بيان ظاهر الرواية وما يتعلق بها، وتحديد المقصود بكتبها.

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • لؤي الخليلي الحنفي
    مشرف منتدى الفقه الإسلامي وأصوله
    • Jun 2004
    • 2544

    #1

    بيان ظاهر الرواية وما يتعلق بها، وتحديد المقصود بكتبها.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الكريم
    وبعد:
    فهذا بحث لطيف بينت فيه مفهوم ظاهر الرواية، وحققت الخلاف في كتبها والمقصود منها، وبينت بالأدلة أنَّ كتاب السِّير الصغير ليس كتابًا مستقلاً عن كتب ظاهر الرواية كما ذكر ابن عابدين -رحمه الله-، وتابعه فيه من جاء بعده، ووضحت أن كتاب الكافي للحاكم الشهيد هو اختصار لكتاب الأصل، وليس اختصارًا لكتب ظاهر الرواية كما ذكر ابن عابدين، وعرفت تعريفًا موجزًا بكتب ظاهر الرواية.
    وهذا البحث هو جزء من رسالتي، وأعرضت عن ذكر الهوامش التي فيها توثيق ما ذكرت، مع زيادة فوائد وضعتها فيها؛ إلى حين طباعة الرسالة كاملة قريبًا إن شاء الله.


    المبحث الثاني
    بيان المراد بظـاهر الروايـة، وما يتعلق بها.
    وفيـه ثلاثـة مطالـب:
    المطلـب الأول: مفهوم ظاهر الرواية، وتحديد كتبها.
    وفيه فـرعـان:

    الفـرع الاول: مفهـوم ظاهـر الروايـة.
    ويقال لها أيضًا: (ظاهر المذهب) و(مسائل الأصول) : وهي المسائل المروية عن أصحاب المذهب، وهم: أبو حنيفة وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن ويقال لهم العلماء الثلاثة- ويُلحق بهم زفر بن الهذيل، والحسن بن زياد وغيرهما ممن أخذ عن الإمام، ولكن الغالب الشائع أنْ يكون قول الثلاثة، أو قول بعضهم.
    وسُمّيت بظاهر الرواية؛ لأنَّها رويت عن محمد برواية الثقات، فهي ثابتة عنه، إما متواترة أو مشهورة عنه.

    الفـرع الثانـي: الخلاف في تحديد كتب ظاهر الرواية وتحقيق ذلك:
    المتتبع لكتب الحنفية يجد خلافًا بين علماء المذهب في تحديد كتب ظاهر الرواية، التي اشتملت على مسائل ظاهر الرواية، وفي تقديري أنَّ منشأ الخلاف راجع لأحد الأسباب الآتية:
    1. نقلُ بعضهم عن بعض دون تحقق أو رجوع للمأخذ الأصلي، وهذا ما عبّر عنه ابن عابدين -رحمه الله- بقوله: (وقد يتفق نقلُ قولٍ في نحو عشرين كتابًا من كتب المتأخرين، ويكون القول خطأٌ أخطأ به أولُ واضع له، فيأتي مَنْ بَعده وينقله عنه، وهكذا ينقل بعضهم عن بعض..الخ) . وهذا الخطأ قد يكون سبق قلم، أو اشتباه حكم بآخر، ونحوه، وهو لا يحطّ من قدرهم في شيء، ولا يلزم منه عدم الثقة بمؤلفاتهم، إذ كلّ مُعرض لمثله، وأبى الله العصمة إلا لكتابه.
    ومثاله: إنَّ من جاء بعد ابن عابدين رحمه الله تابَعهُ في قوله: إنَّ كتب ظاهر الرواية ستة، وهو تابعَ من قَبلَه، ولم يتحقق من ذلك على غير عادته في التحقيق والتدقيق، فقد تتبعته في جميع مواطن عزوه عن الأصل في حاشيته (ردّ المحتار)، فكان النقل عن الأصل بالعزو عن كتاب آخر، وهذا يرجّح أنَّ ابن عابدين -رحمه الله- لم يَطلع على كتاب الأصل. والله أعلم.
    2. عدم الاطلاع على بعض كتب ظاهر الرواية، أو الاطلاع على جزء من الكتاب دون بقيته- ككتاب الأصل لمحمد بن الحسن-؛ لعدم تمكنه من الحصول عليه لندرته، أو فقدانه في عصره، ويترتب عليه قصور في الحكم، إذ إنَّ الحكم فرع عن تصوره.
    3. اشتهار قول دون قول، سيَّما أنَّ هذا القول صدر من أعلام لهم وزنهم في المذهب، كاشتهار أنَّ كتب ظاهر الرواية أربعة عند الفقهاء المتقدمين نسبيًّا في المذهب، واشتهار قول من قال: إنَّها ستة كتب عند عامة المتأخرين.

    واختلفت أقوال علماء المذهب في تحديد كتب ظاهر الرواية إلى أربعة أقوال :
    القول الأول:
    كتب ظاهر الرواية ثلاثة وهي: "المبسوط" و "الزيادات" و "المحيط".
    وهذا القول نقله الإمام اللكنوي في مقدمة شرحه على الهداية، وهو قول بعيد عن الصَّواب، وقد ردَّ عليه الإمام اللكنوي في موضعه .

    القول الثاني: كتب ظاهر الرواية أربعة، وجرى الخلاف بينهم في تحديد هذه الكتب الأربعة على قولين:
    الأول: قالوا: المرادُ بـ "ظاهر الرواية" عند الفقهاء روايةُ "الجامعين" و"المبسوط" و"الزيادات". ويعبَّر عنها بـ "ظاهر الرواية"، والمرادُ "بغير ظاهر الرواية" روايةُ غيرها، وهو ممَّا تطابقت
    عليه كلمة الفقهاء.
    وهو قول الإتقاني ، والبابرتـي ، وقاضي زاده ، والشِّـلْبي نقلًا عن الإتقاني، ونقله أيضًا طاشكبري زاده .

    الثاني: من لم يعد "السِّير الصغير" و "الزيادات" من كتب ظاهر الرواية. وهو قول الإمام الجرجاني ، والتهانوي .
    ولا يخفى ضعف هذا القول، حيث إنَّ كتاب الزيادات يعدُّ من الكتب المشهورة في المذهب، ولم أقف في حدود علمي على من عدّ الزيادات من كتب غير ظاهر الرواية، سوى الإمام الجرجاني والتهانوي. وممَّا يستدلُّ به على ضعف هذا القول:
    * قولُ الإمام البابرتي -رحمه الله- في شرحه على الهداية عند قول صاحب الهداية: -"ولا بدّ من الجرح في ظاهر الرواية ليتحقق الذكاة الاضطراري، وهو الجرح في أي موضع كان من البدن"-: (وقوله: "في ظاهر الرواية" يريد رواية الزيادات فإنَّه قال: لو قتلَ الكلبُ أو البازي الصيدَ من غير جرح لم يحلّ، وأشار في الأصل إلى أنَّه يحلّ، والفتوى على ظاهر الرواية) . فالإمام البابرتي رحمه الله- يقرر أنَّ رواية الزيادات من ظاهر الرواية، وهو موافق لما عليه الجمهور بأنَّ الزيادات من كتب ظاهر الرواية.
    * ما ذكرهُ الإمام الكوثري رحمه الله في معرض حديثه عن كتب محمد بن الحسن ومصنفاته: (وهما أي الزيادات وزيادة الزيادات- من الكتب المرويَّة عنه بطريق الشهرة، وغلط من ذكرهما في عداد النوادر) .
    وعلَّق الشيخ أبو الوفا الأفغاني على قول الإمام الكوثري بقوله: (ويؤيد هذا القول شروح الأئمة لها، لأنَّهم لم يشرحوا النوادر؛ لأنَّهم ليس لهم علم بدلائل النوادر وأصولها) .
    أمّا عدم عدّ كتاب (السِّير الصغير) ككتاب مستقل من كتب ظاهر الرواية فقول وجيه، وعليه أدلته، وهذا ما سأبيّنه في القول الرابع.
    وإن كان لا بُدَّ من فَرَحٍ
    فليكن خفيفاً على القلب والخاصرةْ
    فلا يُلْدَغُ المُؤْمنُ المتمرِّنُ
    من فَرَحٍ ... مَرَّتَينْ!
  • لؤي الخليلي الحنفي
    مشرف منتدى الفقه الإسلامي وأصوله
    • Jun 2004
    • 2544

    #2
    القول الثالث: إنَّ كتب ظاهر الرواية خمسة وهي: "الأصل"، و "الجامعان" ، و "الزيادات"، و "السِّير الكبير". ولم يعد السِّير الصغير منها؛ لأنَّه جزء من الأصل لا كتاب مستقل.
    وهو قول: ابن كمال باشا ، وطاشكبري زاده ، وابن الحنائي ، وتقي الدين التميمي ، وبيري زاده ، والحموي ، وصاحب المنثورة ، وعبد الولى بن عبد الله المغربي الدمياطي .
    ويلحق بهم أيضًا قول الإمام الكفوي، فقد عدَّ كتب ظاهر الرواية خمسة، ولم يُفصِّل عند ذكره لكتاب "السِّير" بين "الصغير" و "الكبير"، وإنما اكتفى بقوله: السِّير .
    ونقل صاحب خزانة الروايات عن المضمرات قوله: (إنَّ جميع الكتب التي هي ظاهر الرواية خمسة: الجامع الصغير، والجامع الكبير، والمبسوط، والزيادات، والسِّير الكبير) .

    القول الرابع: إنَّ كتب ظاهر الرواية ستة وهي: "الأصل، ويقال له المبسوط" و "السِّير الصغير" و "الجامع الصَّغير" و "الجامع الكبير" و "الزيادات" و "السِّير الكبير".

    وهو قول: ابن نجيم ، وابن الحنائي ، والطحطاوي ، وابن عابدين ، واللكنوي .
    وتبعهم في ذلك كثير من المعاصرين مثل: المطيعي ، وأبو زهرة ، والمجددي ، والقاسمي ، والشيخ محمد تقي العثماني ، والدكتور محمد محروس المدرس ، وغيرهم كثير . وهو القول المشهور عند عامة المتأخرين، وقد نظمه ابن عابدين -رحمه الله- بقوله:

    وكتبُ ظاهرِ الروايةِ أتَتْ
    ستًا وبالأصولِ أيضًا سُمّيَتْ

    صََنَّـفَها مُحمدٌ الشَّيباني
    حرَّرَ فيـها المذهبَ النُّعماني

    الجامـعُ الصغيرُ والكبيرُ
    والسِّـيرُ الكبيرُ والصغيرُ

    ثمَ الزياداتُ معَ المبسوطِ
    تَواترتْ بالسَّندِ المَضبوطِ



    والذي أميل إليه وأراه صحيحًا هو القول الثالث الذي عدَّ كتب ظاهر الرواية خمسة، ولم يعدَّ كتاب السير الصغير كتابًا مستقلاً من كتب ظاهر الرواية؛ كونه جزءًا من كتاب الأصل، والذي سيأتي تحقيقه في المطلب التالي.



    المطلـب الثانـي: كتاب "السِّير الصَّغير" ليس كتابًا مستقلاً من كتب ظاهر الرواية :

    بداية لا بدَّ من الإشارة إلى أنَّ كتاب "السِّير" طُبع مستقلًا مرتين، المرة الأولى: طبعه الدكتور مجيد خدوري باسم "كتاب السير والخراج والعشر من كتاب الأصل المعروف بالمبسوط" ، والمرة الثانية: طبعه الدكتور محمود أحمد غازي باسم "كتاب السير الصغير" .
    (جرى ذكر "السِّير الصغير" على ألسنة المتأخرين بأنَّه أحد "الكتب الستة" التي تسمَّى في المذهب بـ"كتب ظاهر الرواية"، والحقّ أنَّه أحد كتب "الأصل" «المبسوط» للإمام محمد بن الحسن، التي صارت فيما بعدُ بمنزلة أبواب الكتاب، وليس كتابًا مستقلًا خارج "الأصل".
    ويدلُّ على ذلك أمران:
    الأول: نقلُ الإمام القدوري في "شرحه على مختصر الكرخي" عن كتاب "السِّير الصَّغير" للإمام محمد بن الحسن، وعند مقارنة ما جاء في "كتاب السِّير" الموجود في "الأصل" -تحقيق مجيد خدوري - نجد تطابقًا تامًا بين عباراته وبين ما ينقله القدوري من كتاب "السِّير الصغير"، ممَّا يدلُّ على أنَّ كتاب "السِّير الصغير" هو نفس كتاب "السير" في "الأصل"، وليس هو كتابًا خارجًا عنه حتى يعدّ بين كتب ظاهر الرواية ككتاب مستقل. وإنَّما سمِّيَ فيما بعدُ بـ"السِّير الصغير"؛ بعد أنْ ألَّف الإمام محمد كتابه "السِّير الكبير"؛ تمييزًا له عن "كتاب السِّير" الموجود في "الأصل"، وذلك لتفاوت حجم الكتابين.
    الثاني: إنَّ الحاكم الشهيد رحمه الله- سمَّى قسـم "السِّير" من كتابه "الكافي" بـ"كتاب السِّير
    الصغير"، وكتاب "الكافي" هو مختصر كتاب "الأصل" للإمام محمد بن الحسن .
    إذًا فأصلُ "كتاب السِّير الصَّغير" في "الكافي" هو "كتاب السير" من "الأصل"، ولكنَّ الحاكم اختصره كعادته في اختصار كتب "الأصل"، ويُعلم ذلك أيضًا بالمقارنة بين الكتابين، وإنّما سمَّى الحاكم هذا القسم من المختصر بـ"السير الصغير"؛ تسميةً له باسم أصله).
    وإن كان لا بُدَّ من فَرَحٍ
    فليكن خفيفاً على القلب والخاصرةْ
    فلا يُلْدَغُ المُؤْمنُ المتمرِّنُ
    من فَرَحٍ ... مَرَّتَينْ!

    تعليق

    • لؤي الخليلي الحنفي
      مشرف منتدى الفقه الإسلامي وأصوله
      • Jun 2004
      • 2544

      #3
      تنبيه: (فصلَ الأستاذ محمود أحمد غازي "كتاب السير الصغير" من "الكافي" للحاكم الشهيد، ونشره باسم "كتاب السير الصغير للإمام محمد"؛ ظانّا أنَّ الحاكم ضمَّن "كتاب السير الصغير" للإمام محمد بكامله في "الكافي"، مغترًّا بما جاء في بعض نسخ "الكافي"، و"مبسوط السرخسي" من تسمية هذا الكتاب: بـ"كتاب السير الصغير" ، وقد علمت أنَّه ليس "كتاب السِّير الصغير" نفسه للإمام محمد بن الحسن ، بل مختصره للحاكم، يرحمه اللّه.
      والكتاب الذي طبعه مجيد خدوري باسم "كتاب السير والخراج والعُشْر من كتاب الأصل المعروف بالمبسوط"، قِسمُ "السِّير" منه ليس إلا "كتاب السير الصغير" للإمام محمد بن الحسن، لكن لم ينتبه إليه محققه فقال: (وممَّا يُؤسف له أن لا كتاب الشيباني "السِّير الصغير" ولا كتاب الأوزاعي "السِّير" وصل إلينا!) ، ظنًّا منه أنَّ "كتاب السِّير الصغير" كتاب مستقل غير "كتاب السِّير" في "الأصل"! وقد علمت ممَّا سبق أنَّه نفس "كتاب السِّير" في "الأصل").
      تنبيه: (بعدما عُلمَ جميع ذلك: ينبغي أنْ تُعدَّ "كتبُ ظاهر الرواية" خمسة، لا ستة؛ لأنَّ "كتاب السير الصغير" أحد أقسام "كتاب الأصل" للإمام محمد بن الحسن، وليس كتابًا مستقلًا كما عدَّه المتأخرون، فعدُّه سادس كتب ظاهر الرواية يكون خطأ صرفًا. ويـؤيـد ذلك:
      - ما نقله صاحب "كشف الظنون" عن "المنثورة": (الكتب التي هي ظاهر الرواية لمحمد خمسة: "الجامع الصغير" و"المبسوط" و"الجامع الكبير" و"الزيادات" و"السِّير الكبير"). ولم يَعُدَّ "السير الصغير" كتابًا سادسًا مستقلًّا من كتب ظاهر الرواية.
      - إنّ طاشْ كُپْرِي زاده لمَّا عَدّ كتب الإمام محمد بن الحسن الشيباني المعتبرة "ظاهر الرواية" لم يذكر "السِّير الصغير" في جملتها .
      - ما قاله صاحب "المحيط البرهاني" أثناء ذكر منهجه في كتابه: (جمعت مسائل "المبسوط"، و"الجامعين"، و"السير"، و"الزيادات"، وألحقت بها مسائل النوادر، والفتاوى، والواقعات..الخ) . ولم يذكر "السير الصغير" ككتاب مستقل عن "المبسوط" . ويؤيده ما نقلته في القول الثالث عن ابن كمال باشا، وصاحب المضمرات، وابن الحنائي، والتميمي، والحموي، والدمياطي، فليرجع إليه. وأيضًا: قول الإمام السرخسي في نهاية كتاب السِّير: (انتهى شرح السِّير الصغير المشتمل على معنى أثير، بإملاء المتكلم بالحق المنير، المحصور لأجله شبه الأسير...) .
      فالإمام السرخسي يصرح أنَّ كلامه هو شرح للسير الصغير الذي هو كتاب من كتب "الأصل".
      وأختم: إنَّ الحاكم الشهيد -رحمه الله- تصرَّف في عبارات الإمام محمد بن الحسن في كتابه "الكافي"، وأخلَّ بالمعنى فـي بعض المواطن في اختصاره للكتاب، وقام بحذف بعض الروايات،
      واختصر أخرى وتصرَّف في ألفاظها، ولم يميز بين أقوال الأئمة الثلاثة رحمهم الله- بل دمج بينها، وساق الأدلة والأقيسة مساقة واحدة "ح" . ويؤيـد هـذا:
      قول الإمام السرخسي رحمه الله-: (اعلم بأنَّ ما اختصره الحاكم من تصنيف محمد بن الحسن في الحيض قاصر مُبهم لا يتم المقصود به) .
      وقال أيضًا: (لم يفرد يقصد الحاكم- هذا الكتاب يقصد كتاب الرضاع- في مختصره) .
      وقد ذكر السرخسي رحمه الله- أنَّ الحاكم كان لا يرى كتاب الرضاع من تصنيفات الإمام محمد رحمه الله- واكتفى بما أورده محمد في كتاب النكاح، في حين أنَّ كتاب الرضاع من تصنيف محمد، وعلى هذا الأكثر، ومنهم الإمام السرخسي رحمه الله.
      وقد ساق ابن نجيم -رحمه الله- في آخر كتابه "الأشباه والنظائر" ، واللكنوي ، وحاجي خليفة في "كشف الظنون" حكاية استشهاد الحاكم الشهيد- رحمه الله - ، حين ابتلي بمحنة القتل بمرو
      والتي تشير إلى ما ذكرته .


      المطلـب الثالـث: تعريف موجز بكتب ظاهر الرواية :

      الكتـاب الأول: كتاب الأصـل "المبسوط": قال ابن نجيم رحمه الله: (سمِّيَ الأصل أصلًا؛ لأنَّه صُنف أولًا، ثم "الجامع الصغير"، ثم "الكبير"، ثم الزيادات) .
      (ألَّفه محمد بن الحسن- مفردًا، فأولًا ألف مسائل الصلاة وسمَّاه كتاب الصلاة، ومسائل البيوع وسمَّاه كتاب البيوع، وهكذا الأيمان والإكراه، ثم جمعت فصارت مبسوطًا، وهو المراد حيث ما وقع في الكتب: قال محمد في كتاب فلان "المبسوط" كذا) .
      وهو أكبر كتب ظاهر الرواية وأبسطها، بحر لا ساحل له، يذكر مسألة فيفرع عليها فروعًا كثيرة حتى يتعب المتعلم في ضبطها ويعجز عن وعيها ، والإمام الشافعي رحمه الله- حفظه، وألَّف الأم على محاكاة الأصل، وأسلم حكيم من أهل الكتاب بسبب مطالعة الأصل قائلًا: هذا كتاب محمدكم الأصغر فكيف كتاب محمدكم الأكبر .
      وقد تناول فيه محمد رحمه الله- معظم الأبواب الفقهية ، وغالب مسائل ظاهر الرواية موجودة فيه، وجميع النسخ المخطوطة الموجودة للكتاب في مكتبات العالم ينقصها كتابي "المناسك، وأدب القاضي" .
      والمطبوع من الكتاب لا يتجاوز الربع، وقد استدرك أبو الوفا الأفغاني كتاب المناسك في النسخة التي حققها من كتاب "الكافي" للحاكم الشهيد رحمه الله .
      اهتم فيه بذكر الاختلاف، فقال في مقدمته: (قد بيَّنتُ لكم قول أبي حنيفة وأبي يوسف وقولي، وما لم يكن فيه اختلاف فهو قولنا جميعا) .
      ويذكر فيه رأي زفر بن الهذيل، ويذكر رواية الحسن بن زياد عن أبي حنيفة رحمهم الله جميعًا.
      ويروي كتاب الأصل جماعة من أصحابه مثل أبي سليمان الجَوْزجاني ، ومحمد بن سماعة التميمي، وأبو حفص الكبير البخاري، وهو يحتوي على فروع تبلغ عشرات الألوف من المسائل في الحلال والحرام، لا يسع الناس جهلها.
      وطريقته في الكتاب: سرد الفروع على مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف، مع بيان رأيه في المسائل، ولا يسرد الأدلة حيث تكون الأحاديث الدالة على المسائل بمتناول جمهور الفقهاء من أهل طبقته، وإنَّما يسردها في مسائل ربما تغرب أدلتها عن علمهم .

      الكـتاب الثانـي: الجامـع الصغـير: وهـو ثاني كتب ظاهر الرواية صنفه الإمام محمد بعد كتاب "الأصل"، وما فيه هـو المعول عليه .
      اشتمل على ألف وخمسمائة واثنتين وثلاثين مسألة كما قاله الإمام البزدوي، وذكر الاختلاف في مائة وسبعين مسألة، ولم يذكر القياس والاستحسان إلا في مسألتين .
      وسَبَب تأليفه كما ذكر الإمام السرخسي في شرحه عليه: أنَّ محمدًا لما فرغَ من تصنيف الكتب طلب منه أبو يوسف أنْ يُؤلف كتابًا يَجمع فيه ما حفظ عنه مما رواه له عن أبي حنيفة، فجمع ثم عرضه عليه فقال: نعمَّا حفظ عني أبو عبدالله، إلا أنَّه أخطأ في ثلاث مسائل، فقال محمد: أنا ما أخطأت ولكنك نسيت الرواية، وذكر ابن نجيم في البحر: هي ست مسائل مذكورة في شرح الجامع الصغير، ثم ذكر بيانها نقلًا عن السراج الهندي في شرح المغني .
      أما وصفه بـ "الصغير" فلأنَّ: (كلّ تأليف لمحمد بن الحسن موصوف بالصغير فهو باتفاق الشيخين أبي يوسف ومحمد، بخلاف الكبير فإنَّه لم يُعرض على أبي يوسف) .
      وسمَّاه صغيرًا لصغر حجمه، وصنف بعده كتابًا مبسوطا سمَّاه الجامع الكبير ، وقيل: إنَّما سمَّاه صغيرًا؛ لأنَّه يصغر أعناق الرجال، فيكون هذا من التصغير لا الصغر .
      وقال ابن أمير الحاج: (إنَّ محمدًا قرأ أكثر الكتب على أبي يوسف إلا ما كان فيه اسم الكبير، فإنَّه من تصنيف محمد، كالمضاربة الكبير، والمزارعة الكبير، والمأذون الكبير، والجامع الكبير، والسير الكبير) .
      وقد جمع فيه الإمام محمد أربعين كتابًا من كتب الفقه، ولم يبوب الأبواب لكل كتاب منها كما بوَّب كتب المبسوط، ثم إنَّ القاضي الإمام أبا طاهر الدبَّاس بوّبه ورتبه؛ ليسهل على المتعلمين حفظه ودراسته .
      وجرى الإمام محمد فيه بإسناد المسائل بقوله: محمد عن يعقوب عن أبي حنيفة؛ حتى لا يكون وهمُ التسوية في التَّعظيم بين الشيخين؛ لأنَّ الكنية للتعظيم، وكان محمد مأموراً من أبي يوسف أنْ يذكره باسمه حيث يذكر أبا حنيفة .
      وذكر علي القمِّي: أنَّ أبا يوسف مع جلالة قدره كان لا يفارق هذا الكتاب في حضر ولا سفر، وكان علي الرازي يقول: من فهم هذا الكتاب فهو أفهم أصحابنا، ومن حفظه كان أحفظ أصحابنا، وإنَّ المتقدمين من مشايخنا كانوا لا يقلدون أحدًا القضاء حتى يمتحنوه، فإن حفظه قلدوه القضاء، وإلا أمروه بالحفظ.
      وكان شيخنا الحلواني يقول: إنَّ أكثرَ مسائله مذكورةٌ في «المبسوط»، وهذا لأنَّ مسائلَ هذا الكتاب تنقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم لا يوجد لها رواية إلا ههنا، وقسم يوجد ذكرها في الكتب، ولكن لم ينص فيها أنَّ الجوابَ قولُ أبي حنيفة أم غيرِه، وقد نصّ ههنا في جواب كلِّ فصل على قول أبي حنيفة، وقسم أعاده ههنا بلفظ آخر، واستفيد من تغيير اللفظ فائدة لم تكن مستفادة باللفظ المذكور في الكتب. ومراده بالقسم الثالث: ما ذكره أبو جعفر الهندواني في مصنف سمَّاه "كشف الغوامض" .
      وتظهر أهمية الجامع الصغير كونه من كتب ظاهر الرواية، وبتفرده عن الأصل ببعض المسائل، ويُرجَّح ما فيه على الأصل عند الاختلاف كونه صُنف بعده.
      وللجامع الصغير شروح كثيرة ما زالت مخطوطة ، وطبع منها إلى حين إعداد هذه الدراسة شرحان: شرح ابن مازه (الصدر الشهيد)، وشرح اللكنوي (النافع الكبير).
      وإن كان لا بُدَّ من فَرَحٍ
      فليكن خفيفاً على القلب والخاصرةْ
      فلا يُلْدَغُ المُؤْمنُ المتمرِّنُ
      من فَرَحٍ ... مَرَّتَينْ!

      تعليق

      • لؤي الخليلي الحنفي
        مشرف منتدى الفقه الإسلامي وأصوله
        • Jun 2004
        • 2544

        #4
        الكتـاب الثالـث: الجامع الكبير: صنفه محمد رحمه الله- بعد "الجامع الصغير"، وهو أهم مصنفاته وأعمقها وأدقها. وللجامع الكبير نسختان: (الأولى: صنفه أولًا ورواه عنه أصحابه أبو حفص الكبير، وأبو سليمان الجوزجاني، وهشام بن عبيدالله الرازي، ومحمد بن سماعة، وغيرهم؛ ثم نظر فيه ثانيًا، فزاد فيه أبوابًا ومسائل كثيرة، وحرَّر عباراته في كثير من المواضع حتى صار أكثر لفظًا، وأغزر معنىً؛ ورواه عنه أصحابه ثانيًا) .
        قال الإمام محمد بن شجاع الثلجي: (ما وضع في الإسلام كتاب في الفقه مثل جامع محمد بن الحسن الكبير). وقال: (مثل محمد بن الحسن في «الجامع الكبير» كرجل بني دارًا، فكان كلما علاها بنى مرقاة يرقى منها إلى ما علاه من الدار، حتى استتم بناءها كذلك، ثم نزل وهدم مراقيها ثم قال للناس: شأنكم فاصعدوا) .
        وقال الإمام الكوثري: (وهو كتاب جامع لجلائل المسائل، مشتمل على عيون الروايات ومتون الدرايات بحيث كاد أن يكون معجزًا كما يقول الأكمل في شرحه على تلخيص الخلاطي للجامع
        الكبير) .
        وقال الإمام أبو بكر الرازي في شرحه على الجامع الكبيركنت أقرأ بعض مسائل من الجامع الكبير على بعض المبرزين في النحو (يعني أبا علي الفارسي) فكان يتعجب من تغلغل واضع هذا الكتاب في النحو) .
        وقال الكوثري: (والحقّ أنَّ هذا الكتاب آية في الإبداع، ينطوي على دقة بالغة في التفريع على قواعد اللغة وأصول الحساب، خلا ما يحتوي عليه من المضي على دقائق أصول الشرع الأغر، فلعله ألّفه ليكون مِـحَكًّا لتُعرف نباهة الفقهاء وتيقظهم في وجوه التفريع، يحار العقل في فهم وجوه تفريعه في ذلك إلى أن تُشرح له، وهو كما قال ابن شجاع أولًا وآخرًا، إلا أنَّ مراقي الكتاب أعيدت إلى أبواب الكتاب، كما يظهر من شرحَي الجمال الحصيري على "الجامع الكبير"، حيث يقول في صدر كل باب من أبواب الكتاب: أصل الباب كذا، وبنى الباب على كذا، فبذلك سهُلت معرفة وجوه التفريع جدًا) .
        منهجه: لم يرتبه الترتيب الفقهي المعروف، ويبين فيه حكم المسألة مبديًا رأيه إلى جانب رأي شيخيه في كثير من مسائل الخلاف، ويذكر رأي زفر في بعض المسائل، دون إيراد للدليل .
        ولصعوبة مسائل الكتاب فقد شرحه كثير من العلماء، وقد استقصى حاجي خليفة كثيرًا من شروحه.

        الكتـاب الـرابع: الـزيادات: ألَّفه بعد الجامع الكبير استدراكًا لما فاته فيه من المسائل، ويقال في سبب تأليفه: أنَّ أبا يوسف فرَّع فروعًا دقيقة في أحد مجالس إملائه ثم قال: يشق تفريع هذه الفروع على محمد بن الحسن. ولمَّا بلغه ذلك ألَّف الزيادات لتكون حجة على أنَّ أمثال تلك الفروع وما هو أشق منها لا يشق عليه تفريعها .
        والراجح: أنَّ الزيادات إضافات للجامع الكبير، فإنَّ الإمام محمد رحمه الله- لمَّا فرغ من تأليف الجامع الكبير تذكر فروعًا أخر لم يذكرها فيه، فصنف كتابًا آخر ليذكر فيه تلك الفروع وسماه "الزيادات"، ثم تذكر فروعًا أخرى فصنف "زيادات الزيادات"، فقُطع عن ذلك ولم يتمَّه .

        وذكر الشيخ أبو الوفا الأفغاني هذا وقال بعده: (كذا ذكره قاضيخان في شرحه) .
        منهجه: يطابق منهجه في الجامع الكبير من حيث الإحكام والدقة والصعوبة؛ لانطوائه على فروع دقيقة وعلل خفية. ويذكر المسائل بعبارات جامعة دون ذكر للأدلة .
        قال الشيخ الكوثري في حق "الزيادات" و "زيادات الزيادات": (وتعدّان من أبدع كتبه، وقد عنى أهل العلم بشرحهما عناية كاملة) .
        وكتاب "الزيادات" مفقود للآن، وذكر فؤاد سزكين وبروكلمان أنَّ له نسخًا في مكتبات استانبول، ودار الكتب المصرية، ومكتبة ابن عابدين بدمشق، وبعد البحث والتحقق تبين أنَّ جميع هذه النسخ إما "منتخب شرح الزيادات" لصدر الدين سليمان بن وهب تلميذ الحصيري وأجل تلامذة قاضي خان، وإما من "شرح الزيادات" لقاضيخان .

        الكتـاب الخـامس: السِّـير الكبير: وهو آخر تصنيف صنفه محمد رحمه الله- في الفقه .
        قال الشيخ الكوثري: هو من أواخر مؤلفات محمد بن الحسن رحمه الله-، ألفه بعد أن انصرف أبو حفص الكبير إلى بخارى، فانحصرت روايته في البغداديين كالجوزجاني، وإسماعيل بن توبة القزويني.
        واحتفى الرشيد رحمه الله- بهذا الكتاب، وعدّه من مفاخر أيامه، وأسمعه ابنيه الأمين والمأمون، وكان مؤدب أبنائه إسماعيل بن توبة القزويني، فكان يحضر معهم ليحفظهم كالرقيب .
        قال الإمام السرخسي في سبب تأليفه: (وكان سببُ تأليفه، أنّ "السِيَر الصغير" وقع بِيَد عَبد الرحمن بن عَمْرو الأَوْزَاعيّ عالمِ أهل الشام، فقال: لِـمَنْ هذا الكتاب؟ فقيل: لِـمُحمد العِرَاقي.
        فقال: ما لِأَهْل العراق والتصنيفِ في هذا الباب، فإنَّه لا علمَ لهم بالسِّيَر، وَمَغَازِي رسولِ الله  وأصحابِه كانتْ من جَانِب الشَّام والحِجَاز دُوْن العِراق ، فإنَّها مُحْدَثَةٌ فَتْحًا. فبَلَغ ذلك محمدًا فَغَاظَه ذلك، وفرَّغ نفسَه حتى صَنَّف هذا الكتاب. فَحُكِي أنَّه لمَّا نظر فيه الأوْزَاعِيُّ ،قال: لَوْلَا ما ضمَّنه من الأحاديثِ لَقُلْتُ: إنَّه يَضع العلمَ من عند نفسه، وإنَّ الله تعالى عيَّن جهةَ إصابة الجواب في رأيه، صدق الله العظيم: ﴿ وفوق كل ذي علم عليم) .
        قال الإمام البيري رحمه الله-: (قال علماؤنا: إذا كانت الواقعة مختلفًا فيها فالأفضل والمختار للمجتهد أن يأخذ بالدلائل، وينظر إلى الراجح عنده، والمقلد يأخذ بالتصنيف الأخير وهو السير، إلا أنْ يختار المشايخ المتأخرون خلافه، فيجب العمل به ولو كان قول زفر.)
        وكتاب "السِّير الكبير" من الكتب المفقودة في زماننا، والنسخ المذكورة في مكتبات العالم هي لشرح السرخسي أو كتب أخرى .
        وإن كان لا بُدَّ من فَرَحٍ
        فليكن خفيفاً على القلب والخاصرةْ
        فلا يُلْدَغُ المُؤْمنُ المتمرِّنُ
        من فَرَحٍ ... مَرَّتَينْ!

        تعليق

        • محمد هاشم السندي
          طالب علم
          • Jan 2011
          • 62

          #5
          بارك الله فيك

          ما المراد بقول الفقهاء : ( هذا غير ظاهر الرواية فلا يعمل به )؟ أجاب عنه الفقيه المحدث الإمام محمد هاشم السندي التتوي الحنفي المتوفى سنة 1174 هـ . في كتابه الماتع ( نور العين في إثبات الإشارة في التشهدبن ) - ما نصه : أن قول الفقهاء : ( هذا غير ظاهر الرواية فلا يعمل به). إنما يريدون به موضعا ذكر في غير كتب الأصول مخالفا لما ذكر في الأصول ، لا ما ذكر في غير الأصول وكانت الأصول ساكتة عنه كما فيما نحن فيه فتأمل ، فإنه محل قد زل فيه أقدام كثير من الناس ، حتى حكموا بأن عبارة جامع الرموز والكفاية تدل على كون نفي الإشارة ظاهر الرواية فلا ينبغي العدول عنها، وقد عرفت ضعفه بل فساده ونقضه........ ففهم ذلك القائل من هذه اللفظة أن عدم الذكر في الأصول يستلزم كونه غير ظاهر الرواية فحكم بأن ترك الإشارة ظاهر الرواية ، وقد عرفت أن ترك الذكر لا يستلزم النفي . انتهى من: نور العين في إثبات الإشارة في التشهدين بتحقيق شيخنا العلامة أبو النور مولا بخش السندي. ص 376 .

          تعليق

          • حسين علي اليدري
            طالب علم
            • Aug 2003
            • 456

            #6
            فتح الله عليك يا سيادة الدكتور.
            اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه
            sigpic

            تعليق

            يعمل...