إسْبَالُ الثيَابِ للرجَالِ أسْفلَ الكعْبيْن لَهُ ثلاثُ حَالات :
الحَالةُ الأوْلى : أنْ يَكوْنَ لكبْر وَخُيَلاء ، ففيْه وَجْهَان :
الوَجْهُ الأولُ: أنّهُ مَكْروهٌ وليْسَ مُحَرّماًُ ، واخْتاره جَمْعٌ منْ الأصْحَاب ، وَمنْ أوْلئك :
الإمَامُ ابنُ قُدامَة المَقْدسي _ يَرْحَمهُ الله _ في كتابيْه "الكافي" (1/142) ، و"المُقْنع" (45).
والإمَامُ أبَوالخَطاب الكلْوَذاني _ يَرْحَمهُ اللهُ _ في "الهدَايَة" (1/32) .
والإمَامُ الدُّجيلي _ يرْحمه اللهُ_ في "الوجيز" (1/656).
وكذا الإمَامُ ابنُ حمْدان في " الرعاية الصُغْرى" وابن المُنجا في " المذهب" . وغيرهم من الأصْحاب .
قال الإمَامُ المَرْداوي _ يَرْحَمهُ اللهُ _ في "الأنْصَاف" (1/472) :
( وهذا ضَعيْفٌ جداً ، إنْ أرَادُوا كَرَاهةَ التنزيْه) .
تنبيه : حمل بعْض الأصْحاب ( الكراهة) هنا على كراهة التحْريم ، ومن أولئك : الإمامُ ابنُ بَهاء البغْدادي _ يرْحمه الله_ كما في كتابه " فتح الملك العزيز" (1/656) ، حيث قال : (والكَرَاهةُ في هذا كراهة تحْريم لمن قصد به الخُيلاء).
تنبيه : وَهم الإمامُ المَرْدَاوي _ يَرْحمُهُ اللهُ _ عنْدَمَا عَزا هذا القولَ لكتاب "المُسْتوعب" للإمَام السَامُري ، إذْ إنّ صَاحبَ "المُسْتوعب" جَزمَ في كتابه المَذْكور: بالحُرْمَة ؛ فقال في (2/436) : ( لا يَحلُّ لأحد أنْ يَجرّ ذيْلهُ بَطراً وَخُيَلاء ) .
والسَهو ظاهرٌ ، وَجلّ منْ لا يَسْهُو .
الوَجْهُ الثاني : أنّهُ مُحرمٌ وكبيْرة ، وهو المُعْتمد ، وعليه جمهورُ الأصْحاب المتأخريين ، ولحرمته قيدان :
الأول : أنْ لا تكون هناك ثمة حاجة . الثاني : أنْ لا يكون ذلك لحرب .
قال ابْنُ أبي عُمَرَ في شرْحِهِ (1/471) : ( فإنْ فَعلَهُ خُيَلاء فهو حَرَامٌ ) .
قال ابنُ مفلح _ يرْحمه الله_ في "الفروع" (2/59) : ( ويحرُمُ في الأصحّ _ وهو ظاهر كلام الإمام أحمد ، بل كبيرة_ إسْبالُ ثيابهِ خُيلاء في غير حربٍ ولا حاجةٍ ).
قال الإمامُ المرْداوي _ يرْحمه الله_ في "الإنْصاف" (1/472) : ( ه>ا عينُ الصوَاب الذي لا يُعْدل عنه . وهو المَ>هب ، وهوظاهر نص الإمام أحمد )
قال الإمامُ ابن النجار الفتوحي _ يرْحمه الله _ في "المنتهى" مع شرحه للإمام البهوتي (1/317) : ( وحرُمَ أنْ يُسْبلها بلاحاجة خُيلاء في غير حرب).
قال الإمامُ مرعي الكرمي في ( غاية المُنْتهى) مع شرحه للإمام الرحيْباني (1/364) : ( وحرُم وهو كبيرةٌ في غيْر حرْب إسْبالُ شيء من ثيابه خيلاء ولو عمامة وسراويل).
تنبيه : لو أسْبل إزَارَهُ لحَاجَةٍ مع خُيَلاء حرُمَ على الأصح .
ولذلك أدلةٌ كثيْرة ، منها :
1- ما أخرجهُ الإمامُ البخاري (5788) ، والإمامُ مُسْلمٌ (2087) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( منْ جَرّ ثوْبَهُ خُيَلاء لمْ يَنْظر اللهُ إليْهِ) .
2- ما رواه أبو سعيد الخدري _ رضي الله عنه_ قال : قال رسول الله _صلى الله عليه سلم_ : ( ما كان أسفل من الكعْبين فهو في النار ، من جر إزاره بطراً لم ينظر الله إليه) . أخرجه أبوداود في سننه (4/59)، وابن ماجه (2/1183).
تنبيه : لابن قدامة المقْدسي _ رحمه الله_ قولان ظاهرهما التعارض ، في ه>ه الصورة ؛ فجزم في "المغني" (2/298) بالحرمة . حيث قال : ( فإنْ فعل >لك على وجه الخيلاء حَرُمَ ) ، وجزم في "الكافي" (1/142) بالكراهة ، حيث قال : ( ويكره إسْبالُ القميص والإزار والسراويل اختيالاً ) . وجزم بالكراهة ايضاً في " المُقْنع" (45) : ( ويكره إسبالُ شيء من ثيابه خيلاء ).
و للإمام المرْداوي _ يرْحمه الله_ كلامٌ ظاهره الميْل إلى أنّ المقْصودَ بالكراهة عند الإمام ابن قدامة : كراهة التحْريْم ، وبهذا جزمَ الإمَامُ ابن بهاء الحنبلي في "فتح الملك العزيز" (1/656) ، حيث قال : ( والكَرَاهةُ في هذا كراهة تحْريم لمن قصد به الخُيلاء).
قلتُ : ليس الأمرُ كدلك ، بل الأرجح أنّ مقْصُودَ الإمامِ ابنِ قُدَامة المقدسي : كراهة التنْزيه ، لعلل ثلاث :
العلة الأولى : أنّ الإمامَ المرْداوي نفْسَه قدّم اعْتمَادَ كتاب " الكافي" على غيْره ، كما في مقدمة كتابه "تصحيْح الفروع"(1/32).
العلة الثانية : أنّ الإمامَ ابن قدامة_ رحمه الله_ أدرك التفريقَ الأصولي بين الأحكام التكليفية ، فهو يُفرق بين الكراهة والتحريم اصطلاحاً ، بدليل تقسيمه الأحكام في مُصنّفاته ، فتجده يقول : ( يحرم كذا وكذا ويكره كذا كذا) فلو أراد بالكراهة التحريمَ لصرّح بذلك .
العلّة الثالثة : إنّ الإمامَ ابن قدامة _رحمه الله_ أدرج هذه المسْألة ضمن مسائل مكروهات كراهة تنْزيه ، وأشْرَكهنّ بحكم اصطلاحي واحد .
أما قول الإمامُ المرداوي في الإنصاف : (وهو الأليق )، فإنْ كان يقْصدُ منْ حيْثُ الادلة الشرْعيّة ، فهو كدلك ، وإنْ كان يَقصدُ بهِ منْ حيْثُ نسْبتُهُ للإمَام ابن قدَامة ، فالأمرُ على ما سبق .
الحَالة الثانية : أنْ يكونَ الإسْبالُ لغيْر خيلاء ولا حاجةٍ ولا حربٍ . ففيه عن الإمام أحمد ثلاث روايات ، ذكرها جمع من الأصحاب ، ومن أولئك : ابن مفلح المقدسي في "الفروع" (2/59) ، وكذا في كتابه " الآداب الشرعية" (4/171) ، والإمامُ المرْداوي في "الإنْصاف" (1/472). وغيرهما.
الرواية الأولى : أنه مكروهٌ ، كرَاهَةُ تنْزيْه ، وَهو المُعْتمدُ عنْدَ جُمْهور الأصْحَاب .
قال الإمامُ ابن مُفْلح المقدسي _ رحمه الله_ في "الفروع" (2/60) : ( ويُكره على الأصح تحت كعْبيه بلاحاجة).
قال الإمامُ المرْداوي _ يرحمه الله _ في الأنْصَاف (1/472) : ( يكْره زيادته إلى تحت كعبيْه بلا حاجة على الصحيْح من الروايتين ) .
قال الإمامُ برهان الدين بن مفلح _ يرْحمه الله _ في " المُبدع " ( 1/332) : (ويكره على الأصح : تحت كعبه بلا حاجة) .
قال الإمامُ مرعي الكرْمي_ يرحمه الله_ في "غاية المُنْتهى" (1/346) ( وكره كون ثيابه فوق نصف ساقه أو تحت كعبه بلا حاجة ) .
فائدة : اختار تقيُ الدين ابن تيمية _ يرْحمه الله_ عدم التحريم ، وسكتَ عنْ الكراهة ، قال ابن مفلح المقدسي في "الآداب الشرعية" (4/171) : (واختار الشيخ تقي الدين _ رحمه الله_ عدم تحريمه ، ولم يتعرض لكراهة ولاعدمها).
الرواية الثانية : التحريم . لظاهر قول الإمَام أحْمَدَ : ( ما أسْفل منْ الكعْبيْن في النّار ، لا يجر شيئاً من ثيابه).
قال الإمامُ ابنْ مفلح المقدسي _ يرْحمه الله_ في كتابه "الآداب الشرعية" ( 4/171) عُقيْب كلام الإمَام أحمد الآنف ذكْرُهُ : (وظاهر هذا التحريم ).
الرواية الثالثة : الإباحة .
قال ابنُ مفلح المقْدِسي _ يرْحمه اللهُ _ في " الآداب الشرعيّة " (4/171) : ( قال الإمَامُ أحْمدُ _ رضي اللهُ عنْهُ _ في رواية حنبل : جرُّ الإزار إذا لمْ يُرَد به الخُيلاء فلا بأس به ) ، قال ابن مفلح بعْدها : ( وظاهر هذا كلامُ غيْر واحد منْ الأصْحاب رحمهم الله ) .
قلتُ : ومنْ أولئك : النّاظم _ يرْحمه الله _ على ما حكاه عنه الإمامُ المرداوي في "الإنْصاف" (1/472) حيث قال : ( وذكر الناظم : منْ لمْ يخف خُيلاء لمْ يُكره . والأوْلى ترْكه ).
تنْبيْه : روايتا التحْريْمِ والإبَاحة ليْسَتا بمُعْتمدتيْن عنْد الأصْحَابِ .
الحالةُ الثالثة : أنْ يكونَ لحاجةٍ _ نحو كونه حَمْشْ الساقين أو حربٍ ، فهذا جائزٌ .
قال شمس الدين ابنُ مفلح _ يرْحمُهُ اللهُ _ في "الفروع" (1/59) : ( ويحْرم في الأصح إسبالُ ثيابه خيلاء غير حرب ولا حاجة ) .
قال الإمامُ المرْداوي _ يرْحمه الله_ في "الإنصاف" (472) : ( يجوز الإسْبالُ منْ غيْر خُيَلاءٍ لحاجة).
قال الإمَامُ ابنُ بهاء البغدادي _ يرْحمُهُ اللهُ_ في "فتح الملك العزيز" (1/657) : ( فأمّا منْ فعل ذلك على غير وجه الخيلاء بل كان منْ علّةٍ أو حاجَة فنصه أنّه لا بأس به . وهو اختيار القاضي أبي يعلى ).
قال الإمَامُ البُهوتي _ يرْحمُهُ اللهُ_ في "شرْحِهِ عَلَى المُنْتَهَى" (1/317) : (
قال الإمامُ مرْعي الكرْمي _ يرْحمه الله_ في " غاية المُنْتهى" (1/348) : ( فإنْ أسْبلَ لحاجةٍ كستر قبيح ولا خيلاء ولا تدْليْس : أبيحَ ).
تنبيه : قيّدَ الأصْحابُ إباحةَ الإسْبال لحاجة : بعدم إرادة التدليْس على النساء في ذلك .
فائدة : قولهم : "حمش الساقين" هو بالحاء المُهْمَلةِ وفَتْحِها ، وسكونِ الميم والشيْن المُعْجمةِ ، ومعناه : دقيق الساقين . قاله ابن قندس في " حَاشيَته على الفروع " (2/59) .
الحَالةُ الأوْلى : أنْ يَكوْنَ لكبْر وَخُيَلاء ، ففيْه وَجْهَان :
الوَجْهُ الأولُ: أنّهُ مَكْروهٌ وليْسَ مُحَرّماًُ ، واخْتاره جَمْعٌ منْ الأصْحَاب ، وَمنْ أوْلئك :
الإمَامُ ابنُ قُدامَة المَقْدسي _ يَرْحَمهُ الله _ في كتابيْه "الكافي" (1/142) ، و"المُقْنع" (45).
والإمَامُ أبَوالخَطاب الكلْوَذاني _ يَرْحَمهُ اللهُ _ في "الهدَايَة" (1/32) .
والإمَامُ الدُّجيلي _ يرْحمه اللهُ_ في "الوجيز" (1/656).
وكذا الإمَامُ ابنُ حمْدان في " الرعاية الصُغْرى" وابن المُنجا في " المذهب" . وغيرهم من الأصْحاب .
قال الإمَامُ المَرْداوي _ يَرْحَمهُ اللهُ _ في "الأنْصَاف" (1/472) :
( وهذا ضَعيْفٌ جداً ، إنْ أرَادُوا كَرَاهةَ التنزيْه) .
تنبيه : حمل بعْض الأصْحاب ( الكراهة) هنا على كراهة التحْريم ، ومن أولئك : الإمامُ ابنُ بَهاء البغْدادي _ يرْحمه الله_ كما في كتابه " فتح الملك العزيز" (1/656) ، حيث قال : (والكَرَاهةُ في هذا كراهة تحْريم لمن قصد به الخُيلاء).
تنبيه : وَهم الإمامُ المَرْدَاوي _ يَرْحمُهُ اللهُ _ عنْدَمَا عَزا هذا القولَ لكتاب "المُسْتوعب" للإمَام السَامُري ، إذْ إنّ صَاحبَ "المُسْتوعب" جَزمَ في كتابه المَذْكور: بالحُرْمَة ؛ فقال في (2/436) : ( لا يَحلُّ لأحد أنْ يَجرّ ذيْلهُ بَطراً وَخُيَلاء ) .
والسَهو ظاهرٌ ، وَجلّ منْ لا يَسْهُو .
الوَجْهُ الثاني : أنّهُ مُحرمٌ وكبيْرة ، وهو المُعْتمد ، وعليه جمهورُ الأصْحاب المتأخريين ، ولحرمته قيدان :
الأول : أنْ لا تكون هناك ثمة حاجة . الثاني : أنْ لا يكون ذلك لحرب .
قال ابْنُ أبي عُمَرَ في شرْحِهِ (1/471) : ( فإنْ فَعلَهُ خُيَلاء فهو حَرَامٌ ) .
قال ابنُ مفلح _ يرْحمه الله_ في "الفروع" (2/59) : ( ويحرُمُ في الأصحّ _ وهو ظاهر كلام الإمام أحمد ، بل كبيرة_ إسْبالُ ثيابهِ خُيلاء في غير حربٍ ولا حاجةٍ ).
قال الإمامُ المرْداوي _ يرْحمه الله_ في "الإنْصاف" (1/472) : ( ه>ا عينُ الصوَاب الذي لا يُعْدل عنه . وهو المَ>هب ، وهوظاهر نص الإمام أحمد )
قال الإمامُ ابن النجار الفتوحي _ يرْحمه الله _ في "المنتهى" مع شرحه للإمام البهوتي (1/317) : ( وحرُمَ أنْ يُسْبلها بلاحاجة خُيلاء في غير حرب).
قال الإمامُ مرعي الكرمي في ( غاية المُنْتهى) مع شرحه للإمام الرحيْباني (1/364) : ( وحرُم وهو كبيرةٌ في غيْر حرْب إسْبالُ شيء من ثيابه خيلاء ولو عمامة وسراويل).
تنبيه : لو أسْبل إزَارَهُ لحَاجَةٍ مع خُيَلاء حرُمَ على الأصح .
ولذلك أدلةٌ كثيْرة ، منها :
1- ما أخرجهُ الإمامُ البخاري (5788) ، والإمامُ مُسْلمٌ (2087) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( منْ جَرّ ثوْبَهُ خُيَلاء لمْ يَنْظر اللهُ إليْهِ) .
2- ما رواه أبو سعيد الخدري _ رضي الله عنه_ قال : قال رسول الله _صلى الله عليه سلم_ : ( ما كان أسفل من الكعْبين فهو في النار ، من جر إزاره بطراً لم ينظر الله إليه) . أخرجه أبوداود في سننه (4/59)، وابن ماجه (2/1183).
تنبيه : لابن قدامة المقْدسي _ رحمه الله_ قولان ظاهرهما التعارض ، في ه>ه الصورة ؛ فجزم في "المغني" (2/298) بالحرمة . حيث قال : ( فإنْ فعل >لك على وجه الخيلاء حَرُمَ ) ، وجزم في "الكافي" (1/142) بالكراهة ، حيث قال : ( ويكره إسْبالُ القميص والإزار والسراويل اختيالاً ) . وجزم بالكراهة ايضاً في " المُقْنع" (45) : ( ويكره إسبالُ شيء من ثيابه خيلاء ).
و للإمام المرْداوي _ يرْحمه الله_ كلامٌ ظاهره الميْل إلى أنّ المقْصودَ بالكراهة عند الإمام ابن قدامة : كراهة التحْريْم ، وبهذا جزمَ الإمَامُ ابن بهاء الحنبلي في "فتح الملك العزيز" (1/656) ، حيث قال : ( والكَرَاهةُ في هذا كراهة تحْريم لمن قصد به الخُيلاء).
قلتُ : ليس الأمرُ كدلك ، بل الأرجح أنّ مقْصُودَ الإمامِ ابنِ قُدَامة المقدسي : كراهة التنْزيه ، لعلل ثلاث :
العلة الأولى : أنّ الإمامَ المرْداوي نفْسَه قدّم اعْتمَادَ كتاب " الكافي" على غيْره ، كما في مقدمة كتابه "تصحيْح الفروع"(1/32).
العلة الثانية : أنّ الإمامَ ابن قدامة_ رحمه الله_ أدرك التفريقَ الأصولي بين الأحكام التكليفية ، فهو يُفرق بين الكراهة والتحريم اصطلاحاً ، بدليل تقسيمه الأحكام في مُصنّفاته ، فتجده يقول : ( يحرم كذا وكذا ويكره كذا كذا) فلو أراد بالكراهة التحريمَ لصرّح بذلك .
العلّة الثالثة : إنّ الإمامَ ابن قدامة _رحمه الله_ أدرج هذه المسْألة ضمن مسائل مكروهات كراهة تنْزيه ، وأشْرَكهنّ بحكم اصطلاحي واحد .
أما قول الإمامُ المرداوي في الإنصاف : (وهو الأليق )، فإنْ كان يقْصدُ منْ حيْثُ الادلة الشرْعيّة ، فهو كدلك ، وإنْ كان يَقصدُ بهِ منْ حيْثُ نسْبتُهُ للإمَام ابن قدَامة ، فالأمرُ على ما سبق .
الحَالة الثانية : أنْ يكونَ الإسْبالُ لغيْر خيلاء ولا حاجةٍ ولا حربٍ . ففيه عن الإمام أحمد ثلاث روايات ، ذكرها جمع من الأصحاب ، ومن أولئك : ابن مفلح المقدسي في "الفروع" (2/59) ، وكذا في كتابه " الآداب الشرعية" (4/171) ، والإمامُ المرْداوي في "الإنْصاف" (1/472). وغيرهما.
الرواية الأولى : أنه مكروهٌ ، كرَاهَةُ تنْزيْه ، وَهو المُعْتمدُ عنْدَ جُمْهور الأصْحَاب .
قال الإمامُ ابن مُفْلح المقدسي _ رحمه الله_ في "الفروع" (2/60) : ( ويُكره على الأصح تحت كعْبيه بلاحاجة).
قال الإمامُ المرْداوي _ يرحمه الله _ في الأنْصَاف (1/472) : ( يكْره زيادته إلى تحت كعبيْه بلا حاجة على الصحيْح من الروايتين ) .
قال الإمامُ برهان الدين بن مفلح _ يرْحمه الله _ في " المُبدع " ( 1/332) : (ويكره على الأصح : تحت كعبه بلا حاجة) .
قال الإمامُ مرعي الكرْمي_ يرحمه الله_ في "غاية المُنْتهى" (1/346) ( وكره كون ثيابه فوق نصف ساقه أو تحت كعبه بلا حاجة ) .
فائدة : اختار تقيُ الدين ابن تيمية _ يرْحمه الله_ عدم التحريم ، وسكتَ عنْ الكراهة ، قال ابن مفلح المقدسي في "الآداب الشرعية" (4/171) : (واختار الشيخ تقي الدين _ رحمه الله_ عدم تحريمه ، ولم يتعرض لكراهة ولاعدمها).
الرواية الثانية : التحريم . لظاهر قول الإمَام أحْمَدَ : ( ما أسْفل منْ الكعْبيْن في النّار ، لا يجر شيئاً من ثيابه).
قال الإمامُ ابنْ مفلح المقدسي _ يرْحمه الله_ في كتابه "الآداب الشرعية" ( 4/171) عُقيْب كلام الإمَام أحمد الآنف ذكْرُهُ : (وظاهر هذا التحريم ).
الرواية الثالثة : الإباحة .
قال ابنُ مفلح المقْدِسي _ يرْحمه اللهُ _ في " الآداب الشرعيّة " (4/171) : ( قال الإمَامُ أحْمدُ _ رضي اللهُ عنْهُ _ في رواية حنبل : جرُّ الإزار إذا لمْ يُرَد به الخُيلاء فلا بأس به ) ، قال ابن مفلح بعْدها : ( وظاهر هذا كلامُ غيْر واحد منْ الأصْحاب رحمهم الله ) .
قلتُ : ومنْ أولئك : النّاظم _ يرْحمه الله _ على ما حكاه عنه الإمامُ المرداوي في "الإنْصاف" (1/472) حيث قال : ( وذكر الناظم : منْ لمْ يخف خُيلاء لمْ يُكره . والأوْلى ترْكه ).
تنْبيْه : روايتا التحْريْمِ والإبَاحة ليْسَتا بمُعْتمدتيْن عنْد الأصْحَابِ .
الحالةُ الثالثة : أنْ يكونَ لحاجةٍ _ نحو كونه حَمْشْ الساقين أو حربٍ ، فهذا جائزٌ .
قال شمس الدين ابنُ مفلح _ يرْحمُهُ اللهُ _ في "الفروع" (1/59) : ( ويحْرم في الأصح إسبالُ ثيابه خيلاء غير حرب ولا حاجة ) .
قال الإمامُ المرْداوي _ يرْحمه الله_ في "الإنصاف" (472) : ( يجوز الإسْبالُ منْ غيْر خُيَلاءٍ لحاجة).
قال الإمَامُ ابنُ بهاء البغدادي _ يرْحمُهُ اللهُ_ في "فتح الملك العزيز" (1/657) : ( فأمّا منْ فعل ذلك على غير وجه الخيلاء بل كان منْ علّةٍ أو حاجَة فنصه أنّه لا بأس به . وهو اختيار القاضي أبي يعلى ).
قال الإمَامُ البُهوتي _ يرْحمُهُ اللهُ_ في "شرْحِهِ عَلَى المُنْتَهَى" (1/317) : (
قال الإمامُ مرْعي الكرْمي _ يرْحمه الله_ في " غاية المُنْتهى" (1/348) : ( فإنْ أسْبلَ لحاجةٍ كستر قبيح ولا خيلاء ولا تدْليْس : أبيحَ ).
تنبيه : قيّدَ الأصْحابُ إباحةَ الإسْبال لحاجة : بعدم إرادة التدليْس على النساء في ذلك .
فائدة : قولهم : "حمش الساقين" هو بالحاء المُهْمَلةِ وفَتْحِها ، وسكونِ الميم والشيْن المُعْجمةِ ، ومعناه : دقيق الساقين . قاله ابن قندس في " حَاشيَته على الفروع " (2/59) .
تعليق