**مناقشة بين شيخين من شيوخ الحنابلة حول السماع:
هذه مناقشة جرت بين شيخي المذهب-في الشام- في القرن السادس الهجري حول مسألة السماع الصوفي ، وهما :
العلامة الموفق ابن قدامة المقدسي صاحب المغني والكافي-وهو مشهور فلن أعرف به-
والعلامة ناصح الدين أبو الفرج بن أبي العلاء بن أبي البركات بن أبي الفرج المعروف بابن الحنبلي.
ذهب الأول الى إنكار السماع وذهب الثاني إلى جوازه
أما ابن الحنبلي فهو: عبد الرحمن بن نجم بن عبد الوهاب بن عبد الواحد بن محمد بن علي بن أحمد الأنصاري، الخزرجي السعدي، العبالي، الشيرازي الأصل، الدمشقي الفقيه الواعظ، ناصح الدين أبو الفرج بن أبي العلاء بن أبي البركات بن أبي الفرج المعروف بابن الحنبلي: ولد نيلة الجمعة سابع عشر شوال سنة أربع وخمسين وخمسمائة بدمشق.
ودخل بلاداً كثيرة، واجتمع بفضلائها وصالحيها، وفاوضهم، وأخذ عنهم وقدم مصر مرتين وأقام ببغداد مدة يشتغل على أبي الفتح بن المنى. وقرأ على أبي البقاء العكبري "الفصيح" لثعلب من حفظه، وبعض "التصريف" لابن جني وأخذ عن الكمال السنجاري، والبهجة الضرير، النحويين. واشتغل بالوعظ، وبرع فيه. ووعظ من أوائل عمره، وحصل له القبول التام.
وقد وعظ بكثير من البلاد التي دخلها، كمصر، وحلب، وإربل، والمدينة النبوية، وبيت المقدس. وكان له حرمة عند الملوك والسلاطين، خصوصاً ملوك الشام بني أيوب. وقدم بغداد حاجاً سنة اثنتي عشرة وستمائة. وأكرمه الخليفة الناصر. وأظنه وعظ بها هذه السنة، وحضر فتح بيت المقدس مع السلطان صلاح الدين.
وللناصح رحمه الله تعالى تصانيف عدة، منها: كتاب "أسباب الحديث" في مجلدات عدة، وكتاب "الاستسعاد بمن لقيت من صالحي العباد في البلاد"، وقد وقفت عليه بخطه، ونقلت منه في هذا الكتاب كثيراً، وكتاب "الأنجاد في الجهاد" صنفه بحلب، وقال: لما فرغت من تصنيفه، رأيت في المنام كأني جالس، وإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم قد مَر بي، وبيني وبينه قدر ذراع، فقال: سلام عليكم، فرددت السلام، فلما استيقظت استبشرت، وقلت: أريد السلام عليه عند حجرته، شكراً له، قال: فحججت ذلك العام.
وقال الحافظ الذهبي في تاريخه: للناصح خطب ومقامات، وكتاب "تاريخ الوعاظ" وأشياء في الوعظ، قال: وكان حلو الكلام، جيد الإيراد، شهماً مهيباً، صارماً. وكان رئيس المذهب في زمانه بدمشق.
وقال أبو شامة: كان واعظاً، متواضعاً متفنناً، له تصانيف، وله بنيت المدرسة التي بالجبل للحنابلة، يعني مدرسة الصاحبية.
قال المنذري: قدم- يعني الناصح- مصر مرتين، ووعظ بها وحدث. وحصل له بها قبول، وحدث بدمشق، وبغداد وغيرهما، ووعظ ودرس. وكان فاضلاً، وله مصنفات، وهو من بيت الحديث والفقه، وحدث هو وأبوه وجده، وجد أبيه وجد جده. لقيته بدمشق، وسمعت منه.
الذيل على طبقات الحنابلة لابن رجب2/135
درس الناصح بعدة مدارس، منها مدرسة جده شرف الإِسلام، ودرس بالمسمارية، مع أبي المعالي أسعد بن المنجي، ثم استقل بها وحده، وعزل ابن المنجي ثم في سنة خمس وعشرين استقر بنو المنجي بالتدريس بها بحكم أن نظرها لهم، ثم بنت له الصاحبة ربيعة خاتون مدرسة بالجبل وهي المعروفة بالصاحبية. فدرس بها سنة ثمان وعشرين.
وكان يوماً مشهوداً. وحضرت الواقفة من وراء ستر.
وانتهت إليه رئاسة المذهب بعد الشيخ موفق الدين. وكان يساميه في حياته.
**قال ناصح الدين: وكنت قدمت من أربل سنة وفاة الشيخ الموفق، فقال لي: قد سررت بقدومك، مخافة أن أموت وأنت غائب، فيقع وهن في المذهب، وخُلْفٌ بين أصحابنا.
وقد وقع مرات بين الناصح والشيخ الموفق اختلاف في فتوى في السماع المحدَث، أجاب فيها الشيخ الموفق بإنكاره. فكتب الناصح بعده ما مضمونه
"الغناء كالشعر، فيه مذموم وممدوح، فما قصد به ترويح النفوس، وتفريج الهموم، وتفريغ القلوب لسماع موعظة، وتحريك لتذكرة: فلا بأس به. وهو حسن"،
وذكر أحاديث في تغني جُوَيْرِيات الأنصار، وفي الغناء في الأعراس، وأحاديث في الحُداء "
وأما الشبابة: فقد سمعها جماعة ممن لا بحسن القدح فيهما من مشايخ الصرفية وأهل العلم، وامتنع من حضورها الأكثر.
وأما كونها أشد تحريماً وأعظم إنما من سائر الملاهي: فهذا قول لا يوافق عليه. وكيف يجعل المختلف فيه كالمتفق عليه. وكون النبي صلى الله عليه وسلم سدّ أذنيه منها: مشترك الدلالة، لأنه لم ينهِ ابن عمر رضي الله عنهما عن سماعها" وأعجب من استدلال الفقيه الموفق لذلك. قوله: "ولا يجب عليه سد أذنيه لغيرها من الملاهي" فيشعر ذلك بجواز سماع الملاهي. ثم قد بالغ في تحريم ذلك، وضم فاعله إلى حكم الكفر بالله تعالى، وأوهم بما ذكر من الآيات: أن هذا السماع يُخرج عن الإسلام، وهذا من الغلو، فكان غلوه في الجواب أشد خطراً من غلو المذكورين في السؤال،
وأما اجتماع الرجال والنساء في مجلس: فلم يذكر في السؤال. وهو محرم إذا كان في غير معروف، فإن كان في صلاة جمعة أو جماعة، أو سماع موعظة، أو التقاء في مجلس حكم: فذلك غير منكر، وهو العادة الجارية في المواسم عند هذا الفقيه المفتي وجماعته، ومجالس التذكير في سائر بلاد الإسلام".
هذه مناقشة جرت بين شيخي المذهب-في الشام- في القرن السادس الهجري حول مسألة السماع الصوفي ، وهما :
العلامة الموفق ابن قدامة المقدسي صاحب المغني والكافي-وهو مشهور فلن أعرف به-
والعلامة ناصح الدين أبو الفرج بن أبي العلاء بن أبي البركات بن أبي الفرج المعروف بابن الحنبلي.
ذهب الأول الى إنكار السماع وذهب الثاني إلى جوازه
أما ابن الحنبلي فهو: عبد الرحمن بن نجم بن عبد الوهاب بن عبد الواحد بن محمد بن علي بن أحمد الأنصاري، الخزرجي السعدي، العبالي، الشيرازي الأصل، الدمشقي الفقيه الواعظ، ناصح الدين أبو الفرج بن أبي العلاء بن أبي البركات بن أبي الفرج المعروف بابن الحنبلي: ولد نيلة الجمعة سابع عشر شوال سنة أربع وخمسين وخمسمائة بدمشق.
ودخل بلاداً كثيرة، واجتمع بفضلائها وصالحيها، وفاوضهم، وأخذ عنهم وقدم مصر مرتين وأقام ببغداد مدة يشتغل على أبي الفتح بن المنى. وقرأ على أبي البقاء العكبري "الفصيح" لثعلب من حفظه، وبعض "التصريف" لابن جني وأخذ عن الكمال السنجاري، والبهجة الضرير، النحويين. واشتغل بالوعظ، وبرع فيه. ووعظ من أوائل عمره، وحصل له القبول التام.
وقد وعظ بكثير من البلاد التي دخلها، كمصر، وحلب، وإربل، والمدينة النبوية، وبيت المقدس. وكان له حرمة عند الملوك والسلاطين، خصوصاً ملوك الشام بني أيوب. وقدم بغداد حاجاً سنة اثنتي عشرة وستمائة. وأكرمه الخليفة الناصر. وأظنه وعظ بها هذه السنة، وحضر فتح بيت المقدس مع السلطان صلاح الدين.
وللناصح رحمه الله تعالى تصانيف عدة، منها: كتاب "أسباب الحديث" في مجلدات عدة، وكتاب "الاستسعاد بمن لقيت من صالحي العباد في البلاد"، وقد وقفت عليه بخطه، ونقلت منه في هذا الكتاب كثيراً، وكتاب "الأنجاد في الجهاد" صنفه بحلب، وقال: لما فرغت من تصنيفه، رأيت في المنام كأني جالس، وإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم قد مَر بي، وبيني وبينه قدر ذراع، فقال: سلام عليكم، فرددت السلام، فلما استيقظت استبشرت، وقلت: أريد السلام عليه عند حجرته، شكراً له، قال: فحججت ذلك العام.
وقال الحافظ الذهبي في تاريخه: للناصح خطب ومقامات، وكتاب "تاريخ الوعاظ" وأشياء في الوعظ، قال: وكان حلو الكلام، جيد الإيراد، شهماً مهيباً، صارماً. وكان رئيس المذهب في زمانه بدمشق.
وقال أبو شامة: كان واعظاً، متواضعاً متفنناً، له تصانيف، وله بنيت المدرسة التي بالجبل للحنابلة، يعني مدرسة الصاحبية.
قال المنذري: قدم- يعني الناصح- مصر مرتين، ووعظ بها وحدث. وحصل له بها قبول، وحدث بدمشق، وبغداد وغيرهما، ووعظ ودرس. وكان فاضلاً، وله مصنفات، وهو من بيت الحديث والفقه، وحدث هو وأبوه وجده، وجد أبيه وجد جده. لقيته بدمشق، وسمعت منه.
الذيل على طبقات الحنابلة لابن رجب2/135
درس الناصح بعدة مدارس، منها مدرسة جده شرف الإِسلام، ودرس بالمسمارية، مع أبي المعالي أسعد بن المنجي، ثم استقل بها وحده، وعزل ابن المنجي ثم في سنة خمس وعشرين استقر بنو المنجي بالتدريس بها بحكم أن نظرها لهم، ثم بنت له الصاحبة ربيعة خاتون مدرسة بالجبل وهي المعروفة بالصاحبية. فدرس بها سنة ثمان وعشرين.
وكان يوماً مشهوداً. وحضرت الواقفة من وراء ستر.
وانتهت إليه رئاسة المذهب بعد الشيخ موفق الدين. وكان يساميه في حياته.
**قال ناصح الدين: وكنت قدمت من أربل سنة وفاة الشيخ الموفق، فقال لي: قد سررت بقدومك، مخافة أن أموت وأنت غائب، فيقع وهن في المذهب، وخُلْفٌ بين أصحابنا.
وقد وقع مرات بين الناصح والشيخ الموفق اختلاف في فتوى في السماع المحدَث، أجاب فيها الشيخ الموفق بإنكاره. فكتب الناصح بعده ما مضمونه
"الغناء كالشعر، فيه مذموم وممدوح، فما قصد به ترويح النفوس، وتفريج الهموم، وتفريغ القلوب لسماع موعظة، وتحريك لتذكرة: فلا بأس به. وهو حسن"،
وذكر أحاديث في تغني جُوَيْرِيات الأنصار، وفي الغناء في الأعراس، وأحاديث في الحُداء "
وأما الشبابة: فقد سمعها جماعة ممن لا بحسن القدح فيهما من مشايخ الصرفية وأهل العلم، وامتنع من حضورها الأكثر.
وأما كونها أشد تحريماً وأعظم إنما من سائر الملاهي: فهذا قول لا يوافق عليه. وكيف يجعل المختلف فيه كالمتفق عليه. وكون النبي صلى الله عليه وسلم سدّ أذنيه منها: مشترك الدلالة، لأنه لم ينهِ ابن عمر رضي الله عنهما عن سماعها" وأعجب من استدلال الفقيه الموفق لذلك. قوله: "ولا يجب عليه سد أذنيه لغيرها من الملاهي" فيشعر ذلك بجواز سماع الملاهي. ثم قد بالغ في تحريم ذلك، وضم فاعله إلى حكم الكفر بالله تعالى، وأوهم بما ذكر من الآيات: أن هذا السماع يُخرج عن الإسلام، وهذا من الغلو، فكان غلوه في الجواب أشد خطراً من غلو المذكورين في السؤال،
وأما اجتماع الرجال والنساء في مجلس: فلم يذكر في السؤال. وهو محرم إذا كان في غير معروف، فإن كان في صلاة جمعة أو جماعة، أو سماع موعظة، أو التقاء في مجلس حكم: فذلك غير منكر، وهو العادة الجارية في المواسم عند هذا الفقيه المفتي وجماعته، ومجالس التذكير في سائر بلاد الإسلام".
تعليق