*ابن بطة الحنبلي يحذر من الطعن في فقهاء الاسلام ويبين ما أجمع عليه أهل السنة*
مع أن ابن بطة يغالي في الإثبات ويستدل بالواهي والضعيف في الاعتقاد إلا أنه يبين في كتاب الابانة ما أجمع عليه أهل السنة في الإعتقاد ويرى أن أهل السنة فرقة واحدة مع أنهم مختلفون في الفروع وأنهم الفرقة الناجية. ويحذر كذلك ممن يطعن في فقهاء الإسلام بعلة أنهم اختلفوا ويرى أن ذلك يستهدف الدين ككل. قال في الإبانة:
((باب التحذير من استماع كلام قوم يريدون نقض الإسلام ، ومحو شرائعه فيكنون عن ذلك بالطعن على فقهاء المسلمين ، وعيبهم بالاختلاف فإن قال قائل : قد ذكرت نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الفرقة ، وتحذيره أمته ذلك ، وحضه إياهم على الجماعة والتمسك بالسنة ، وقلت : إن ذلك هو أصل المسلمين ، ودعامة الدين ، وأن الفرقة الناجية هي واحدة ، والفرق المذمومة نيف وسبعون فرقة ، ونحن نرى أن هذه الفرقة الناجية أيضا فيها اختلاف كثير ، وتباين في المذاهب ، ونرى فقهاء المسلمين مختلفين ، فلكل واحد منهم قول يقوله ، ومذهب يذهب إليه وينصره ، ويعيب من خالفه عليه ، فمالك بن أنس رحمه الله إمام ، وله أصحاب يقولون بقوله ، ويعيبون من خالفهم ، وكذلك الشافعي رحمه الله ، وكذلك سفيان الثوري رحمه الله ، وطائفة من فقهاء العراق ، وكذلك أحمد بن حنبل رحمه الله كل واحد من هؤلاء له مذهب يخالف فيه غيره . ونرى قوما من المعتزلة والرافضة ، وأهل الأهواء يعيبوننا بهذا الاختلاف ، ويقولون لنا : الحق واحد ، فكيف يكون في وجهين مختلفين ، فإني أقول له في جواب هذا السؤال : أما ما تحكيه عن أهل البدع مما يعيبون به أهل التوحيد ، والإثبات من الاختلاف ، فإني قد تدبرت كلامهم في هذا المعنى ، فإذا هم ليس الاختلاف يعيبون ، ولا له يقصدون ، وإنما هم قوم علموا أن أهل الملة وأهل الذمة والملوك والسوقة والخاصة والعامة وأهل الدنيا كافة إلى الفقهاء يرجعون ، ولأمرهم يطيعون ، وبحكمهم يقضون في كل ما أشكل عليهم ، وفي كل ما يتنازعون فيه ، فعلى فقهاء المسلمين يعولون في رجوع الناس إلى فقهائهم ، وطاعتهم لعلمائهم ثبات للدين ، وإضاءة للسبيل ، وظهور لسنة الرسول ، وكل ذلك ، ففيه غيظ لأهل الأهواء ، واضمحلال للبدع ، فهم يوهون أمر الفقهاء ، ويضعفون أصولهم ، ويطعنون عليهم بالاختلاف لتخرج الرعية عن طاعتهم ، والانقياد لأحكامهم ، فيفسد الدين ، وتترك الصلوات والجماعات ، وتبطل الزكوات والصدقات والحج والجهاد ، ويستحل الربا والزنا والخمور والفجور ، وما قد ظهر مما لا خفاء به على العقلاء . فأما أهل البدع يا أخي رحمك الله فإنهم يقولون على الله ما لا يعلمون ، ويعيبون ما يأتون ، ويجحدون ما يعلمون ، ويبصرون القذى في عيون غيرهم ، وعيونهم تطرف على الأجذال ، ويتهمون أهل العدالة والأمانة في النقل ، ولا يتهمون آراءهم وأهواءهم على الظن ، وهم أكثر الناس اختلافا ، وأشدهم تنافيا وتباينا ، لا يتفق اثنان من رؤسائهم على قول ، ولا يجتمع رجلان من أئمتهم على مذهب . فأبو الهذيل يخالف النظام ، وحسين النجار يخالفهما ، وهشام الفوطي يخالفهم ، وثمامة بن أشرس يخالف الكل ، وهاشم الأوقص وصالح بن قبة يخالفانهم ، وكل واحد منهم قد انتحل لنفسه دينا ينصره ، وربا يعبده ، وله على ذلك أصحاب يتبعونه ، وكل واحد منهم يكفر من خالفه ، ويلعن من لا يتبعه ، وهم في اختلافهم وتباينهم كاختلاف اليهود والنصارى ، كما قال الله تعالى : ( وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء (1) ) . فاختلافهم كاختلاف اليهود والنصارى ، لأن اختلافهم في التوحيد ، وفي صفات الله ، وفي الكيفية ، وفي قدرة الله ، وفي عظمته ، وفي نعيم الجنة ، وفي عذاب النار ، وفي البرزخ ، وفي اللوح المحفوظ ، وفي الرق المنشور ، وفي علم الله ، وفي القرآن ، وفي غير ذلك من الأمور التي لا يعلمها نبي مرسل ، إلا بوحي من الله ، وليس يعدم من رد العلم في هذه الأشياء إلى رأيه ، وهواه ، وقياسه ، ونظره ، واختياره من الاختلاف العظيم ، والتباين الشديد . وأما الرافضة فأشد الناس اختلافا وتباينا وتطاعنا ، فكل واحد منهم يختار مذهبا لنفسه يلعن من خالفه عليه ، ويكفر من لم يتبعه ، وكلهم يقول : إنه لا صلاة ، ولا صيام ، ولا جهاد ، ولا جمعة ، ولا عيدين ، ولا نكاح ، ولا طلاق ، ولا بيع ، ولا شراء إلا بإمام ، وإنه من لا إمام له فلا دين له ، ومن لم يعرف إمامه فلا دين له ، ثم يختلفون في الأئمة ، فالإمامية لها إمام تسوده وتلعن من قال : إن الإمام غيره ، وتكفره ، وكذلك الزيدية لها إمام غير إمام الإمامية ، وكذلك الإسماعيلية ، وكذلك الكيسانية والبترية ، وكل طائفة تنتحل مذهبا وإماما ، وتلعن من خالفها عليه ، وتكفره ، ولولا ما نؤثره من صيانة العلم الذي أعلى الله أمره ، وشرف قدره ، ونزهه أن يخلط به نجاسات أهل الزيغ وقبيح أقوالهم ومذاهبهم التي تقشعر الجلود من ذكرها ، وتجزع النفوس من استماعها ، وينزه العقلاء ألفاظهم وأسماعهم عن لفظها لذكرت من ذلك ما فيه عبرة للمعتبرين ، ولكنه . قد روي عن طلحة بن مصرف ، رحمه الله قال : لولا أني على طهارة لأخبرتكم بما تقوله الروافض وقال ابن المبارك رحمه الله : إنا لنستطيع أن نحكي كلام اليهود والنصارى ، ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية ، ولولا أنك قلت إن أهل الزيغ يطعنون على أئمتنا ، وعلمائنا باختلافهم ، فأحببت أن أعلمك أن الذي أنكروه هم ابتدعوه ، وأن الذي عابوه هم استحسنوه ، ولولا اختلافهم في أصولهم وعقودهم وإيمانهم ودياناتهم لما دنسنا ألفاظنا بذكر حالهم . فأما الاختلاف فهو ينقسم على وجهين : أحدهما اختلاف الإقرار به إيمان ورحمة وصواب ، وهو الاختلاف المحمود الذي نطق به الكتاب ، ومضت به السنة ، ورضيت به الأمة ، وذلك في الفروع والأحكام التي أصولها ترجع إلى الإجماع ، والائتلاف . واختلاف هو كفر وفرقة وسخطة وعذاب يئول بأهله إلى الشتات والتضاغن والتباين والعداوة واستحلال الدم والمال ، وهو اختلاف أهل الزيغ في الأصول والاعتقاد والديانة . فأما اختلاف أهل الزيغ ، فقد بينت لك كيف هو ، وفيما اختلفوا فيه . وأما اختلاف أهل الشريعة الذي يئول بأهله إلى الإجماع والألفة والتواصل والتراحم ، فإن أهل الإثبات من أهل السنة يجمعون على الإقرار بالتوحيد وبالرسالة بأن الإيمان قول وعمل ونية ، وبأن القرآن كلام الله غير مخلوق ، ومجمعون على أن
كان ، وما لم يشأ لا يكون ، وعلى أن الله خالق الخير والشر ومقدرهما ، وعلى أن الله يرى يوم القيامة ، وعلى أن الجنة والنار مخلوقتان باقيتان ببقاء الله ، وأن الله على عرشه بائن من خلقه ، وعلمه محيط بالأشياء ، وأن الله قديم لا بداية له ولا نهاية ولا غاية ، بصفاته التامة لم يزل عالما ، ناطقا ، سميعا ، بصيرا ، حيا ، حليما ، قد علم ما يكون قبل أن يكون ، وأنه قدر المقادير قبل خلق الأشياء ، ومجمعون على إمامة أبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي عليهم السلام ، وعلى تقديم الشيخين وعلى أن العشرة في الجنة جزما وحتما لا شك فيه ، ومجمعون على الترحم على جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والاستغفار لهم ، ولأزواجه ، وأولاده ، وأهل بيته ، والكف عن ذكرهم إلا بخير ، والإمساك وترك النظر فيما شجر بينهم ، فهذا وأشباهه مما يطول شرحه لم يزل الناس مذ بعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم إلى وقتنا هذا مجمعون عليه في شرق الأرض وغربها وبرها وبحرها وسهلها وجبلها يرويه العلماء رواة الآثار ، وأصحاب الأخبار ، ويعرفه الأدباء والعقلاء ، ويجمع على الإقرار به الرجال والنسوان والشيب والشبان والأحداث ، والصبيان في الحاضرة والبادية ، والعرب ، والعجم ، لا يخالف ذلك ولا ينكره ، ولا يشذ عن الإجماع مع الناس فيه إلا رجل خبيث زائغ مبتدع محقور مهجور مدحور ، يهجره العلماء ، ويقطعه العقلاء ، إن مرض لم يعودوه ، وإن مات لم يشهدوه . ثم أهل الجماعة مجمعون بعد ذلك على أن الصلاة خمس ، وعلى أن الطهارة والغسل من الجنابة فرض ، وعلى الصيام والزكاة والحج والجهاد ، وعلى تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير والربا والزنا وقتل النفس المؤمنة بغير حق ، وتحريم شهادة الزور ، وأكل مال اليتيم ، وما يطول الكتاب بشرحه . ثم اختلفوا بعد إجماعهم على أصل الدين ، واتفاقهم على شريعة المسلمين اختلافا لم يصر بهم إلى فرقة ، ولا شتات ، ولا معاداة ، ولا تقاطع ، وتباغض ، فاختلفوا في فروع الأحكام والنوافل التابعة للفرائض ، فكان لهم وللمسلمين فيه مندوحة ، ونفس ، وفسحة ، ورحمة ، ولم يعب بعضهم على بعض ذلك ، ولا أكفره ، ولا سبه ، ولا لعنه ، ولقد اختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأحكام اختلافا ظاهرا علمه بعضهم من بعض ، وهم القدوة والأئمة والحجة . فكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يقول : إن الجد يرث ما يرثه الأب ، ويحجب من يحجبه الأب ، فخالفه على ذلك زيد بن ثابت ، وخالفهما علي بن أبي طالب ، وخالفهم ابن مسعود ، وخالف ابن عباس جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسائل من الفرائض ، وكذلك اختلفوا في أبواب من العدة والطلاق ، وفي الرهون ، والديون ، والوديعة ، والعارية ، وفي المسائل التي المصيب فيها محمود مأجور ، والمجتهد فيها برأيه المعتمد للحق إذا أخطأ فمأجور أيضا غير مذموم ، لأن خطأه لا يخرجه من الملة ، ولا يوجب له النار ، وبذلك جاءت السنة عن المصطفى صلى الله عليه وسلم.اهـــ من الابانة
وعلى ذلك نرى أن أهل السنة فرقة واحدة وهي الفرقة الناجية.
وأن الفرقة الناجية قد يقع ببينها الإختلاف.
مع أن ابن بطة يغالي في الإثبات ويستدل بالواهي والضعيف في الاعتقاد إلا أنه يبين في كتاب الابانة ما أجمع عليه أهل السنة في الإعتقاد ويرى أن أهل السنة فرقة واحدة مع أنهم مختلفون في الفروع وأنهم الفرقة الناجية. ويحذر كذلك ممن يطعن في فقهاء الإسلام بعلة أنهم اختلفوا ويرى أن ذلك يستهدف الدين ككل. قال في الإبانة:
((باب التحذير من استماع كلام قوم يريدون نقض الإسلام ، ومحو شرائعه فيكنون عن ذلك بالطعن على فقهاء المسلمين ، وعيبهم بالاختلاف فإن قال قائل : قد ذكرت نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الفرقة ، وتحذيره أمته ذلك ، وحضه إياهم على الجماعة والتمسك بالسنة ، وقلت : إن ذلك هو أصل المسلمين ، ودعامة الدين ، وأن الفرقة الناجية هي واحدة ، والفرق المذمومة نيف وسبعون فرقة ، ونحن نرى أن هذه الفرقة الناجية أيضا فيها اختلاف كثير ، وتباين في المذاهب ، ونرى فقهاء المسلمين مختلفين ، فلكل واحد منهم قول يقوله ، ومذهب يذهب إليه وينصره ، ويعيب من خالفه عليه ، فمالك بن أنس رحمه الله إمام ، وله أصحاب يقولون بقوله ، ويعيبون من خالفهم ، وكذلك الشافعي رحمه الله ، وكذلك سفيان الثوري رحمه الله ، وطائفة من فقهاء العراق ، وكذلك أحمد بن حنبل رحمه الله كل واحد من هؤلاء له مذهب يخالف فيه غيره . ونرى قوما من المعتزلة والرافضة ، وأهل الأهواء يعيبوننا بهذا الاختلاف ، ويقولون لنا : الحق واحد ، فكيف يكون في وجهين مختلفين ، فإني أقول له في جواب هذا السؤال : أما ما تحكيه عن أهل البدع مما يعيبون به أهل التوحيد ، والإثبات من الاختلاف ، فإني قد تدبرت كلامهم في هذا المعنى ، فإذا هم ليس الاختلاف يعيبون ، ولا له يقصدون ، وإنما هم قوم علموا أن أهل الملة وأهل الذمة والملوك والسوقة والخاصة والعامة وأهل الدنيا كافة إلى الفقهاء يرجعون ، ولأمرهم يطيعون ، وبحكمهم يقضون في كل ما أشكل عليهم ، وفي كل ما يتنازعون فيه ، فعلى فقهاء المسلمين يعولون في رجوع الناس إلى فقهائهم ، وطاعتهم لعلمائهم ثبات للدين ، وإضاءة للسبيل ، وظهور لسنة الرسول ، وكل ذلك ، ففيه غيظ لأهل الأهواء ، واضمحلال للبدع ، فهم يوهون أمر الفقهاء ، ويضعفون أصولهم ، ويطعنون عليهم بالاختلاف لتخرج الرعية عن طاعتهم ، والانقياد لأحكامهم ، فيفسد الدين ، وتترك الصلوات والجماعات ، وتبطل الزكوات والصدقات والحج والجهاد ، ويستحل الربا والزنا والخمور والفجور ، وما قد ظهر مما لا خفاء به على العقلاء . فأما أهل البدع يا أخي رحمك الله فإنهم يقولون على الله ما لا يعلمون ، ويعيبون ما يأتون ، ويجحدون ما يعلمون ، ويبصرون القذى في عيون غيرهم ، وعيونهم تطرف على الأجذال ، ويتهمون أهل العدالة والأمانة في النقل ، ولا يتهمون آراءهم وأهواءهم على الظن ، وهم أكثر الناس اختلافا ، وأشدهم تنافيا وتباينا ، لا يتفق اثنان من رؤسائهم على قول ، ولا يجتمع رجلان من أئمتهم على مذهب . فأبو الهذيل يخالف النظام ، وحسين النجار يخالفهما ، وهشام الفوطي يخالفهم ، وثمامة بن أشرس يخالف الكل ، وهاشم الأوقص وصالح بن قبة يخالفانهم ، وكل واحد منهم قد انتحل لنفسه دينا ينصره ، وربا يعبده ، وله على ذلك أصحاب يتبعونه ، وكل واحد منهم يكفر من خالفه ، ويلعن من لا يتبعه ، وهم في اختلافهم وتباينهم كاختلاف اليهود والنصارى ، كما قال الله تعالى : ( وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء (1) ) . فاختلافهم كاختلاف اليهود والنصارى ، لأن اختلافهم في التوحيد ، وفي صفات الله ، وفي الكيفية ، وفي قدرة الله ، وفي عظمته ، وفي نعيم الجنة ، وفي عذاب النار ، وفي البرزخ ، وفي اللوح المحفوظ ، وفي الرق المنشور ، وفي علم الله ، وفي القرآن ، وفي غير ذلك من الأمور التي لا يعلمها نبي مرسل ، إلا بوحي من الله ، وليس يعدم من رد العلم في هذه الأشياء إلى رأيه ، وهواه ، وقياسه ، ونظره ، واختياره من الاختلاف العظيم ، والتباين الشديد . وأما الرافضة فأشد الناس اختلافا وتباينا وتطاعنا ، فكل واحد منهم يختار مذهبا لنفسه يلعن من خالفه عليه ، ويكفر من لم يتبعه ، وكلهم يقول : إنه لا صلاة ، ولا صيام ، ولا جهاد ، ولا جمعة ، ولا عيدين ، ولا نكاح ، ولا طلاق ، ولا بيع ، ولا شراء إلا بإمام ، وإنه من لا إمام له فلا دين له ، ومن لم يعرف إمامه فلا دين له ، ثم يختلفون في الأئمة ، فالإمامية لها إمام تسوده وتلعن من قال : إن الإمام غيره ، وتكفره ، وكذلك الزيدية لها إمام غير إمام الإمامية ، وكذلك الإسماعيلية ، وكذلك الكيسانية والبترية ، وكل طائفة تنتحل مذهبا وإماما ، وتلعن من خالفها عليه ، وتكفره ، ولولا ما نؤثره من صيانة العلم الذي أعلى الله أمره ، وشرف قدره ، ونزهه أن يخلط به نجاسات أهل الزيغ وقبيح أقوالهم ومذاهبهم التي تقشعر الجلود من ذكرها ، وتجزع النفوس من استماعها ، وينزه العقلاء ألفاظهم وأسماعهم عن لفظها لذكرت من ذلك ما فيه عبرة للمعتبرين ، ولكنه . قد روي عن طلحة بن مصرف ، رحمه الله قال : لولا أني على طهارة لأخبرتكم بما تقوله الروافض وقال ابن المبارك رحمه الله : إنا لنستطيع أن نحكي كلام اليهود والنصارى ، ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية ، ولولا أنك قلت إن أهل الزيغ يطعنون على أئمتنا ، وعلمائنا باختلافهم ، فأحببت أن أعلمك أن الذي أنكروه هم ابتدعوه ، وأن الذي عابوه هم استحسنوه ، ولولا اختلافهم في أصولهم وعقودهم وإيمانهم ودياناتهم لما دنسنا ألفاظنا بذكر حالهم . فأما الاختلاف فهو ينقسم على وجهين : أحدهما اختلاف الإقرار به إيمان ورحمة وصواب ، وهو الاختلاف المحمود الذي نطق به الكتاب ، ومضت به السنة ، ورضيت به الأمة ، وذلك في الفروع والأحكام التي أصولها ترجع إلى الإجماع ، والائتلاف . واختلاف هو كفر وفرقة وسخطة وعذاب يئول بأهله إلى الشتات والتضاغن والتباين والعداوة واستحلال الدم والمال ، وهو اختلاف أهل الزيغ في الأصول والاعتقاد والديانة . فأما اختلاف أهل الزيغ ، فقد بينت لك كيف هو ، وفيما اختلفوا فيه . وأما اختلاف أهل الشريعة الذي يئول بأهله إلى الإجماع والألفة والتواصل والتراحم ، فإن أهل الإثبات من أهل السنة يجمعون على الإقرار بالتوحيد وبالرسالة بأن الإيمان قول وعمل ونية ، وبأن القرآن كلام الله غير مخلوق ، ومجمعون على أن
كان ، وما لم يشأ لا يكون ، وعلى أن الله خالق الخير والشر ومقدرهما ، وعلى أن الله يرى يوم القيامة ، وعلى أن الجنة والنار مخلوقتان باقيتان ببقاء الله ، وأن الله على عرشه بائن من خلقه ، وعلمه محيط بالأشياء ، وأن الله قديم لا بداية له ولا نهاية ولا غاية ، بصفاته التامة لم يزل عالما ، ناطقا ، سميعا ، بصيرا ، حيا ، حليما ، قد علم ما يكون قبل أن يكون ، وأنه قدر المقادير قبل خلق الأشياء ، ومجمعون على إمامة أبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي عليهم السلام ، وعلى تقديم الشيخين وعلى أن العشرة في الجنة جزما وحتما لا شك فيه ، ومجمعون على الترحم على جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والاستغفار لهم ، ولأزواجه ، وأولاده ، وأهل بيته ، والكف عن ذكرهم إلا بخير ، والإمساك وترك النظر فيما شجر بينهم ، فهذا وأشباهه مما يطول شرحه لم يزل الناس مذ بعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم إلى وقتنا هذا مجمعون عليه في شرق الأرض وغربها وبرها وبحرها وسهلها وجبلها يرويه العلماء رواة الآثار ، وأصحاب الأخبار ، ويعرفه الأدباء والعقلاء ، ويجمع على الإقرار به الرجال والنسوان والشيب والشبان والأحداث ، والصبيان في الحاضرة والبادية ، والعرب ، والعجم ، لا يخالف ذلك ولا ينكره ، ولا يشذ عن الإجماع مع الناس فيه إلا رجل خبيث زائغ مبتدع محقور مهجور مدحور ، يهجره العلماء ، ويقطعه العقلاء ، إن مرض لم يعودوه ، وإن مات لم يشهدوه . ثم أهل الجماعة مجمعون بعد ذلك على أن الصلاة خمس ، وعلى أن الطهارة والغسل من الجنابة فرض ، وعلى الصيام والزكاة والحج والجهاد ، وعلى تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير والربا والزنا وقتل النفس المؤمنة بغير حق ، وتحريم شهادة الزور ، وأكل مال اليتيم ، وما يطول الكتاب بشرحه . ثم اختلفوا بعد إجماعهم على أصل الدين ، واتفاقهم على شريعة المسلمين اختلافا لم يصر بهم إلى فرقة ، ولا شتات ، ولا معاداة ، ولا تقاطع ، وتباغض ، فاختلفوا في فروع الأحكام والنوافل التابعة للفرائض ، فكان لهم وللمسلمين فيه مندوحة ، ونفس ، وفسحة ، ورحمة ، ولم يعب بعضهم على بعض ذلك ، ولا أكفره ، ولا سبه ، ولا لعنه ، ولقد اختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأحكام اختلافا ظاهرا علمه بعضهم من بعض ، وهم القدوة والأئمة والحجة . فكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يقول : إن الجد يرث ما يرثه الأب ، ويحجب من يحجبه الأب ، فخالفه على ذلك زيد بن ثابت ، وخالفهما علي بن أبي طالب ، وخالفهم ابن مسعود ، وخالف ابن عباس جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسائل من الفرائض ، وكذلك اختلفوا في أبواب من العدة والطلاق ، وفي الرهون ، والديون ، والوديعة ، والعارية ، وفي المسائل التي المصيب فيها محمود مأجور ، والمجتهد فيها برأيه المعتمد للحق إذا أخطأ فمأجور أيضا غير مذموم ، لأن خطأه لا يخرجه من الملة ، ولا يوجب له النار ، وبذلك جاءت السنة عن المصطفى صلى الله عليه وسلم.اهـــ من الابانةوعلى ذلك نرى أن أهل السنة فرقة واحدة وهي الفرقة الناجية.
وأن الفرقة الناجية قد يقع ببينها الإختلاف.
تعليق