لم يكن أبو حنيفة مُرجئاً كما اتَّهمه المعتزلة
تهمة تدَّعيها فئة (غير واعية) على أبى حنيفة : فيقولون : " أبو حنيفة كان من المرجئة "
يريدون بذلك : أن أبا حنيفة يقول : بأن :
"الإيمان هو: التصديق بالقلب / والإقرار باللسان /، و أن العمل ليس جزءاً من الإيمان"
والحقيقة :
أن المرجئة يقولون :
1) "الإيمان هو تصديق القلب" فقط ، ولم يجعلوا الإقرار شرطاً للإيمان ،
2) ولم يجعلوا العمل إكمالاً له ، فقالوا : "لا تضر مع الإيمان معصية"
و أبو حنيفة لم يقل بالأولى ولا بالثانية :
1) فأما الأولى :
فلقد قال أبو حنيفة : "التصديق بالقلب / والإقرار باللسان / : كلاهما ركن"
ودليله على ركنية الإقرار بقول اللسان :
a. قوله تعالى : " ولما يدخل الإيمان فى قلوبكم" هو دليل على أنه يكون باللسان أيضاً حتى يُتصور دخوله فى قلوبهم.
b. قوله تعالى : " يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين "
c. قوله تعالى : " قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا ..."
d. قوله تعالى : " وألزمهم كلمة التقوى"
e. قوله تعالى : " وهدوا إلى الطيب من القول"
f. قوله تعالى : " بالقول الثابت فى الحياة الدنيا.."
فلم يكن الفلاح بمجرد المعرفة بدون القول. وحقق ذلك قوله تعالى : "وجحدوا بها (أى الشهادة) واستيقنتها أنفسهم (وهى المعرفة) ظلماً وعلواً"
كل هذا قاله أبو حنيفة فى لقائه مع جهم بن صفوان، فهل يعقل أن يقال بعد هذا أن أبا حنيفة كان مرجئاً جَهْميّاً؟
2) وأما الثانية :
فلقد خالف فيها أبو حنيفة المرجئة أيضاً
حيث قال المرجئة : بظاهر فهمهم للحديث : " من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله : دخل الجنة " ومن هنا قالوا : لا حاجة إلى العمل ، وأنه لا يضر مع الإيمان ذنب.
لكن أبا حنيفة قال : العمل غير داخلٍ فى حقيقة الإيمان ، بل هو تبعٌ منه ، وبفوت التبع لا ينتقص ذات الشىء. وأعطى لذلك مثالاً ، قائلاً : كفوت القرن من الشاة. (أى أن الشاة التى بدون قرن لايمكن أن تحرم من إسمها ويطلق عليها إسم مخلوق آخر. فهى مازالت شاة، مع قلة قيمتها بسبب فقدها للقرن، وكذلك المؤمن الذى بلا عمل، ما زال مؤمناً لكن فقد نور الإيمان وبهاءه لفقده للعمل ، ويحاسب على ذلك ، لكن لا يخرج من الإيمان إلا إذا جحد ما أدخله فيه )
فلا يعد أبو حنيفة بذلك ناكراً لأن يكون العمل مكمِّلاً للإيمان ، ولا يعد بأن يكون بذلك مؤيداً للمرجئة بأنهم أنكروا تأثير العمل وأن العبد يدخل الجنة بدون العمل مطلقاً.
فلقد صح عندنا ما رواه عبادة بن الصامت قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من شهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمداً عبده ورسوله ، وأن عيسى عبد الله ورسوله ، وابن أمته ، وكلمته ألقاها إلى مريم ، وروح منه ، والجنة حق ، والنار حق : أدخله الله الجنة على ما كان من العمل ".
كل ما هنالك أن أبا حنيفة يقول : العمل قيمة مضافةٌ للإيمان وقيمة مصدِّقةٌ للإيمان، ومع كونها تمثل نور الإيمان وبهاءه ولا غنى للإنسان عن العمل فى ميزان حسناته إلا أن العمل ليس جزءاً من الإيمان،
والدليل على ذلك :
1) الحديث: الإيمان ما وقر فى القلب (فهو إذاً عمل القلب لا الجوارح) وصدَّقه (أى برهنه وحقق مصداقيته) العمل
2) الآية : "ولما يدخل الإيمان فى قلوبكم". والآية :" أولئك كتب فى قلوبهم الإيمان". فالإيمان إذاً محله القلب / ( ودليله اللسان وبهاؤه العمل)
3) قد ورد فى الكتاب والسنة : عطف الأعمال على الإيمان . مثل قوله تعالى : " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلاً "
والعطف يقتضى (أى يتطلب) المغايرة ويقتضى أيضاً عدم دخول المعطوف فى المعطوف عليه
4) قد ورد فى الكتاب : أن الإيمان شرط لصحة الأعمال. كما فى قوله تعالى : " ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ... "
فالمشروط لا يدخل فى الشرط : وذلك : لامتناع اشتراط الشىء لنفسه
5) ساوى الشارع الحكيم بين إيمان ( أى تصديق وإقرار ) الرسول صلى الله عليه وسلم وإيمان المؤمنين مع الفارق الهائل بين الأعمال . حيث قال تعالى : " آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كلً آمن بالله وملائكته ... " ولم يذكر العمل بمقدار فرض أو مستحب
6) أن الإيمان لغةً : هو التصديق : عمل القلب ، ولا يمنع أن يقال : دليله اللسان وبهاؤه العمل لكن لا يعقل أهل اللغة أن يقال أن تصديق الخبر يحتوى عملاً
7) أنه ورد إثبات الإيمان فى حق من ترك العمل الصالح والتحق به تقصير وذنب ، حيث قال تعالى : " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا .. فإن بغت إحداهما ... " فلو كان العمل ركناً فى حقيقة الإيمان لما تحقق الإيمان بفوات ركنه ولما استحقوا أن يوصفوا بكلمة مؤمنين
فلا يبعد أن يكون إطلاق هذا اللقب ( أنه مرجىء ) على أبى حنيفة آتياً من المعتزلة ، إذ كانوا يلقبون كل من خالفهم فى مسألة القدر : " مرجئاً " وكذا من خالفهم من أهل السنة والجماعة فى حكم مرتكب الكبيرة.
فإن قيل : أشبه أبو حنيفة المرجئة فى قولهم : بأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص
قلنا :
المعروف أن الإيمان فى اللغة ( كما قلنا ) هو التصديق . قال تعالى : " وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين ". والتصديق لا يزيد ولا ينقص وإلا صار شكاً ، ولا يلبث أن يبقى مسماه : تصديقاً. فثبت بذلك أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص.
إلا أن المرجئة يعنون بمنع الزيادة والنقصان : أنه لا يزداد بالطاعة ولا ينقص بالمعصية / لأنه لا حاجة للعمل عندهم على ما ذكرنا
وأما نحن ( الحنفية ) فنقول : هو يزداد وينقص على المجاز (لا على حقيقة ما يقتضيه اللفظ كما ذكرنا ) فيزداد بالبعد عن خطر الزوال أو قربه منه. كما فى قوله تعالى : " وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً " ، فنقول : يزيد نوره وبهاؤه ( بالعمل الصالح ) فيبعد عن خطر الزوال. لا أن الإيمان يجامع إحتمال النقيض ، وهو الذى يصدِّق قول الله تعالى : " قال أو لو تؤمن قال بلى، ولكن ليطمئن قلبى "
والله تعالى هو الموفق،،
hossamuddin@hotmail.com
facebook.com/hossamuddin Hamdi
linkedin.com/hossam hamdi
تهمة تدَّعيها فئة (غير واعية) على أبى حنيفة : فيقولون : " أبو حنيفة كان من المرجئة "
يريدون بذلك : أن أبا حنيفة يقول : بأن :
"الإيمان هو: التصديق بالقلب / والإقرار باللسان /، و أن العمل ليس جزءاً من الإيمان"
والحقيقة :
أن المرجئة يقولون :
1) "الإيمان هو تصديق القلب" فقط ، ولم يجعلوا الإقرار شرطاً للإيمان ،
2) ولم يجعلوا العمل إكمالاً له ، فقالوا : "لا تضر مع الإيمان معصية"
و أبو حنيفة لم يقل بالأولى ولا بالثانية :
1) فأما الأولى :
فلقد قال أبو حنيفة : "التصديق بالقلب / والإقرار باللسان / : كلاهما ركن"
ودليله على ركنية الإقرار بقول اللسان :
a. قوله تعالى : " ولما يدخل الإيمان فى قلوبكم" هو دليل على أنه يكون باللسان أيضاً حتى يُتصور دخوله فى قلوبهم.
b. قوله تعالى : " يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين "
c. قوله تعالى : " قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا ..."
d. قوله تعالى : " وألزمهم كلمة التقوى"
e. قوله تعالى : " وهدوا إلى الطيب من القول"
f. قوله تعالى : " بالقول الثابت فى الحياة الدنيا.."
فلم يكن الفلاح بمجرد المعرفة بدون القول. وحقق ذلك قوله تعالى : "وجحدوا بها (أى الشهادة) واستيقنتها أنفسهم (وهى المعرفة) ظلماً وعلواً"
كل هذا قاله أبو حنيفة فى لقائه مع جهم بن صفوان، فهل يعقل أن يقال بعد هذا أن أبا حنيفة كان مرجئاً جَهْميّاً؟
2) وأما الثانية :
فلقد خالف فيها أبو حنيفة المرجئة أيضاً
حيث قال المرجئة : بظاهر فهمهم للحديث : " من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله : دخل الجنة " ومن هنا قالوا : لا حاجة إلى العمل ، وأنه لا يضر مع الإيمان ذنب.
لكن أبا حنيفة قال : العمل غير داخلٍ فى حقيقة الإيمان ، بل هو تبعٌ منه ، وبفوت التبع لا ينتقص ذات الشىء. وأعطى لذلك مثالاً ، قائلاً : كفوت القرن من الشاة. (أى أن الشاة التى بدون قرن لايمكن أن تحرم من إسمها ويطلق عليها إسم مخلوق آخر. فهى مازالت شاة، مع قلة قيمتها بسبب فقدها للقرن، وكذلك المؤمن الذى بلا عمل، ما زال مؤمناً لكن فقد نور الإيمان وبهاءه لفقده للعمل ، ويحاسب على ذلك ، لكن لا يخرج من الإيمان إلا إذا جحد ما أدخله فيه )
فلا يعد أبو حنيفة بذلك ناكراً لأن يكون العمل مكمِّلاً للإيمان ، ولا يعد بأن يكون بذلك مؤيداً للمرجئة بأنهم أنكروا تأثير العمل وأن العبد يدخل الجنة بدون العمل مطلقاً.
فلقد صح عندنا ما رواه عبادة بن الصامت قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من شهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمداً عبده ورسوله ، وأن عيسى عبد الله ورسوله ، وابن أمته ، وكلمته ألقاها إلى مريم ، وروح منه ، والجنة حق ، والنار حق : أدخله الله الجنة على ما كان من العمل ".
كل ما هنالك أن أبا حنيفة يقول : العمل قيمة مضافةٌ للإيمان وقيمة مصدِّقةٌ للإيمان، ومع كونها تمثل نور الإيمان وبهاءه ولا غنى للإنسان عن العمل فى ميزان حسناته إلا أن العمل ليس جزءاً من الإيمان،
والدليل على ذلك :
1) الحديث: الإيمان ما وقر فى القلب (فهو إذاً عمل القلب لا الجوارح) وصدَّقه (أى برهنه وحقق مصداقيته) العمل
2) الآية : "ولما يدخل الإيمان فى قلوبكم". والآية :" أولئك كتب فى قلوبهم الإيمان". فالإيمان إذاً محله القلب / ( ودليله اللسان وبهاؤه العمل)
3) قد ورد فى الكتاب والسنة : عطف الأعمال على الإيمان . مثل قوله تعالى : " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلاً "
والعطف يقتضى (أى يتطلب) المغايرة ويقتضى أيضاً عدم دخول المعطوف فى المعطوف عليه
4) قد ورد فى الكتاب : أن الإيمان شرط لصحة الأعمال. كما فى قوله تعالى : " ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ... "
فالمشروط لا يدخل فى الشرط : وذلك : لامتناع اشتراط الشىء لنفسه
5) ساوى الشارع الحكيم بين إيمان ( أى تصديق وإقرار ) الرسول صلى الله عليه وسلم وإيمان المؤمنين مع الفارق الهائل بين الأعمال . حيث قال تعالى : " آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كلً آمن بالله وملائكته ... " ولم يذكر العمل بمقدار فرض أو مستحب
6) أن الإيمان لغةً : هو التصديق : عمل القلب ، ولا يمنع أن يقال : دليله اللسان وبهاؤه العمل لكن لا يعقل أهل اللغة أن يقال أن تصديق الخبر يحتوى عملاً
7) أنه ورد إثبات الإيمان فى حق من ترك العمل الصالح والتحق به تقصير وذنب ، حيث قال تعالى : " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا .. فإن بغت إحداهما ... " فلو كان العمل ركناً فى حقيقة الإيمان لما تحقق الإيمان بفوات ركنه ولما استحقوا أن يوصفوا بكلمة مؤمنين
فلا يبعد أن يكون إطلاق هذا اللقب ( أنه مرجىء ) على أبى حنيفة آتياً من المعتزلة ، إذ كانوا يلقبون كل من خالفهم فى مسألة القدر : " مرجئاً " وكذا من خالفهم من أهل السنة والجماعة فى حكم مرتكب الكبيرة.
فإن قيل : أشبه أبو حنيفة المرجئة فى قولهم : بأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص
قلنا :
المعروف أن الإيمان فى اللغة ( كما قلنا ) هو التصديق . قال تعالى : " وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين ". والتصديق لا يزيد ولا ينقص وإلا صار شكاً ، ولا يلبث أن يبقى مسماه : تصديقاً. فثبت بذلك أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص.
إلا أن المرجئة يعنون بمنع الزيادة والنقصان : أنه لا يزداد بالطاعة ولا ينقص بالمعصية / لأنه لا حاجة للعمل عندهم على ما ذكرنا
وأما نحن ( الحنفية ) فنقول : هو يزداد وينقص على المجاز (لا على حقيقة ما يقتضيه اللفظ كما ذكرنا ) فيزداد بالبعد عن خطر الزوال أو قربه منه. كما فى قوله تعالى : " وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً " ، فنقول : يزيد نوره وبهاؤه ( بالعمل الصالح ) فيبعد عن خطر الزوال. لا أن الإيمان يجامع إحتمال النقيض ، وهو الذى يصدِّق قول الله تعالى : " قال أو لو تؤمن قال بلى، ولكن ليطمئن قلبى "
والله تعالى هو الموفق،،
hossamuddin@hotmail.com
facebook.com/hossamuddin Hamdi
linkedin.com/hossam hamdi
تعليق