بسم الله الرحمن الرحيم
* المقدمة:
الحمد الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على سيدي وقرة عيني، نور العيون وسراج القلوب، القائل: " إنّما الأعمال بالنيات " (1) فأسأله تعالى العلي العظيم أن يكون هذا الجهد خالصاً لوجهه الكريم- ، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى سنته ، وسار على نهجه من الحياة إلى الممات ، سيما أئمتنا الأربعة المتبوعين ، الذين تلقتهم الأمة بالقبول ، أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد ، وعلى مقلديهم إلى يوم الدين .
وبعد :
فهذه دراسة متواضعة لموضوع " القضاء بالخبرة " ، حاولت فيه قدر جهدي تجلية الأمر فيه وتوضيحه، مع ذكر لأقوال العلماء وأدلتهم لما ذهبوا إليه، واقتصرت في ذكر أهم مجالاته على قول السادة الحنفية، مع تبيان لها، وذكر مصادرها.
وقد قسمت الدراسة إلى مقدمة وأربعة فصول وخاتمة .
واشتمل الفصل الأول على ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: في التعريف اللغوي لعنوان البحث.
المبحث الثاني: المعنى الاصطلاحي للخبرة.
المبحث الثالث: العلاقة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي.
الفصل الثاني: واشتمل على أربعة مباحث:
مشروعية الخبرة وأهميتها
الأدلة على الخبرة من الكتاب والسنة وعمل الصحابة والمعقول.
حكم الرجوع إلى أهل الخبرة.
الشروط الواجب توافرها في الخبير.
الفصل الثالث: أقوال الفقهاء في القضايا التي تعتمد على قول أهل الخبرة، وتضمن ثلاثة مباحث:
العمل بخبرة المترجم
العمل بقول الطبيب والطبيبة والقابلة.
العمل بخبرة القاسم.
الفصل الرابع:
* بعض نصوص السادة الأحناف في العمل بالخبرة.
.................................................. ....
1.البخاري/ كتاب بدء الوحي . عن عمر بن الخطاب . حديث رقم 1 ، مسلم/ كتاب الإمارة رقم الحديث 1907 .
الخاتمة: وضمنتها أهم النتائج.
فإن كنت قد وفقت فبضل الله ومنّته وكرمه عليّ، وإن كانت الأخرى فمني والشيطان، والله أسأل السلامة من الإثم وما يتبعه، وأن يجنبني الزلل والخطل بحسن قصدي وتوجهي.
وأسأله تعالى أن يتقبله مني، وأن يجعل تعبي فيه وسيلة لنجاتي، وذخيرة لمعادي، إنّه ولي ذلك والقادر
عليه.
والحمد لله رب العالمين
وكتبه راجي عفو ربه:
لؤي بن عبد الرؤوف الخليلي الحنفي.
الفصل الأول: المبحث الأول.
المعنى اللغوي:
قضي: القضاء: الحكم، وأصله قضايٌ لأنه من قضيت إلا أن الياء لما جاءت بعد الهمز همزت.
والجمع: أقضية، والقضية مثله والجمع قضايا.
وقضى عليه يقضي قضاء وقضية.
والقاضي: القاطع للأمور المحكم لها. واستقضي فلان: أي جعل قاضيا يحكم بين الناس، وقضّى الأمير قاضياً: كما تقول: أمّر الأمير قاضياً. وتقول: قضى بينهم قضية وقضايا.
والقضايا: الأحكام واحدتها قضية. وفي صلح الحديبية: هذا ما قاضى عليه محمد صلى الله عليه وسلم.
والقضاء: القطع والفصل. يقال: قضى يقضي قضاء فهو قاضٍ إذا حكم وفصل.
وقضاء الشيء: إحكامه وإمضاؤه والفراغ منه فيكون بمعنى الخلق.
والقضاء في اللغة على وجوه مرجعها إلى انقطاع الشيء وتمامه. وكل ما أحكم عمله أو أتمّ أو ختم أو أدّي أداء أو أُوجِب أو أُعلم أو أُنفِذ أو أُمضِي فقد قُضيَ.
والقضاء: الإعلام ومنه قوله تعالى" وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب"؛ أي أعلمناهم إعلاماً قاطعاً، ومنه القضاء للفصل في الحكم ومنه قوله تعالى: "ولولا أجل مسمىً لقضي بينهم" أي لفصل الحكم بينهم، ومثله: قد قضى القاضي بين الخصوم: أي قطع بينهم في الحكم(2).
خبر: الخبير: من أسماء الله عز وجل العالم بما كان وما يكون. وخَبُرتُ بالأمر أي علمته. وخَبَرتُ الأمر أخْبُرُه إذا عرفته على حقيقته. وقوله تعالى: " فاسأل به خبيرا؛ أي اسأل عنه خبيراً يَخْبُرُ.
والخَبَرُ: واحد الأخبار، والخبرُ: ما أتاك من نبأ عمن تستخبر.
وأخبره: نبأه. واستخبره: سأله عن الخبر وطلب أن يخبره. والاستخبار والتخبر: السؤال عن الخبر، وطلب أن يخبره به. ويقال استخبر الخبر.
والخابر: المختبر المجرب. ورجل خابر وخبير: عالم بالخبر.
وأخبره خُبُوره: أنبأه ما عنده.
والمخْبَرة والمخْبُرة: العلم بالشيء؛ تقول: لي به خبر، وقد خبَرَه يخبُره خُبراً وخُبِرة.
والخبرة: الاختبار، والخبير: العالم؛ قال المنذري: سمعت ثعلباً يقول في قوله: كفى قوماً بصاحبهم خبيراً.
والخبير: الذي يخبر الشيء بعلمه(3).
.................................................
2.انظر: لسان العرب15/186 وما بعدها، باب قضي: جمال الدين محمد بن منظور. دار صادر ط3/1994، القاموس المحيط: محمد بن يعقوب الفيروزآبادي 4/548 باب الواو والياء-فصل القاف، دار إحياء التراث العربي ط1/1991، المعجم الوسيط:د. إبراهيم أنيس وأصحابه2/742 ط2.
3.انظر: لسان العرب: أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم بن منظور.4/226 فصل الخاء المعجمة.دار صادر ط3/1994 . المعجم الوسيط1/214 باب خبر ط2/د.ابراهيم أنيس وأصحابه.القاموس المحيط2/25 باب الراء فصل الخاء. دار احياء التراث ط1/1991.
* المبحث الثاني:
المعنى الإصطلاحي للخبرة عند الفقهاء:
من خلال تتبعي لكتب الفقه الحنفي التي بين يدي لم أقف للفقهاء فيها على تعريف للخبرة، وكذلك كتب اللغة التي اهتمت بالتعريفات الواردة في كتب فقهاء أئمتنا كالمُغرب للمطرزي(4)، وأنيس الفقهاء للقوْنوي(5)، وطِلبة الطلبة للنسفي.(6)
إلا أني قد وقفت على بعض التعريفات في غير كتب أئمتنا رضوان الله عليهم جميعاً، نذكر طرفاً منها:
.......................................
4. المغرب في اللغة للإمام أبي الفتح ناصر الدين بن عبد السيد بن علي الخوارزمي المطرزي الأديب الحنفي، ولد سنة 536 وتوفى رحمه الله سنة 610 .كان إماماً في الفقه والعربية واللغة، رأساً في الاعتزال ، لسان البرهان سحبان البيان عديم النظير في الفقه وأصوله .كان يقال : هو خليفة الزمخشري .قرأ على أبيه ثم على الموفق أحمد بن محمد المكي تلميذ الزمخشري، وسمع الحديث من أبي عبدالله محمد بن علي التاجر، وتفقّه على البقالي محمد بن أبي القاسم. قال اللكنوي: طالعت المصباح وهو مختصر متداول، وشرح المقامات فيه فوائد ونكات، والمغرب تكلم فيه على الألفاظ التي يستعملها الفقهاء وهو مفيد جداً . قال ابن خلكان وهو للحنفية ككتاب الأزهري والمصباح المنير للشافعية تكلَّم فيه على الألفاظ الذي يستعملها الفقهاء من الغريب.
قال ابن الشحنة: وله المعرب وهو مطوَّل المغرب وفيه فوائد جليلة، وضبطه المولى طاشكبرى زاده في نوادر الأخبار المعرّب بتشديد الراء في شرح المغرب قال وهو كبير قليل الوجود.
وله من المصنفات: الإيضاح في شرح المقامات للحريري، الإقناع لما حوى تحت القناع،مختصر إصلاح المنطق لابن السكيت يعقوب بن إسحاق، المصباح في النحو، مقدمة في المنطق .
انظر: مفتاح السعادة1/122، هدية العارفين2/ 488، كشف الظنون2/1747، تاج التراجم/ 309، الفوائد البهية/ 358، الجواهر المضية4/ 528.
5. القونوي: قاسم بن عبدالله الرومي الحنفي. انظر: هدية العارفين1/832، ذيل كشف الظنون1/149، معجم المؤلفين لكحالة2/644.
6. لنجم الدين أبي حفص عمر بن محمد النسفي، وهو في اللغة على ألفاظ كتب أصحاب الحنفية .
جاء في مقدمة النسخة المطبوعة: قال الإمام الزاهد نجم الدين زين الإسلام فخر الأئمة أبو حفص عمر بن محمد بن أحمد النسفي رحمه الله : سألني جماعة من أهل العلم شرح ما يشكل على الأحداث الذين فلّ اختلافهم في اقتباس العلم والأدب ، ولم يمهروا في معرفة كلام العرب من الألفاظ العربية المذكورة في كتب أصحابنا الأخيار ، وما أورده مشايخنا في نكتها من الأخبار ، إعانة لهم على الإحاطة بكلها ، وإغناء عن الرجوع إلى أهل الفضل لحلّها ، فأجبتهم إلى ذلك اغتناما لمسألتهم ، ورغبة في صالح أدعيتهم ، والله الموفق الثيب ، عليه توكلت وإليه أنيب .
وذكر صاحب الجواهر المضيّة في ترجمة أبي اليسر البزدوي أنَّ طلبة الطلبة لركن الأئمة عبد الكريم بن محمد بن أحمد الصَّباغي المديني .
قلت : لم يذكر صاحب هدية العارفين كتاب الطلبة في ترجمة النسفي ، وذكره في ترجمة الصباغي عبد الكريم بن محمد ونسبه إليه وذكر أنَّ له ايضا شرح مختصر القدوري . ونسبه طاشكبرى زاده في مفتاح السعادة للنسفي .
قال السمعاني: كان إماماً فاضلاً مبرزاً متقناً، وصنَّف في كل نوع من العلم في التفسير والحديث والشروط ، صنَّف قريباً من مائة مصنف ، وقد استقريت مصنفاته فرأيت فيها أوهاماً كثيرة فعرفت أنَّه كان ممن أحبَّ الحديث وطلبه ولم يرزق مهلة التجريد .وقال صاحب تاج التراجم: ومن ذا سلم من ذا . وكان له شعر حسن .
انظر : كشف الظنون2/1114 ، مفتاح السعادة1/123 ،ت/219 ، النسخة المطبوعة . دار القلم ط1/ 1406 بتحقيق الشيخ خليل الميس .
* عرفها الإمام الجرجاني(7) رحمه الله بقوله: المعرفة ببواطن الأمور.
* وعرفها الأحوذي بقوله: هي العلم بالخفايا الباطنة.
وعرّف الخبير بقوله: العالم ببواطن الأشياء(8).
* وعرف العلاء الحصني أهل الخبرة بقوله: أنهم أرباب المعرفة بكل تجارة وصنعة(9).
...............................
7.التعريفات/131: علي بن محمد بن علي الجرجاني: دار الكتاب العربي بيروت الطبعة الأولى/ 1405 تحقيق : إبراهيم الأبياري
للفاضل العلامة السيد الشريف على بن محمد أبو الحسن الجرجاني ، المحقق الحنفي ولد بجرجان سنة 740 للسّيد الشَّريف الجُرجاني علي بن محمد بن علي أبو الحسن المحقق الحنفي ، عالمٌ نحرير قد حاز قصبات السَّبق في التحرير ، فصيح العبارة دقيق الإشارة فارس في البحث والجدل .
ولد بجرجان سنة 740، وصرفَ مُناه نحو العربية في صباه ، ووصل إلى أقصى مداه حتى قيل أنَّه علَّق على الوافية في صباه ، ثم صنَّف كُتبا في النَّحو بالفارسية ثم في العلوم العقليّة والنَّقلية .
وهو مختصر جمع فيه تعريفات الفنون على الحروف. توفى رحمه الله بشيراز سنة 816 . وله من المصنفات الكثير منها:الأجوبة لأسئلة الاسكندر من ملوك تبريز ،الإشارات والتنبيهات، الفية في المعمى والالغاز، تعليقة على عوارف المعارف للسهروردي.
وغير ذلك . انظر هدية العارفين1/ 728 ، كشف الظنون2 / 1716 ، الفوائد البهية/ 212 ، مفتاح السعادة 1/ 192 .
8.الأحوذي: أبو العلاء محمد عبد الرحمن المباركفوري. تحفة الأحوذي9/340 دار الكتب العلمية، نقلاً عن: الاثبات بالخبرة لعبد الناصر شنيور/38 دار النفائس.
9.انظر: الدر المنتقى على الملتقى3/59 دار الكتب العلمية مطبوع بحاشية مجمع الأنهر. ملتقـى الأبحـر :للشيخ الإمام إبراهيم بن محمد الحلبي المتوفى رحمه الله سنة 956 . جعله مشتملاً على مسائل القُدوري والمختار والكنز والوقاية بعبارة سهلة ، وأضاف إليه بعض ما يُحتاج إليه من مسائل المجمع ونبذة من الهداية ، وقدَّم من أقاويلهم ما هو الأرجح وأخَّر غيره ، واجتهد في التَّنبيه على الأصحّ والأقـوى وما هو المختار للفتوى ، وفي عدم ترك شيء من مسائل الكتب الأربعة ، ولهذا بلغ صيته في الآفاق ، ووقع على قبوله بين الحنفية الإتفاق .
العلاء الحصكفي محمد بن علي بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن حسن الحصني الأصل الحنفي المفتي بدمشق الحِصني الأصل الدمشقي الحَصْكَفي " نسبة إلى حصن كيفا، وهو من ديار بكر، وحصن كيفا على دجلة بين جزيرة ابن عمر وميافارقين ) الحنفي ، فقيه أصولي محدِّث مفسِّر نَحوي ، ولد بدمشق سنة 1021 . قرأ على محمد أفندي المحاسني، وارتحل إلى الرَّملة وأخذ عن خير الدين بن أحمد الخطيب، ودخل القدس وأخذ عن فخر الدّين بن زكريا ، وحجَّ وأخذ في المدينة عن أحمد القشاشي ، وتولى إفتاء الحنفية بدمشق . توفى رحمه الله سنة 1088 ، ودفن بمقبرة الباب الصغير.
قال فيه ابن عابدين في مقدمة حاشيته: وقد أقر له بالفضل والتحقيق مشايخه وأهل عصره حتى قال شيخه الشيخ خير الدين الرملي في إجازته له: وقد بدأني بلطائف أسئلة وقفت بها على كمال روايته وسعة ملكته، فأجبته غير موسع عليه، فكرّر عليّ ما هو أعلى فزدته فزاد ، فرأيت جواد رهانه في غاية المكنة والسبق ، فبعدت له الغاية فأتاها مستريحاً لا يخفق ، مستبصراً لا يطرق ، فلمّا تبين لي أنه الرجل الذي حُدثت عنه وصلت به إلى حالة يأخذ مني وآخذ منه انظر : هـدية العارفين2/ 295 ، كشف الظنون2/1815، ذيل الكشف1/ 428 ، الأعلام6/ 294 ، معجم المؤلفين11/ 56 ، مقدمة حاشية ابن عابدين " رد المحتار " . النسخة الأزهرية المخطوطة رقم 326131.
* وعرّف المناوي الخبير بقوله: ( الخبير ) العليم ببواطن الأمور من الخبرة وهو العلم بالخفايا الباطنة أو المتمكن من الإخبار عما علمه (10).
* وعرفها الألوسي: الخبرة معرفة بواطن الأمور كما ذكره الراغب ومن عَلِم البواطن علم الظواهر بالطريق الأولى(11).
* وعرفها الدكتور وهبة الزحيلي بقوله: هي الاعتماد على رأي المختصين في حقيقة النزاع بطلب من القاضي(12).
* وعرّفها الدكتور محمد الزحيلي بقوله: الإخبار عن حقيقة الشيء المتنازع فيه بطلب من القاضي(13).
ثم قال: فالإخبار جنس في التعريف يتناول الإخبار عن حقيقة المتنازع فيه وغير المتنازع فيه، والإخبار بالشهادة والرواية والإقرار، والإخبار ظاهرا وباطناً
عن حقيقة الشيء: يخرج الإخبار عن الأمور بشكل ظاهري.
المتنازع فيه: يخرج الإخبار الذي يقوم به أحد الخبراء لشخص معين في مصلحة معينة.
بطلب من القاضي: يخرج الإخبار عن حقيقة الشيء دون طلب من القاضي.
* وعرفها عبد الناصر شنيور بأنها: وسيلة إثبات علمية يقوم بها أهل العلم والاختصاص بناء على طلب القاضي؛ لإبداء رأيهم في الأمر المتنازع فيه؛ لإظهار الحقيقة، ولا يستطيع القاضي القيام بذلك بنفسه(14).
* المبحث الثالث:
* العلاقة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي:
مما تقدم من تعريفات يتبين بأن الكلّ متفقون على وجوب المعرفة والعلم التامين للخبير في الأمر المتنازع فيه على حقيقته، والذي طلب منه بيان رأيه فيه بناء على طلب القاضي.
وقد يذكر الفقهاء الخبرة بألفاظ أخرى كالمعرفة والتجربة وغيرها، مما نبينه لاحقاً إن شاء الله في نقل نصوصهم بضرورة تحكيم أهل الخبرة والمعرفة.
..........................
10.فيض القدير شرح الجامع الصغير2/483: عبد الرؤوف المناوي: المكتبة التجارية الكبرى مصر الطبعة الأولى/ 1356
11.روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني المؤلف : محمود الألوسي أبو الفضل 19/38 : دار إحياء التراث العربي - بيروت
12.الفقه الإسلامي وأدلته8/6288. نقلاً عن الإثبات بالخبرة/38.
12.وسائل الإثبات في الشريعة الإسلامية2/594.مكتبة دار البيان ط2/1994.
14.الإثبات بالخبرة: عبد الناصر محمد شنيور/39.
الفصل الثاني: المبحث الأول
* مشروعية الخبرة وأهميتها:
ثبتت مشروعية الخبرة كوسيلة من وسائل الإثبات في القضاء بالكتاب والسنة وعمل الصحابة والمعقول.
ونقل صاحب الإثبات بالخبرة عبد الناصر شنيور الإجماع على ذلك، ونقله الإجماع ليس نقلاً عن أحد وإنما اجتهاد منه، وإن كنا لا نوافقه.
وسنقتصر على إيراد دليل واحد أو اثنين لما سبق، مع بيانه وتوضيح وجه دلالته؛ حتى لا نطيل فنخرج عن مضمون البحث.
المبحث الثاني: الأدلة من الكتاب والسنة وعمل الصحابة والمعقول.
* القرآن الكريم:
* قال تعالى: " فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ "(15) .
وسنذكر بعضاً من أقوال أهل التفسير في الآية:
قال الإمام الرازي رحمه الله: والمراد بأهل الذكر وجوه(16):
قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد أهل التوراة، والذكر هو التوراة.
قال الزجاج: فاسألوا أهل الكتب الذين يعرفون معاني كتب الله تعالى، فإنهم يعرفون أن الأنبياء كلهم بشر.
أهل الذكر أهل العلم بأخبار الماضيين، إذ العالم بالشيء يكون ذاكرا له.
قال الزجاج: معناه سلوا كل من يذكر بعلم وتحقيق.
* وقال الإمام القرطبي رحمه الله(17): قيل: المعنى فاسألوا أهل الكتاب فإن لم يؤمنوا فهم معترفون بأن الرسل كانوا من البشر... وقال ابن عباس: أهل الذكر أهل القرآن. وقيل أهل العلم، والمعنى متقارب.
* وقال أبو السعود: إشارة إلى وجوب المراجعة إلى العلماء فيما لا يعلم بالبينات والزبر بالمعجزات والكتب(18).
مما سبق يتبين وجه الدلالة وذلك بوجوب الرجوع إلى أهل العلم والخبرة والمعرفة في كل فن من الفنون، كل حسب فنه وعلمه وخبرته.
* قوله تعالى: " وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ "(19)
قال الإمام الرازي رحمه الله(20): هو أن يكون ذلك خطاباً غير مختص بأحد، أي هذا الذي هو ذكر هو كما قال "ولا ينبئك" أيها السامع كائنا من كنت "مثل خبير".
.......................................
15.سورة النحل/43.
16.التفسير الكبير للفخر الرازي19/210. دار إحياء التراث ط4/2001.
17.الجامع لأحكام القرآن: لأبي عبدالله محمد بن أحمد القرطبي10/72 دار الكتب العلمية ط1/1988.
18.تفسير أبي السعود: إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم: محمد بن محمد العمادي أبو السعود: دار إحياء التراث العربي بيروت.
19.سورة فاطر/14.
20.تفسير الرازي25/229.
وقال الإمام القرطبي رحمه الله: هو الله عز وجل؛ أي لا أحد أخبر بخلق الله من الله، فلا ينبئك مثله في عمله(21).
* وقال الشوكاني: أي لا يخبرك مثل من هو خبير بالأشياء عالم بها وهو الله سبحانه فإنه لا أحد أخبر بخلقه وأقوالهم وأفعالهم منه سبحانه وهو الخبير بكنه الأمور وحقائقها(22).
* وقال الإمام الألوسي: أي لا يخبرك بالأمر مخبر مثل خبيرا خبرك به يعني به تعالى نفسه كما روى عن قتادة وغيره فإنه سبحانه الخبير بكنه الأمور وهو خطاب للنبي ويجوز أن يكون غير مختص أي لا يخبرك أيها السامع كائنا من كنت مخبر هو مثل الخبير العالم الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء والمراد تحقيق ما أخبر سبحانه به من حال آلهتهم ونفي ما يدعون لهم من الآلهية (23).
ووجه الدلالة كما ذكر الإمام الألوسي رحمه الله في تفسير الآية أن يجوز أن يكون غير مختص بأحد. وبالتالي يجب الرجوع إلى أهل الخبرة والاختصاص لمعرفة الأمور على حقيقتها. والله أعلم.
* السنة النبوية:
1. حدثنا يحيى بن قزعة حدثنا إبراهيم بن سعد عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: "دخل علي قائف والنبي صلى الله عليه وسلم شاهد وأسامة بن زيد وزيد بن حارثة مضطجعان فقال إن هذه الأقدام بعضها من بعض قال فسر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم وأعجبه فأخبر به عائشة".(24)
حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا سفيان عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت:*
دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وهو مسرور فقال ( يا عائشة ألم تري أن مجززا المدلجي دخل فرأى أسامة وزيدا وعليهما قطيفة قد غطيا رؤوسهما وبدت أقدامهما فقال إن هذه الأقدام بعضها من بعض)(25)
* حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل علي مسرورا تبرق أسارير وجهه فقال ( ألم تري أن مجززا نظر آنفا إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد فقال إن هذه الأقدام بعضها من بعض)(26)(27)
....................................
21.تفسير القرطبي 14/245.
22.فتح القديرالجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير: محمد بن علي الشوكاني4/448.
23.تفسير الألوسي: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني محمود الألوسي أبو الفضل. دار إحياء التراث العربي - بيروت 22/183 .
24.هذه الروايات لفظ البخاري: صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري. كتاب فضائل الصحابة/ باب مناقب زيد بن حارثة2/463. دار الكتب العلمية ط1/2003.
25.صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري كتاب الفرائض/باب القائف.3/529.
26.صحيح البخاري. كتاب الفرائض/باب القائف.
27.والحديث خرجه بألفاظ مختلفة في: صحيح مسلم، سنن أبي داود، سنن الترمذي، سنن ابن ماجة، مسند أحمد بن حنبل، صحيح ابن حبان، سنن الدارقطني وغيرها.
قال ابن حجر في الفتح: والقائف هو الذي يعرف الشبه ويميز الأثر، سمي بذلك لأنه يقفو الأشياء أي يتبعها فكأنه مقلوب من القافي، قال الأصمعي: هو الذي يقفو الأثر ويقتافه قفوا وقيافة والجمع القافة.
( ألم تري) والمراد من الرؤية هنا الإخبار أو العلم(28).
وجه الدلالة: أن الناس كانوا يقدحون في نسب أسامة كونه أسوداً وأبوه أبيض اللون، فلما شهد القائف بأن هذه الأقدام بعضها من بعض سرّ النبي صلى الله عليه وسلم بتلك الشهادة التي أزالت التهمة حتى برقت أسارير وجهه من السرور، والرسول صلى الله عليه وسلم أقرّ القائف إلحاقه أسامة بنسب أبيه، والرسول لا يقر ولا يسرّ إلا بالحق. وسروره دليل على ثبوت العمل بخبر القافة (29)
2. وحدثنا يحيى بن يحيى التميمي وأبو بكر بن أبي شيبة كلاهما عن هشيم ( واللفظ ليحيى ) قال أخبرنا هشيم عن عبدالعزيز بن صهيب وحميد عن أنس بن مالك أن ناسا من عرينة قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فاجتووها فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن شئتم أن تخرجوا إلى إبل الصدقة فتشربوا من ألبانها وأبوالها ) ففعلوا فصحوا ثم مالوا على الرعاة فقتلوهم وارتدوا عن الإسلام وساقوا ذود رسول الله صلى الله عليه وسلم فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فبعث في أثرهم فأتى بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وتركهم في الحرة حتى ماتوا.(30)
* وفي الرواية الأخرى لمسلم: وحدثنا هارون بن عبدالله حدثنا مالك بن إسماعيل حدثنا زهير حدثنا سماك بن حرب عن معاوية بن قرة عن أنس قال أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نفر من عرينة فأسلموا وبايعوه وقد وقع بالمدينة الموم ( وهو البرسام ) ثم ذكر نحو حديثهم وزاد وعنده شباب من الأنصار قريب من عشرين فأرسلهم إليهم وبعث معهم قائفا يقتص أثرهم.
* وكذلك جاء في رواية شرح معاني الآثار أن الرسول صلى الله عليه وسلم بعث معهم قائفا: " عن أنس بن مالك قال : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نفر من حي من أحياء العرب فأسلموا وبايعوه قال فوقع النوم وهو البرسام فقالوا يا رسول الله هذا الوجع قد وقع فلو أذنت لنا فخرجنا إلى الإبل فكنا فيها يعني قال نعم أخرجوا فكونوا فيها قال فخرجوا فقتلوا أحد الراعيين وذهبوا بالإبل قال وجاء الآخر وقد خرج فقال قد قتلوا صاحبي وذهبوا بالإبل قال وعنده شبان من الأنصار قريب من عشرين قال فأرسل إليهم الشبان النبي صلى الله عليه وسلم وبعث معهم قائفا فقص آثارهم فأتي بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمر أعينهم..."(31)
وجه الدلالة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قد استعان بالقائف في البحث والكشف عن مكان العرنيين، وذلك من خلال الكشف عن آثار أقدامهم بتتبع القائف لها.
..........................................
28.فتح الباري بشرح صحيح البخاري3/530. دار الكتب العلمية ط1/2003.
29.انظر: الإثبات بالخبرة/52.
30.صحيح مسلم. كتاب القسامة/باب حكم المحاربين والمرتدين 11/153 وما بعهدها. دار الكتب العلمية ط1/1990.
31.شرح معاني الآثار 3/180 . شرح معاني الآثار: أحمد بن محمد بن سلامة بن عبدالملك بن سلمة أبو جعفر الطحاوي: دار الكتب العلمية بيروت ط1/ 1399 تحقيق : محمد زهري النجار.
[COLOR="red"]
القضـــاء بالخـــبرة
* المقدمة:
الحمد الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على سيدي وقرة عيني، نور العيون وسراج القلوب، القائل: " إنّما الأعمال بالنيات " (1) فأسأله تعالى العلي العظيم أن يكون هذا الجهد خالصاً لوجهه الكريم- ، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى سنته ، وسار على نهجه من الحياة إلى الممات ، سيما أئمتنا الأربعة المتبوعين ، الذين تلقتهم الأمة بالقبول ، أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد ، وعلى مقلديهم إلى يوم الدين .
وبعد :
فهذه دراسة متواضعة لموضوع " القضاء بالخبرة " ، حاولت فيه قدر جهدي تجلية الأمر فيه وتوضيحه، مع ذكر لأقوال العلماء وأدلتهم لما ذهبوا إليه، واقتصرت في ذكر أهم مجالاته على قول السادة الحنفية، مع تبيان لها، وذكر مصادرها.
وقد قسمت الدراسة إلى مقدمة وأربعة فصول وخاتمة .
واشتمل الفصل الأول على ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: في التعريف اللغوي لعنوان البحث.
المبحث الثاني: المعنى الاصطلاحي للخبرة.
المبحث الثالث: العلاقة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي.
الفصل الثاني: واشتمل على أربعة مباحث:
مشروعية الخبرة وأهميتها
الأدلة على الخبرة من الكتاب والسنة وعمل الصحابة والمعقول.
حكم الرجوع إلى أهل الخبرة.
الشروط الواجب توافرها في الخبير.
الفصل الثالث: أقوال الفقهاء في القضايا التي تعتمد على قول أهل الخبرة، وتضمن ثلاثة مباحث:
العمل بخبرة المترجم
العمل بقول الطبيب والطبيبة والقابلة.
العمل بخبرة القاسم.
الفصل الرابع:
* بعض نصوص السادة الأحناف في العمل بالخبرة.
.................................................. ....
1.البخاري/ كتاب بدء الوحي . عن عمر بن الخطاب . حديث رقم 1 ، مسلم/ كتاب الإمارة رقم الحديث 1907 .
الخاتمة: وضمنتها أهم النتائج.
فإن كنت قد وفقت فبضل الله ومنّته وكرمه عليّ، وإن كانت الأخرى فمني والشيطان، والله أسأل السلامة من الإثم وما يتبعه، وأن يجنبني الزلل والخطل بحسن قصدي وتوجهي.
وأسأله تعالى أن يتقبله مني، وأن يجعل تعبي فيه وسيلة لنجاتي، وذخيرة لمعادي، إنّه ولي ذلك والقادر
عليه.
والحمد لله رب العالمين
وكتبه راجي عفو ربه:
لؤي بن عبد الرؤوف الخليلي الحنفي.
الفصل الأول: المبحث الأول.
المعنى اللغوي:
قضي: القضاء: الحكم، وأصله قضايٌ لأنه من قضيت إلا أن الياء لما جاءت بعد الهمز همزت.
والجمع: أقضية، والقضية مثله والجمع قضايا.
وقضى عليه يقضي قضاء وقضية.
والقاضي: القاطع للأمور المحكم لها. واستقضي فلان: أي جعل قاضيا يحكم بين الناس، وقضّى الأمير قاضياً: كما تقول: أمّر الأمير قاضياً. وتقول: قضى بينهم قضية وقضايا.
والقضايا: الأحكام واحدتها قضية. وفي صلح الحديبية: هذا ما قاضى عليه محمد صلى الله عليه وسلم.
والقضاء: القطع والفصل. يقال: قضى يقضي قضاء فهو قاضٍ إذا حكم وفصل.
وقضاء الشيء: إحكامه وإمضاؤه والفراغ منه فيكون بمعنى الخلق.
والقضاء في اللغة على وجوه مرجعها إلى انقطاع الشيء وتمامه. وكل ما أحكم عمله أو أتمّ أو ختم أو أدّي أداء أو أُوجِب أو أُعلم أو أُنفِذ أو أُمضِي فقد قُضيَ.
والقضاء: الإعلام ومنه قوله تعالى" وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب"؛ أي أعلمناهم إعلاماً قاطعاً، ومنه القضاء للفصل في الحكم ومنه قوله تعالى: "ولولا أجل مسمىً لقضي بينهم" أي لفصل الحكم بينهم، ومثله: قد قضى القاضي بين الخصوم: أي قطع بينهم في الحكم(2).
خبر: الخبير: من أسماء الله عز وجل العالم بما كان وما يكون. وخَبُرتُ بالأمر أي علمته. وخَبَرتُ الأمر أخْبُرُه إذا عرفته على حقيقته. وقوله تعالى: " فاسأل به خبيرا؛ أي اسأل عنه خبيراً يَخْبُرُ.
والخَبَرُ: واحد الأخبار، والخبرُ: ما أتاك من نبأ عمن تستخبر.
وأخبره: نبأه. واستخبره: سأله عن الخبر وطلب أن يخبره. والاستخبار والتخبر: السؤال عن الخبر، وطلب أن يخبره به. ويقال استخبر الخبر.
والخابر: المختبر المجرب. ورجل خابر وخبير: عالم بالخبر.
وأخبره خُبُوره: أنبأه ما عنده.
والمخْبَرة والمخْبُرة: العلم بالشيء؛ تقول: لي به خبر، وقد خبَرَه يخبُره خُبراً وخُبِرة.
والخبرة: الاختبار، والخبير: العالم؛ قال المنذري: سمعت ثعلباً يقول في قوله: كفى قوماً بصاحبهم خبيراً.
والخبير: الذي يخبر الشيء بعلمه(3).
.................................................
2.انظر: لسان العرب15/186 وما بعدها، باب قضي: جمال الدين محمد بن منظور. دار صادر ط3/1994، القاموس المحيط: محمد بن يعقوب الفيروزآبادي 4/548 باب الواو والياء-فصل القاف، دار إحياء التراث العربي ط1/1991، المعجم الوسيط:د. إبراهيم أنيس وأصحابه2/742 ط2.
3.انظر: لسان العرب: أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم بن منظور.4/226 فصل الخاء المعجمة.دار صادر ط3/1994 . المعجم الوسيط1/214 باب خبر ط2/د.ابراهيم أنيس وأصحابه.القاموس المحيط2/25 باب الراء فصل الخاء. دار احياء التراث ط1/1991.
* المبحث الثاني:
المعنى الإصطلاحي للخبرة عند الفقهاء:
من خلال تتبعي لكتب الفقه الحنفي التي بين يدي لم أقف للفقهاء فيها على تعريف للخبرة، وكذلك كتب اللغة التي اهتمت بالتعريفات الواردة في كتب فقهاء أئمتنا كالمُغرب للمطرزي(4)، وأنيس الفقهاء للقوْنوي(5)، وطِلبة الطلبة للنسفي.(6)
إلا أني قد وقفت على بعض التعريفات في غير كتب أئمتنا رضوان الله عليهم جميعاً، نذكر طرفاً منها:
.......................................
4. المغرب في اللغة للإمام أبي الفتح ناصر الدين بن عبد السيد بن علي الخوارزمي المطرزي الأديب الحنفي، ولد سنة 536 وتوفى رحمه الله سنة 610 .كان إماماً في الفقه والعربية واللغة، رأساً في الاعتزال ، لسان البرهان سحبان البيان عديم النظير في الفقه وأصوله .كان يقال : هو خليفة الزمخشري .قرأ على أبيه ثم على الموفق أحمد بن محمد المكي تلميذ الزمخشري، وسمع الحديث من أبي عبدالله محمد بن علي التاجر، وتفقّه على البقالي محمد بن أبي القاسم. قال اللكنوي: طالعت المصباح وهو مختصر متداول، وشرح المقامات فيه فوائد ونكات، والمغرب تكلم فيه على الألفاظ التي يستعملها الفقهاء وهو مفيد جداً . قال ابن خلكان وهو للحنفية ككتاب الأزهري والمصباح المنير للشافعية تكلَّم فيه على الألفاظ الذي يستعملها الفقهاء من الغريب.
قال ابن الشحنة: وله المعرب وهو مطوَّل المغرب وفيه فوائد جليلة، وضبطه المولى طاشكبرى زاده في نوادر الأخبار المعرّب بتشديد الراء في شرح المغرب قال وهو كبير قليل الوجود.
وله من المصنفات: الإيضاح في شرح المقامات للحريري، الإقناع لما حوى تحت القناع،مختصر إصلاح المنطق لابن السكيت يعقوب بن إسحاق، المصباح في النحو، مقدمة في المنطق .
انظر: مفتاح السعادة1/122، هدية العارفين2/ 488، كشف الظنون2/1747، تاج التراجم/ 309، الفوائد البهية/ 358، الجواهر المضية4/ 528.
5. القونوي: قاسم بن عبدالله الرومي الحنفي. انظر: هدية العارفين1/832، ذيل كشف الظنون1/149، معجم المؤلفين لكحالة2/644.
6. لنجم الدين أبي حفص عمر بن محمد النسفي، وهو في اللغة على ألفاظ كتب أصحاب الحنفية .
جاء في مقدمة النسخة المطبوعة: قال الإمام الزاهد نجم الدين زين الإسلام فخر الأئمة أبو حفص عمر بن محمد بن أحمد النسفي رحمه الله : سألني جماعة من أهل العلم شرح ما يشكل على الأحداث الذين فلّ اختلافهم في اقتباس العلم والأدب ، ولم يمهروا في معرفة كلام العرب من الألفاظ العربية المذكورة في كتب أصحابنا الأخيار ، وما أورده مشايخنا في نكتها من الأخبار ، إعانة لهم على الإحاطة بكلها ، وإغناء عن الرجوع إلى أهل الفضل لحلّها ، فأجبتهم إلى ذلك اغتناما لمسألتهم ، ورغبة في صالح أدعيتهم ، والله الموفق الثيب ، عليه توكلت وإليه أنيب .
وذكر صاحب الجواهر المضيّة في ترجمة أبي اليسر البزدوي أنَّ طلبة الطلبة لركن الأئمة عبد الكريم بن محمد بن أحمد الصَّباغي المديني .
قلت : لم يذكر صاحب هدية العارفين كتاب الطلبة في ترجمة النسفي ، وذكره في ترجمة الصباغي عبد الكريم بن محمد ونسبه إليه وذكر أنَّ له ايضا شرح مختصر القدوري . ونسبه طاشكبرى زاده في مفتاح السعادة للنسفي .
قال السمعاني: كان إماماً فاضلاً مبرزاً متقناً، وصنَّف في كل نوع من العلم في التفسير والحديث والشروط ، صنَّف قريباً من مائة مصنف ، وقد استقريت مصنفاته فرأيت فيها أوهاماً كثيرة فعرفت أنَّه كان ممن أحبَّ الحديث وطلبه ولم يرزق مهلة التجريد .وقال صاحب تاج التراجم: ومن ذا سلم من ذا . وكان له شعر حسن .
انظر : كشف الظنون2/1114 ، مفتاح السعادة1/123 ،ت/219 ، النسخة المطبوعة . دار القلم ط1/ 1406 بتحقيق الشيخ خليل الميس .
* عرفها الإمام الجرجاني(7) رحمه الله بقوله: المعرفة ببواطن الأمور.
* وعرفها الأحوذي بقوله: هي العلم بالخفايا الباطنة.
وعرّف الخبير بقوله: العالم ببواطن الأشياء(8).
* وعرف العلاء الحصني أهل الخبرة بقوله: أنهم أرباب المعرفة بكل تجارة وصنعة(9).
...............................
7.التعريفات/131: علي بن محمد بن علي الجرجاني: دار الكتاب العربي بيروت الطبعة الأولى/ 1405 تحقيق : إبراهيم الأبياري
للفاضل العلامة السيد الشريف على بن محمد أبو الحسن الجرجاني ، المحقق الحنفي ولد بجرجان سنة 740 للسّيد الشَّريف الجُرجاني علي بن محمد بن علي أبو الحسن المحقق الحنفي ، عالمٌ نحرير قد حاز قصبات السَّبق في التحرير ، فصيح العبارة دقيق الإشارة فارس في البحث والجدل .
ولد بجرجان سنة 740، وصرفَ مُناه نحو العربية في صباه ، ووصل إلى أقصى مداه حتى قيل أنَّه علَّق على الوافية في صباه ، ثم صنَّف كُتبا في النَّحو بالفارسية ثم في العلوم العقليّة والنَّقلية .
وهو مختصر جمع فيه تعريفات الفنون على الحروف. توفى رحمه الله بشيراز سنة 816 . وله من المصنفات الكثير منها:الأجوبة لأسئلة الاسكندر من ملوك تبريز ،الإشارات والتنبيهات، الفية في المعمى والالغاز، تعليقة على عوارف المعارف للسهروردي.
وغير ذلك . انظر هدية العارفين1/ 728 ، كشف الظنون2 / 1716 ، الفوائد البهية/ 212 ، مفتاح السعادة 1/ 192 .
8.الأحوذي: أبو العلاء محمد عبد الرحمن المباركفوري. تحفة الأحوذي9/340 دار الكتب العلمية، نقلاً عن: الاثبات بالخبرة لعبد الناصر شنيور/38 دار النفائس.
9.انظر: الدر المنتقى على الملتقى3/59 دار الكتب العلمية مطبوع بحاشية مجمع الأنهر. ملتقـى الأبحـر :للشيخ الإمام إبراهيم بن محمد الحلبي المتوفى رحمه الله سنة 956 . جعله مشتملاً على مسائل القُدوري والمختار والكنز والوقاية بعبارة سهلة ، وأضاف إليه بعض ما يُحتاج إليه من مسائل المجمع ونبذة من الهداية ، وقدَّم من أقاويلهم ما هو الأرجح وأخَّر غيره ، واجتهد في التَّنبيه على الأصحّ والأقـوى وما هو المختار للفتوى ، وفي عدم ترك شيء من مسائل الكتب الأربعة ، ولهذا بلغ صيته في الآفاق ، ووقع على قبوله بين الحنفية الإتفاق .
العلاء الحصكفي محمد بن علي بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن حسن الحصني الأصل الحنفي المفتي بدمشق الحِصني الأصل الدمشقي الحَصْكَفي " نسبة إلى حصن كيفا، وهو من ديار بكر، وحصن كيفا على دجلة بين جزيرة ابن عمر وميافارقين ) الحنفي ، فقيه أصولي محدِّث مفسِّر نَحوي ، ولد بدمشق سنة 1021 . قرأ على محمد أفندي المحاسني، وارتحل إلى الرَّملة وأخذ عن خير الدين بن أحمد الخطيب، ودخل القدس وأخذ عن فخر الدّين بن زكريا ، وحجَّ وأخذ في المدينة عن أحمد القشاشي ، وتولى إفتاء الحنفية بدمشق . توفى رحمه الله سنة 1088 ، ودفن بمقبرة الباب الصغير.
قال فيه ابن عابدين في مقدمة حاشيته: وقد أقر له بالفضل والتحقيق مشايخه وأهل عصره حتى قال شيخه الشيخ خير الدين الرملي في إجازته له: وقد بدأني بلطائف أسئلة وقفت بها على كمال روايته وسعة ملكته، فأجبته غير موسع عليه، فكرّر عليّ ما هو أعلى فزدته فزاد ، فرأيت جواد رهانه في غاية المكنة والسبق ، فبعدت له الغاية فأتاها مستريحاً لا يخفق ، مستبصراً لا يطرق ، فلمّا تبين لي أنه الرجل الذي حُدثت عنه وصلت به إلى حالة يأخذ مني وآخذ منه انظر : هـدية العارفين2/ 295 ، كشف الظنون2/1815، ذيل الكشف1/ 428 ، الأعلام6/ 294 ، معجم المؤلفين11/ 56 ، مقدمة حاشية ابن عابدين " رد المحتار " . النسخة الأزهرية المخطوطة رقم 326131.
* وعرّف المناوي الخبير بقوله: ( الخبير ) العليم ببواطن الأمور من الخبرة وهو العلم بالخفايا الباطنة أو المتمكن من الإخبار عما علمه (10).
* وعرفها الألوسي: الخبرة معرفة بواطن الأمور كما ذكره الراغب ومن عَلِم البواطن علم الظواهر بالطريق الأولى(11).
* وعرفها الدكتور وهبة الزحيلي بقوله: هي الاعتماد على رأي المختصين في حقيقة النزاع بطلب من القاضي(12).
* وعرّفها الدكتور محمد الزحيلي بقوله: الإخبار عن حقيقة الشيء المتنازع فيه بطلب من القاضي(13).
ثم قال: فالإخبار جنس في التعريف يتناول الإخبار عن حقيقة المتنازع فيه وغير المتنازع فيه، والإخبار بالشهادة والرواية والإقرار، والإخبار ظاهرا وباطناً
عن حقيقة الشيء: يخرج الإخبار عن الأمور بشكل ظاهري.
المتنازع فيه: يخرج الإخبار الذي يقوم به أحد الخبراء لشخص معين في مصلحة معينة.
بطلب من القاضي: يخرج الإخبار عن حقيقة الشيء دون طلب من القاضي.
* وعرفها عبد الناصر شنيور بأنها: وسيلة إثبات علمية يقوم بها أهل العلم والاختصاص بناء على طلب القاضي؛ لإبداء رأيهم في الأمر المتنازع فيه؛ لإظهار الحقيقة، ولا يستطيع القاضي القيام بذلك بنفسه(14).
* المبحث الثالث:
* العلاقة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي:
مما تقدم من تعريفات يتبين بأن الكلّ متفقون على وجوب المعرفة والعلم التامين للخبير في الأمر المتنازع فيه على حقيقته، والذي طلب منه بيان رأيه فيه بناء على طلب القاضي.
وقد يذكر الفقهاء الخبرة بألفاظ أخرى كالمعرفة والتجربة وغيرها، مما نبينه لاحقاً إن شاء الله في نقل نصوصهم بضرورة تحكيم أهل الخبرة والمعرفة.
..........................
10.فيض القدير شرح الجامع الصغير2/483: عبد الرؤوف المناوي: المكتبة التجارية الكبرى مصر الطبعة الأولى/ 1356
11.روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني المؤلف : محمود الألوسي أبو الفضل 19/38 : دار إحياء التراث العربي - بيروت
12.الفقه الإسلامي وأدلته8/6288. نقلاً عن الإثبات بالخبرة/38.
12.وسائل الإثبات في الشريعة الإسلامية2/594.مكتبة دار البيان ط2/1994.
14.الإثبات بالخبرة: عبد الناصر محمد شنيور/39.
الفصل الثاني: المبحث الأول
* مشروعية الخبرة وأهميتها:
ثبتت مشروعية الخبرة كوسيلة من وسائل الإثبات في القضاء بالكتاب والسنة وعمل الصحابة والمعقول.
ونقل صاحب الإثبات بالخبرة عبد الناصر شنيور الإجماع على ذلك، ونقله الإجماع ليس نقلاً عن أحد وإنما اجتهاد منه، وإن كنا لا نوافقه.
وسنقتصر على إيراد دليل واحد أو اثنين لما سبق، مع بيانه وتوضيح وجه دلالته؛ حتى لا نطيل فنخرج عن مضمون البحث.
المبحث الثاني: الأدلة من الكتاب والسنة وعمل الصحابة والمعقول.
* القرآن الكريم:
* قال تعالى: " فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ "(15) .
وسنذكر بعضاً من أقوال أهل التفسير في الآية:
قال الإمام الرازي رحمه الله: والمراد بأهل الذكر وجوه(16):
قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد أهل التوراة، والذكر هو التوراة.
قال الزجاج: فاسألوا أهل الكتب الذين يعرفون معاني كتب الله تعالى، فإنهم يعرفون أن الأنبياء كلهم بشر.
أهل الذكر أهل العلم بأخبار الماضيين، إذ العالم بالشيء يكون ذاكرا له.
قال الزجاج: معناه سلوا كل من يذكر بعلم وتحقيق.
* وقال الإمام القرطبي رحمه الله(17): قيل: المعنى فاسألوا أهل الكتاب فإن لم يؤمنوا فهم معترفون بأن الرسل كانوا من البشر... وقال ابن عباس: أهل الذكر أهل القرآن. وقيل أهل العلم، والمعنى متقارب.
* وقال أبو السعود: إشارة إلى وجوب المراجعة إلى العلماء فيما لا يعلم بالبينات والزبر بالمعجزات والكتب(18).
مما سبق يتبين وجه الدلالة وذلك بوجوب الرجوع إلى أهل العلم والخبرة والمعرفة في كل فن من الفنون، كل حسب فنه وعلمه وخبرته.
* قوله تعالى: " وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ "(19)
قال الإمام الرازي رحمه الله(20): هو أن يكون ذلك خطاباً غير مختص بأحد، أي هذا الذي هو ذكر هو كما قال "ولا ينبئك" أيها السامع كائنا من كنت "مثل خبير".
.......................................
15.سورة النحل/43.
16.التفسير الكبير للفخر الرازي19/210. دار إحياء التراث ط4/2001.
17.الجامع لأحكام القرآن: لأبي عبدالله محمد بن أحمد القرطبي10/72 دار الكتب العلمية ط1/1988.
18.تفسير أبي السعود: إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم: محمد بن محمد العمادي أبو السعود: دار إحياء التراث العربي بيروت.
19.سورة فاطر/14.
20.تفسير الرازي25/229.
وقال الإمام القرطبي رحمه الله: هو الله عز وجل؛ أي لا أحد أخبر بخلق الله من الله، فلا ينبئك مثله في عمله(21).
* وقال الشوكاني: أي لا يخبرك مثل من هو خبير بالأشياء عالم بها وهو الله سبحانه فإنه لا أحد أخبر بخلقه وأقوالهم وأفعالهم منه سبحانه وهو الخبير بكنه الأمور وحقائقها(22).
* وقال الإمام الألوسي: أي لا يخبرك بالأمر مخبر مثل خبيرا خبرك به يعني به تعالى نفسه كما روى عن قتادة وغيره فإنه سبحانه الخبير بكنه الأمور وهو خطاب للنبي ويجوز أن يكون غير مختص أي لا يخبرك أيها السامع كائنا من كنت مخبر هو مثل الخبير العالم الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء والمراد تحقيق ما أخبر سبحانه به من حال آلهتهم ونفي ما يدعون لهم من الآلهية (23).
ووجه الدلالة كما ذكر الإمام الألوسي رحمه الله في تفسير الآية أن يجوز أن يكون غير مختص بأحد. وبالتالي يجب الرجوع إلى أهل الخبرة والاختصاص لمعرفة الأمور على حقيقتها. والله أعلم.
* السنة النبوية:
1. حدثنا يحيى بن قزعة حدثنا إبراهيم بن سعد عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: "دخل علي قائف والنبي صلى الله عليه وسلم شاهد وأسامة بن زيد وزيد بن حارثة مضطجعان فقال إن هذه الأقدام بعضها من بعض قال فسر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم وأعجبه فأخبر به عائشة".(24)
حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا سفيان عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت:*
دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وهو مسرور فقال ( يا عائشة ألم تري أن مجززا المدلجي دخل فرأى أسامة وزيدا وعليهما قطيفة قد غطيا رؤوسهما وبدت أقدامهما فقال إن هذه الأقدام بعضها من بعض)(25)
* حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل علي مسرورا تبرق أسارير وجهه فقال ( ألم تري أن مجززا نظر آنفا إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد فقال إن هذه الأقدام بعضها من بعض)(26)(27)
....................................
21.تفسير القرطبي 14/245.
22.فتح القديرالجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير: محمد بن علي الشوكاني4/448.
23.تفسير الألوسي: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني محمود الألوسي أبو الفضل. دار إحياء التراث العربي - بيروت 22/183 .
24.هذه الروايات لفظ البخاري: صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري. كتاب فضائل الصحابة/ باب مناقب زيد بن حارثة2/463. دار الكتب العلمية ط1/2003.
25.صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري كتاب الفرائض/باب القائف.3/529.
26.صحيح البخاري. كتاب الفرائض/باب القائف.
27.والحديث خرجه بألفاظ مختلفة في: صحيح مسلم، سنن أبي داود، سنن الترمذي، سنن ابن ماجة، مسند أحمد بن حنبل، صحيح ابن حبان، سنن الدارقطني وغيرها.
قال ابن حجر في الفتح: والقائف هو الذي يعرف الشبه ويميز الأثر، سمي بذلك لأنه يقفو الأشياء أي يتبعها فكأنه مقلوب من القافي، قال الأصمعي: هو الذي يقفو الأثر ويقتافه قفوا وقيافة والجمع القافة.
( ألم تري) والمراد من الرؤية هنا الإخبار أو العلم(28).
وجه الدلالة: أن الناس كانوا يقدحون في نسب أسامة كونه أسوداً وأبوه أبيض اللون، فلما شهد القائف بأن هذه الأقدام بعضها من بعض سرّ النبي صلى الله عليه وسلم بتلك الشهادة التي أزالت التهمة حتى برقت أسارير وجهه من السرور، والرسول صلى الله عليه وسلم أقرّ القائف إلحاقه أسامة بنسب أبيه، والرسول لا يقر ولا يسرّ إلا بالحق. وسروره دليل على ثبوت العمل بخبر القافة (29)
2. وحدثنا يحيى بن يحيى التميمي وأبو بكر بن أبي شيبة كلاهما عن هشيم ( واللفظ ليحيى ) قال أخبرنا هشيم عن عبدالعزيز بن صهيب وحميد عن أنس بن مالك أن ناسا من عرينة قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فاجتووها فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن شئتم أن تخرجوا إلى إبل الصدقة فتشربوا من ألبانها وأبوالها ) ففعلوا فصحوا ثم مالوا على الرعاة فقتلوهم وارتدوا عن الإسلام وساقوا ذود رسول الله صلى الله عليه وسلم فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فبعث في أثرهم فأتى بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وتركهم في الحرة حتى ماتوا.(30)
* وفي الرواية الأخرى لمسلم: وحدثنا هارون بن عبدالله حدثنا مالك بن إسماعيل حدثنا زهير حدثنا سماك بن حرب عن معاوية بن قرة عن أنس قال أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نفر من عرينة فأسلموا وبايعوه وقد وقع بالمدينة الموم ( وهو البرسام ) ثم ذكر نحو حديثهم وزاد وعنده شباب من الأنصار قريب من عشرين فأرسلهم إليهم وبعث معهم قائفا يقتص أثرهم.
* وكذلك جاء في رواية شرح معاني الآثار أن الرسول صلى الله عليه وسلم بعث معهم قائفا: " عن أنس بن مالك قال : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نفر من حي من أحياء العرب فأسلموا وبايعوه قال فوقع النوم وهو البرسام فقالوا يا رسول الله هذا الوجع قد وقع فلو أذنت لنا فخرجنا إلى الإبل فكنا فيها يعني قال نعم أخرجوا فكونوا فيها قال فخرجوا فقتلوا أحد الراعيين وذهبوا بالإبل قال وجاء الآخر وقد خرج فقال قد قتلوا صاحبي وذهبوا بالإبل قال وعنده شبان من الأنصار قريب من عشرين قال فأرسل إليهم الشبان النبي صلى الله عليه وسلم وبعث معهم قائفا فقص آثارهم فأتي بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمر أعينهم..."(31)
وجه الدلالة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قد استعان بالقائف في البحث والكشف عن مكان العرنيين، وذلك من خلال الكشف عن آثار أقدامهم بتتبع القائف لها.
..........................................
28.فتح الباري بشرح صحيح البخاري3/530. دار الكتب العلمية ط1/2003.
29.انظر: الإثبات بالخبرة/52.
30.صحيح مسلم. كتاب القسامة/باب حكم المحاربين والمرتدين 11/153 وما بعهدها. دار الكتب العلمية ط1/1990.
31.شرح معاني الآثار 3/180 . شرح معاني الآثار: أحمد بن محمد بن سلامة بن عبدالملك بن سلمة أبو جعفر الطحاوي: دار الكتب العلمية بيروت ط1/ 1399 تحقيق : محمد زهري النجار.
[COLOR="red"]
تعليق