوبنديl -أو mالقاسميl لا يشف عن الطائفية أو الحزبية.
3- إن علماء ديوبند بالنسبة إلى اتجاههم الديني ومزاجهم المذهبي من أهل السنة والجماعة تماماً ، وليسوا فرقة جديدة أو جماعة حديثة تحمل معتقدات من نوع جديد، أدت الظروف الراهنة إلى نشوئها . إن جماعة ديوبند هذه سعدت باتخاذ كل ما كانت تستطيعه للحفاظ على عقائد أهل السنة والجماعة ومبادئها وأصولها في داخل الهند وخارجها، ولقّنتها الجماهيرَ، مما ساعد على بقاء أهل السنة والجماعة بهويتها الصحيحة؛ وقد جعل مؤسسوا جامعة ديوبند هذه المهمة بصبغتها الأصلية علامةً عالميةً عن طريق تلاميذهم و أتباعهم المُرَبَّينِ لديهم مباشرة أو غير مباشرة.
4- وبما أن فضائل أهل السنة والجماعة ومزاياهم مستقاة من النصوص الشرعية كما ستعرفون من خلال السطور الآتية وبما أن علماء ديوبند انتهجوا طريقهم بشكل كامل؛ فانعكست عليهم أنوارهم ، فثبت لهم من خلال تطبيق صفات أهل السنة والجماعة عليهم، من الفضيلة والمزية ما هو خاص بأهل السنة والجماعة ، وما جاء ذكره في الحديث عنهم؛ ولكن إثبات هذه الفضيلة لجماعة ديوبند إنما جاء كبيان للواقع للواقع؛ لأن اتجاهها الديني ومزاجها المذهبيّ لم يكن ليتضح بدون ذلك؛ ولذلك فلا يجوز أن يوضع ذلك في إطار الفخر والمباهاة أو العصبية الجماعية، ولا يجوز الظن بأن mالمثني على الشمس راح يثني على نفسهl كما يقول المثل الفارسي؛ فإنما صنعنا ذلك كحديث عن النعمة، وإيضاح للحقيقة ، ولم يكن الغرض هو التفاخر والتعصب أوالإعجاب بالذات.
5- وما عرضناه في هذه المقالة إنما جاء في إطار الأصول، وتحدثنا عن القضية بشكل موضوعي، وكميزان فقط ، يمكن أن نزن به أنفسنا نحن و يمكن أن نزن به الجماعات الأخرى أنفسها؛ لكي يستطيع كل منا أن يحاسب نفسه و يقيّمها تقييماً صحيحاً، ولم نضع في الاعتبار في حديثنا هذا شخصية بعينها أو جماعة بعينها أو فرقة بعينها. وما اعترض حديثّنا من كلمة سلبية أو شبه سلبية، فإنما جاء لتحقيق الجانب الإيجابي وإبانته، ولم يجئ للنيل من أحد. على كل فهذه المقالة إنما وُضِعَتْ كميزان مبدئي، فمن وزن به نفسه فجاءت كاملة غير منقوصة، لكان ذلك مكسباً لنا جميعاً يجدر بنا أن نشكر عليه، وإن لم تجئ كاملة، يجب أن تُبْذَلَ المحاولات للإكمال، ومن ثم فلا يجوز أن يُحْسَبَ هذا الحديثُ ضد جماعة أو فرقة، أو إساءةً إليها ؛ لأن ضمير الكاتب خالٍ عن ذلك، وكفى بالله شهيداً.
6- وفي مبادئ التربية والإعداد النفسي التي تحدثنا عنها في هذا الكتاب ركّزنا على التعليم والتدريس الذي قام به السلف باعتباره الآلة الوحيدة لتربية القلب والعقل. وقد صرح الأنبياء عليهم السلام وعلى رأسهم سيدنا خاتم الأنبيياء s بأن الغرض من بعثتهم هو تعليم الدين وتكميل مكارم الأخلاق، واعتبر القرآن الكريم mالتدريسl لازماً للعلماء الربانيين لكي يكونوا pرَبانيينq في قوله pوَبَمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُوْنَq (آل عمران/79). ولذلك على هذه الناحية ركّزنا في هذه المقالة تركيزاً أكثر؛ ولكن المقالة إذا كانت تتبنى mالتدريسl فإنها لا تتبنى mالمدرسةl ؛ فلو وُجِدَ هناك شخص تلقّى التعليم والتربية بدون مدرسة، على mطريقة التدريس المنزليةl على شيخ في الأسرة، أو على عالم رباني، وبالشروط التي ذكرناها في هذه الرسالة، وتخرّج عالماً ضليعاً ثقة، فإنه سيُعَدُّ ثقة وإن لم يتعلم في mمدرسةl.
ولكنه بما أن أداء هذه الفريضة إنما يتم في هذه الأيام عن طريق المدارس الدينية؛ حيث خلت البيوتات من النظام التعليمي المتبع لديها في الماضي في الأغلب ؛ فعاد mالتدريسl و mالمدرسةl شيئًا واحداً؛ وبالتالي أصبح أمراً طبيعياً ومألوفاً أن يقال بلزوم المدارس الدينية وأن يُعَدُّ تعليمها وتدريسها مِحَكًّا لتقييم الشخصيات.
7- وكما أن الإسلام هو أعدل الأديان في العالم بالقياس إلى روايته ودرايته وأصوله و فروعه؛ وكما أن الشريعة الإسلامية هي أعدل الشرائع بين شرائع الأديان بالنسبة إلى مسائلها الأصولية والفروعية ؛ كذلك مذهب أهل السنة والجماعة بالنسبة إلى أساسه أعدل المذاهب بين المذاهب الشرعيةالإسلامية ، وأتباع هذه المذاهب سواء كانوا أحنافاً أو شوافع أومالكيين أوحنابلة، على اختلاف أصول تفقههم من أهل السنة والجماعة؛ حيث يمتازون بعدم الغلو والمبالغة، واللاإفراط واللاتفريط، ولا يوجد فيهم تشدد أو تقصير، وإنما يوجد فيهم كمال العدل والاعتدال، ويتصلون في أصولهم وفروعهم وكلياتهم وجزئياتهم بالكتاب والسنة، ويصح أن يوصفوا بــ mأمة وسطl وهم يشكلون حجة فيما بين جميع المذاهب.
Pوَجَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَّسَطًا لِّتَكُوْنُوْا شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَ يَكُوْنَ الرَّسُوْلُ عَلَيْكُمْ شَهِيْدًاq (البقرة/ 143)
8- وستشتمل هذه السطور على ثلاثة أجزاء :
أ- الشرح الأساسي لمذهب أهل السنة والجماعة وذوقهم و مشربهم و مزاجهم الديني، و تحليل العناصر التي يتألف منها، وذلك في ضوء الكتاب والسنة.
ب- تطبيق مذهب علماء ديوبند على المذهب المذكور والتدليل والتفصيل لكونهم جزءاً أصيلاً من أهل السنة والجماعة.
ج- تقديم أمثلة نوعية على ذلك.
9- ومن أجل القيام بعملية التطبيق والتوفيق قد يشعر القراء بالتكرار في محتويات الرسالة؛ لأننا قد احتجنا في بيان التوافق إلى إعادة الأمور التي كنا قد ذكرناها كمبادئ وأصول لدى الحديث عن مذهب أهل السنة والجماعة؛ حيث سقناها في الحديث عن اتجاه علماء ديوبند الديني كنتيجة ؛ وذلك لأن عملية التطبيق والمقارنة لم تكن لتتم بدون ذلك، وبما أن العناوين ستختلف في الإعادة مهما كانت المعاني واحدة، فلا تبدو الإعادة إعادة وإنما تبدو معنى جديداً لا يثقل علىالذهن، وإنما يفيض بطرافة وجدة. ومثل ذلك مثل المحدثين الذين يسوقون حديثاً واحداً مرات عديدة في أبواب شتى، ويستنبطون منه أحكاماً شتى؛ لكونه مشتملاً حقاً على نواحٍ عديدة تليق بأبواب شتى ؛ فيتحدثون عن كل ناحية في الباب المخصص لها، مما يُحْوِجُهم إلى ذكر الحديث مرتين أو ثلاث مرات أو أكثر ؛ ولكن تغيّر ترجمة الباب وعنوان المسألة يجعل القارئ لا يشعر بالتكرار ؛ لأن ذلك يصبح إذاً معنى جديداً. ونفس الصورة حدثت في هذه المقالة؛ فالمرجو من العلماء أنهم سوف لا يسأمون مثلَ هذه الإعادة والتكرار وإنما سيتمتعون بها - إن شاء الله.
10- وقد سبق أن وضع كاتب هذه السطور مقالات و رسائل في بيان مذهب علماء ديوبند وذوقهم الديني؛ ولكننا كنا قد احتجنا فيها إلى الإيجاز في هذا الموضوع ؛ لكونها لم يُقْصد منها أصلاً بيانُ مذهب علماء ديوبند، وإنما تعرضنا له من خلال الحديث عن موضوعات أخرى؛ فلم نتحدث عن مذهبهم إلا بالقدر الذي اقتضته تلك الموضوعات ولم يتسع المجال للتفصيل.
وصدرت المقالة الأولى في الموضوع عام 1350هـ تحت عنوان mتقرير عن دارالعلوم التي مضى عليها 67 عاماًl . وكان موضوعها بيان إنجازات دارالعلوم ديوبند عبر 67 عاماً من حياتها، وتحدثنا فيها عن المذهب بشكل فرعي، واكتفينا بإشارة مجملة إليه؛ حيث لم يكن الموضوع هو الحديث عنه.
وصدرت المقالة الثانية عام 1375هـ بعنوان mتاريخ دارالعلومl وكان غرضها هو الحديث عن المنهج العام لدار العلوم وأحوالها السنوية، وكان محتوياً على تعريف موجز بها ، وتعرضنا فيها عبر صفحات عن مذهب علماء ديوبند، ولكننا لم نتعرض لأي تفصيل في هذ الصدد.
والمقالة الثالثة صدرت عام 1396هـ كمقدمة لـ mتأريخ دار العلومl وكان موضوعها أيضا تأريخ دار العلوم، والحديث عن مؤلفه ، والتقريظ اللائق بالكتاب، ولم يكن الموضوع هو بيان المذهب ؛ ولكنه جاء ذكره بمناسبة الحديث عن تأريخ دارالعلوم ؛ ولكنه اكتفينا هنا بالحيثية التأريخية للمذهب، أي إن هذا المذهب من تلَقَّاه من علماء ديوبند و متى تلَقَّوه وما هو مبدؤه و مبتدؤه، وكم مرحلة تاريخية قد مضت عليه، و ما هي الصور التي أخذها لدى الظهور، ولم نتعرض في هذه المقدمة أيضا عن جميع تفاصيل المذهب؛ حيث لم يكن ذلك موضوعها ، ورغم ذلك تم فيها تسليط ضوء كاشف عليه يكفي لفهم المذهب.
والمقالة الرابعة كنا قد وضعناها عام 1383هـ حول موضوع مذهب دارالعلوم ديوبند؛ ولكنها لم تصدر، وقد تعرضنا فيها للمذهب رأساً ، فتحدثنا فيها عن نوعيته وعناصره و مظاهره العلمية، مما كان يلقى ضوءاً على نوعية المذهب ، وسقنا في شأنه أمثلة نوعية، ولكننا لم نتعرض فيها أيضا لذكر الدلائل ومصادرها الشرعية، ولشهادة السلف الصالحين باعتدال المذهب وتوسطه ؛ لأنه لم يكن هناك داع لكتابة تلك الدلائل والتفصيلات آنئذ، وإن كان مؤلف تاريخ دارالعلوم ديوبند (السيد محبوب رضوي) المتوفى (1399هـ / 1979م) قد جعل كثيرًا من محتويات المقالة جزءاً من التأريخ بإذن منا وبألفاظنا ، فهذه المقالة وإن كانت لم تصدر مستقلاً؛ ولكنها صدرت ضمن الجزء الأول من mتاريخ دارالعلوم، ديوبندl.
والآن لما ظهرت تساؤلات عن ذوق علماء ديوبند الديني ومزاجهم المذهبي ، أشرنا إليها من قبل، رأينا الحاجة ماسة إلى إتمام معاني هذه المقالة وأن تُجْمَع من أجل وجود الدواعي وهي التساؤلات المشار إليها الدلائل والشواهد التي كانت تنقص تلك المقالة وأن يُعَضَّد كل جزء من البحث ببراهين من الكتاب والسنة وآثار السلف. وبذلك كله فقد حولناها موضوعاً مستقلاً و نقدمه في صورة كتاب مستقل عام 1400هـ ، وهي المقالة الخامسة في هذا الموضوع، وهي صورة متكاملة لحد ما لعلماء ديوبند و اتجاههم الديني ومزاجهم المذهبي.
فالمقالات الأربع السابقة تشكل متناً وهذه المقالة أو الرسالة تشكل شرحاً لها؛ ولكنه بما أن تلك المقالات تتضمن صوراً أخرى للمذهب، فإن تناولها قارىءٌ دراسةً ولاسيما مقدمة تاريخ دارالعلوم وصفحات أخرى من التأريخ يتصدرها عنوان mمذهب دارالعلومl فإنه يكون قد استوعب هذا المذهب والذوق دراسةً ، وتجلت له كل ناحية من نواحيهما كالمرآة.
ولا بد أن نصرح بأن هذه السطور بما أنها وُضِعَتْ لبيان المذهب والذوق الديني الذي هو قضية علمية تماماً مشتملة على مباحث علمية ، فتخللتها كلمات اصطلاحية وتعبيرات علمية و عبارات فنية، ثم إن العبارات المصوغة في الأردية هي الأخرى ليست أردية سلسة كالأردية التي تُتَدَاوَل اليوم؛ فالمرجومن القراء ألا يبحثوا فيها عن الحلاوة الأدبية والصبغة الإنشائية ، على أن لغتي هي الأخرى لغة التلميذ، ولستُ أديباً في الأردية ولا أتمتع بالكفاءة الإنشائية؛ فالملتمس من القراء أن يضعوا نصب أعينهم المعاني والأهداف فقط، وسيفهمونها إن شاء الله بهذه العبارة المتكسرة أيضا، ومهما خلت العبارة من mالأدبيةl فإنها لا يشوبها سوء الأدب في موضع ما.
وبعد هذه الأمور الموطئة نرجو القراء أن يدرسوا أولاً مذهب أهل السنة والجماعة ، الذي سيجدون طيه ذوق علماء ديوبند الديني ومزاجهم الإسلامي متبلوراً، وبالله التوفيق.
مذهب أهل السنة والجماعة ، تحليل عناصره ومكانته الشرعية :
ولإدراك الذوق المذهبي لأهل السنة والجماعة ، الذوق الذي عُجِنَتْ طينته بغاية الاعتدال والتوازن، يكفي أن نمعن النظر في لقبهم المذهبي : Mأهل السنة والجماعةl لأن النظر فيه يجلي مرتكزاته بشكل تلقائي كما يُبَلْوِرُ نوعيته الاتزانية والشمولية.
واللقب مركب من الكلمتين : السنة والجماعة، ومجموعتُهما هي التي تُشَكِّلُ مذهبهم الذي لا يتكوّن من إحداهما. والسنة تشير إلى القانون والدستور والطريق والهداية والصراط المستقيم الذي أُمِرَتِ الأمة باتباعه: Pهَذَا صِرَاطِيْ مُسْتَقِيْمًا فَاتَّبِعُوْهُ وَ لاَ تَتَّبِعُوْا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيْلِهِq (الأنعام/153.)
والجماعة ترمز إلى هداة الطريق: الذوات القدسية والشخصيات المقدسة ذوي الصدق والصفاء، الذين في هدايتهم وصحبتهم وتربيتهم أُمِرْنَا أن نسلك الصراط المستقيم و ننتهج سبيل التقوى ونعيها.
Pيَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا اتَّقُوْا اللهَ وَ كُوْنُوْا مَعَ الصَّادِقِيْنَq (التوبة / 119)
مما يوضح أن الأصول والقوانين في هذا المذهب في معزل عن الذوات وأن الذوات في غنى عن الأصول والقوانين غير موثوق بها؛ حيث إن القوانين إنما انتقلت إليها عن طريق هؤلاء الذوات وإن هؤلاء الذوات إنما عُرِفَتْ و كَسَبَتِ الاعتبارَ عن طريق هذه القوانين.
والسبب الواضح في الجمع بين عنصري المذهب الأساسيين: القانون والشخصية في تعليم الدين والقانون السماوي، أن الحقائق المعنوية إنما تُوْجدُ منطويةً على تعبيراتها الخاصة ومعجونةً بها، فلو حدث تغير ما في التعبير لتغيرت هذه الحقائق من داخلها، وتبدلت بغيرها تماماً، ويتلاشى ما كان المتكلم قد أراده من ورائها. ولذلك فإنه فيما يتعلق بالقوانين الوضعية هي الأخرى تناقش مجالسُ التشريع لدى وضعها جملةً جملةً منها لأسابيع، حتى تتوصل إلى كلمات مرضية لديها. وهذه الكلمات هي التي يكمن فيها غرض القانون الذي تتم تسوية قضايا الدول والأمم في ضوئه ؛ فكأن الحكومات أيضاً إنما تدار بألفاظ القانون و تغيراتها. ولو وُجِدَتْ ثغرة ما في ألفاظ القانون أو حصل تغير ما، فإن سياسة العالم تنقلب ظهراً لبطن و تحدث ثورات كبيرة.
كلمات القانون تحمل أهمية مثل معانيها:
ومن الواضح أنه إذا كان عماد المعاملات العاجلة في الدنيا الباقية لأيام محدودة ، وعماد قضاياها و مرافعاتها هو تعبيرات القانون وصياغته اللفظية ، فإن شؤون الآخرة الأبدية أهم بكثير و أخطر من شؤون الدنيا الفانية. إن هذه الكلمات الإلهية للقانون الأخروي، وتعبيراته الغيبية واصطلاحاته الدينية، لئن لم تنزل من السماء أو لم تبق محفوظة أو تسرب إليها تغير، فإن هذه الحقائق هي الأخرى التي كانت مودعة تلك الألفاظَ، لا تبقى محفوظة ، مما يجعل جهاز الهداية والنجاة في الآخرة يختلّ بدوره. ولذلك اختار الله عز وجل في كل عصر أن يُنْزِل قانونه في تعبيراته و تعبيرات رُسُله وألفاظهم ، و أقام تعالى نظاماً دقيقاً للحفاظ عليها حتى تبقى الحقائق المطلوبة بألفاظها، وحتى يبقى عرض هذه الألفاظ هو وسيلة لاستحضار الحقائق وتذكرها كلما طرأ عليها نسيان أو خطأ.
ومن الواضح أنه لئن لم تكن قد نزلت التعبيرات اللفظية لكتاب الله عز وجل ، فإن فهم محتويات قانونه ومضامينه وبقاءها وتذكرها من جديد لدى النسيان، لم تكن إلى ذلك سبيلٌ ، على حين إن كثيراً من المعاني والأغراض إنما تُسْتَنْبَطُ من نص الكلام الإلهي، وكثيراً منها تتضح من دلالة أسلوبه، وإشارته، بينما تتجلى كثيرٌ منها من مقتضيات نصه. ولم تكن لتتجلّى هذه المعاني والأغراض لئن لم تُوْجَدْ تعبيراته البليغة. وجملة القول: إن هذه المدلولات لا يمكن أن تتضح لئن لم توجد التعبيرات الإلهية تلك بأسلوبها.
كان القرآن الكريم آخر الكتب السماوية، وأنزله الله ليبقى ليوم الساعة؛ فأنزل الله تعالي تعبيراته اللفظية هي الأخرى من عنده، وتولى هو حفظها. ولم يتم الاكتفاء بذلك وإنما تولى الله عز وجل بجانب إعطاء الضمان بحفظ القرآن، الاهتمامَ بكتابة بيانه وحفظه أعنى الأحاديث النبوية الشريفة. بل كان الاهتمام بها أكثر لكونها شرحاً عملياً وعلمياً لمعاني القرآن ومراداته، وكونه تفسيراً أوليًّا لها أثبَت في الأذهان و رَسَّخ فيها مفهومات القانون القرآني ومراداته الحقيقية؛ فتم حفظها مثل القرآن أولاً في الصدور ثم تم تدوينها في السطور؛ حيث لم يكن ممكناً بدونها فهم المرادات الربانية؛ فلم يكن الاكتفاء بإنزال تلك الألفاظ والتعبيرات فقط ، وإنما كان الاهتمام باتخاذ تدابير بصيانتها الكتابية وتدوينها و قراءتها، حتى تكون هذه التعليقات والمذاكرات والقانون المدون ذريعةً للحفظ والتذكّر لدى الذهول والغفلة. ومن ثم كانت العناية إثر نزول الألفاظ بكتابتها بشكل دقيق؛ حيث كانت صيانة المعاني متوقفة على صيانة الألفاظ، وقد كان السبيل الوحيد إلى ذلك هو الكتابة والتقييد، وقديماً جاء المثل قائلاً؛ mالعلم صيد والكتابة قيدl.
وبعد فإن هذا بيان لمسلك (مذهب) أهل الحق و الإتقان، وشرح لمشرب أهل الصدق والإيقان، وإيضاح لذوق أهل المحبة والعرفان، فنسأل الله التوفيق والسداد والعدل والاقتصاد، وبه الثقة وعليه الاعتماد.
ما هي الديوبندية؟
اتجاه علماء ديوبند الديني و مزاجهم المذهبي أو منهجهم الفكري و جهة نظرهم و مشربهم وذوقهم ، شيء ظل معروفاً لدى العامة والخاصة؛ حيث ظلوا يُرَبّون عليه المسلمين منذ أكثر من قرن. وكانت دعوتهم شاملة وعالمية عمّت الشرق والغرب؛ ولكنهم لم يعتمدوا في نشرها على الدعايات والإعلانات والنشرات: وسائل الإعلام المعروفة المتبعة، وإنما اعتمدوا في ذلك ولا يزالون- على الدرس والتدريس، والتعليم والتربية، والدعوة والتوجيه ، والإصلاح و تزكية الظاهر والباطن. إن هدفهم الوحيد هو إبقاء الأمة في ضوء الكتاب والسنة على ذلك المزاج الذي أنشأه النبيs بصحبته و تربيته في الصحابة ، والصحابةُ في التابعين، والتابعون فيمن بعدهم من الأجيال المتلاحقة على اختلاف الأمكنة و مرور الأزمنة.
لكن التحرر الفكر والانطلاق العقلي في هذا العصر، قد أنشأ مدارس فكرية شتى، وظهرت دعوات متنوعة بل متضاربة، وبدأت كل جماعة تدعو الناس باسم الإسلام إلى توجّهاتها و مزاياها؛ الأمر الذي أدى طبيعياً إلى حدوث بلبلة فكرية و تقلقل نفسي لدى الجمهور ، ونشأ عن ذلك أن مذهب علماء ديوبند و مشربهم اللذين كانا لديهم مُتَوَارَثَيْنِ من السلف ومعروفَين و ممتازين، عادا لحد ما مشتبهاً فيهما لدى العامة، وصارت بعضُ الأوساط تتساءل:
ما هي mالديوبنديةl؟ وأن جماعة ديوبند أهي فرقة حديثة من فيض الساعة، أم أن لها سنداً من السلف، وأنها من أهل السنة والجماعة أم أنها شيء آخر؛ وإن كانت من أهل السنة والجماعة فما هي مركزها بين الحشد من المدعين بالانتماء إلى أهل السنة الأحناف، وما هو الخط الفاصل بينها وبينهم، وما هي النقطة المميزة في معتقداتها، التي تضع فرقاً واضحاً بينها جماعة ديوبند وبين من يختلف عنها. وما إلى ذلك من التساؤلات التي عادت تطفح اليوم.
ولذلك كله شعرتُ بالحاجة إلى تدوين اتحاههم الديني ومزاجهم المذهبي لحد مستطاع، ولهذا الغرض أقدمت على كتابة السطور الآتية. وإنها ليست قائمة كاملة بمعتقدات علماء ديوبند، كما أنها ليست دراسة للمسائل الفرعية الجزئية المتصلة بمذهبهم ، وإنما هدفتُ منها إلى الدلالة على المبادئ والكليات لمزاجهم الديني وذوقهم المذهبي، تلك التي تحتل مكانة الروح في عقائدهم و توجهاتهم العملية، التي تضع خطاً فاصلاً بينهم وبين من يخالفهم.
أمور أساسيّة :
وقبل أن ندخل في صميم الموضوع، يجب أن نضع في الاعتبار أموراً أساسيّة توطئ للتوصل إلى الغرض و لفهمه ولإدراك مبادئه الأساسية.
1- الأمر الأول أن المراد من علماء ديوبند في هذه المقالة ، ليست فقط تلك الجماعة التي تقيم في الجامعة الإسلامية دارالعلوم / ديوبند وتقوم فيها بخدمة التدريس والتعليم أو الإفتاء والقضاء، أو التبليغ والوعظ، أو التأليف والكتابة، وما إلى ذلك؛ وإنما المراد منهم جميع العلماء الذين ينبع فكرهم من فكر الشيخ مجدّد الألف الثاني أحمد بن عبد الأحد السرهندي المتوفى 1034هـ / 1624م فمن فكر الإمام الشاه ولي الله أحمد بن عبد الرحيم المتوفى 1176هـ / 1762م و يتصل بفكر مؤسس جامعة دارالعلوم ديوبند. الإمام محمد قاسم النانوتوي المتوفى 1297هـ / 1880م والشيخ الفقيه رشيد أحمد الكنكوهي المتوفى 1323هـ / 1905م والشيخ محمد يعقوب النانوتوي المتوفي 1302هـ / 1884م. وسواء كانوا من خريجي جامعة دارالعلوم ديوبند، أم من خريجي جامعة mمظاهر علومl بسهارنفور، أم خريجي mالجامعة القاسميةl و mالمدرسة الإمداديةl و mحياة العلومl و mجامعة الهدىl بمدينة mمراد آبادl أم خريجي مدرسة الجامع بأمروهه، أم خريجي mالمدرسة الأمينيةl بدهلي و mمدرسة عبد الربl و مدرسة جامع فتحبوريl و mمدرسة كاشف العلومl في منطقة mنظام الدينl بدهلي ، أم خريجي مدرسة mمفتاح العلومl بمدينة mجلال آبادl أم خريجي مدسة mنور الإسلامl و مدرسة mدارالعلومl و mالمدرسة الإمداديةl بمدينة mميروتl ، أم علماء مدارس mمئوl أم علماء mالجامعة الرحمانيةl بمدينة mمونجيرl أم علماء مدارس بيهار, أم علماء mالجامعة الأشرفيةl و mالمدرسة الحسينيّةl بمدينة mرانديرl أم علماء مدارس ولاية mغوجراتl أم علماء مدارس ولايتي mبنغالl و mآسامl أو مئات العلماء في الولايات والمديريات الهندية.
وسواء كانوا مشتغلين بالتعليم أوعمل من الأعمال المدنية والسياسية والاجتماعية، أو كانوا منتشرين في العالم يقومون بالدعوة والتبليغ، أو كانوا منصرفين إلى التأليف؛ وسواء كانوا في أوروبا و آسيا وإفريقيا و أمريكا؛ كل هؤلاء يندمجون في mعلماء ديوبندl وكلهم علماء ديوبند في الواقع.
2- انتماء علماء ديوبند إلى مدينة ديوبند، أو إسماؤهم بــ mجماعة ديوبندl ونسبتهم mالديوبنديةl أو mالقاسميةl ليست نسبة وطنيّة أو قوميّة أو طائفيّة, و إنما هي نسبة تعليمية عُرِفَتْ بمكان التعليم: Mديوبندl أو شخصية محور الرواية : الإمام محمد قاسم النانوتوي، مما يؤكد ويبين انتماء الجماعة التعليمي وثقة روايتها ودرايتها الفكرية ؛ ولذلك فهي ليست عنوان فرقة أو طائفة أو حزب؛ فلا يجوز أن يُفْهَمَ هذا الانتماء إلا في هذا الإطار، وأن يُوضعَ في الاعتبار أن جماعة ديوبند هي جماعة المشتغلين بالتدريس والتربية والتوعية والتزكية والدعوة والتبليغ، كما يُعْرَفُ خريج جامعة mعلي كرهl بــ mعليكl و خريج mالجامعة الملّية الإسلاميةl بدهلي بــ mجامعيl وخريج mمظاهر علومl بسهارنفور بــ mمظاهريl وخريج ندوة العلماء بلكناؤ بــ mندويl وخريج مدرسة الإصلاح بــ mإصلاحيl وخريج الباقيات الصالحات بــ mباقويl. وكل هؤلاء ليسوا أحزابًا أو فرقاً أو طوائف، وكلذلك فـ mالديوبنديl -أو mالقاسميl لا يشف عن الطائفية أو الحزبية.
3- إن علماء ديوبند بالنسبة إلى اتجاههم الديني ومزاجهم المذهبي من أهل السنة والجماعة تماماً ، وليسوا فرقة جديدة أو جماعة حديثة تحمل معتقدات من نوع جديد، أدت الظروف الراهنة إلى نشوئها . إن جماعة ديوبند هذه سعدت باتخاذ كل ما كانت تستطيعه للحفاظ على عقائد أهل السنة والجماعة ومبادئها وأصولها في داخل الهند وخارجها، ولقّنتها الجماهيرَ، مما ساعد على بقاء أهل السنة والجماعة بهويتها الصحيحة؛ وقد جعل مؤسسوا جامعة ديوبند هذه المهمة بصبغتها الأصلية علامةً عالميةً عن طريق تلاميذهم و أتباعهم المُرَبَّينِ لديهم مباشرة أو غير مباشرة.
4- وبما أن فضائل أهل السنة والجماعة ومزاياهم مستقاة من النصوص الشرعية كما ستعرفون من خلال السطور الآتية وبما أن علماء ديوبند انتهجوا طريقهم بشكل كامل؛ فانعكست عليهم أنوارهم ، فثبت لهم من خلال تطبيق صفات أهل السنة والجماعة عليهم، من الفضيلة والمزية ما هو خاص بأهل السنة والجماعة ، وما جاء ذكره في الحديث عنهم؛ ولكن إثبات هذه الفضيلة لجماعة ديوبند إنما جاء كبيان للواقع للواقع؛ لأن اتجاهها الديني ومزاجها المذهبيّ لم يكن ليتضح بدون ذلك؛ ولذلك فلا يجوز أن يوضع ذلك في إطار الفخر والمباهاة أو العصبية الجماعية، ولا يجوز الظن بأن mالمثني على الشمس راح يثني على نفسهl كما يقول المثل الفارسي؛ فإنما صنعنا ذلك كحديث عن النعمة، وإيضاح للحقيقة ، ولم يكن الغرض هو التفاخر والتعصب أوالإعجاب بالذات.
5- وما عرضناه في هذه المقالة إنما جاء في إطار الأصول، وتحدثنا عن القضية بشكل موضوعي، وكميزان فقط ، يمكن أن نزن به أنفسنا نحن و يمكن أن نزن به الجماعات الأخرى أنفسها؛ لكي يستطيع كل منا أن يحاسب نفسه و يقيّمها تقييماً صحيحاً، ولم نضع في الاعتبار في حديثنا هذا شخصية بعينها أو جماعة بعينها أو فرقة بعينها. وما اعترض حديثّنا من كلمة سلبية أو شبه سلبية، فإنما جاء لتحقيق الجانب الإيجابي وإبانته، ولم يجئ للنيل من أحد. على كل فهذه المقالة إنما وُضِعَتْ كميزان مبدئي، فمن وزن به نفسه فجاءت كاملة غير منقوصة، لكان ذلك مكسباً لنا جميعاً يجدر بنا أن نشكر عليه، وإن لم تجئ كاملة، يجب أن تُبْذَلَ المحاولات للإكمال، ومن ثم فلا يجوز أن يُحْسَبَ هذا الحديثُ ضد جماعة أو فرقة، أو إساءةً إليها ؛ لأن ضمير الكاتب خالٍ عن ذلك، وكفى بالله شهيداً.
6- وفي مبادئ التربية والإعداد النفسي التي تحدثنا عنها في هذا الكتاب ركّزنا على التعليم والتدريس الذي قام به السلف باعتباره الآلة الوحيدة لتربية القلب والعقل. وقد صرح الأنبياء عليهم السلام وعلى رأسهم سيدنا خاتم الأنبيياء s بأن الغرض من بعثتهم هو تعليم الدين وتكميل مكارم الأخلاق، واعتبر القرآن الكريم mالتدريسl لازماً للعلماء الربانيين لكي يكونوا pرَبانيينq في قوله pوَبَمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُوْنَq (آل عمران/79). ولذلك على هذه الناحية ركّزنا في هذه المقالة تركيزاً أكثر؛ ولكن المقالة إذا كانت تتبنى mالتدريسl فإنها لا تتبنى mالمدرسةl ؛ فلو وُجِدَ هناك شخص تلقّى التعليم والتربية بدون مدرسة، على mطريقة التدريس المنزليةl على شيخ في الأسرة، أو على عالم رباني، وبالشروط التي ذكرناها في هذه الرسالة، وتخرّج عالماً ضليعاً ثقة، فإنه سيُعَدُّ ثقة وإن لم يتعلم في mمدرسةl.
ولكنه بما أن أداء هذه الفريضة إنما يتم في هذه الأيام عن طريق المدارس الدينية؛ حيث خلت البيوتات من النظام التعليمي المتبع لديها في الماضي في الأغلب ؛ فعاد mالتدريسl و mالمدرسةl شيئًا واحداً؛ وبالتالي أصبح أمراً طبيعياً ومألوفاً أن يقال بلزوم المدارس الدينية وأن يُعَدُّ تعليمها وتدريسها مِحَكًّا لتقييم الشخصيات.
7- وكما أن الإسلام هو أعدل الأديان في العالم بالقياس إلى روايته ودرايته وأصوله و فروعه؛ وكما أن الشريعة الإسلامية هي أعدل الشرائع بين شرائع الأديان بالنسبة إلى مسائلها الأصولية والفروعية ؛ كذلك مذهب أهل السنة والجماعة بالنسبة إلى أساسه أعدل المذاهب بين المذاهب الشرعيةالإسلامية ، وأتباع هذه المذاهب سواء كانوا أحنافاً أو شوافع أومالكيين أوحنابلة، على اختلاف أصول تفقههم من أهل السنة والجماعة؛ حيث يمتازون بعدم الغلو والمبالغة، واللاإفراط واللاتفريط، ولا يوجد فيهم تشدد أو تقصير، وإنما يوجد فيهم كمال العدل والاعتدال، ويتصلون في أصولهم وفروعهم وكلياتهم وجزئياتهم بالكتاب والسنة، ويصح أن يوصفوا بــ mأمة وسطl وهم يشكلون حجة فيما بين جميع المذاهب.
Pوَجَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَّسَطًا لِّتَكُوْنُوْا شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَ يَكُوْنَ الرَّسُوْلُ عَلَيْكُمْ شَهِيْدًاq (البقرة/ 143)
8- وستشتمل هذه السطور على ثلاثة أجزاء :
أ- الشرح الأساسي لمذهب أهل السنة والجماعة وذوقهم و مشربهم و مزاجهم الديني، و تحليل العناصر التي يتألف منها، وذلك في ضوء الكتاب والسنة.
ب- تطبيق مذهب علماء ديوبند على المذهب المذكور والتدليل والتفصيل لكونهم جزءاً أصيلاً من أهل السنة والجماعة.
ج- تقديم أمثلة نوعية على ذلك.
9- ومن أجل القيام بعملية التطبيق والتوفيق قد يشعر القراء بالتكرار في محتويات الرسالة؛ لأننا قد احتجنا في بيان التوافق إلى إعادة الأمور التي كنا قد ذكرناها كمبادئ وأصول لدى الحديث عن مذهب أهل السنة والجماعة؛ حيث سقناها في الحديث عن اتجاه علماء ديوبند الديني كنتيجة ؛ وذلك لأن عملية التطبيق والمقارنة لم تكن لتتم بدون ذلك، وبما أن العناوين ستختلف في الإعادة مهما كانت المعاني واحدة، فلا تبدو الإعادة إعادة وإنما تبدو معنى جديداً لا يثقل علىالذهن، وإنما يفيض بطرافة وجدة. ومثل ذلك مثل المحدثين الذين يسوقون حديثاً واحداً مرات عديدة في أبواب شتى، ويستنبطون منه أحكاماً شتى؛ لكونه مشتملاً حقاً على نواحٍ عديدة تليق بأبواب شتى ؛ فيتحدثون عن كل ناحية في الباب المخصص لها، مما يُحْوِجُهم إلى ذكر الحديث مرتين أو ثلاث مرات أو أكثر ؛ ولكن تغيّر ترجمة الباب وعنوان المسألة يجعل القارئ لا يشعر بالتكرار ؛ لأن ذلك يصبح إذاً معنى جديداً. ونفس الصورة حدثت في هذه المقالة؛ فالمرجو من العلماء أنهم سوف لا يسأمون مثلَ هذه الإعادة والتكرار وإنما سيتمتعون بها - إن شاء الله.
10- وقد سبق أن وضع كاتب هذه السطور مقالات و رسائل في بيان مذهب علماء ديوبند وذوقهم الديني؛ ولكننا كنا قد احتجنا فيها إلى الإيجاز في هذا الموضوع ؛ لكونها لم يُقْصد منها أصلاً بيانُ مذهب علماء ديوبند، وإنما تعرضنا له من خلال الحديث عن موضوعات أخرى؛ فلم نتحدث عن مذهبهم إلا بالقدر الذي اقتضته تلك الموضوعات ولم يتسع المجال للتفصيل.
وصدرت المقالة الأولى في الموضوع عام 1350هـ تحت عنوان mتقرير عن دارالعلوم التي مضى عليها 67 عاماًl . وكان موضوعها بيان إنجازات دارالعلوم ديوبند عبر 67 عاماً من حياتها، وتحدثنا فيها عن المذهب بشكل فرعي، واكتفينا بإشارة مجملة إليه؛ حيث لم يكن الموضوع هو الحديث عنه.
وصدرت المقالة الثانية عام 1375هـ بعنوان mتاريخ دارالعلومl وكان غرضها هو الحديث عن المنهج العام لدار العلوم وأحوالها السنوية، وكان محتوياً على تعريف موجز بها ، وتعرضنا فيها عبر صفحات عن مذهب علماء ديوبند، ولكننا لم نتعرض لأي تفصيل في هذ الصدد.
والمقالة الثالثة صدرت عام 1396هـ كمقدمة لـ mتأريخ دار العلومl وكان موضوعها أيضا تأريخ دار العلوم، والحديث عن مؤلفه ، والتقريظ اللائق بالكتاب، ولم يكن الموضوع هو بيان المذهب ؛ ولكنه جاء ذكره بمناسبة الحديث عن تأريخ دارالعلوم ؛ ولكنه اكتفينا هنا بالحيثية التأريخية للمذهب، أي إن هذا المذهب من تلَقَّاه من علماء ديوبند و متى تلَقَّوه وما هو مبدؤه و مبتدؤه، وكم مرحلة تاريخية قد مضت عليه، و ما هي الصور التي أخذها لدى الظهور، ولم نتعرض في هذه المقدمة أيضا عن جميع تفاصيل المذهب؛ حيث لم يكن ذلك موضوعها ، ورغم ذلك تم فيها تسليط ضوء كاشف عليه يكفي لفهم المذهب.
والمقالة الرابعة كنا قد وضعناها عام 1383هـ حول موضوع مذهب دارالعلوم ديوبند؛ ولكنها لم تصدر، وقد تعرضنا فيها للمذهب رأساً ، فتحدثنا فيها عن نوعيته وعناصره و مظاهره العلمية، مما كان يلقى ضوءاً على نوعية المذهب ، وسقنا في شأنه أمثلة نوعية، ولكننا لم نتعرض فيها أيضا لذكر الدلائل ومصادرها الشرعية، ولشهادة السلف الصالحين باعتدال المذهب وتوسطه ؛ لأنه لم يكن هناك داع لكتابة تلك الدلائل والتفصيلات آنئذ، وإن كان مؤلف تاريخ دارالعلوم ديوبند (السيد محبوب رضوي) المتوفى (1399هـ / 1979م) قد جعل كثيرًا من محتويات المقالة جزءاً من التأريخ بإذن منا وبألفاظنا ، فهذه المقالة وإن كانت لم تصدر مستقلاً؛ ولكنها صدرت ضمن الجزء الأول من mتاريخ دارالعلوم، ديوبندl.
والآن لما ظهرت تساؤلات عن ذوق علماء ديوبند الديني ومزاجهم المذهبي ، أشرنا إليها من قبل، رأينا الحاجة ماسة إلى إتمام معاني هذه المقالة وأن تُجْمَع من أجل وجود الدواعي وهي التساؤلات المشار إليها الدلائل والشواهد التي كانت تنقص تلك المقالة وأن يُعَضَّد كل جزء من البحث ببراهين من الكتاب والسنة وآثار السلف. وبذلك كله فقد حولناها موضوعاً مستقلاً و نقدمه في صورة كتاب مستقل عام 1400هـ ، وهي المقالة الخامسة في هذا الموضوع، وهي صورة متكاملة لحد ما لعلماء ديوبند و اتجاههم الديني ومزاجهم المذهبي.
فالمقالات الأربع السابقة تشكل متناً وهذه المقالة أو الرسالة تشكل شرحاً لها؛ ولكنه بما أن تلك المقالات تتضمن صوراً أخرى للمذهب، فإن تناولها قارىءٌ دراسةً ولاسيما مقدمة تاريخ دارالعلوم وصفحات أخرى من التأريخ يتصدرها عنوان mمذهب دارالعلومl فإنه يكون قد استوعب هذا المذهب والذوق دراسةً ، وتجلت له كل ناحية من نواحيهما كالمرآة.
ولا بد أن نصرح بأن هذه السطور بما أنها وُضِعَتْ لبيان المذهب والذوق الديني الذي هو قضية علمية تماماً مشتملة على مباحث علمية ، فتخللتها كلمات اصطلاحية وتعبيرات علمية و عبارات فنية، ثم إن العبارات المصوغة في الأردية هي الأخرى ليست أردية سلسة كالأردية التي تُتَدَاوَل اليوم؛ فالمرجومن القراء ألا يبحثوا فيها عن الحلاوة الأدبية والصبغة الإنشائية ، على أن لغتي هي الأخرى لغة التلميذ، ولستُ أديباً في الأردية ولا أتمتع بالكفاءة الإنشائية؛ فالملتمس من القراء أن يضعوا نصب أعينهم المعاني والأهداف فقط، وسيفهمونها إن شاء الله بهذه العبارة المتكسرة أيضا، ومهما خلت العبارة من mالأدبيةl فإنها لا يشوبها سوء الأدب في موضع ما.
وبعد هذه الأمور الموطئة نرجو القراء أن يدرسوا أولاً مذهب أهل السنة والجماعة ، الذي سيجدون طيه ذوق علماء ديوبند الديني ومزاجهم الإسلامي متبلوراً، وبالله التوفيق.
مذهب أهل السنة والجماعة ، تحليل عناصره ومكانته الشرعية :
ولإدراك الذوق المذهبي لأهل السنة والجماعة ، الذوق الذي عُجِنَتْ طينته بغاية الاعتدال والتوازن، يكفي أن نمعن النظر في لقبهم المذهبي : Mأهل السنة والجماعةl لأن النظر فيه يجلي مرتكزاته بشكل تلقائي كما يُبَلْوِرُ نوعيته الاتزانية والشمولية.
واللقب مركب من الكلمتين : السنة والجماعة، ومجموعتُهما هي التي تُشَكِّلُ مذهبهم الذي لا يتكوّن من إحداهما. والسنة تشير إلى القانون والدستور والطريق والهداية والصراط المستقيم الذي أُمِرَتِ الأمة باتباعه: Pهَذَا صِرَاطِيْ مُسْتَقِيْمًا فَاتَّبِعُوْهُ وَ لاَ تَتَّبِعُوْا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيْلِهِq (الأنعام/153.)
والجماعة ترمز إلى هداة الطريق: الذوات القدسية والشخصيات المقدسة ذوي الصدق والصفاء، الذين في هدايتهم وصحبتهم وتربيتهم أُمِرْنَا أن نسلك الصراط المستقيم و ننتهج سبيل التقوى ونعيها.
Pيَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا اتَّقُوْا اللهَ وَ كُوْنُوْا مَعَ الصَّادِقِيْنَq (التوبة / 119)
مما يوضح أن الأصول والقوانين في هذا المذهب في معزل عن الذوات وأن الذوات في غنى عن الأصول والقوانين غير موثوق بها؛ حيث إن القوانين إنما انتقلت إليها عن طريق هؤلاء الذوات وإن هؤلاء الذوات إنما عُرِفَتْ و كَسَبَتِ الاعتبارَ عن طريق هذه القوانين.
والسبب الواضح في الجمع بين عنصري المذهب الأساسيين: القانون والشخصية في تعليم الدين والقانون السماوي، أن الحقائق المعنوية إنما تُوْجدُ منطويةً على تعبيراتها الخاصة ومعجونةً بها، فلو حدث تغير ما في التعبير لتغيرت هذه الحقائق من داخلها، وتبدلت بغيرها تماماً، ويتلاشى ما كان المتكلم قد أراده من ورائها. ولذلك فإنه فيما يتعلق بالقوانين الوضعية هي الأخرى تناقش مجالسُ التشريع لدى وضعها جملةً جملةً منها لأسابيع، حتى تتوصل إلى كلمات مرضية لديها. وهذه الكلمات هي التي يكمن فيها غرض القانون الذي تتم تسوية قضايا الدول والأمم في ضوئه ؛ فكأن الحكومات أيضاً إنما تدار بألفاظ القانون و تغيراتها. ولو وُجِدَتْ ثغرة ما في ألفاظ القانون أو حصل تغير ما، فإن سياسة العالم تنقلب ظهراً لبطن و تحدث ثورات كبيرة.
كلمات القانون تحمل أهمية مثل معانيها:
ومن الواضح أنه إذا كان عماد المعاملات العاجلة في الدنيا الباقية لأيام محدودة ، وعماد قضاياها و مرافعاتها هو تعبيرات القانون وصياغته اللفظية ، فإن شؤون الآخرة الأبدية أهم بكثير و أخطر من شؤون الدنيا الفانية. إن هذه الكلمات الإلهية للقانون الأخروي، وتعبيراته الغيبية واصطلاحاته الدينية، لئن لم تنزل من السماء أو لم تبق محفوظة أو تسرب إليها تغير، فإن هذه الحقائق هي الأخرى التي كانت مودعة تلك الألفاظَ، لا تبقى محفوظة ، مما يجعل جهاز الهداية والنجاة في الآخرة يختلّ بدوره. ولذلك اختار الله عز وجل في كل عصر أن يُنْزِل قانونه في تعبيراته و تعبيرات رُسُله وألفاظهم ، و أقام تعالى نظاماً دقيقاً للحفاظ عليها حتى تبقى الحقائق المطلوبة بألفاظها، وحتى يبقى عرض هذه الألفاظ هو وسيلة لاستحضار الحقائق وتذكرها كلما طرأ عليها نسيان أو خطأ.
ومن الواضح أنه لئن لم تكن قد نزلت التعبيرات اللفظية لكتاب الله عز وجل ، فإن فهم محتويات قانونه ومضامينه وبقاءها وتذكرها من جديد لدى النسيان، لم تكن إلى ذلك سبيلٌ ، على حين إن كثيراً من المعاني والأغراض إنما تُسْتَنْبَطُ من نص الكلام الإلهي، وكثيراً منها تتضح من دلالة أسلوبه، وإشارته، بينما تتجلى كثيرٌ منها من مقتضيات نصه. ولم تكن لتتجلّى هذه المعاني والأغراض لئن لم تُوْجَدْ تعبيراته البليغة. وجملة القول: إن هذه المدلولات لا يمكن أن تتضح لئن لم توجد التعبيرات الإلهية تلك بأسلوبها.
كان القرآن الكريم آخر الكتب السماوية، وأنزله الله ليبقى ليوم الساعة؛ فأنزل الله تعالي تعبيراته اللفظية هي الأخرى من عنده، وتولى هو حفظها. ولم يتم الاكتفاء بذلك وإنما تولى الله عز وجل بجانب إعطاء الضمان بحفظ القرآن، الاهتمامَ بكتابة بيانه وحفظه أعنى الأحاديث النبوية الشريفة. بل كان الاهتمام بها أكثر لكونها شرحاً عملياً وعلمياً لمعاني القرآن ومراداته، وكونه تفسيراً أوليًّا لها أثبَت في الأذهان و رَسَّخ فيها مفهومات القانون القرآني ومراداته الحقيقية؛ فتم حفظها مثل القرآن أولاً في الصدور ثم تم تدوينها في السطور؛ حيث لم يكن ممكناً بدونها فهم المرادات الربانية؛ فلم يكن الاكتفاء بإنزال تلك الألفاظ والتعبيرات فقط ، وإنما كان الاهتمام باتخاذ تدابير بصيانتها الكتابية وتدوينها و قراءتها، حتى تكون هذه التعليقات والمذاكرات والقانون المدون ذريعةً للحفظ والتذكّر لدى الذهول والغفلة. ومن ثم كانت العناية إثر نزول الألفاظ بكتابتها بشكل دقيق؛ حيث كانت صيانة المعاني متوقفة على صيانة الألفاظ، وقد كان السبيل الوحيد إلى ذلك هو الكتابة والتقييد، وقديماً جاء المثل قائلاً؛ mالعلم صيد والكتابة قيدl.
تعليق