الإمام أبو حنيفة وفتواه في قراءة القرآن بالفارسية

تقليص
X
 
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد يوسف رشيد
    طالب علم
    • Sep 2003
    • 601

    #1

    الإمام أبو حنيفة وفتواه في قراءة القرآن بالفارسية

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين وبعد..فقد اتخذ بعض الملاحدة من المعاصرين قولا للإمام أبي حنيفة رحمه الله مطية للطعن في النص القرآني، ويذهبون بتلك المطية إلى أن القرآن هو المعاني فقط، أما النص القرآني ذاته فهو غير معتبر، ولذا فلا قداسة له، ولا يمتنع وقوع الاختلاف فيه، فكان ذلك من أسباب كتابة تلك المقالة، والتي قصدت بها كذلك الدفاع عن النص القرآني ذاته، وبيان بطلان الفهم لفتوى الإمام أبي حنيفة رحمه الله بأن القرآن هو (المعنى) فقط، وليس هو (النص والمعنى) جميعا. والله تعالى أسأل أن ينفع بتلك الكتابة وأن يجعلها من مثقلات الميزان.

    ----------------

    اشتهرت الفتوى عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله أنه يبيح قراءة القرآن في الصلاة باللغة الفارسية، وبناء على هذه الفتوى اعتبر غيرُ المحققين أن الإمام أبا حنيفة لا يرى القرآن إلا المعنى فقط دون النظم الذي هو النص العربي المنزل؛ لأنه لو كان النظم والمعنى جميعا لكان المقروء في الصلاة شيئا غير القرآن.


    هكذا التصور حول فتوى الإمام رحمه الله، وهو وهم؛ لأن الإمام أبا حنيفة حين أفتى بجواز القراءة في الصلاة بالفارسية، لم يقصد بذلك قراءة القرآن على الحقيقة أو بالتحقيق؛ وإنما قصد قراءة معاني القرآن باللغة الفارسية، أي قصد أن يقرأ المصلي القرآن على المجاز أو بالتقدير، ففرق بين قولنا (القرآن) فينصرف الذهن إلى القرآن العربي المنزل، وبين قولنا (القرآن) باللغة الفارسية، فينصرف الذهن إلى الترجمة لا إلى القرآن حقيقة، فالأول لا يتحثث إلا بنفس النظم المنزل المتواتر في المصاحف وفي صدور القراء، والثاني يتأتى بأية لغة غير العربية، سواء كانت فارسية أو ألمانية أو إنجليزية، مع مراعاة استحالة نقل المعاني تامة من لغة القرآن إلى أية لغة أخرى.

    قال العلامة عز الدين بن الملك في شرحه على منار الإمام النسفي:

    (ولهذا جوَّز القراءة بالفارسية في الصلاة من غير عذر مع أن قراءة القرآن فرض فيها فقال وهو اسم للنظم والمعنى إلا أنه لم يجعل النظمركنا لازما في الصلاة وأقام العبارة الفارسية مُقام النظم كما قال صاحباه في حالة العجز لأنها حالة المناجاة مع الرب..) ا.هـ

    وقال العلامة الرهاوي المصري في حاشته على شرح ابن الملك:

    (قوله [فقال] أي المصنف، هذه الفاء تسمى فاء الفصيحة لكونها تفصح عن شرط مقدر، والتقدير: إذا كان كذلك وهو أن بعضهم زعم أن المعنى المجرد قرآن، فقال وهو اسم للنظم والمعنى، أي في قول علمائنا جميعا؛ ردًّا لذلك، إلا أن أبا حنيفة رحمه الله لم يجعل النظم ركنا لازما في جواز الصلاة خاصة؛ بل اعتبر المعنى، فإن مبنى النظم على التوسعة..) ا.هـ

    ومن ذلك نفهم أن المقروء في الصلاة ليس هو القرآن حقيقة، وإنما قدَّرنا أنه القرآن للاتحاد في أصول المعاني، وإنما أبيح الإتيان في الصلاة بالمعاني، أي بالقرآن تقديرا، وإن لم نأت به تحقيقا، أي وإن لم نأت بالقرآن على الحقيقة.

    وقد أجاب العلامة الرهاوي المصري في الحاشية المذكورة جوابا على استشكال (إنه يلزم من عدم قرآنية الفارسية جواز الصلاة بلا قرآن) فقال:

    (إنما يلزم لو تعلق جواز الصلاة بقراءة القرآن المحدود - أي المعرَّف أصوليا وفيه النص العربي قطعا - وليس كذلك، بل هو متعلق بمعناه، ويُحمل قوله تعالى "فاقرؤوا ما تيسر منه" على وجوب رعاية المعنى بدون النظم لدليل لاح له) ا.هـ

    قلت : يعني إنه يجيب على الاستشكال بفرضية القرآن في الصلاة، وأنه يلزم من جواز القراءة بالفارسية عدم فرضيته لأنها ليست قرآنا على الحقيقة - فيجيب بأن المقصود ليس هو القرآن على الحقيقة بل معنى القرآن، فيمكن أن نقرأ ترجمته بالفارسية في الصلاة، وأما قوله تعالى (فاقرؤوا ما تيسر منه) وهو ما نستدل به نحن الحنفية على فرضية القرآن في الصلاة فهو محمول على معنى القرآن دون نص القرآن لأدلة أخرى ظهرت للإمام أبي حنيفة رحمه الله.

    فالضابط للوقوف على مراد الأئمة في تصنيفهم حول المسألة هو التفريق بين قصد الحقيقة وقصد المجاز، وقصد التحقيق وقصد التقدير.

    فلا يشكل عليك ما نقله الإمام ملا علي القاري عن شمس الأئمة السرخسي حين قال في شرحه على مختصر المنار:

    (والتحقيق ما ذكره شمس الأئمة: أن المعنى معجز أيضا، ولكن عدم تجويزهما - أي الصاحبين - القراءة بالفارسية أو بالمعنى إلا عند الضرورة، لأن متابعة النبي صلى الله عليه وسلم وموافقة السلف في أداء هذا الركن فرض في حق من يقدر عليه. وتجويزهما بالمعنى عند الضرورة شاهد صدق، فهو أن المعنى أيضا قرآن معجز، فليس النزاع فيه. والذي نقل رجوع الإمام عن هذا القول ليس معناه أنه رجع من ان المعنى ليس بقرآن، فإنه افتراء محض عليه، بل معنى رجوعه أنه رجع عن تجويز القراءة بالفارسية لقوة الدليل الاستحساني كما ذكرنا.) ا.هـ

    لا يشكل عليك ذلك؛ لأن مراد شمس الأئمة السرخسي إثبات الإعجاز لمعاني القرآن ولو بدون النص، كما لو أثبتنا الإعجاز في الإخبار بالمغيبات في القرآن استقلالا ولو بدون النظم، وكذلك التوراة والإنجيل، فقد قال الباقلاني في "إعجاز القرآن" حول الإعجاز في الكتب السابقة:

    (ليس شيء من ذلك بمعجز في النظم والتأليف وإن كان معجزا كالقرآن فيما يتضمن من الإخبار عن الغيوب) ا.هـ

    فكون الإعجاز واقعا في المعاني أيضا هو مراد شمس الأئمة السرخسي، وأن المعنى هو قرآن معجز من هذا الباب، وليس من باب القرآن تحقيقا دون تقدير، فهو لا يثبت إلا بالنظم والمعنى.

    ويشهد له قول العلامة الرهاوي في النقل السابق من حاشته (أي في قول علمائنا جميعا).

    ويشهد له كذلك قول العلامة محمد علاء الدين الحصني في شرحه على منار النسفي:

    ([وهو] أي القرآن [اسم للنظم] أي اللفظ [والمعنى جميعا] إجماعا) ا.هـ

    ويشهد له كذلك قول العلامة محمد الأمين بن عابدين في حاشيته "نسمات الأسحار" على شرح الحصني:

    (.. بل مذهبه - أي الإمام - أن القرآن اسم للمعنى مع النظم تحقيقا كالعبارة العربية، أو تقديرا كالفارسية، وكان يجوِّز الصلاة بالفارسية مع القدرة على العربية لذلك..) ا.هـ

    والشاهد هو أن الإمام ابن عابدين لم يعترض على الإجماع الذي ذكره الحصني؛ ذلك أن الإجماع هو على كون القرآن نظما ومعنى تحقيقا، ولا يمنع أن يطلق القرآن على المعنى تقديرا.

    ويؤكد كون القرآن على الحقيقة هو النظم والمعنى دون المعنى فقط أن الفقهاء المتقدمين أباحوا أن يمس الجنب أو الحائض معاني القرآن المكتوبة بالفارسية وأن يقرأها بصوته، لأنه ليس قرآنا في الحقيقة.

    قال العلامة ابن عابدين في الحاشية المذكورة:

    (إذ لو كان مبنيا على ذلك - أي على عدم اعتبار النظم - لما جاز مس مصحف مكتوب بالفارسية وقراءته للجنب والحائض) ا.هـ

    فلا إشكال إذا في كلام الفقهاء والأصوليين؛ لأن من قال إن المعنى قرآن أرد أنه من القرآن المعجز، وأن القرآن يطلق عليه تقديرا، ومن قال إن القرآن هو النظم والمعنى جميعا أراد القرآن المنزل على حقيقته، وهو ليس المعنى فقط، بل هو النص العربي المتواتر وما يتولد عنه من المعنى، لذلك أباح المتقدمون مس الترجمة الفارسية وقراءتها بالصوت للجنب والحائض، لأنها ليست قرآنا على الحقيقة، والمنهي عنه هو القرآن حقيقة لا تقديرا.

    وعليه:

    فإذا قلنا (القرآن نظم ومعنى وليس معنى) أي ليس معنى فقط، ولا ننفي كون المعنى من القرآن، ولا ننفي جواز إطلاق القرآن على المعنى تقديرا.

    وإذا قلنا: (المعنى قرآن وليس النظم والمعنى) أي لا يشترط النظم لإثبات كون المعنى من القرآن، ولا ننفي أن القرآن يجتمع بالنظم والمعنى جميعا، وإجماعا، ولا ننفي أن القرآن حقيقة هو النظم والمعنى جميعا دون الاقتصار على الثاني.

    وكلام العلامة ابن عابدين يقرر ذلك؛ حيث أثبت التحقيق والتقدير، فجمع بين الإجماع على ركنية النظم والمعنى في القرآنية والذي ذكره الحصني، وبين قرآنية المعنى والتي نقلها القاري عن شمس الأئمة السرخسي.

    هذا وإن الإمام رحمه الله قد رجع عن هذه الفتوى، إلى قول صاحبيه، أي رجع عن جواز القراءة بالمعاني المجردة، إلى فرضية القراءة للقادر على العربية، أما من لم يقدر عليها فليقرأ قراءة تقديرية، أي نقدِّر أنها القرآن وليست هي القرآن تحقيقا، وهي القراءة بالفارسية أو بغيرها من اللغات على الأصح.

    والحمد لله رب العالمين.
يعمل...