الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الكريم
وبعد:
فهذا بحث لطيف بينت فيه مفهوم ظاهر الرواية، وحققت الخلاف في كتبها والمقصود منها، وبينت بالأدلة أنَّ كتاب السِّير الصغير ليس كتابًا مستقلاً عن كتب ظاهر الرواية كما ذكر ابن عابدين -رحمه الله-، وتابعه فيه من جاء بعده، ووضحت أن كتاب الكافي للحاكم الشهيد هو اختصار لكتاب الأصل، وليس اختصارًا لكتب ظاهر الرواية كما ذكر ابن عابدين، وعرفت تعريفًا موجزًا بكتب ظاهر الرواية.
وهذا البحث هو جزء من رسالتي، وأعرضت عن ذكر الهوامش التي فيها توثيق ما ذكرت، مع زيادة فوائد وضعتها فيها؛ إلى حين طباعة الرسالة كاملة قريبًا إن شاء الله.
المبحث الثاني
بيان المراد بظـاهر الروايـة، وما يتعلق بها.
وفيـه ثلاثـة مطالـب:
المطلـب الأول: مفهوم ظاهر الرواية، وتحديد كتبها.
وفيه فـرعـان:
الفـرع الاول: مفهـوم ظاهـر الروايـة.
ويقال لها أيضًا: (ظاهر المذهب) و(مسائل الأصول) : وهي المسائل المروية عن أصحاب المذهب، وهم: أبو حنيفة وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن ويقال لهم العلماء الثلاثة- ويُلحق بهم زفر بن الهذيل، والحسن بن زياد وغيرهما ممن أخذ عن الإمام، ولكن الغالب الشائع أنْ يكون قول الثلاثة، أو قول بعضهم.
وسُمّيت بظاهر الرواية؛ لأنَّها رويت عن محمد برواية الثقات، فهي ثابتة عنه، إما متواترة أو مشهورة عنه.
الفـرع الثانـي: الخلاف في تحديد كتب ظاهر الرواية وتحقيق ذلك:
المتتبع لكتب الحنفية يجد خلافًا بين علماء المذهب في تحديد كتب ظاهر الرواية، التي اشتملت على مسائل ظاهر الرواية، وفي تقديري أنَّ منشأ الخلاف راجع لأحد الأسباب الآتية:
1. نقلُ بعضهم عن بعض دون تحقق أو رجوع للمأخذ الأصلي، وهذا ما عبّر عنه ابن عابدين -رحمه الله- بقوله: (وقد يتفق نقلُ قولٍ في نحو عشرين كتابًا من كتب المتأخرين، ويكون القول خطأٌ أخطأ به أولُ واضع له، فيأتي مَنْ بَعده وينقله عنه، وهكذا ينقل بعضهم عن بعض..الخ) . وهذا الخطأ قد يكون سبق قلم، أو اشتباه حكم بآخر، ونحوه، وهو لا يحطّ من قدرهم في شيء، ولا يلزم منه عدم الثقة بمؤلفاتهم، إذ كلّ مُعرض لمثله، وأبى الله العصمة إلا لكتابه.
ومثاله: إنَّ من جاء بعد ابن عابدين رحمه الله تابَعهُ في قوله: إنَّ كتب ظاهر الرواية ستة، وهو تابعَ من قَبلَه، ولم يتحقق من ذلك على غير عادته في التحقيق والتدقيق، فقد تتبعته في جميع مواطن عزوه عن الأصل في حاشيته (ردّ المحتار)، فكان النقل عن الأصل بالعزو عن كتاب آخر، وهذا يرجّح أنَّ ابن عابدين -رحمه الله- لم يَطلع على كتاب الأصل. والله أعلم.
2. عدم الاطلاع على بعض كتب ظاهر الرواية، أو الاطلاع على جزء من الكتاب دون بقيته- ككتاب الأصل لمحمد بن الحسن-؛ لعدم تمكنه من الحصول عليه لندرته، أو فقدانه في عصره، ويترتب عليه قصور في الحكم، إذ إنَّ الحكم فرع عن تصوره.
3. اشتهار قول دون قول، سيَّما أنَّ هذا القول صدر من أعلام لهم وزنهم في المذهب، كاشتهار أنَّ كتب ظاهر الرواية أربعة عند الفقهاء المتقدمين نسبيًّا في المذهب، واشتهار قول من قال: إنَّها ستة كتب عند عامة المتأخرين.
واختلفت أقوال علماء المذهب في تحديد كتب ظاهر الرواية إلى أربعة أقوال :
القول الأول: كتب ظاهر الرواية ثلاثة وهي: "المبسوط" و "الزيادات" و "المحيط".
وهذا القول نقله الإمام اللكنوي في مقدمة شرحه على الهداية، وهو قول بعيد عن الصَّواب، وقد ردَّ عليه الإمام اللكنوي في موضعه .
القول الثاني: كتب ظاهر الرواية أربعة، وجرى الخلاف بينهم في تحديد هذه الكتب الأربعة على قولين:
الأول: قالوا: المرادُ بـ "ظاهر الرواية" عند الفقهاء روايةُ "الجامعين" و"المبسوط" و"الزيادات". ويعبَّر عنها بـ "ظاهر الرواية"، والمرادُ "بغير ظاهر الرواية" روايةُ غيرها، وهو ممَّا تطابقت
عليه كلمة الفقهاء.
وهو قول الإتقاني ، والبابرتـي ، وقاضي زاده ، والشِّـلْبي نقلًا عن الإتقاني، ونقله أيضًا طاشكبري زاده .
الثاني: من لم يعد "السِّير الصغير" و "الزيادات" من كتب ظاهر الرواية. وهو قول الإمام الجرجاني ، والتهانوي .
ولا يخفى ضعف هذا القول، حيث إنَّ كتاب الزيادات يعدُّ من الكتب المشهورة في المذهب، ولم أقف في حدود علمي على من عدّ الزيادات من كتب غير ظاهر الرواية، سوى الإمام الجرجاني والتهانوي. وممَّا يستدلُّ به على ضعف هذا القول:
* قولُ الإمام البابرتي -رحمه الله- في شرحه على الهداية عند قول صاحب الهداية: -"ولا بدّ من الجرح في ظاهر الرواية ليتحقق الذكاة الاضطراري، وهو الجرح في أي موضع كان من البدن"-: (وقوله: "في ظاهر الرواية" يريد رواية الزيادات فإنَّه قال: لو قتلَ الكلبُ أو البازي الصيدَ من غير جرح لم يحلّ، وأشار في الأصل إلى أنَّه يحلّ، والفتوى على ظاهر الرواية) . فالإمام البابرتي رحمه الله- يقرر أنَّ رواية الزيادات من ظاهر الرواية، وهو موافق لما عليه الجمهور بأنَّ الزيادات من كتب ظاهر الرواية.
* ما ذكرهُ الإمام الكوثري رحمه الله في معرض حديثه عن كتب محمد بن الحسن ومصنفاته: (وهما أي الزيادات وزيادة الزيادات- من الكتب المرويَّة عنه بطريق الشهرة، وغلط من ذكرهما في عداد النوادر) .
وعلَّق الشيخ أبو الوفا الأفغاني على قول الإمام الكوثري بقوله: (ويؤيد هذا القول شروح الأئمة لها، لأنَّهم لم يشرحوا النوادر؛ لأنَّهم ليس لهم علم بدلائل النوادر وأصولها) .
أمّا عدم عدّ كتاب (السِّير الصغير) ككتاب مستقل من كتب ظاهر الرواية فقول وجيه، وعليه أدلته، وهذا ما سأبيّنه في القول الرابع.
وبعد:
فهذا بحث لطيف بينت فيه مفهوم ظاهر الرواية، وحققت الخلاف في كتبها والمقصود منها، وبينت بالأدلة أنَّ كتاب السِّير الصغير ليس كتابًا مستقلاً عن كتب ظاهر الرواية كما ذكر ابن عابدين -رحمه الله-، وتابعه فيه من جاء بعده، ووضحت أن كتاب الكافي للحاكم الشهيد هو اختصار لكتاب الأصل، وليس اختصارًا لكتب ظاهر الرواية كما ذكر ابن عابدين، وعرفت تعريفًا موجزًا بكتب ظاهر الرواية.
وهذا البحث هو جزء من رسالتي، وأعرضت عن ذكر الهوامش التي فيها توثيق ما ذكرت، مع زيادة فوائد وضعتها فيها؛ إلى حين طباعة الرسالة كاملة قريبًا إن شاء الله.
المبحث الثاني
بيان المراد بظـاهر الروايـة، وما يتعلق بها.
وفيـه ثلاثـة مطالـب:
المطلـب الأول: مفهوم ظاهر الرواية، وتحديد كتبها.
وفيه فـرعـان:
الفـرع الاول: مفهـوم ظاهـر الروايـة.
ويقال لها أيضًا: (ظاهر المذهب) و(مسائل الأصول) : وهي المسائل المروية عن أصحاب المذهب، وهم: أبو حنيفة وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن ويقال لهم العلماء الثلاثة- ويُلحق بهم زفر بن الهذيل، والحسن بن زياد وغيرهما ممن أخذ عن الإمام، ولكن الغالب الشائع أنْ يكون قول الثلاثة، أو قول بعضهم.
وسُمّيت بظاهر الرواية؛ لأنَّها رويت عن محمد برواية الثقات، فهي ثابتة عنه، إما متواترة أو مشهورة عنه.
الفـرع الثانـي: الخلاف في تحديد كتب ظاهر الرواية وتحقيق ذلك:
المتتبع لكتب الحنفية يجد خلافًا بين علماء المذهب في تحديد كتب ظاهر الرواية، التي اشتملت على مسائل ظاهر الرواية، وفي تقديري أنَّ منشأ الخلاف راجع لأحد الأسباب الآتية:
1. نقلُ بعضهم عن بعض دون تحقق أو رجوع للمأخذ الأصلي، وهذا ما عبّر عنه ابن عابدين -رحمه الله- بقوله: (وقد يتفق نقلُ قولٍ في نحو عشرين كتابًا من كتب المتأخرين، ويكون القول خطأٌ أخطأ به أولُ واضع له، فيأتي مَنْ بَعده وينقله عنه، وهكذا ينقل بعضهم عن بعض..الخ) . وهذا الخطأ قد يكون سبق قلم، أو اشتباه حكم بآخر، ونحوه، وهو لا يحطّ من قدرهم في شيء، ولا يلزم منه عدم الثقة بمؤلفاتهم، إذ كلّ مُعرض لمثله، وأبى الله العصمة إلا لكتابه.
ومثاله: إنَّ من جاء بعد ابن عابدين رحمه الله تابَعهُ في قوله: إنَّ كتب ظاهر الرواية ستة، وهو تابعَ من قَبلَه، ولم يتحقق من ذلك على غير عادته في التحقيق والتدقيق، فقد تتبعته في جميع مواطن عزوه عن الأصل في حاشيته (ردّ المحتار)، فكان النقل عن الأصل بالعزو عن كتاب آخر، وهذا يرجّح أنَّ ابن عابدين -رحمه الله- لم يَطلع على كتاب الأصل. والله أعلم.
2. عدم الاطلاع على بعض كتب ظاهر الرواية، أو الاطلاع على جزء من الكتاب دون بقيته- ككتاب الأصل لمحمد بن الحسن-؛ لعدم تمكنه من الحصول عليه لندرته، أو فقدانه في عصره، ويترتب عليه قصور في الحكم، إذ إنَّ الحكم فرع عن تصوره.
3. اشتهار قول دون قول، سيَّما أنَّ هذا القول صدر من أعلام لهم وزنهم في المذهب، كاشتهار أنَّ كتب ظاهر الرواية أربعة عند الفقهاء المتقدمين نسبيًّا في المذهب، واشتهار قول من قال: إنَّها ستة كتب عند عامة المتأخرين.
واختلفت أقوال علماء المذهب في تحديد كتب ظاهر الرواية إلى أربعة أقوال :
القول الأول: كتب ظاهر الرواية ثلاثة وهي: "المبسوط" و "الزيادات" و "المحيط".
وهذا القول نقله الإمام اللكنوي في مقدمة شرحه على الهداية، وهو قول بعيد عن الصَّواب، وقد ردَّ عليه الإمام اللكنوي في موضعه .
القول الثاني: كتب ظاهر الرواية أربعة، وجرى الخلاف بينهم في تحديد هذه الكتب الأربعة على قولين:
الأول: قالوا: المرادُ بـ "ظاهر الرواية" عند الفقهاء روايةُ "الجامعين" و"المبسوط" و"الزيادات". ويعبَّر عنها بـ "ظاهر الرواية"، والمرادُ "بغير ظاهر الرواية" روايةُ غيرها، وهو ممَّا تطابقت
عليه كلمة الفقهاء.
وهو قول الإتقاني ، والبابرتـي ، وقاضي زاده ، والشِّـلْبي نقلًا عن الإتقاني، ونقله أيضًا طاشكبري زاده .
الثاني: من لم يعد "السِّير الصغير" و "الزيادات" من كتب ظاهر الرواية. وهو قول الإمام الجرجاني ، والتهانوي .
ولا يخفى ضعف هذا القول، حيث إنَّ كتاب الزيادات يعدُّ من الكتب المشهورة في المذهب، ولم أقف في حدود علمي على من عدّ الزيادات من كتب غير ظاهر الرواية، سوى الإمام الجرجاني والتهانوي. وممَّا يستدلُّ به على ضعف هذا القول:
* قولُ الإمام البابرتي -رحمه الله- في شرحه على الهداية عند قول صاحب الهداية: -"ولا بدّ من الجرح في ظاهر الرواية ليتحقق الذكاة الاضطراري، وهو الجرح في أي موضع كان من البدن"-: (وقوله: "في ظاهر الرواية" يريد رواية الزيادات فإنَّه قال: لو قتلَ الكلبُ أو البازي الصيدَ من غير جرح لم يحلّ، وأشار في الأصل إلى أنَّه يحلّ، والفتوى على ظاهر الرواية) . فالإمام البابرتي رحمه الله- يقرر أنَّ رواية الزيادات من ظاهر الرواية، وهو موافق لما عليه الجمهور بأنَّ الزيادات من كتب ظاهر الرواية.
* ما ذكرهُ الإمام الكوثري رحمه الله في معرض حديثه عن كتب محمد بن الحسن ومصنفاته: (وهما أي الزيادات وزيادة الزيادات- من الكتب المرويَّة عنه بطريق الشهرة، وغلط من ذكرهما في عداد النوادر) .
وعلَّق الشيخ أبو الوفا الأفغاني على قول الإمام الكوثري بقوله: (ويؤيد هذا القول شروح الأئمة لها، لأنَّهم لم يشرحوا النوادر؛ لأنَّهم ليس لهم علم بدلائل النوادر وأصولها) .
أمّا عدم عدّ كتاب (السِّير الصغير) ككتاب مستقل من كتب ظاهر الرواية فقول وجيه، وعليه أدلته، وهذا ما سأبيّنه في القول الرابع.
كنت أقرأ بعض مسائل من الجامع الكبير على بعض المبرزين في النحو (يعني أبا علي الفارسي) فكان يتعجب من تغلغل واضع هذا الكتاب في النحو) .
تعليق